الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> لاهوتيّة

تطور العلاقات الكنسيّة بين الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس في البطريركيّة الأنطاكيّة

  بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك


انقر هنا للتكبير
أولاً: قبل الانقسام
        كانت الكنيسة الأولى الجامعة الرسولية كنيسة واحدة تسمّى كاثوليكية في الوثائق الرسمية وتسمى أيضاً أرثوذكسية لتمييزها عن الجماعات التي خرجت عن الاعتقاد الرسمي. ورغم التنوع المشروع الذي كان قائماً بين الغرب وسائر البطريركيات الشرقية فكانت الشركة قائمة والاتصالات متواترة بين شقيّ العالم المسيحي. ولم يكن تسمية كاثوليكي أو أرثوذكسي تأخذ منحى مذهبيّاً وكانت تطلق على الشرقيّين والغربيّين على السواء.
ولمّا أخذ التباعد يتزايد بين الغرب الكنسي وكنيسة الدولة البيزنطية خلال القرون الوسطى لأسباب ثقافية وسياسية كانت البطريركيات الملكيّة الإسكندريّة وأنطاكيّة وأورشليم تحت الحكم العربي ولم يكن لها دور مباشر في الخصومة القائمة التي أدت إلى القطيعة بين الكنيسة الرومانيّة والكنيسة البيزنطيّة.
لمّا اعتلى البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث السدّة الأنطاكيّة بعث برسالة الشركة إلى البابا لاون التاسع رغم القطيعة التي قامت بين روما والقسطنطينية: "ليلاً ونهاراً كنت أتساءل عن سبب القطيعة الكنسية وكيف يمكن أن يكون الخليفة العظيم لبطرس العظيم معزولاً ومفصولاً عن جسم الكنائس الإلهي وأن لا يُسمع صوته في مجالس أحبارها وأن لا يقوم بدوره في الاهتمامات الكنسية وأن يأخذ منها هو أيضاً توجيهاً أخويّاً ورسوليّاً ". وعندما عاتبه كارولاريوس بطريرك القسطنطينية لكونه راسل روما وحدّثه عن مشاكله مع الكاردينال هومبرتو هدأ روع زميله الغضوب وطلب منه أن يكون أكثر تساهلاً. إنّ اللاتين حافظوا على جوهر الإيمان ولا يرى بطرس الثالث أسباباً عقائدية لقطع الشركة مع كرسي رومة ويعترف بأوليّة أسقف رومة وفق النظام السائد في القرون الأولى.
لمّا دخل الفرنج أنطا كية عام 1098 كان يوحنّا الخامس الأوكسي متربّعاً على السدّة البطريركيّة فاعترفوا به بطريركاً عليهم وهذا دليل واضح على وحدة الإيمان بين اللاتين والملكيين. ثم لجأ إلى القسطنطينيّة لأسباب سياسيّة. فنصّب الفرنج واحداً منهم على كرسي أنطا كية. ولكن عندما سمحت المعاهدات بين أمراء أنطا كية والبيزنطيّين بذلك كان البطاركة الملكيّون يعودون إلى أنطاكية فينسحب البطريرك اللاتيني.  ويشهد البطريرك يوحنا الخامس أنّ اللاتين والروم كانوا يحتفلون في الكنائس نفسها في أنطا كية وفي رسالة موجّهة إلى سينودس القسطنطينية يحذّر قائلاً: " قبل أن نلوم الإيطاليين على عدم احترام القوانين الكنسية الأفضل أن نعود إلى ذواتنا ونصلح تجاوزاتنا ". عندما لم ينتخب البطاركة الأنطاكيون من بين أكليروس القسطنطينية وعندما كان البطاركة أحراراً من الضغوط الخارجية كان البطاركة يجاهرون بشركتهم مع روما. (أثناسيوس 1157 – 1171، شمعون ابوشيبا 1206 – 1235، داود خوري 1242 – 1247 ).
وفي ديوان الأيوبيين والمماليك عند صدور براءة تنصيب البطاركة الملكيين كان يعتبر أن مرجعيتهم الأعلى بابا روما. وحتى عندما كانت السلطات العليا في تبعيتها للقسطنطينية ترفض المشاركة رسمياً مع روما كان الشعب المسيحي يحافظ على توقه العميق للوحدة المسيحية. وإن خبر معاهدة الوحدة بين الروم واللاتين التي وقّعت في فلورنسا (1439) قوبلت بفرح كبير. ولمّا بعث البابا غريغوريوس الثالث عشر المطران ليوناردو هابيل إلى الشرق لإعادة توثيق الوحدة (من عام 1583 – 1587 ) لقي هذا جواباً غامضاً من قبل البطريرك الملكي يواكيم الخامس  الذي لم يشأ إغضاب سائر البطاركة اليونان، إنّما البطريرك المستقيل ميخائيل الصباغ الذي كان مقيماً في حلب أرسل إلى البابا صيغة إيمانه وشركته مع البابا. وإنّ أعيان طرابلس بعثوا إلى البابا عام 1584 رسالة مفعمة من الاحترام جاء فيها: " وكان الاتفاق بين سيّدنا البطريرك يواكيم وبين كيرليوناردو أن يكون تمام المحبّة والطاعة إلى الكرسي البطرسي الروماني على ما رتّبوه الآباء القدّيسون الثلاثمائة وثمان عشر في مدينة نيقية وأيضاً على ما رتّبوه الآباء القدّيسون في مدينة فرنسيا (فلورنسا) وعلى أن الاتحاد يكون واحد والأمانة واحدة وهي الأمانة المستقيمة الكاثوليكيّة الأرثوذكسيّة تكون واحدة والمحبّة واحدة".
في نظر هؤلاء الانطاكيّين الإيمان الرسولي المستقيم هو في الوقت نفسه كاثوليكيّاً وأرثوذكسيّاً. ولمّا بدأت المشادة بين الشقين الشرقي والغربي من الكنيسة كان الغربيّون يشيرون إلى الشرقيّين بعبارة إغريق أو يونان ( مار توما الأكويني: أخطاء الإغريق Errores grecorum). والشرقيّون يشيرون إلى الغربيّين بكلمة إيطاليّين أو لاتين (راجع يوحنا الخامس الأنطاكي أعلاه). ولمّا تفاقم الخلاف في القرن السادس عشر وانفصل عن الشركة الرومانيّة البروتستانت تسمّى الغربيّون الباقون على هذه الشركة بالكاثوليك. أما الشرقيّون الذين قاطعوا هذه الشركة فلم يعودوا يتكنّون بالكاثوليك لاسيّما وأنّ الأقليّة الشرقية التي أعادت شركتها مع البابا عرفت بهذا اللقب واستمسكوا بلقب "الأرثوذكسيّون".
كان الملكيّون الأنطاكيّون بالوقت نفسه كاثوليكاً وأرثوذكساً بالمعنى الأصيل اللامذهبي. ولمّا اضطروا إلى أخذ موقف من الصراع بين روما والقسطنطينيّة واختلفت مواقفهم بهذا الصدد تصدّعت وحدتهم وانقسموا إلى "كاثوليك وأرثوذكس". ومن المغالطة التاريخيّة أن نقول أنّ الكنيسة الأنطاكيّة قبل انقسامها كانت كاثوليكيّة أم أرثوذكسيّة ومن النافل أن نتساءل أي فئة انشقّت عن الأخرى.
ثانياً: الانقسام
كان الملكيّون الانطاكيّون في القرن السابع عشر ومطلع الثامن عشر في شبه حياد بشأن الخلاف بين الرومانيّين والبيزنطيّين. كانوا في شركة مع بطاركة الكنيسة البيزنطية إنما لم يعتبروا أن الكنيسة اللاتينية كانت على خطأ ويجب قطع الشركة معها. إنّ القبول الذي لاقاه المرسلون اللاتين في القرن السابع عشر وذلك قبل أن يباشر المرسلون تعليمهم دليل على أن الأنطاكيّين كانوا يعتبرون اللاتين كأخوة في الإيمان. إنّ بطاركة هذه الحقبة الذين أرسلوا إلى روما اعتراف إيمانهم والذين قبلتهم روما في شركتها كانوا يبغون العودة إلى ما كانت عليه الأحوال قبل الانقسام وفق قرارات مجمع فلورنسا التي كانت تضمن مع الاعتراف بالرئاسة البابويّة احترام كافة الحقوق والامتيازات البطريركيّة ولم يضطروا إلى قطع علاقاتهم مع البطاركة اليونان المتشدّدين. والمؤمنون الذين كانوا يتردّدون على كنائس المرسلين ويستمعون إلى مواعظهم وأقرّوا بصحّة إيمانهم ظلّوا في كنيستهم الشرقيّة يتقبّلون فيها الأسرار. ونما الإيمان الكاثوليكي بدون شجب الأرثوذكسيّة وظلّ تياراً ضمن الكنيسة الأنطاكيّة الواحدة.
وفي الربع الأخير من القرن السابع عشر والربع الأول من القرن الثامن عشر انتشر التعليم اللاهوتي الغربي وقام بنشره علاوة على المرسلين الكهنة الذين تخرّجوا من مدارس روما ( مدرسة اليونان، مدرسة البروباغندا ) والرهبان المخلّصيّون والحناويّون. بيد أنهم لم يعتبروا الكنيسة الشرقيّة خارجة عن جوهر الإيمان وظلّوا في شركة معها.
هذا الوضع ما كان بوسعه أن يستمر طويلاً مع تأزم العلاقات بين روما والقسطنطينيّة. دخل عدد من الأكليروس اليوناني في خدمة البطريركيّة الأنطاكيّة وقام من بينهم عدّة أساقفة. وبدأ اليونان يترجمون إلى العربيّة كتباً معادية لروما ( كتاب غفرييل ساويروس، "السيف القاطع" لمكسيم مرغونيوس، صخرة الشك لبطرس مايناتس ). وهيمنت البطريركيّة المسكونيّة على شؤون الكرسي الأنطاكي، وبعد أن ألقى البطاركة اليونان الحرم على مطران صيدا افتيميوس صيفي لأفكاره الكاثوليكيّة (1718) عقدوا مجمعاً في القسطنطينيّة عام 1722 يطالب جميع الملكيّين برفض الأفكار الكاثوليكيّة وتكفير الغربيّين. ولم ينصع له معظم الحلبيّين وهرب عبد الله زاخر إلى لبنان وكتب هناك ردّه على المجمع "التفنيد للمجمع القسطنطيني العنيد". ولم يعد يسمح للملكيّين بأن يجمعوا بين الإيمان الكاثوليكي والشركة الأرثوذكسيّة وصدر مرسوم من مجمع انتشار الإيمان في روما يحظّر على الكاثوليكيّين الاشتراك في القدسيات مع الأرثوذكس. وصادف بين هذين التاريخين 1722 و 1729 انتخاب بطريركين على الكرسي الأنطاكي عام 1724 الواحد من قبل أكليروس وشعب دمشق هو كيرلس طاناس الكاثوليكي المشرب والآخر من قبل السينودس القسطنطيني بعد ترشيح مؤمني حلب وهو سلفستروس القبرصي الأرثوذكسي المتشدّد. مثل هذا الازدواج حدث مراراً في تاريخ الملكيّين الحديث، إلاّ أنه هذه المرّة أخذ منحى مذهبيّاً إذ انحاز التيّار الكاثوليكي إلى كيرلس طاناس والتيار المحافظ إلى سلفستروس القبرصي. ولم يتمّ إعادة توحيد الكرسي الأنطاكي الملكي، إذ انتخب كلّ فريق خلفاً للبطريرك المتنيّح. فانشطر الملكيّون الانطاكيّون إلى كنيستين متميّزتين. ولم يكن في القصد عام 1724 قيام الانفصال، فالدمشقيّون من مختلف المشارب انتخبوا سرافيم (كيرلس) طاناس الذي تمّ سيامته وتنصيبه في الكاتدرائيّة المريميّة في دمشق والحلبيّون من مختلف المشارب انتخبوا سلفستروس تلميذ اثناسيوس الذي عاش في حلب وتنيّح فيها. إلاّ أن الحلبيّين وغالبيتهم الساحقة من الكاثوليك انقلبوا على سلفستروس لمّا أراد هذا إرغامهم على التخلّي عن معتقدهم الكاثوليكي ورشق بالحرم كلّ من يخالف رأيه. وانعتق الحلبيّون من سلطة سلفستروس وتمكّنوا من إقامة مطران كاثوليكي مستقلّ بذاته اعترفت به الدولة العثمانية هو مكسيموس حكيم الذي دخل في شركة البطريرك كيرلس طاناس (1732). إلاّ أن سلفستروس استعاد حقوقه على حلب واضطر مكسيموس إلى الخروج من حلب (1757) واللجوء إلى أديرة الرهبنة الحناوية في لبنان.
ثالثاً : بعد الانقسام
 
1- الحقبة الأولى من كيرلس طاناس إلى مكسيموس مظلوم 
     في ظلّ اللاشرعية العثمانيّة:                                      
في هذه الحقبة ظلّ الروم الكاثوليك خاضعين للسلطة الأرثوذكسيّة إذ لم يعترف بهم كملّة مستقلّة. وكان البطاركة والأساقفة الكاثوليك معتبرين خارجين عن القانون ومهدّدين بأقصى العقوبات. هرب البطريرك كيرلس طاناس من دمشق حفاظاً على حياته ولجأ إلى دير المخلّص وأصبح في حماية آل جنبلاط. أمّا مطران حلب جراسيموس فقبض عليه ونفي إلى جبل آثوس وقاسى أشد العقوبات. واضطر مطران صيدنايا إلى الهرب إلى روما عام 1930.
وكان من أول اهتمام البطريركيّة الكاثوليكيّة المحافظة على وجودها. وبعد أن كان البطريرك كيرلس شبه منعزل لأن معظم مطارنة الكرسي الأنطاكي انحازوا إلى سلفستروس للحفاظ على مراكزهم تمكّن من إقامة عدّة مطارنة موالين له في لبنان لاسيّما في صيدا وبيروت وبعلبك وكان لحلب وضعها الخاص كما رأينا. ولم ينج الخوري ميخائيل حكيم رئيس دير السيدة من الجنود القادمين للقبض عليه إلاّ بشجاعة مؤمني رأس بعلبك. ولمّا كان الرهبان الحناويون دوماً مهدّدين في ديرهم الواقع تحت نفوذ أمراء بني اللمع بنوا لهم دير مار ميخائيل في الزوق في منطقة كسروا ن الخاضعة لنفوذ مشايخ الخازن الموارنة.ولم تعترف روما بالبطريرك كيرلس طاناس بطريركاً أنطاكيّاً إلاّ في عام 1729 .
في دخوله مجدّداً في الشركة الرومانيّة لم يكن في نيّة الفرع الكاثوليكي من الكنيسة الملكيّة أن يقطع رباطه مع التقليد الشرقي الأصيل. في ما يخصّ النقاط التي كانت آنذاك موضع جدال بين اللاتين واليونان، الرئاسة الرومانيّة، انبثاق الروح القدس، صورة ومادة الأفخارستيا قبلوا مواقف اللاتين التي اعتبروها مستندة إلى تعاليم الآباء القديمة التي انحرف عنها اليونان بعد انفصالهم عن روما. بيد أنّ الملكيّين الكاثوليك كانوا مصمّمين على الحفاظ على استقلالهم البطريركي القانوني وعلى تراثهم الليتورجي. كانت روما موافقة تماماً على الحفاظ على سلامة الطقس البيزنطي لدى الملكيّين الكاثوليك إلاّ أنّ البطاركة لاقوا صعوبات أكبر للحفاظ على استقلالهم القانوني تجاه العقلية المركزيّة المتزايدة في روما وتدخّل المرسلين اللاتين والقصّاد الرسوليّين في أمورهم الداخليّة. وإنّ البابا بنادكتوس الرابع عشر في رسالته "لمّا قلّد الربّ حقارتنا" عام 1743 يذكّر رسميّاً بالاحترام المتوجّب للسلطة الكنسيّة الشرقيّة والطقوس الشرقيّة ضدّ تدخّلات المرسلين ومحاولاتهم لبسط التأثير اللاتيني. إلاّ أنّ النزاعات الداخليّة في الطائفة والاستغاثة بروما من قبل الأساقفة والرهبان هي التي حملت روما على التدخّل في تفاصيل حياة كنيسة الروم الكاثوليك.
أمّا العلاقات بين كنيسة الروم الكاثوليك وكنيسة الروم الأرثوذكس فظلّت متوتّرة ومتشنّجة. وكان البطاركة الأرثوذكس جلّهم من العنصر اليوناني وبعد الحملة العنيفة التي شنّها البطريرك سلفستروس هدأت الأمور بعض الشيء. إنّما ظلّ محظوراً على الكهنة الكاثوليك خدمة أبناء رعيتهم في دمشق وكان الرهبان المخلصيّون يتردّدون عليهم متنكّرين ويقيمون لهم القداديس سرّاً في البيوت. أمّا في حلب فكان الكاثوليك ينعمون بالحريّة وباعتراف الدولة العثمانيّة حتى عام 1757 ( ما عدا فترات متقطّعة ) وبعد ذلك اضطروا إلى التخلّي عن الكاتدرائيّة القديمة، بيد أنّ الكهنة ظلّوا يقدّسون في بيوتهم ويتابعون خدمة الرعيّة ويجتمعون أسبوعيّاً حول النائب العام بينما المطران مقيم في لبنان. وقام نوع من التهدئة والتعايش لأن الكاثوليك كانوا الأكثريّة الساحقة إلاّ أنه حصل تشدّد عام 1818 وبتحريك من البطريركيّة المسكونيّة استحصل مطران الروم الأرثوذكس جراسيموس على فرمانٍ يحيي التدابير الصارمة ضدّ الكاثوليك. واضطر الكهنة إلى مغادرة حلب وكانوا عشرة من الكهنة الأبرشيّين وأربعة من الرهبان. وحاول المطران الأرثوذكسي إرغام الكاثوليك على مشاركته في القدّاس وحظّر عليهم الصلاة لدى اللاتين أو الموارنة أو السريان. وحصلت مشادّة وتفاقمت الغوغاء فأمر الوالي أن يعمل بالسيف لتفريق المحتجين فسقط من الكاثوليك أحد عشر قتيلاً [1] . وكان خلفه كيرلس أكثر تساهلاً فحصل اتفاق بين الوجهاء والمطران الأرثوذكسي يعفي الروم الكاثوليك من واجب الالتجاء إلى كهنة الروم الأرثوذكس لأجل الخدمات الروحية على أن يؤدوا لهم الرسوم المترتبة وتمّ في مطلع عام 1825 إلغاء قرار نفي الكهنة الروم الكاثوليك فعادوا إلى حلب [2] . أما في جبل لبنان فنعم الكاثوليك إجمالاً بالحريّة.
رغم الضغوط التي مورست عليهم ظلّ الروم الكاثوليك صامدين مع انحسارهم في اللاذقية وطرابلس وحمص.
يقول المؤرّخ أسد رستم بشأن المشاحنات التي قامت بين الأرثوذكس والكاثوليك: " وكانت وسائل الروم (الأرثوذكس) تنحصر في غالب الأحيان ببراءات سلطانيّة يستصدرونها من عاصمة الدولة إلى الولاة والحكّام المحليّين لردّ الروم الكاثوليكيّين إلى طاعة رؤسائهم الشرعيّين مطارنة الروم وعلى رأسهم البطريرك أو لتسليم ما استأثروا به من كنائس معيّنة أو رفع عائدات الأكاليل والعمادات والجنازات إلى السلطات الأرثوذكسيّة المحليّة. وكان الروم الكاثوليكيّين يقاومون نفوذ الموظفين الأرثوذكسيّين في عاصمة الدولة بنفوذ الموظفين  من أبنائهم في دوائر الحكم في حلب ودمشق وطرابلس وعكا " [3]  ويستدلّ من هذا أن النخبة المحليّة كانت بمعظمها كاثوليكيّة وأنّ الأرثوذكس كانوا يعتمدون على المتنفّذين اليونان في القسطنطينيّة. وهيمنت القسطنطينيّة والعناصر اليونانيّة على الكرسي الأنطاكي والسبب في ذلك "الخوف على الأرثوذكسيّة". كان للأنطاكيّين مفهوم للأرثوذكسيّة لا ينطبق تماماً مع مفهوم اليونانيّين ولذا أقرّ قسم كبير منهم الاتحاد مع الكرسي الروماني مع الحفاظ على أرثوذكسيتهم. ولولا الضغوط الخارجيّة لكان هذا  الاتحاد كاملاً .[4]
2- الحقبة الثانية من مكسيموس مظلوم إلى مكسيموس الصايغ
     من الاستقلال المدني إلى بدء الحركة المسكونيّة
اعترفت الدولة العثمانيّة بالكاثوليك الشرقيّين عام 1830 كملّة مستقلّة عن الأرثوذكس وأخضعوا بادئ الأمر لسلطة واحدة أرمنيّة أقيمت في اسطنبول وتمكّن البطريرك مكسيموس مظلوم ( 1833 – 1855 ) من الحصول على الاعتراف التام بالروم الكاثوليك كملّة مستقلّة وأقرّ العثمانيّون بسلطته على فلسطين ومصر. ودخل دمشق باحتفال مهيب ودشّن الكاتدرائيّة الجديدة في حارة الزيتون. وكان حنّا بحري وزير إبراهيم باشا المصري خير عونٍ له في اقتناء مراكز للطائفة في حمص وطرابلس. وبنى مراكز هامة للطائفة في القدس وفي مصر ونظّم شؤون الطائفة إذ أقام أساقفة في مختلف المراكز وأنشأ الأكليروس البطريركي المتبتّل إلى جانب الأكليروس الرهباني وناضل للحفاظ على كرامة الكنيسة الشرقيّة وحقوق البطاركة تجاه تدخّلات المرسلين الغربيّين وممثّلي روما في الشرق وبعد أن حصل على الاستقلال تجاه السلطات الأرثوذكسيّة لاقى معارضة كبيرة منهم لمنع الأكليروس الكاثوليكي من ارتداء الذيّ الأكليريكي الشرقي (القلنسوة). وتدخّلت في النزاع السلطات العثمانيّة العليا والدبلوماسيّة الغربيّة. وتمكّن البطريرك من الحفاظ على الذيّ الشرقي لأكليرسه مع تعديل طفيف. ومن بين الطوائف الكاثوليكيّة الشرقيّة الروم الكاثوليك وحدهم لا يتميّزون في اللباس عن أخوتهم الأرثوذكس.
وتمكّن أساقفة حلب الروم الكاثوليك من الإقامة في مركز أبرشيتهم وبنوا في الثلاثينات من القرن التاسع عشر كنيسة السيّدة الكاتدرائيّة وكنيسة القديس جاورجيوس وتنظّمت الخدمة الرعويّة وكثر عدد الكهنة.
وفي عهد البطريرك أكليمنضوس (1856 – 1864) حدثت أزمة خطيرة في الطائفة إذ أعلن البطريرك تبنّي التقويم الغريغوري، وكان الروم الكاثوليك لا يزالون يتّبعون التقويم اليولياني وظلّ البطريرك مظلوم يقاوم ضغوط روما لئلاّ يبتعد أكثر عن الأخوة الأرثوذكس وكان الروم الكاثوليك آخر طائفة شرقيّة كاثوليكيّة تبنّت التقويم الغريغوري.
وعزّز البطريرك غريغوريوس الثاني يوسف (1864 – 1897) وضع الروم الكاثوليك من الناحية الثقافيّة. ففي عهده أسّست عدّة مدارس ثانويّة طائفيّة ( دمشق – بيروت – حلب ) وأعيد فتح أكليريكيّة عين تراز وبالأخص تأسّست أكليريكيّة القديسة حنة في القدس بإدارة الآباء البيض. وفي المجمع الفاتيكاني الأول دافع عن موقف الكنائس الشرقيّة، ففي الخطابين اللذين ألقاهما في الجلستين العامتين في 19 أيار و 14 حزيران مع تأكيده على ولائه للحبر الروماني يتوسّل كي لا يحدّد شيء يمسّ النظام المستقلّ للكنائس الشرقيّة التي يسوسها منذ القديم بطاركتها وفق قوانينها الخاصّة وذلك كي لا توسّع الهوة مع الأرثوذكس ويغلق أمامهم إلى الأبد باب الاتحاد. يجب الاكتفاء بتحديدات المجمع الفلورنتيني التي تمثّل الرابطة الأخيرة مع الأرثوذكسيّة وتعديل الرئاسة البابويّة في الدستور العقائدي بسلطان البطاركة وفق القوانين القديمة. وصرّح البطريرك أنه يتحدّث باسم الكنيسة الشرقيّة كلّها. هذا الاهتمام بالتقليد وبحساسيّة الشرق الدينيّة كان غريباً على الأكثريّة. غادر البطريرك روما مع أكثريّة أساقفته قبل التحديد الرسمي. ثمّ لمّا طُلب إليه أن يعلن قبوله بالدستور المجمعي وقّع عليه وزاد هذه الفقرة من المجمع الفلورنتيني "مع الحفاظ على جميع حقوق وامتيازات البطاركة " [5] ولم تطأ قدماه روما بعد ذلك إلى أن استدعى البابا لاون الثالث عشر البطاركة الشرقيّين الكاثوليك وأصدر عام 1894 الرسالة العامة كرامة الشرقيّين التي تؤكّد على سلطة البطاركة وتحذّر من خطر ليتنة الشرق.
وتحرّر الروم الأرثوذكس الأنطاكيّون من هيمنة الكرسي القسطنطيني في أواخر القرن التاسع عشر وتمكّنوا من انتخاب بطاركة من أصل عربي وكان أكبر سند لهم كنيسة روسيا التي أخذت تنشط في الشرق العربي أواسط القرن التاسع عشر .
في هذه الحقبة لم يقم تصادم مباشر بين الكاثوليك والأرثوذكس إنما ساروا في خطين متوازيين بدون تعاون أو تلاقي بين السلطات الكنسيّة. كان اهتمام الروم الكاثوليك المدافعة عن الذات كي لا يذوبوا في الكنيسة الغربية ويحافظوا على طقوسهم الشرقيّة وحقوق بطاركتهم، إنمّا تأثّروا باللاهوت الغربي. كان الأكليريكيّون يدرسون في الجامعات الغربيّة وكتب اللاهوت هي نفسها التي تدرس في الأكليريكيّات اللاتينية، كما تأثّروا بالعبادات التقوية الغربية وبالروحانيّة الغربيّة. وفي الحقبة نفسها بدأ الأكليريكيّون الأرثوذكس يرتادون المعاهد العالية في القسطنطينيّة واليونان وروسيّا مما وسّع التباين بين شقيّ الكنيسة الملكيّة.
وكان الروم الكاثوليك يتوقون إلى الوحدة الشاملة بين الأرثوذكس والكاثوليك ويتصورونها على غرار وحدتهم مع روما فيسعون إلى جذب الروم الأرثوذكس إلى كنيستهم وتأسّست في هذه الحقبة أربع أبرشيّات جديدة في مناطق أغلبيتها أرثوذكسيّة. مرجعيون عام 1886، طرابلس 1897، عمّان وشرق الأردن عام 1932 واللاذقيّة عام 1961.
قد يكون من المفيد إجراء دراسات حول العلاقات التي كانت سائدة بين الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس في مختلف المناطق. ونورد هنا بشكل مقتضب ما يخص حلب.
قلنا أنّ تاريخ 1724 لا يمثّل بالنسبة إلى حلب الانقسام بين شقيّ الكنيسة الملكيّة. واعترف الملكيّون في حلب بادئ الأمر بالبطريرك سلفستروس ثمّ تخلّوا عنه واستحصلوا على الاعتراف بمكسيموس حكيم مطراناً على جميع الملكيّين في حلب. وفي حلب كلمة "روم" تعني الروم الكاثوليك وبشهادة الخوري ميخائيل بريك المؤرّخ الأرثوذكسي من القرن الثامن عشر. إنّ البطريرك سلفستروس ما اتفق مع أهل حلب لأنهم كانوا صاروا كاثوليكيّين... وفي هذه المشاجرات قاموا الحلبيّة وطردوه من حلب  ثم أنّ الحلبيّة أشكوا حالهم إلى الدولة ودفعوا أموالاً لا تعدّ وأخرجوا فرمانا بخروج حلب من طاعة البطريرك الأنطاكي سلفستروس وهكذا صار إلى يومنا وقامت حلب برأسها ثمّ أنّهم عادوا رسموا لهم مطراناً من قبل البطريرك كيرلس الذي كان في دير المخلّص وصاروا طائفة كاثوليكيّة جميعهم إلى يومنا هذا" [6]. وحاول سلفستروس استرضاء الكاثوليك الحلبيّين ولم ينجح [7] وتخلّى عن حلب للبطريرك المسكوني الذي أوفد إلى حلب مطراناً يونانيّاً فارغم المطران مكسيموس حكيم إلى اللجوء إلى لبنان. أما الأرثوذكس في حلب فكانوا يتمثّلون بأقليّة من الأروام وبعض العائلات القلائل. وبعد أزمة 1818 ونفي الكهنة الكاثوليك عن حلب عاد الكهنة عام 1825 واستقرّ الأساقفة على رأس أبرشيتهم في مطلع الثلاثينات. وتعزّز وضع الروم الكاثوليك. وقام بعض التعاون بين الكاثوليك والأرثوذكس  إثر النكبة التي حلّت عام 1850 (قومة البلد) إذ أتفق مطران الروم الكاثوليك ديمتريوس انطاكي ومطران الروم كيرلس فشكّلا بعثة إلى أوروبا لجمع التبرعات للتعويض عن المنهوبات وترميم الكنائس التي أحرقت وزوداها برسالة مشتركة "من كيرلس رئيس أساقفة حلب الروم الأرثوذكسيّين وديمتريوس رئيس أساقفة حلب وسلوكيّة الروم الكاثوليكيّين إلى قدس السادة الموقرين رؤساء الأساقفة الكلّي شرفهم وإلى الذوات الشريفة الكلّي السمو وساير الشعب المسيحي أصحاب الخير المحترمين القاطنين في الممالك الغربية المحروسة من الله، السلام بالربّ ."  وموقّعة: "المستمد دعاكم أخوكم بالمسيح كيرلس رئيس أساقفة الروم الأرثوذكسيّين بحلب المستمد دعاكم ديمتريوس رئيس أساقفة الروم الكاثوليكيّين بحلب وسلوكية".[8]
وكان جلّ الأساقفة الأرثوذكس في القرن التاسع عشر من اليونان وآخرهم نكتاريوس كان معارضاً لانتخاب البطريرك العربي ملاتيوس دوماني فاضطر إلى التنحّي. وتبعه أساقفة وطنيّون ولكن غير حلبيّين قضوا معظم أوقاتهم خارج الأبرشيّة. وبعد الحرب العالمية الأولى وبعد سلخ لواء اسكندرون نزح إلى حلب عدد كبير من عائلات الروم الأرثوذكس ثمّ قدم إليها عائلات أخرى من الساحل ومناطق حمص وحماه. فازداد عدد الروم الأرثوذكس وتنظموا وقامت علاقات حسن جوار وصداقة بين الأساقفة الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس وتعاونوا في حقبة النضال من أجل الاستقلال. وانضمّ عدد من العائلات الأرثوذكسيّة إلى طائفة الروم الكاثوليك وكان الكثيرون من الأرثوذكس يتردّدون إلى كنائس الروم الكاثوليك ويستفيدون من مؤسّسساتهم الثقافية والاجتماعية . وكانت تعقد في مطلع الأربعينات اجتماعات تضمّ مختلف الأساقفة الكاثوليك وينضمّ إليهم الأرثوذكس والإنجيليّون لدراسة الأوضاع العامة التي تهمّ كافة المسيحيّين. وساد في حلب جوّ من المحبّة والتآخي بين الكاثوليك والأرثوذكس يختلف عمّا كانت عليه الأحوال في مناطق أخرى لم يكن فيها التواجد الكاثوليكي متأصّلاً.
 
3- الحقبة الثالثة: من انتعاش الحركة المسكونيّة إلى اليوم
إنّ الطريقة الجديدة لمعالجة الانقسامات المسيحيّة التي تمثّلت في الحركة المسكونيّة بدأت بوادرها في شرقنا في مطلع الأربعينات وتعزّزت في الخمسينات. وأخذت الكنائس تحتفل بأسبوع الصلاة لوحدة المسيحيّين التي أطلق مبادرتها في ليون الأب بول كوتوريه. ففي كانون الثاني عام 1940 ألقى الأب بولس أشقر البولسي حديثاً عن الانقسامات المسيحيّة وشروط إعادة الوحدة بثّ من راديو بيروت. وأصدر الأب الياس اندراوس كتاباً قيّماً"الاجتهاد في سبيل الاتحاد" بمناسبة مرور خمسمائة عام على المجمع الفلورنتيني الذي أقرّ إعادة الوحدة بين الروم واللاتين عام 1439.
وكان الأب لاسونري وهو كاهن فرنسي التحق بالآباء البولسيّين في حريصا كمساعد أنشأ حركة انفتاح وحوار وأسّس مجموعة "أصدقاء الوحدة" التي أصدرت عدّة وثائق تحدّد الأسلوب الجديد المتمثّل بالحركة المسكونيّة والذي يعتمد التحاور مع المجموعات الكنسية ككلّ وليس "هداية الأفراد" وكنت أقرأ بلهفة هذه الوثائق وأنا أكليريكي وأستبشر بها خيراً. ثم ظهرت "مجلّة التوجيهات المسكونيّة" Bulletin d'orientations oecuméniquesبإدارة الأب انطوان شكري البولسي التي احتوت عدّة               أبحاث مسكونيّة.
وأخذ الاحتفال بأسبوع الاتحاد يأخذ بعداً جديداً في مطلع الخمسينات، إذ بدأت تشترك فيه جميع المذاهب المسيحيّة ونشأت حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة التي كان لولبها السيد البير لحّام وكانت منفتحة على الحوار المسكوني. وكان مجموعة من الشبّان الأرثوذكس من طلاب مدارس الأخوة والمتعاطفين مع حركة الشبيبة الطالبة الكاثوليكيّة يشتكون من كونهم محرومين من التربية الليتورجية الشرقيّة فأقام لهم الأب بولس أشقر بمساندة الأب لاسونري اجتماعات خاصّة لتربيتهم الكنسيّة الشرقيّة وكانت من ثمّ انطلاقة حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة.
وكان من رائدي الحركة المسكونيّة في القاهرة في هذه الحقبة المجموعة القائمة على تحرير مجلّة الليان Le lien وقوامها الآباء جورج حكيم ويوسف طويل والياس زغبي الذي انضمّ إليهم الأب اورست كرامه اليسوعي الأصل والأب المطران بطرس كامل مدوّر. والمحرّك الأول كان الأب اورست كرامه.وقد نشر عام 1957 في Bulletin d'orientations oecuméniquesدراسة قيّمة وضعها عام 1956 بعنوان Unionisme, uniatisme et arabisme chrétien.
وفي معهد القدّيسة حنّة في القدس أنشأت عام 1951 مجلّة الشرق الأردني المسيحي Proche - Orient Chrétienالتي تعتني بدراسة أحوال كنائس الشرق بشكلٍ علمي وأخذت منحى مسكونيّاً، وكان ذلك بتأثير الأب داربلاد من الآباء البيض والأب ناوفيطوس ادلبي الذي كان يدرّس آنذاك في الأكليريكيّة. وعام 1953 انتقل الأب ناوفيطوس ادلبي إلى بيروت والتحق بالنواة المسكونيّة الناشئة فيها وأعطاها زخماً جديداً. ونُشرت عام 1957 " محاضرات الندوة اللبنانيّة " وفيها نصّ محاضرتين هامتين ألقيتا في أسبوع الوحدة: "شؤون اتحاد الكنائس استعراض تاريخي" للأب ناوفيطوس ادلبي ( 14 كانون الثاني 1957)، "الأرثوذكسيّة أمام الاتحاد" للأب اغناطيوس هزيم (21 كانون الثاني 1957) وفي دير المخلّص في لبنان ظهرت مجلّة الوحدة في الإيمان التي تعنى بالشؤون المسكونيّة وكان مؤسّسها ومديرها الأول الأب لطفي لحّام البطريرك غريغوريوس الحالي. وبدأت دراسات الأبوين يوسف نصر الله ويوسف حجّار التاريخيّة التي كان لها انعكاسات مسكونيّة هامّة .
وظهرت في هذه الأثناء عن البابا بيّوس الثاني عشر القسم المتعلّق "بالأشخاص" من تشريع الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة الذي أثار ردود فعل قويّة من جانب الكنيسة الملكيّة الكاثوليكية لأنه يحدّ كثيراً من امتيازات البطاركة ويساويهم في الفعل برؤساء الأساقفة الغربيّين. فعقد الأساقفة الملكيّون الكاثوليك برئاسة البطريرك مكسيموس الرابع صايغ سينودساً خارق العادة في القاهرة في شباط 1958 بعثوا على أثره إلى روما معروضاً يطلبون فيه إصلاح النقاط المتعارضة مع التقليد والتي تحول دون إمكانية أي حوار مع الشرق الأرثوذكسي.
وفي 25 كانون الثاني 1959 دعا البابا يوحنا الثالث والعشرون إلى عقد مجمع مسكوني غايته تحديث الكنيسة وإعادة الوحدة المسيحيّة. وبذل الروم الكاثوليك جهداً كبيراً لتهيئة المجمع وظهرت مجموعة Voix de l'église en Orient عام 1962 تحتوي على نصوص ودراسات من البطريرك مكسيموس ومن الأساقفة وزّعت على آباء المجمع لإطلاعهم على مواقف الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة.
وأثناء المجمع قام البطريرك مكسيموس الرابع وأساقفته بدور كبير للدفاع عن الكنائس الشرقيّة وعن التراث اللاهوتي الشرقي وقد جمعت مداخلات الأحبار الملكيّين في كتاب خاصL'église grecque melkite au concile ظهر بالفرنسيّة عام 1967 ترجم مؤخّراً إلى العربية (عام 1992). كان المجمع مناسبة لتعريف الغرب بالتراث الكنسي اللاهوتي الأصيل. وكان مناسبة لكنيستنا لإعادة اكتشاف تراثها بفضل اللاهوتيّين الغربيّين المنفتحين على الشرق. والمجالات الأهم التي أثّرت فيها كنيستنا الليتورجيّا (اللغة الحيّة المشاركة الجماعيّة)، لاهوت الكنيسة (المجمعية الأسقفية) القرار في الحركة المسكونيّة والقرار في الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة. وكان لكنيستنا دور في إنشاء اللجنة الدائمة للوحدة المسكونيّة ولسينودس الأساقفة.
وكان لقاء البطريرك مكسيموس الرابع مع البطريرك المسكوني اثيناغوراس في الفنار في حزيران 1964 لقاءً مؤثّراً جدّاً (وكنت من عداد الوفد المرافق) إذ تعانق الحبران الجليلان وصرّح اثيناغوراس لمكسيموس إنك في المجمع كنت تتحدّث باسمنا.
تأثّر الروم الكاثوليك بقرارات المجمع الفاتيكاني بخصوص الوحدة المسيحيّة وبذلوا قصارى جهدهم للتقرّب من كنيسة الروم الأرثوذكس والتعاون معها في المجالات الرعويّة والليتورجيّة وتخلّوا عن أسلوب التعاطيٍ مع الأفراد لجذبهم إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة. عام 1974 عقد مؤتمر مشترك حول الليتورجيا في دير يسوع الملك تعاقب فيه المحاضرون الأرثوذكس والكاثوليك وصادف عامي 1974 و 1975 انعقاد سينودسي الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس في موعد واحد فقام وفد من كلّ من السينودسين بزيارة السينودس الآخر في جوّ من المودّة والإخاء.
وإنّ المطران الياس زغبي رئيس أساقفة بعلبك للروم الكاثوليك في قناعته بوهن الأسباب التي تبرّر استمرار القطيعة القانونيّة بين الكنيسة الرومانيّة والأرثوذكسيّة وفي ضيق صدره إزاء بطء الحوار اللاهوتي الرسمي عرض على سينودس الروم الكاثوليك المنعقد في آب 1975 مشروع الشركة المزدوجة التي تتيح للروم الكاثوليك أن يلتحقوا ببطريركيّة أنطا كية للروم الأرثوذكس التي انقطعوا عنها بدون أسباب كافية وذلك من دون أن يتخلّوا عن شركتهم مع أسقف روما. عرض السينودس الطلب على السلطات الرومانيّة المختصّة وكان الجواب سلبيّاً. وإذ لم يقتنع المطران زغبي بالأسباب المقدّمة نشر عام 1981 كتاباً بالفرنسيّة عنوانه "كلّنا منشقّون" وهو إعلان يصرّح فيه أنه لا يكترث لتحفّظات الكنيستين الرومانيّة والأرثوذكسيّة وأنه يريد أن يكون في شركة مع كليهما في آن واحد.
ولمّا بدأ الحوار اللاهوتي الدولي بين الكاثوليك والأرثوذكس راح البعض يشكّكون في دور كنيسة الروم الكاثوليك على المستوى المسكوني كجسر بين الشرق والغرب. وقد ظهرت في مجلّة الليان البطريركيّة (Le Lien) عدّة مقالات توضّح مغذى الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة ودورها المسكوني الرائد (الروم الملكيّون الهويّة والرسالة...) .
إنّ وثيقة البلمند التي صدرت في حزيران 1993 عن اللجنة اللاهوتيّة الدوليّة المشتركة تصرّح بأن أسلوب "الاونياتية" أي قيام كنائس شرقيّة كاثوليكيّة مستقلّة عن الكنائس الأرثوذكسيّة هو أسلوب من الماضي لم يعد وارداً، إنّما يقرّ بتواجد هذه الكنائس وبحقوقها الرعويّة ودعوتها المسكونيّة. وبدأت بشائر تشير إلى متابعة الحوار الرسمي بين الكاثوليك والأرثوذكس بعد توقّفه بضع سنوات وبدافع من المطران الياس زغبي تحرّك مجدّداً سينودس الروم الكاثوليك المنعقد في تموز 1996 وأصدر بياناً يعرض فيه الوحدة مع الروم الأرثوذكس مع الإبقاء على الشركة مع روما وفق ما كانت عليه في الألف الأول. درس سينودس الروم الأرثوذكس المنعقد في تشرين الأول هذا البيان ورفضه بلطف إذ لا يمكن فصل الحوار على المستوى الأنطاكي عن الحوار الرسمي الدولي وأوضح بعض النقاط التي يجب بحثها. وقد جاء بيان سينودس الروم الأرثوذكس المنعقد في أيار 1997 ملطّفاً بعض الشيء مما جاء في السينودس السابق داعياً إلى متابعة الحوار: "أما في ما يخصّ العلاقة بين الكرسي الأنطاكي وكرسي الروم الكاثوليك الأنطاكي فقد أكّد المجمع ضرورة متابعة الحوار من خلال اللجنة الرباعيّة المشكّلة من عضوين كاثوليكيّين وعضوين أرثوذكسيّين". وسينودس الروم الكاثوليك المنعقد في الربوة من 21 إلى 23 تموز سنة 1997 جدّد بدوره الدعوة لمتابعة الحوار...وقرّر الآباء متابعة السعي لتعزيز العلاقات الأخويّة بين الكنيستين على جميع الأصعدة الرعويّة والليتورجيّة والإنسانيّة وهم يطلبون من اللجنة الرباعيّة المشتركة مواصلة اجتماعاتها وتنظيم لقاءات مسكونيّة تقدّم فيها بحوث تاريخيّة ولاهوتيّة لإبراز ما هو مشترك في إيماننا وفي لاهوتنا الأنطاكي وتوضيح النقاط التي لا تزال موضوع نقاش.
ولم تقم اللجنة الرباعيّة بعد هذا التاريخ بأيّ نشاط وتشتّت أعضاءها. وتبيّن أن الروم الأرثوذكس الأنطاكيّين مع انفتاحهم على المستوى العملي والرعوي على الروم الكاثوليك يتبنّون مواقف اليونان والروس المتشدّدة ضدّ اللاهوت الغربي. وتجلّى هذا في خطاب البطريرك اغناطيوس هزيم لدى استقباله البابا يوحنا بولس الثاني في الكاتدرائيّة المريميّة في 5 أيار 2001.  
واقتنع الروم الكاثوليك أن إعادة الوحدة الكنسية تتطلّب جهوداً طويلة على المستوى الرعائي واللاهوتي والروحي وصرفوا النظر عن الوحدة الفوريّة مع أرثوذكس الكرسي الأنطاكي قبل إعادة الوحدة الشاملة بين الكاثوليك والأرثوذكس. بيد أنّ الحوار على المستوى الدولي لا يغني عن الحوار على المستوى المحلّي. وهناك حوارات مجدية قامت لا سيّما في الولايات المتحدة وفرنسا بين الأرثوذكس والكاثوليك  ساهمت في تقريب وجهات النظر. ولذا دعى غبطة البطريرك غريغوريوس لحّام إلى إعادة تشكيل لجنة مسكونيّة بطريركيّة عقدت أول اجتماعاتها في مقرّ عين تراز في               5-أيلول 2005 ومهمّتها التمهيد للحوار بدراسات تاريخيّة وببليوغرافيّة ولاهوتيّة علاوة على حوار الحياة الذي يجب أن يفعّل على مستوى الأبرشيّات وعلى التعاون الرعائي والروحي في كافة المجالات..
إنّ السعي لإعادة الوحدة من أوّليّات المهام الكنسيّة وهو عمل شاق يستوجب نكران الذات ويتطلّب دراسات عميقة وموضوعيّة ويجب أن تدعمه صلاة الجماعة لتحقيق رغبة المسيح ليكونوا واحداً كما نحن واحد.
بعض المراجع:
الأرشمندريت اغناطيوس ديك، الملكيّون 1998، العقيدة والموقف المسكوني ص 47-66
الارشمندريت اغناطيوس ديك، البطريركيّة المسكونيّة وتطوّر الأرثوذكسيّة والمسيحيّة الشرقيّة في العصر الحديث 2005 ص. 177-214
الارشمندريت اغناطيوس ديك، على دروب الوحدة المسيحيّة 1985 ص 36-49 "أين نحن من الوحدة المسيحيّة"، محاضرة ألقيت في 22 كانون الثاني 1973 في حلب في إطار أسبوع الوحدة المسيحيّة ونشرت جزئيّاً في مجلّة أبرشيّة حلب للروم الكاثوليك صوم 1973 توضح هذه المحاضرة القضايا العالقة بين الشرق والغرب والانفتاح الحاصل وتطرح لأول مرّة مسألة الانتماء المزدوج.
       


1 اغناطيوس ديك ، راجع الحضور المسيحي في حلب الجزء الثاني المجلّد الأول ص 177 - 182
2 المرجع السابق ص 183 - 186
3 اسد رستم كنيسة مدينة الله أنطا كية العظمى الجزء الثالث ص 171
4 اغناطيوس ديك البطريركيّة المسكونيّة وتطور الأرثوذكسيّة ص 204 - 205 – الحضور المسيحي في حلب 2/1 ص.144
1- راجع فايز فريجات، الكنيسة الملكيّة والمجمع الفاتيكاني الأول
1 تاريخ دمشق للخوري ميخائيل بريك ص 5
2 راجع ا.ديك الحضور المسيحي في حلب جزء 2/1 ص 142 - 143
1 راجع ا.ديك – الحضور المسيحي في حلب جزء 2/2 ص 12-14

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
بولس والرسالة الأولى إلى أهل قورنثوسالله واحد ولكنه ليس متوحدًا ومستوحشًا.. تأمل من وحي لاهوت القديس غريغوريوس النيصصي
قيمة الإنسان.. بحث في أنثروبولوجيا الآباءالفَلْسَفَةُ المَسِيحِيَّةُ
خصائص لغة الأمثال الرمزيةالقومية أو الثقافة في الكنيسة
المسيحيّون وهاجس الأعدادتأنسنَ الإله ليؤلّه الإنسان
الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس.. معاً نحو الوحدةالمسيحيّة والمؤسّسات
الحجّ رهبانيّة المسلمينقراءة في كتاب "شرح الأمانة" للأب الدكتور بيير مصري
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى