الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات روحية ولاهوتيّة

سرّ الفداء

  بقلم: الأب بسّام آشجي

محاضرة ألقيت لمربي التعليم المسيحي
في حمص والمنطقة الوسطى (8 آذار 2008)
مقدّمة
يتوَّج "الخلاص" في المسيحيّة بـ "الفداء" الذي حقّقه السيّد المسيح بموته وقيامته، فنتلو في قانون الإيمان: نؤمن "بربّ واحد يسوع المسيح..، الذي من أجلنا، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد..، وصُلب عنّا..، تألّم وقُبر وقام".. فـ"الفداء" هذا مرتبط بـ"التجسُّد، وبـ"الثالوث" بدايةً. ويسبق المفردات الثلاث هذه (الثالوث، التجسُّد، والفداء) تعبير "سرّ" للدلالة على معناها. ويقصد بـ"سرّ الفداء" موت يسوع على الصليب وقيامته تالياً، وذلك "من أجلنا، ومن أجل خلاصنا"، لا بل "إن الإيمان بقيامة يسوع ليس أمراً يضاف إلى الإيمان بالله وبيسوع المسيح، إنه موجز الإيمان وجوهره".
إذاً، علينا أولاً أن نُعرّف معنى كلمة "سرّ". فهو عموماً "الأمر المخفي" أو "المحجوب"، الأمر الذي لا يستطيع العقل إدراك حقيقته كاملاً. فالحقيقة ليست فقط فيما يظهر ويُعقل. وهذا لا يعني أنه ضد العقل، بل يفوق العقل، يستغرق العقل في الفهم. الحقيقة العميقة صعبة التعبير، كاختبارات الحبّ والإيمان والجمال والصبر والإبداع... فغالباً ما يكون الأعمق فيها هو ما قد حُجب.
إنَّ مفهوم "السرّ" لا يعفينا من التساؤل، وفي آنٍ لن ننتهي من الإجابة!.. "نفهم لنؤمن، ونؤمن لنفهم".. فالإيمان والفهم يتوازيان دائماً. والمسيحيّة رغم بساطتها تتمنهج حول هذا المفهوم. وبهذا المعنى ندخل إلى فهم "سرّ الفداء"، سرّ موت يسوع على الصليب وقيامته في اليوم الثالث. لا بل أيضاً، إلى لسرّ الله "بطريقة إنسانية".
ماذا نعني بقولنا: "مات المسيح من أجلنا؟"..
لماذا صُلب يسوع؟.. نطرح هذا السؤال مع اللاهوتي المعاصر فرنسوا ﭭاريون..
"ذلك الحدث في نظرنا نحن المسيحيين محور التاريخ... يكون الإنسان سطحياً ما لم يطرح على نفسه هذا السؤال"!
هل مات تعويضاً عن خطايانا؟
يقال إن المسيح حلَّ محلَّ البشرية الخاطئة وأخذ على عاتقه العقاب المُعد لتلك البشرية فجعل من حياته ذبيحة تكفيرية. فنحن أمام إله يعاقب, وإن كان الله يعاقب فلأن عليه أن يعاقب, لأن عدله يستوجب ذلك, والحال أن المسيح حلّ محل البشرية لتحمّل العقاب, وأخذ على عاتقه العقاب, وإذا مات فلا يكون موته من جراء خطاياه هو (وهو البريء) بل من جراء خطايانا, إنه يكفّر عن خطايانا أي بدلاً عنا.. وكثيراً ما تستعمل كلمة تعويض: "لا بدّ من التعويض عن الإهانة التي نزلت بالله".. والإكرام، الذي رفض الناس بخطاياهم تأديته إلى الله، قدّمه المسيح البريء من الخطيئة تعويضاً.
تلك أهم المفردات التي كانت شائعة وهي: "العدل والعقاب والاستبدال والتكفير والتعويض". كان يتم تبرير استخدام هذه الكلمات على الطريقة التالية: كان لا بد أن يأتي العقاب على قدر الخطيئة. ذلك بأن الله لا يستطيع أن يسكن غضبه إلا إن أنزل العقاب الذي استوجبته المخالفة, ولكن بما أن المهان هو الله نفسه فلا يستطيع الإنسان أن يعوض تعويضاً وافياً, فإن الله لا متناهٍ والإنسان محدود, فمن المستحيل أن يلَّبى عدل الله, لذلك جاء المسيح, إنه إنسان، و لكنه إله، يحل محل الناس ليقدم لله تكفيراً لائقاً.
لنفكر بماذا يقال لنا: إن الله لا يستطيع أن يغفر للإنسان ما لم يُلبَّ عدله أولاً. نستنتج من هذا القول أن الله ليس لا متناهياً في المجانية. إنهم يلجأون في مرحلة متداخلة من مراحل الغفران, إلى "عدل" يظهر حتماً بمظهر حدّ للمحبة, يجعلون في الله محبة يحدّها العدل, إن كان عدل الله يقتضي تعويضاً عن الخطيئة , فهل يبقى مجال للكلام عن الغفران؟ فقد يعني ذلك أن الله لا يستطيع أن يطلق العنان لرحمته, ما لم "يُثأَر"، و بذلك جعلنا في الله نوعاً من التنازع بين عدل يميل إلى الثأر ومحبة أبويّة, وتكون المحبة الأبويّة محدودة بسبب مقتضى العدل الميال إلى الثأر ويكون دم المسيح أريق في الجلجلة ثمن دَين يقتضيه الله تعويضاً عن الإهانة التي أنزلتها خطيئة البشر في كرامته.
هناك أفكار خاطئة عن الصليب
الصليب ليس فعل تعويضٍ درامي قام يسوع بتنفيذه لكي يُهدِّأَ غضب الله الثائر على خطيئة الإنسان، يقول اللاهوتيّ الكبير جوزيف رََتْزِنْغِر (البابا بندكتُس السادس عشر حالياً): "في نظر العديد من المسيحيين، ولا سيما الذين لم يطَّلعوا على الإيمان إلاَّ من بعيد، يبدو الصليب وَجهاً من وجوه قضية الحق المهضوم والمُعاد. فيكون الصليب تلك الطريقة التي تمَّت بها مصالحة الله المُهان إهانةً لا حدَّ لها ، بتكفير لا حدَّ له... وهناك نصوص عبادة توحي، على ما يبدو، بأنَّ الإيمان المسيحي بالصليب يتصوَّر إلهاً استوجب عدلُه الذي لا يرحم ذبيحة بشرية. ذبيحة ابنه نفسه. هذه الصورة خاطئة بقدر ما هي منتشرة. فالكتاب المقدَّس لا يفهم الصليب وكأنَّه وجه من وجوه قضيَّة الحق المهضوم".
هل حاول الرسل فهم معضلة موت يسوع؟
إن صليب المسيح بدا في البدء للرسل فشلاً مريراً كانوا قد تبعوا يسوع لاعتقادهم بأنهم وجدوا فيه ذلك الملك الذي لن ينتصر عليه أحد, وها هم أصبحوا خلاف لما كان متوقعاً, رفاق رجلٍ حكم عليه بالموت وأعدم. قد يقال إن القيامة قد فتحت عيونهم, وبعد الترائيات استعادوا رباطة جأشهم القديمة وهم على يقين من أن يسوع هو الملك الذي آمنوا به. هذا صحيح لكن يخشى أن لا نرى أن إدراك معنى لصليب استغرق عند الرسل وقتاً طويلاً.
ما الفائدة في الصليب؟ نتابع مع ﭭاريون، قال القائم من الموت لتلميذي عماوس: "أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده" (لو24/26). لماذا "كان يجب.."؟! لم يفهموه إلا شيئاً فشيئاً.
حين أرادوا أن يشرحوا ذلك الحدث, استعانوا أولاً بالعهد القديم, و بالضبط بالصيغ الفكرية التي كانت موجودة في عصرهم وهي صيغ فكرية يهودية طقسية وثقافية حيث أنه بعد قيامة يسوع أقتنع الرسل بأن كل ما قيل في العهد القديم قد تم بيسوع المسيح لا بل أنهم لا يستطيعوا أن يفهموا ما كان مقصوداً في العهد القديم إلا انطلاقاً من يسوع المسيح , وبناءً ذلك قام القديس بولس والإنجيليون بـ"تفسير" الصليب بإضفاء معنى على حدث "موت يسوع على الصليب.. انطلاقاً من لاهوت العبادة في العهد القديم . فكلمة "ذبيحة" مثلاً من مفردات ذلك اللاهوت لكنها ترد في العهد الجديد لكنها للتشبيه على مثال ذبيحة العهد, وقال إن الدم الذي يُراق من أجل جماعة الناس. والذكر الذي أقامه مستوحى من ذبيحة الحمل الفصحية.
وفي نظر يسوع، ما هي الذبيحة الفداء؟..
لكن كل ذلك لم يكن في نظر يسوع إلا صُوَراً: كان يعرف أن موته يختلف كل الاختلاف عن الرتب الطقسية. فما أراد أن يقوله هو هذا: كانت الذبائح القديمة غير فعَّالة, فموتي وحده قادر على تحقيق ما أردت تلك الذبائح أن تعمله وتعنيه. لأن ما يريد الله ليس هو التيوس ولا الثيران ولا أي قربان طقسي, قد يُذبح لله ألوف من الحيوانات على وجه الأرض, لكن الله لا يحتاج إليها فإنها له على كل حال. ولا يستفيد الله من إحراق كل ذلك لمجده فالإنسان وحده يهم الله. كل شيء لله, لكنه وهب للإنسان حرية القول "نعم" أو "لا"، وحرية المحبة أو عدم المحبة. إن اعتناق المحبة الحر هو الشيء الوحيد الذي يمكن لله أن ينتظره. والحال أن العبادة القديمة حاولت أن تستبدل ما لا يستبدل أن تستبدل قرابين الحيوانات بقربان محبة الإنسان, أمَّا يسوع فقد قَّرب نفسه، قال لله: "نعم" الطاعة البنوية.
ورد في النص أن يسوع بدمه أجرى المصالحة مع الله لكن ذلك لا يعني أن الدم المراق هو عطية مادية ووسيلة تكفير تقاس كميتها, بل الدم المراق هو عبارة عن عملية لمحبةٍ بلغت أقصاها, فالمسيح هو أعطى كل شيء, كل شيء على الإطلاق. وفي ذلك يبدو أنه الإنسان, الإنسان في ملء كماله. إنه مطلق المحبة كما لا يستطيع أن يقدمها إلاَّ ذاك الذي أصبحت فيه محبة الله نفسها محبة بشرية.
كل ما يقوله يسوع ويعلمه يكشف لنا الله... فإذا كان التجسد عمل تواضع, فذلك أن يسوع, مساء خميس الأسرار, يغسل بتواضع أقداماً بشرية, أرى إذاً أن الله نفسه منذ الأزل خادماً متواضعاً في عمق أعماق مجده. ليس تواضع المسيح وجهاً استثنائياً من وجود مجد الله, بل إنه يكشف في زمن التاريخ البشري أن التواضع هو منذ الأزل في قلب المجد. فلا يجوز لي أن أعتقد في الساعة التي يموت فيها يسوع على الصليب, بأنه لم يعد يقول لي: "من رآني رأى الآب"، بل يجب بالعكس أن أفهم أن موت يسوع هو الذي يكشف لي ويريني من هو الله وما هو كيانه وما هو كيان الله الأزلي. ذلك بأننا إن تقصينا الأمور, وجدنا أن الموت, عند الله منذ الأزل هو في قلب الحياة. الله محبة والحال أن المحبة هي الموت عن النفس, لا بتفضيل الآخرين على النفس فقط, بل بالتخلي عن الوجود في سبيل الآخرين وحدهم...
كتب القديس بولس أن الله "تجرد من ذاته متَّخذاً صورة العبد وصار على مثال البشر... فوضع نفسه وأطاع حتى الموت, موت الصليب" (فل2/8-9). هذا يعني أن كيان الله هو منذ الأزل إسلام النفس للآخرين. نحن لا نستطيع أن ندرك ما معنى ذلك, لأن كيان الله الأزلي هو فوق تصوُّراتنا, لكنه يمكننا أن نحاول أن نفهم أن هذا هو في الحقيقة "سرّ" كيان الله..
حين ضحى الآب بابنه، لا نقل إنه طالب بتضحية ابنه تعويضاً لعدله, بل إنه ضحى بأعز ما له. وهذا يعني بأنه ضحى بنفسه, فإن الآب لم يشفق على نفسه. وبما أن كيان الآب ليس هو إلا بالابن وفي سبيل الابن فلقد أسلم نفسه حين أسلم لنا ابنه.
يحملنا موت المسيح على الاعتقاد بأن كيان الله هو غيُر ما نتصورّه وأن كمالات الله هي, لا أسمى فقط بما لا حدّ له ممًّا نستطيع أن نكون في مجال الكمال، بل بأنها أيضاً فيه على شكل يختلف بما لا حدّ له عن شكلنا: إن الله هو آخر كليّاً, نحن نغتني بالتملك أما الله فهو غني بالتجرد, حين جعل المسيح نفسه عبداً وقَبِل أن يوثق في آلامه وجرًّد نفسه من حياته نفسها, عبر عن الله بحركات وأعمال بشرية. وحين لفظ النَفَس الأخير, تخلى عن تملك حياته نفسها، وإذاً، عن تملك كل شيء... تلك هي القدرة على المحبة" .
واقع الصليب وحقيقة قيامة المسيح وجهان لشخصيّة يسوع
يشعر الإنسان، في رتابة الزمن وأمام معضلات الحياة، والألم والخطيئة والموت، بحاجة ملحة إلى التغيير والتجدّد، خصوصاً أمام جمود هذا الواقع الذي يبدو كأنّه صليباً على عاتق الإنسان. إن الصليب هو واقع في حياة كل إنسان، وإن تحاشى البعض تسمية صعوبات وإخفاقات وآلام وظلم الحياة وشرّها وموتها صليباً. ويطرح السؤال نفسه: لماذا؟.. لماذا يوجد الشر؟.. الظلم؟.. الألم؟.. الموت؟..
مهما فسّرنا، وحاولنا فهم واقع الصليب، وكشفنا عن مساهمة الله في هذا الواقع، يبقى الصليب صليباً. التعزية في ذلك، كل التعزية، هو أن الله يحمل في شخص يسوع المسيح المصلوب هذا الواقع. ولكن المشكلة تكمن فيما لو انتهت قصة يسوع عند الصليب، حيث يخبو الرجاء في قوّة الله. لذلك يؤكد بولس الرسول على محورية الإيمان المسيحي في قيامة يسوع، وكأنها تأكيد على انتصار الله في الحق والعدل والمحبة. ويبقى الإيمان في هذه الحقيقة سرّاً. والسرّ، كما ذكرنا، ليس هو الحقيقة التي لا نستطيع فهمها، بل هي ما نستغرق في استيعابها الزمن بأسره، وربما الأبدية أيضاً.
إنَّ يسوع المسيح، الذي صُلب وقام، وحده يستطيع أن يغيِّر ويجدِّد جذرياً. والقضيّة أولاً وآخراً فعل إيمانٍ به، وبفاعلية قيامته، وبعمق حضوره المستمر.
إن سرّ الفداء، بعد استبعاد المعاني الخاطئة عنه، هو حركة تضامن إلهي مع واقع الإنسان، المليء بالتناقضات والظلم والقهر وعبودية الشر والموت. لم يحقّق يسوع هذه الحركة (التضامن) بمنطق القوّة والتسلّط والعنف، بل على العكس، فقد حمل هذا الواقع تماماً لكونه إنسان. وندّد به لأنه الله. وصحّحه بموته وقيامته لأنه الاثنين معاً. لم يستطع التلاميذ في البداية فهم حقيقة صلب يسوع، ربما نحن أيضاً لا نفهمها، خصوصاً إذا كنّا لم نكتشف بعد أن الحياة بحدّ ذاتها تحمل صليباً.
لقد دشّن تلاميذ يسوع حياتهم الرسولية بالشهادة للمسيح القائم من الموت. ولقد كوّنت هذه الشهادة العهد الجديد الذي لا نزال إلى اليوم نعيش مجده. فقيامة يسوع، وما نتج عنها من استقبال منفتح للروح القدس، قد منحتنا قراءة جديدة لحياته ولتعاليمه ولأفعاله، وخصوصاً لموته. لا بل بنورها نستطيع، شيئاً فشيئاً، فهم سرّ الحياة ومشكلة الموت.
قيامة يسوع موضوع الكرازة الأولى
بشّر التلاميذ بالمسيح بطريقة الخطف خلفاً .flash back أي أن الكرازة الرسولية الأولى والأساسية كانت قيامة يسوع التي حدثت في نهاية حياته على الأرض. وعلى ضوئها عادوا لفهم حقيقة شخصيته: ولادته، حياته، تعاليمه، معجزاته، وموته...
هناك في كتاب أعمال الرسل خمس عظات تدلُّ على ذلك (إقرأ واحدة منها على الأقل). تتفق هذه العظات بالمضمون لتقدِّم أربع حقائق مبيَّنة في الجدول التالي:
" توبوا ..."
" نحن شهود على ذلك
قيامته
موت يسوع
38
32
24
2/22-23
19
15
15
3/13-14
12
20
10
4/10
43
41
40
10/39
38
31
30
13/27-29
قيامة يسوع علامات واختبار وشهادة
يمكننا تحديد علامات قيامة يسوع بــ"القبر الفارغ"، "والترائيات" ، وخصوصاً بـ"شهادة الرسل" . ويؤكد اللاهوتيون أن قيامة المسيح لا تستند إلى براهين علمية خارجية، وإلا قوّضت معنى الإيمان، بقدر ما تتأكد بواسطة "الاختبار الشخصي" . ولقد منح القائم من الموت رسله نوعين من هذا الاختبار: فترأى لهم مجتمعين (أنظر: مت28/16-20، مر16/15-18، لو24/36-53 ، يو20/19-23)، وأرى نفسه لبعضهم بشكل خاص (أيضاً: لو24/13-35 ، يو20/11-18). وما نستطيع قوله، في كلا الحالين ، عن "اختبار الرسل لقيامة المسيح هو أنهم لاقوا المسيح من بعد موته في لقاء شخصي واختبروا اختباراً جديداً أن المسيح حيّ وأنه حاضرٌ بينهم" .
إن قيامة المسيح لا تعني فقط أن الله قد أقامه من بين الأموات، بل أيضاً أن الله يعطيه جماعة يكون فيها حاضراً: أخصاؤه الذين يجتمعون من جديد ويصبحون كنيسته.. إن التلاميذ لا يعرفون ما حدث ليسوع نفسه، أي أنه قام، إلاّ من خلال حضوره من جديد في ما بينهم وبواسطة هذا الحضور" . إن قيامته هي اعتلان لقدرة الله ، وتصديق لكلامه ورسالته، لذلك فهم التلاميذ، ونحن من بعدهم، معنى الخلاص على ضوئها.
قيامة المسيح حدث من نوع "السرّ"
يقول اللاهوتي المعاصر ري مرميه: إنَّ قيامة المسيح حدث حقيقي. لكنها ليست حدثاً تاريخياً عادياً. إنها حدث "سرّ"، يتألف من بُعدين لا ينفصلان، بُعد يتخطى التاريخ وبُعد تاريخي: أما الذي يتخطى التاريخ، فهو الفعل الذي لا يدرك والذي به يمجد اللهُ يسوعَ الناصري الذي دُفن في قبر. "سرُّ الفصح" يصل يسوع إلى مجد الآب ساعة موته على الصليب. لكنَّ حدث القيامة السري الذي يتمتع ببعد تاريخي ملازم له: الأثر الملموس الذي حفره، منذ الفصح، في تاريخ البشرية، أي القبر الفارغ والظهورات وتبشير الرسل.
هكذا فالمعرفة الوحيدة التي تلائم هذا الحدث هي معرفة إيمانية لكنها ترتكز إلى أدلة تاريخية.
قيامة يسوع هي علامة قيامتنا .. ورجائنا
إن قيامة المسيح هي حدث منفتح على واقع الإنسان (كلّ إنسان وكلّ الإنسان)، فهي لا تمنح قراءة جديدة للماضي والحاضر وحسب ، بل للمستقبل أيضاً، فموضوع رجائنا هو استمرار الحياة بالله حيث الحق والعدالة وفيض الحب. إن من يتبع الله يدخل حضور القيامة. فحقيقة الإيمان المسيحي تتلخّص بقول يسوع: "من أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه، ويتبعني". لم يقل يسوع في هذه الدعوة: "فليحمل صليبي"، بل قال: "صليبه"، والصليب هو واقع على كلّ إنسان كما رأينا، ولكنه قال أيضاً: "ويتبعني"، أي يتبعني إلى القيامة، هذا هو تماماً معنى اتِّباعه. "عندما يشهد جميع المسيحيين بحياتهم للقيامة ينقلب العالم بأسره نحو الفرح والمشاركة والسلام والرجاء والإيمان" . فإن كنا نشترك مع كل البشر في واقع الصليب، علينا في اتّباع يسوع أن نُشركهم في رجاء القيامة. إذ لا يمكن فصل حقيقة الصليب عن سرِّ القيامة وإلاّ أصبحت الأمانة لله بؤساً والحياة معه جحيماً والموت نهاية، وما عاد "الله محبة". يقول اللاهوتي المعاصر كارل بارت: "إذا كنّا نؤمن بأن للتاريخ معنى، ونؤمن أيضاً بالتطور، وإصلاح المجتمع وتجديده، ونؤمن بالأُخُوَّة. وإذا كانت لنا الشجاعة.. فنحتمل القيود والعقبات.. ذلك لأننا نؤمن بالتدبير الإلهي الذي يحطم أقوى القيود، أعني به: الموت!..
"أجل لقد قام المسيح وأقام معه العالم، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم (القرن الرابع).. لقد قام بعد أن سحق قيود الموت، وأقامنا بعد أن كسر قيود ذنوبنا. خطئ آدم فمات، ولم يخطأ يسوع فمات أيضاً: أمرٌ غريب، عجيب!!.. لماذا مات المسيح وهو لم يخطأ؟.. ليستطيع مَن خطئ فمات، أن ينجو من قيود الموت، بمَنْ مات دون أن يخطأ وقام..
استقبال الفداء مسألة اختيار : البقاء في آدم .. أو الاتشاح بالمسيح..
يؤكد بولس الرسول أن الإيمان بقيامة يسوع هو محور الإيمان به : "إن كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطلٌ وإيمانكم باطل " (1كور 15/14). وقيامة يسوع هي تأكيدٌ للإيمان بقيامتنا ودعوة رجاءٍ لنا للعيش بإنسانٍ جديدٍ متشحٍ بالمسيح: "وإذا كان رجاؤنا في المسيح مقصوراً على هذه الحياة ، فنحن أشقى الناس أجمعين... إنَّ المسيح قام من بين الأموات وهو بكر الأموات. فقد أتى الموت على يد إنسانٍ وعلى يد إنسانٍ تكون قيامة الأموات، وكما يموت جميع الناس في آدم فكذلك سيحيون في المسيح... كان آدم الإنسان الأول نفساً حيَّة، وكان آدم الآخر روحاً محيياً. ولكن لم يظهر الروحاني أولاً، بل البشري، وظهر الروحاني بعده. الإنسان الأول من التراب فهو ترابي، والإنسان الآخر من السماء. فعلى مثال الترابي يكون الأرضيون، وعلى مثال السماوي يكون السماويون. وكما لبسنا صورة الترابي، فكذلك نلبس صورة السماوي.." (18-23 و45-49).
خاتمة
 الموت مسألة صعبة، في كلا مظهريه: المباشر واليومي. وحين يرتبط الإنسان بحبّ الله، تتعاظم لديه مشكلة الفشل ويخبو بالضعف، وينهار أمام الموت!.. ولعل خبــــرة تلميذي عماوس مرجعاً لكل مسيحي إن لم يحمله في كل قدّاس لأصبحت مسيحيته قناعاً يُزيّف حياته. لم تكن قيامة يسوع موضوعاً عقائدياً يبنى عليه الإيمان المسيحي أولاً وآخراً لولا خبرة الرجاء التي حملها القائم من الموت للمؤمنين به، ولولا تفعيل هذا الاختبار بنداءات الروح القدس اليومية. العنصرة هي قراءة إلهية لحدث يسوع المسيح ، وخصوصاً لموته وقيامته. إنها حدث معمّم عبر الزمان والمكان وإلا فقد قيمته في الإيمان. وفُقد الإيمان!.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
المسيحية واحترام البيئةالهجرة
شهادة حياة: "الإيمان والألم والعلم"الخطاب الديني وتحدّيات العصر
دور المرشد في المفهوم الكنسيّالعمل المسكوني ودوره في تفعيل الحضور المسيحي
القدّاس أولاًحاجاتُ المؤمنين من الكنيسةِ اليوم، وكيف تلبّي الكنيسة هذه الحاجات
"مسيحيو حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر.. دور بارز في النهضة العربية" محاضرة للأب ديكالمسيح في صلاة الفصح
الأسرار: اختيار مشاركة.. ودعوة خدمة (الزواج والكهنوت)مَنْ هُوَ الله..عند آباء الكنيسة الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى