الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات روحية ولاهوتيّة

حاجاتُ المؤمنين من الكنيسةِ اليوم، وكيف تلبّي الكنيسة هذه الحاجات

  بقلم: الدكتور نهاد خوري


انقر هنا للتكبير
محاضرة قيّمة، لاهوتيّة بامتياز، وتساؤليّة بآفاق، قدّمها الدكتور نهاد خوري (الطبيب الجرّاح المعروف) رئيس مركز حلب لحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة (مدارس الأحد). فاستعرض أولاً "الحاجات البشريّة" وتطوّرها عبر العصور بشكل عام، ثم طرح التساؤلات الأساسيّة حول "حاجات المؤمنين" من الكنيسة، وبالمقابل "حاجات المجتمع" من المؤمنين، ليُجيب عنها تباعاً في سياق المحاضرة، فأظهر أهميّة "الوجه التقديسي للكنيسة" بغياب "البعد الروحيّ في الإنسان المعاصر" رغم التطوّر المتنامي الذي تحقّقه البشريّة خصوصاً في البلدان المتقدّمة، فالمسيحيّ لا يرى نفسه إلا بـ"المعيّة"، أي أن عليه أن يكون دائماً "مع" الآخرين ومن أجلهم. وبيّن أهميّة "الوجه الرعائي للكنيسة" مستعيداً سؤال: "ما حاجة الكنيسة من المؤمنين"، ليؤكّداً مراراً على جماعيّة الكنيسة، فهي الإكليروس والمؤمنين معاً، وما الاختلاف بينهما سوى اختلاف وظيفيّ، حيث أن لكلّ دوره كالأعضاء المتنوّعة في الجسد الواحد الذي يرئسه المسيح نفسه، فلا رعيّة بدون راعٍ ولا راعٍ بدون رعيّة. لذلك لا بدّ للرعاية من أن تُبرز، بالإضافة للوجه الروحيّ، "الوجوه: الاجتماعي، الحضاري، والحياتيّ للكنيسة"... تبادل أخيراً الحاضرون والمحاضر الآراء والمداخلات والتساؤلات..
الحاجات البشرية:
   إذا تجاوزنا المُمارسة َالإيمانيّة َالأسرارية َوتناولنا حاجاتِ "المؤمنين" كمجموعةٍ بشريةٍ ذاتِ صفةٍ معيّنةٍ، مدركينَ أنَّ ما يحتاجُهُ الإنسانُ، هو ما يفتقِرُ إليهِ لحياةٍ مقبولةٍ، وهذهِ الحاجاتُ عديدةٌ ومتنوّعة ٌ، حاجاتٌ اقتصاديّة ٌومعيشية ٌ: من سكن ٍوعملٍ وتعليمٍ ورفاهٍ اجتماعي إلى حاجاتٍ سياسيةٍ من حرّيةِ تعبيرٍ ومساواةٍ وعدلٍ وأمنٍ اجتماعي وشراكةٍ في المجتمع ، إلى حاجاتٍ روحيّةٍ من حريّةِ عبادةٍ وإيمان ٍ وممارسةٍ و.....و...
   هذه الحاجاتُ من أساسياتِ الحياةِ، وهي حاجاتٌ إنسانية ٌ، لكلِّ إنسانٍ، ولكلِّ البشريةِ..الحياة ُلا تعني مجرَّدَ العيش.. أنْ يعيشَ الإنسانُ بكرامةٍ يعني أنْ يحيا متمتّعاً بحقوقٍ هي له ُأصلا ً،هبة ٌمنَ اللهِ الخالق ِ، الذي خلقَ الإنسانَ حرّا ًوخلّصَهُ من الموتِ بفداءٍ عظيم.
     تطوّرتْ حاجاتُ الإنسان ِعبْر العصور، بسببِ تغيُّر المفاهيمِ الاجتماعيّةِ والاقتصاديّةِ ، فما كان يرتضيهِ الإنسانُ من مسكنٍ بسيطٍ وحياةٍ تبلغُ حدَّ الكفافِ قبلَ عقودٍ، أضحى الآنَ مِنَ الماضي ...أخذ َالإنسانُ يسعى، تدفعُهُ عولمة ٌاستهلاكية ٌطاحنة ٌإلى الامتلاكِ أكثرَ وأكثرَ ساعياً دون اكتفاءٍ إلى المزيدِ من كلِّ شيءٍ ، يكادُ إنسانُ عصرنا ينهارُ تحتَ طوفانٍ سلعي مبهرٍ لا يكادُ يمتلكُ بعضا ًمنه، حتّى يرميَهُ ساعيا ًنحوَ الأحدثِ، في دائرةٍ استهلاكيةٍ مفرغة....
 
   هذا السعيُ للتملّكِ هو في الحقيقةِ سعيٌ طبيعيٌ، من وظائفِ الحياةِ، إذ يجبُ أنْ نمتلكَ أشياءَ لكي نعيشَ، ولنا أن نمتلكَ أشياءَ لنستمتعَ بها ، ولكنْ هذهِ الحاجاتُ الامتلاكية ُأضحتْ في حضارةِ اليومِ هدفاً بحدِّ ذاتِهِ، الهدفُ الأسمى هو التملّكُ ومزيدٌ من التملّكِ، فيصبحُ التملّكُ هو جوهرُ الكيان ِ.. فمنْ لا يملِكُ شيئاً لا يساوي شيئاّ... مقولة ُأهل ِالدنيا .. هذا جوهرُ الاستهلاكِ الأناني الذاتي، كلُّ استهلاكٍ سابقٍ سرعانَ ما يفقدُ تأثيرَهُ الإشباعي ، فتصبحُ الصيغة ُالوجوديّةُ المعاصرة:" أنا موجودٌ بقدْر ما أملكُ وأستهلك ".. ويصبحُ أسلوبُ التملّكِ الاستهلاكي أسلوبَ حياةٍ ينعكسُ على كافةِ مناحي النشاطِ الفردي والمجتمعي..من مناحي الاقتصادِ والعمل ِوالتعلّم والسلطةِ و.. و.. ، لم يعدْ لدى الكثيرين حاجاتٌ يفتقرونَ إليها لحياتِهم بل غرائزُ تملّكٍ لا تُشبع.. يوهمونَ أنفسَهم أنّها حاجاتٌ لا غِنى عنها لحياتِهم...تتزايدُ وتتنامى الحاجاتُ دون أنْ تكونَ بالضرورةِ حاجاتُ عيش ٍوحياةٍ، متناسين أنّهم عندما يمتلكونَ أكثرَ فإنّ سواهُم سيمتلكُ أقلَّ بالضرورة.
  
    بالطبعِ، إنَّ حاجاتِ الإنسان ِنسبية ٌ، فما يحتاجُهُ الإنسانُ في دول ِالصحراءِ والساحل ِالأفريقيةِ من غذاءٍ وماءٍ ودواءٍ، لا يُعتبرُ لدى الفردِ الأوروبي سوى أمرٍ بديهي ومن النافل ِالاهتمامُ بهِ ، أمّا وسيلة ُالانتقال ِومصدرُ الدخل ِلدى صاحبِ عربةِ الركشا في كلكوتا الهنديّة ..لا تعني لدى كنديّ في مونتريال سوى صورةٍ من عصرِ ما قبلِ الطاقة !
 
    لقد قامَ الإنسانُ عبْرَ التاريخ وبتنامي خبراتِهِ الحياتيةِ بتطوير نُظمٍ اجتماعيةٍ أوكـلَ إليها أمـرَ
تنظيـم ِحياتِه الاجتماعيـّــةِ حرصاً منهُ على أنْ يقومَ هذا النظامُ بتلبيةِ احتياجاتِهِ ودعمِ وجودِه الاجتماعي، فمِنَ المجتمعاتِ القبليةِ إلى الزراعيةِ إلى مجتمعاتِ عصور الفتوحاتِ الكبرى فالمجتمعاتِ الصناعيةِ فعصرِ ثورةِ المعلوماتِ والثورةِ الرقميةِ كانتْ هذه الأنظمة ُالسياسية بلبوسِها ونشاطِها الاقتصادي تسعى لرفاهيةِ وسيطرةِ شعوبِها بتأمين ِوَفرةٍ ماديةٍ – ولو على حسابِ شعوبٍ أخرى !– توزُّعُها - نظرياً على الأقلِّ، على أفرادِها من خلال ِتأمين ِالعمل ِوالمسكن ِوالخدماتِ الصحيّةِ والتعليميةِ وغيرِ ذلك .
 
   السؤال هو: ماذا يحتاجُ " المؤمنون " إذا كانَ نظامُ العقدِ الاجتماعي كما هو ممارسٌ في الدول ِالسياسيةِ المعاصرةِ هو المسؤولُ عن تأمين ِتلكَ الاحتياجاتِ الحياتيةِ التي تناولتُها سابقا؟
أي باختصارٍ، واجبُ الدولةِ.
   المؤمنون: أفترضُ أساساً أنَّ الكلامَ عنْ "مؤمنين"، يَعني أعضاءَ فاعلين، ممارسين، مجتمعين حولَ الكأس ِالواحدةِ في سرِّ الكنيسةِ الأساس.. ساعينَ إلى القداسةِ، خاطئينَ، توّابين، شاهدين..   لكنْ هناكَ فئة ُالمؤمنين الاجتماعيين، ينتمون شكلاً إلى طائفةٍ– أناعادةً قلّما أتحدّثُ عنْ الطائفة كمصطلح- هذهِ المجموعة ُمن المؤمنين الموسميين – وليسَ لي أنْ أدينَهم، حاشا – هم في العادةِ متطلّبون، منتقدون...من خارج.. يهمّهُم الشكلُ دونَ المضمون.. طبعا ًلهم حاجاتٌ مِنْ، وتطلّعاتٌ إلى كنيسةٍ ينتمونَ إليها بشكلٍ ما، وللكنيسةِ، رعاة ًومؤمنين، واجبُ الرعايةِ والاهتمام ِتجاهِهم.
 
*يمكن طرح ُ السؤال بصيغةٍ أخرى : ما دورُ الكنيسةِ تجاهَ المؤمنين ؟وغيرِهم ؟، ما هي الكنيسة؟ وكيف تُطلُّ على العالم ؟
 
الوجه التقديسي للكنيسة :
   إذا افترضنا جدَلاً أنَّ الدولَ الغنية َحقّقتْ أفضلَ الظروفِ الحياتيةِ والمعيشيةِ لمواطنيها وهي حالة ٌتكادُ تكونُ مثالية ً(دول اسكندينافيا ، سويسرا..)، يبقى البعدُ الروحيُ في الإنسان.. وهو في إيمانِنا البعدُ الأهمُّ،والنُظمُ السياسيةِ المعاصرةِ لا تعيرُهُ اهتماماً وإنْ كانتْ في بُنْيتِها غالباً ما تسمحُ وترعى حرية َالمعتقدِ ولو نظرياً، جيدٌ بل ومن الضروري أن تتحقّقَ حاجاتُ الجسدِ البيولوجيةِ، ولكنْ أن يتألّهَ الإنسانُ مقدِّسا ًذاتَه ومجتمعَهُ هو مَسعى المؤمن ِالحق، ، وأنّى لهُ أنْ يتقدَّسَ إلا في الجماعةِ ومع الجماعةِ.. في الكنيسةِ..وهي جماعة ُالمؤمنين، وأعضاءُ جسدِ المسيح.. هذا وصفٌ وليسَ تعريفاً فالكنيسة ُتبقى سرّاً، وهذا السرُّ يُدرَكُ بالإيمان ِ(المطران عودة ).
   في الكنيسةِ، لا يوجدُ مسيحيٌ بمفردِه، المسيحيُّ هو مسيحيٌ بالمعيّةِ، مع الآخرين.. حياةُ شركةٍ..حياة ُجسدٍ واحدٍ..المؤمنون في الكنيسةِ همُ الجماعة ُالمقدّسة ُالإلهية ُالتي تستقرُّ بالمسيح ويسكنُ فيها الابنُ بالروح، هم مدعوون ليكونوا شركاءَ الطبيعةِ الإلهيةِ ( 2 بط 1: 4 ) يتألّهُ الإنسانُ قدْرَ ما تسمحُ بهِ طبيعتُهُ البشرية ُحسبَ قولِ باسيليوس (330 – 379 ) ومن هنا يخاطبُ الرسولان بطرسُ وبولسُ جماعةَ َالمؤمنين ﺒ "القدّيسين" كونُهم مدعوّين إلى القداسةِ : إلى أحبّاءِ اللهِ المدعوّين ليكونوا قدّيسين ( روم7:1 )؛ إلى الّذينَ قُدّسوا في المسيح يسوع ودُعوا ليكونوا قدّيسين ( 1 قور 2:1 )؛ كونوا أنتم قدّيسين في سيرتِكم كلّها (1 بط 1: 15 ) ..الكنيسة وُلدت يومَ العنصرةِ وستبقى إلى الأبدِ ..لا أعني هنا الكنيسة َالتاريخية َأو الجغرافية، بل كنيسةَ يسوع، فالكنيسة ُهي حدثٌ، حضورُ اللهِ في العالم، حضورٌ لن ينتهيَ إلى أنْ يرثَ اللهُ الأرضَ وما عليها، سرٌّ في الأساس، وليستْ مؤسسة ًبالمعنى الدهري.. طبعاً لها هيكليتُها وتراتبيتُها وأنظمتُها و... ومؤسساتُها التي تنامتْ وتطوّرتْ عبر القرون شكلا ًووظيفة ً.
   الكنيسة ُفي الحقيقةِ ليسَ لها أنْ تنكفئَ منغلقة ًعلى مؤمنيها، عليها أنْ تشهدَ بمؤمنيها للقائم أبداً، داعية ًالكلَّ إلى الخلاص، العصرُ الرسولي لمّا ينتهِ بعدُ وليسَ لهُ أن ينتهيَ ما دامَ الخلاصُ لم يبلغِ المسكونة َبأسرِها " اذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم وعمِّدوهُم .."( متى28: 19 )، هذا الكلامُ ليسَ ظرفياً، وليسَ لأُناسٍ في التاريخ، فالمسيحُ هو هو ، أمس ِو اليوم وإلى الأبد.
     فللكنيسةِ واجبُ تقديس ِالكون ِوحمل ِرسالةِ الخلاص ِإلى أقاصي الأرض، الفداءُ كان للجميع، هم مفتدون على اختلافِهم عنّا.
    حاجاتُ الجسدِ مهمّة ٌولكنْ أن نتناسى حاجاتِ الروح يعني التخلّي عن الخلاص ِ وهو الحاجةُ الأساس: "لا يهمُّكم للعيش ما تأكلون ولا للجسدِ ما تلبسون، أليستِ الحياة ُأعظمَ من الطعام، والجسدُ أعظمَ من اللباس؟ " ( متى 6: 25 ).. إنَّ "المؤمنين" يطلبون "أولاً ملكوتَ اللهِ وبرَّه ُوهذهِ كلُّها تزادُ لكم" ( متى 11 : 12 )، إذ " ليسَ ملكوتُ اللهِ أكلا ًوشرباً، بل برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس"ِ ( روم 14: 17 ) "وملكوتُ السمواتِ يؤخذُ بالجهادِ والمجاهدون يختطفونه" ( متى 11 : 12 ).
 
الوجه الرعائي للكنيسة :
 ما يحتاجُُ المؤمنُ إذن أن يجدَ ذاتَهُ في الجماعةِ .. ومعَ الجماعةِ ، ترعاهُ ويتفاعلُ معها .. يُرعى ويَرعى... يعضُدُه الإخوة ُبمحبّةٍ ..جماعة ٌمنفتحة ٌعلى الكون ِدونَ انغلاق ٍ.. مسعاها كما أرادَ لها السيّدُ أن تتقدَّسَ وتُقدِّسَ العالمَ ، وللجماعةِ أنْ تتراحَم َ فيما بينها، مُحافظة ًعلى وديعةِ الإيمان المسلّم إليها، تتعاضدُ في سبيل الحقِّ والشهادةِ إذ " لا يشاءُ أبوكمُ الذي في السمواتِ أنْ يهلِكَ واحدٌ من هؤلاءِ الصغار" { مثل الخروف الضال متى 18: 12-14 }.
 
   مَنْ يَرعى في الكنيسة؟
   إنَّ لاهوتَ كنيستِنا يعلّمُ أنَّ الكنيسة َجسمٌ واحدٌ متكاملٌ رأسُهُ السيدُ المسيح، لا فاصلَ بين اكليريكي وعلماني، اذ لا فوقية َولا دونية َ، لكلٍّ موهبتُهُ ، الاكليريكي إزاءَ العلماني كما يعلّمُ أغوسطين المغبوط (354-430)، كلٌ له كهنوتُهُ ، الاكليريكي هو الحاملُ لكلامِ اللهِ ومقيمُ السرِّ الإلهي وراعي الجماعةِ المتقدّسةِ بالكأس ِالواحدةِ والمنفتحةِ على كلِّ أبناءِ الله، ولكنَّ الرعايةَ ليست حِكراً للاكليريكيين – وهم على أيّةِ حال لا يقولونَ بذلك - إذ تحتاجُ الرعاية ُأولاً إلى مؤمنين فهي تعبيرٌ عن المحبَّةِ لأنَّ ما يحرّكُهم هو وجهُ المسيح في الآخر ، مقياسُ المؤمن ِغيرُ مقياس ِأهل ِالعالم ، المؤمنون الفاعلون والشاهدون همُ الكنيسة،ُهم حماةُ الإيمان ِوحَفظَتُهُ، عديدُ المسيحيين الاجتماعي ليسَ على الإطلاق ِمرادفاً لشعبِ اللهِ المدعوّ لإقامةِ السرِّ الإلهي والعيش ِفيهِ، ليسَ لأنَّ الآخرين ليسوا من الكنيسةِ ولا هو نقصٌ في المحبَّةِ ، بل لأنَّ الشعبَ المؤمنَ الراعي هو من تقعُ عليهِ المسؤولية ُالعُظمى في لملمةِ الجماعةِ وصهرها في العيشِ الواحدِ والمتقدِّس ِأبداً ،والمدعو ليرعى ويشهدَ لخلاص ِالعالم.
   أعودُ إلى سؤالٍ افتراضي : ما حاجاتُ الكنيسةِ من المؤمنين؟ فأجيبُ باختصارٍ،وأذكرُ ما جاءَ على لسان ِبولسَ في رسالتهِ إلى أهل ِرومية (12 : 4) :
"فكما أنَّ لنا أعضاءً كثيرة ًفي جسدٍ واحدٍ ، وليسَ لجميع هذه الأعضاءِ عملٌ واحدٌ، فكذلكَ نحنُ في كثرتِنا جسدٌ واحدٌ في المسيح لأنّنا أعضاءُ بعضِنا لبعضٍ، ولنا مواهبُ تختلفُ باختلافِ ما أُعطينا مِنَ النعمةِ : فمن لهُ موهبة ُالنبوّةِ فليتنبّأ وَفقاً للإيمان، ومن لهُ موهبة ُالخدمةِ فليخدُمْ، ومن لهُ التعليمُ فليعلّمْ، ومن لهُ الوعظ ُفليعِظْ، ومن أعطى فليعطِ بنيّةٍ صافيةٍ ، ومن يرئِس فليرئِسْ بهمّةٍ ، ومن يرحَمْ فليرحَمْ ببشاشةٍ ، ولْتكُن ِالمحبّة ُبلا رياءٍ.. اعمَلوا للربِّ بهمّةٍ لا تفترُ، وروحٍ متّقدٍ ..كونوا متفقين ..".
   فالكنيسة ُهي بمؤمنيها، ولمؤمنيها، وللعالم... علاقة ٌمتشابكة.ٌ.. المؤمنُ يَتقدَّسُ مع الجماعةِ وفي الجماعةِ... وجماعة ُالمؤمنين الذائقة ُحلاوةََ الربِّ تسعى لتشهدَ ليسوعَ في العالم، داعيةً العالمَ بإنجيل ِالقدوةِ إلى خلاص ٍثمين.
 
 الوجه الاجتماعي للكنيسة :
   إنّ السيّدَ له المجدُ لم يكتفِ بشفاءِ وخلاص ِالنفوس ِالعطشى للخلاص، بل كانَ يهتمُّ بأنْ يكونَ للجسدِ من فيض ِمحبّتِهِ نصيبٌ، فالجسدُ جبلّة ُالربِّ وإناءُ الروح، وقد ارتضاهُ السيِّدُ جسداً لهُ مقدِّساً بذلكَ صورَةَ خليقتِهِ؛ لم يكتفِ بالقول ِ:" مغفورة ٌلكَ خطاياك ، بل قمْ فاحمِلْ سريرَكَ واذهبْ إلى بيتِكَ " ( متى 9: 1-8 ) وفي الكتابِ الكريم شواهدُ عديدة ٌ ... ألم يقل ِالسيّدُ " أريدُ رحمة ًلا ذبيحة ً" ( متى 9: 13 )، " أحبِِبْ قريبَكَ حبَّك لنفسِكَ " ( متى 22: 39).." ورأى يسوعُ الجموعَ فأخذتْهُ الشفقة ُعليهم، لأنهم كانوا تعبين رازحينَ كغنم ٍلا راعيَ لها " ( متى 9: 36   )؛ " رأى جمعاً كثيراً فأخذتْهُ الشفقة ُعليهم، فشفى مرضاهُم... وأخذَ الأرغفة َالخمسة َوالسمكتين.. وباركَ وكسرَ "( متى 14: 15 -20 ) ،" رثوا الملكَ المعدَّ لكم منذ ُإنشاءِ العالم لأنّي جعتُ فأطعمتموني، وعطشتُ فسقيتموني، وكنتُ غريباً فآويتموني، وعُرياناً فكسوتموني، ومريضاً فعدتموني، وسجيناً فجئتم إليّ " ( متى 25: 34- 36 ).
   في رسالةِ القديس يعقوب يظهرُ تعليمُ الكنيسةِ الواضح ِعن محبَّةِ القريب.. " ماذا ينفعُ الإنسانَ أنْ يدّعيَ الإيمانَ من غير أعمالٍ ؟ فلو كان فيكم أخٌ عُريانٌ أو أختٌ عُريانة ٌليسَ لهما قوتُ يومِهما ، وقال لهما أحدُكم: " اذهبا بسلام ٍفاستدفئا واشبعا" ولم تعطوهُما شيئاً ممّا يحتاجُ إليهِ الجسدُ، فماذا ينفعُ قولكُم؟ وكذلك الإيمانُ ، فإنْ لم يقترنْ بالأعمال ِصارَ ميْتاً بحدِّ ذاتِهِ " ( يع2: 14- 18 ) وفي النصوص ِالآبائيةِ مئاتُ الشواهدِ عن التعليم في محبّةِ القريبِ وخدمةِ المحتاجين. أن تؤمنَ يعني أن تشهدَ لإيمانِكَ فِعالا،ًأن تترجمَ صلاتكَ إلى واقعٍ مُعاش،" دعْ قُربانَكَ هناكَ عِندَ المذبح ِ، واذهبْ أوَّلاً فصالِح أخاكَ، ثمَّ عُدْ فقرِّبْ قربانَكَ " ( متى5 : 23 – 24 ).
   كانَ هذا دأبُ الكنيسةِ مذ وُلِدتْ في التاريخ (أنظر أع 2: 42- 47 ) وإن كانتْ خدمتُها حسبَ قدراتِها... فقد تصدّتْ بعطاءاتِ مؤمنيها لخدمةِ المعوزين والمحتاجين... وإنْ كنتُ لا أنكرُ أنَّ الكنيسة َالتاريخية َبرجالاتِها حادَتْ كثيراً أو قليلا ًعن الصراطِ المستقيم، فاستمرأتِ السلطة َوالغِنى ومتّكآتِ أهل ِالمال ِوالوجاهةِ متناسية ًتعليمَ السيِّدِ عن الآخر القريبِ؛ هناكَ بُعدٌ ثالوثي في تعاليم الربِّ ينتظمُ ويَسِمُ حياتَنا الإيمانية : الأنا – الله – الآخر . ﻓ "الآخرُ بابُنا إلى الملكوت".
 
   طبعاً ليسَ للكنيسةِ أن تحلَّ محلَّ الدولةِ، ولا تستطيعُ أنْ تفعلَ، كما أنّها ليستْ مؤسسة َخدماتٍ اجتماعيةٍ، لكنْ لها أن تخدُمَ ويجبُ أن تخدُمَ– شهادةً لإيمانِها –، أن تخدمَ بمحبّةٍ واحترام ٍأبناءَ اللهِ مِن أي جنس ٍولون ٍمعبّرة ًفعلا ًعن عيش ِالإنجيل ِومحبَّةِ اللهِ في القريبِ، خدمتُها المُحِبََّّة تعني خدمة َيسوع .
 
الوجه الحضاري – الحياتي للكنيسة :    
   فعلُ الحضارةِ هو نشاط ٌخلاقٌ في كافةِ أوجُهِ الحياةِ، هدَفُهُ بناءُ الإنسان، إنْ كانَ في الثقافةِ أو الاجتماع ِأو العلمِ أو الاقتصادِ ... السؤالُ هو:هل يستطيعُ المثقّفُ أو العالمُ المؤمنُ أنْ يتجاهَلَ نفحة َالروح في إيمانِهِ ؟
   حضورُ الكنيسةِ في العالمِ هو حضورُ مؤمنيها الفاعلُ في العالم، يعني أنْ تكونَ الكنيسة ُمعنيةً بكلِّ أوجهِ الحياةِ الإنسانيةِ، فهي ضميرُ العالم وصوتُهُ النبوي، فلا يجوزُ أن تبقى الكنيسة ُحبيسةَ المعابدِ، هذا انكفاءٌ عن فاعليةِ الإيمان والشهادةِ ليسوعَ المتجسّدِ إنسانا.
   للكنيسةِ أن تتبنّى كلَّ خيرٍ وتدعمَ كلَّ تقانةٍ تهدِفُ إلى خدمةِ الإنسان ِوتكافحَ كلَّ ما يسيءُ إلى كرامةِ الإنسانِ وكلَّ ما يبقيهِ في فقرٍ وعوزٍ .
   يجبُ على الكنيسةِ بلاهوتييها ومؤمنيها – مدركة ًقداسة َالإنسان ِالمخلوق ِعلى صورةِ اللهِ – أن تمتحنَ كلَّ ما يَمسُّ حياةََ َالإنسان ِمن تقاناتٍ أو سياساتٍ على ضوءِ الكتابِ، ولها أن تعبِّرَ وتنتقدَ وتوجِّهَ أيَّ نشاطٍ إنساني،معيارُها في ذلكَ الكلمة ُالإلهية ُوتراثهُا الآبائي، تباركُ كلَّ ما يَبني الإنسانَ ويُنمِّي كرامتَهُ.
    ليسَ للكنيسةِ أن تتدخلَ في التطورِ التقني والعلمي، إلا أنَّ واجبَها أن تراقبَ وترصُدَ وتتخذَ موقفاً حازماً إذا ما أدّى هذا التطوّرُ إلى ما يؤذي صورة َاللهِ في الإنسان ِأو يهدّدُ بالخطر العلاقاتِ الإنسانية َوالبنية َالمجتمعية.َ.الإنسانُ ليسَ كائناً بيولوجياً فحسبُ وكلُّ إلغاءٍ وتعسّفٍ لكينونتِهِ الروحيةِ هو إساءة ٌلسرِّ التجسّدِ الذي نؤمنُ بهِ.
   للكنيسةِ أنْ تعبِّرَ حتى سياسياً، على ضوءِ إيمانِها وأخلاقياتِ محبّتِها المستمدّةِ من تعاليم السيّد.. فكلُّ نظامٍ سياسي أو اجتماعي لا يحترمُ خصوصية َالإنسان ِوحريتَه وإرادتَهُ وكرامتَهُ هو يسيءُ للكنيسةِ، أكان هذا الإنسانُ مؤمناً أم لا، بالنسبةِ للكنيسةِ هذا الإنسانُ هو تجلٍّ للسيّدِ وعلينا أن نحبَّهُ ونحترمَهُ.
   قد ينحرفُ التعبيرُ الكنسيُ السياسي أحياناً متوسلا ًالعنفَ وسيلة ًللتغيير، وذلك مرفوضٌ قطعاً، وهذا ما حدثَ في أمريكا الجنوبيــة، عن غير تخطيطٍ، من قبل ِ الأبِ الكاثوليــكي Gustavo Gutiérrez والأبِ البروتستانتي Richard Shaull اللذين حاولا جعلَ الكنيسةِ في العالم الثالثِ كنيسة َالفقراءِ والمضطهدين حقاً، وطوّرا "لاهوتَ التحرّر" Theologie der Befreiung في سبعينياتِ القرن ِالماضي، وهو لاهوتٌ سلميٌ أساساً يناضلُ لمصلحةِ الفقراءِ ولاقى دعماً كبيراً لولا أنَّ بعضَ روّادِه أفتوا بالعنفِ "العادلِ" فخبا وهجُهُ إلى حدٍّّ بعيدٍ، بعدما أدانتهُ الكنيسة ُالرسميّة ُ، ولكنَّ كنيسة َأمريكا اللاتينيةِ لم تألُ جهداً لتكونَ فعلا ًكنيسة َالمحتاجين والضعفاء في ظلِّ ظروفٍ اجتماعيّةٍ بالغةِ السوءِ أحياناً .
 
ماذا يحتاجُ المؤمنُ من كنيستِه ؟
   للمؤمن ِأنْ يتقدَّسَ، يُرعى في الجماعةِ المؤمنةِ، إذا انتابَهُ عَوزٌ أو ظلمٌ أو اضطهادٌ لهُ أن يرجوَ محبّة َإخوةٍ لهُ ودعمَهم.
   المؤمنُ يرنو إلى كنيسةٍ، تحيا معَهُ سرَّ التجسّدِ على الأرض ِوقلبُها في السماءِ، السادة ُفيها غاسلو أرجلٍ وليسوا متملّقي أهلَ السلطةِ والمال، يَأبى أنْ تكونَ كنيستُهُ كنيسة َ الأغنياءِ والنخبةِ، مؤسسة ً من مؤسساتِ الدنيا، يُريدُ أن يرى الإنجيلَ على صفحاتِ الوجوهِ وليسَ بينَ دفاّتِ الكتبِ، لاهوتُها يعايشُ همومَهُ الحياتيةِ وقضايا العصرِ التي تُرهِقُ إيمانَهُ، تقدِّسُ خبزَهُ اليومي الذي يَرجوهُ من الآبِ كلَّ صباح ٍ، تشيرُ إلى كلِّ مظلومٍ أنْ تعالَ أحبُّكَ يا"سيدي"، فالمقهورون والمعوزون هم السادةُ في الكنيسةِ، "مدبّرو رجاءَنا وحرّاسُ الملكوت" كما دعاهم غريغوريوس النيصصي( 335؟-394).
   المؤمنُ يرنو إلى كنيسةٍ أفقُها الكونُ كلّهُ، سعيُها الشهادة ُوالخدمة،ُ محققاً بذاتهِ مع الجماعةِ كهنوتَهُ الملوكي( 1 بط 2: 9) ومسؤوليتَهُ عن الكنيسةِ في العالم " حتى يُمجّدَ اللهُ في كلّ شيءٍ بيسوعَ المسيح، لهُ المجدُ والعزّةُ أبدَ الدهور . آمين" ( 1 بط 4: 11) .

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
المسيحية واحترام البيئةالهجرة
شهادة حياة: "الإيمان والألم والعلم"الخطاب الديني وتحدّيات العصر
دور المرشد في المفهوم الكنسيّالعمل المسكوني ودوره في تفعيل الحضور المسيحي
القدّاس أولاًسرّ الفداء
"مسيحيو حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر.. دور بارز في النهضة العربية" محاضرة للأب ديكالمسيح في صلاة الفصح
الأسرار: اختيار مشاركة.. ودعوة خدمة (الزواج والكهنوت)مَنْ هُوَ الله..عند آباء الكنيسة الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى