الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
الكنيسة --> القديسة تيريزيا

القدّيسة تيريز دي ليزيو والقدّيس سلوان الآثوسي.. قدّيسان لهذا الزمن

  بقلم: ميشيل إفدوكيموف (ترجمة: سلام سيّدة)


انقر هنا للتكبير
 
       
بخشوعٍ ورعشةٍ نقترب من القدّيسين. لقد عبروا أتون العشق الإلهيّ، وأدخلونا في عالمٍ آخر، عاشوا الألم حتماً، ولكن أيضاً سلاماً ونوراً آتيان من موضع آخر. هل نحن مفوّضون لكي نضع جنباً إلى جنب القدّيسة تيريز والقدّيس سلوان، قدّيسان بعيدان كما بالمسافة كذلك في تربيتهما، ثقافتهما، وتكوينهما الرهبانيّ؟ لديهما الكثير من النقاط المشتركة وإن كانت خطوط سيرتهما مختلفة. في عالم القداسة لا تصعد جدران الانشقاق بين الكنائس إلى السماء، لا بل إنّها ملغاة. وعلى عتبة العصر الحديث، الاثنان لهما قامة من القداسة يحتاج إليها العالم، في الشرق كما في الغرب.
        في روسيا، تحظى القدّيسة تيريز بشُهرةٍ لا جدل فيها. وبدأت سيرة حياتها في الانتشار هناك بعد ترجمتها إلى الروسيّة عام 1955. الأب فلاديمير زيلينسكي المقيم حالياً في ايطاليا قرأها، تماماً قبل أن يتقبّل المعموديّة عام 1970 وهو في سنٍ متقدمة، وكتب: «بعد القدّيس فرانسوا الأسيزيّ، هي (تيريز) ـ من يعلَم لماذا؟-ـ القدّيسة الأكثر شهرةً في روسيا» (مجلة لاكروا 18/ 10/ 1977). كثير من الكهنة الروس عند سؤالهم يقولون أنّهم اضطربوا عند قراءة «حكاية نفس».
صورتها تتصدّر مكتب الأب اليكسندر مين الّذي اغتيل عام 1990. وفي عام 1999 تمّ التجوال برفاتها إلى أقاصي سيبريا، إلى كازاخستان كما إلى منطقة ماجادان. وأثناء مروره كانت الجموع تتسارع لإكرامه. كتب دانييل آنج بهذا الخصوص «القداسة لا تبالي بالحواجز الطائفية، ولتواضعها وشجاعتها (تيريز) دوراً ليس بالقليل». لو أنّ تيريز وسلوان تمكنّا من أن يتلاقيا لوجدا لغةً مشتركة واستطاعا أن يتفاهما بسرعة، لأنّه إضافة إلى تقاليدهما الخاصة هما ينتميان إلى نفس العائلة الروحيّة، عائلة المجاهدين روحيّاً.
 
تجربة الإلحاد
        في حالة تيريز، المقصود، هو إلحاد هزليّ، وذلك عندما ابتدعَ أحدهم ويُدعى ليو تاكسيل وهو مقاوم للاكليروس ذائع الصيت، ابتدعَ دعابة بادعائه أنّ إحداهنّ وتدعى الآنسة فوغان، لا وجود لها في الحقيقة، اهتدت إلى الإيمان المسيحيّ وتلتمس صلوات الكاثوليك لكي تثبت في ايمانها، وكانت تريز ممن صلّوا من أجلها. انكشفت هذه الدعابة أثناء مؤتمر صحفيّ وقوبل تاكسيل بالاحتجاج والسخرية والصياح من قبل الصحفيين، وشعرت تيريز بأنّ هذه الحيلة الملحدة قد جرحتها. وقد أشارت في كتاباتها أنّ تاكسيل قد جهلَ أنّه قد «أسقطّ صورة أعظم قدّيسة في الأزمنة الحديثة، والتي بكلّ تأكيد قد صلّت من أجله حتى ساعة موتها. المخادع المخدوع!».
        في زيارةٍ إلى دير الكهوف في كييف في العام 1970، وأثناء حكم بريجنيف، سألَ كاتب هذه الأسطر أحد الرهبان عن الطريق التي سلكها للدخول إلى حياة الدير. أجاب: كانوا يفرضون علينا قراءة أعمال ليو تاكسيل لكي نثبت في الإلحاد. هذا ما أعطاني الرغبة في أن أتعرّف على هذه الديانة التي كان يهاجمها بشراسة، فتعلّمت أن أحبها وأن أعطي ذاتي كلّها لله. وأضاف بابتسامة ناعمة: والداي عضوان في الحزب الشيوعي، ولم أستطع حتى الآن أن أزفّ لهما الخبر. وكما أغرت الثمرة المحرّمة كذلك الأعمال المحرّمة كنسياً بإمكانها أن تغري. بالنسبة لدوستويفسكي مسألة الله ستظل تقلق الإنسانيّة طالما أنّها لم تسوّى بهدوء في قلب الإنسان. ويقول سارتر إنّ الملحد مشغول بدرجة كبيرة بغياب الله بحيث أنّه لا يتوقف عن التفكير فيه ...
        ينحدر سلوان من أسرة من الفلاحين، عَرفَ في صغره وشبابه أعمال الحقل الشاقة، الرقص على عزف الأكورديون أيام الحفلات، النزهات مع الفتيات الجميلات. كان يشرب الخمر ويمتاز بقوّة عضليّة نادرة بحيث أنّه كاد أن يقتل أحد رفاقه أثناء تعاركهما. تجربته في الإلحاد حصلت له في عمر الأربع سنوات، يوم حاول بائع متجوّل مرّ بقريتهم أن يثبت لوالده أنّ يسوع ليس إلهاً وأنّ الله لا يوجد. فكرّ الصغير حينها: «عندما سأكبر، سأذهب للبحث عن الله في كلّ الأرض». كان إيمان والده صلباً ـ كما إيمان تيريز ـ وكان يحبّ ابنه كثيراً فقال له: «كنت أظنّه رجلاً ذكياً، ولكنّي أرى أنّه غبيّ». ولكنّ الشكّ سكن قلب الولد الذي تمكنّ من التغلّب عليه فيما بعد.
الروح الطفوليّة
        روحٌ طفوليّة، نضارة شبابيّة، ألهبت عند الاثنين محبتهما للإنسان، هذا الشعور الخاص بالقدّيسين وهو أن تكون مملوءاً فرحاً أمام كلّ كائن بشريّ. كتبت تيريز: «نظرة واحدة من يسوع تجعل منّا نجمةً مضيئةً في السماء»، وسلوان من جانبه قال: «إنّ جمال السيّد يملأ كلّ نفس بالفرح والمحبة». لا يتكلّم هكذا إلاّ كائنات قادرة على الاندهاش، قادرة على الامتلاء من «نشوة الزهد» للحبّ الإلهيّ.
إنّ التوازن الكبير عند الراهبة الكرميليّة سمحَ بأن يفيض بغزارة سيل مشاعرها وأفكارها. الحبّ، إنّها تنهل منه من أعماق الحبّ الإلهيّ. إنّها تتخيّل الإله يتسوّل محبة الناس الذين هو بذاته أعطاهم كلّ شيء بقبوله الصلب طوعياً. الإله عطشان محبة. ولمرتين تكرّر طلب يسوع أن يشرب: مرةً على الصليب ومرةً أخرى أمام السامرية: فقوله «أعطني لأشرب» هو بقدر عطشه للمحبّة. تذهب تيريز إلى حدّ تسميته «الإله المتسوّل للحب». نجد نفس العبارات مستخدمة في القرن الرابع عشر من قبل القدّيس نيكولا كاباسيلاس الّذي كان يرى السيّد متسولاً يدقّ باب القلب، وهو ينتظر الدخول واقتسام الطعام مع الذي يفتح له.
        هذه القدرة على الاندهاش أمام كلّ كائنٍ بشريّ تظهر ثانيةً أمام جمال الخلق. يجد اللاهوت الكوني نقطة انطلاقه عند القدّيس بولس، الذي بالنسبة إليه إنّ الطبيعة هي أيضاً تتألّم لأنّها انجرفت إلى الفساد مع سقوط الإنسان. كان إلهنا يحبّ أن يلقي نظره الإلهيّ على الطبيعة، ويذكر بعبارات التسبيح زنابق الحقل الجميلة والسنابل البيضاء أثناء الحصاد، العصافير المجتمعة تحت جناح الآب الذي يحفظها. بالنسبة لتيريز: «كما أنّ الشمس تضيء في الوقت نفسه شجر الأرز وكلّ زهرة صغيرة كما لو كانت الوحيدة على الأرض، كذلك أيضاً يهتمّ إلهنا بشكلٍ خاص بكلّ نفس. بالنسبة لسلوان «النفس تحبّ جمال الأرض، السماء والشمس، الحدائق الجميلة ... كلّ ما هو من الأرض يسرّها. ولكنّها عندما تعرف سيدنا يسوع المسيح فإنّها لا تعد ترغب رؤية ما هو أرضي. أمام نظرتهما المندهشة تظهر لهما الطبيعة بهائها، ولكنّها ليست سوى وسيلة نحو بهاء أعلى، لا مثيل له، يجدانه في تألّق جمال سيدهما الذي أسر نفسيهما.
 
القدّيسان واللاهوت
        في الرابعة والعشرين من عمرها لم تقم تيريز بدراسات لاهوتيّة متقدمة. ومع ذلك رُفعت إلى مقام آباء الكنيسة، ووُضعت بمصاف القدّيس اوغسطينوس. وهي شابة ناعمة أظهرت نضجاً روحيّاً مُدهشا،ً يذكرّنا بطلب المسيح أن يدعوا الأولاد يأتون إليه لأنّهم في طهرهم وبراءتهم يتّحدون مباشرةً مع الآب.
        لقد أكدّ تقليد آباء الصحراء دائماً على أنّ البشر وإن كانوا لا يملكون أية ثقافة لاهوتيّة إلاّ أنّهم يستطيعون الوصول إلى معرفة عميقة للأسرار الإلهيّة. اللاهوتيّ الحقيقيّ يصل إلى معرفة الله عن طريق النسك والصلاة كما بعقله، والناسك يصل إلى معرفة الله بعقله تماماً كما بجهاده الروحيّ. يقول ايفاغريوس البنطي من القرن الرابع الميلاديّ: «إذا كنتَ لاهوتياً، ستصلّي حقاً، وإذا كنتَ تصلّي حقاً، فأنتَ لاهوتيّ». إذاً يجب أن لا نفصل اللاهوت أبداً عن الصلاة. في الكنيسة الأرثوذكسية أغلب الصلوات الليتورجية هي أسلوب لترتيل اللاهوت، وعن طريق الترتيل ولقصائد جميلة أحياناً تتعمّق العقائد الكبيرة للإيمان.
        في الكتاب المقدّس، إنّ مركز الشخص، مركز تكامل عناصره هو القلب. الشخص الغربيّ يحدّد هذا المركز في مستوى العقل مكان الفكر. الشخص المتسامي يتعلّم أن يفكّر ليس فقط بالعقل، ولكن بالقلب، بكل الطاقات الإنسانيّة، المشاعر، العواطف، الذكريات وكلّ ما ينسج شبكة الحياة البشريّة. يقول المسيح إنّه من القلب تنبع الأفكار السيئة. كتب سلوان: «لا نستطيع أن نعرف الله إلاّ بواسطة الروح القدس، وكلّ مَن بكبريائه يزعم معرفة الخالق بعقله فقط هو أعمى وأحمق». وعلى نفس هذا الخط من التفكير، يصرخ باسكال: «الله مُدرك بالقلب» وهنا لا يوجد أبداً رفض للعقل، ولكن مؤازرة وتعاون الإنسان مع الله، انفتاح نفسه وكل كيانه لما يكشفه له الله، وللكلمة التي تتجلّى فيه. من الصعب كثيراً فهم القدّيسين لأنّهم لا يتكلمون فقط بعقلهم ولكن بقلبهم أيضاً بالمعنى الكتابي للكلمة. فمثلاً نشعر عند تيريز بحيوية شابة مُدهشة، القدرة على احتواء عالم الروح وخاصة الكلام عنها، القدرة على أن تسجّل بالكتابة كل أشكال العلاقة التي تصونها مع الله. وكمثل الزاهد، اللاهوتيّ ـ كل مسيحيّ هو بمعموديته «لاهوتيّ»، الأم التي تعلّم ولدها رسم إشارة الصليب تقوم بعمل لاهوتي ـ يتبع نفس طريق النقاوة، الاستنارة والاتحاد بالله حيث يتحدّد هدف الحياة المسيحيّة.
        إذاً قدّيسانا ليسا لاهوتيان بالمعنى الحرفي للكلمة. ولا تظهر كلمة «لاهوت» في كتابات العهدين القديم والجديد، ولم يتقدّم أي من الرسل بامتحانات في مدرسة للاهوت، وعلى الرغم من ذلك هم «أعمدة الكنيسة». في غروب عيد العنصرة يتم ترتيل هذه الطروبارية: «مبارك أنتَ أيها المسيح إلهنا، يا من أظهرتَ الصيادين غزيري الحكمة، إذ أرسلتَ عليهم الروح القدس، وبهم اصطدتَ المسكونة».
إذاً هنا سؤال يُطرَح: هل أديرتنا هي أماكن تُهيئ للقداسة؟
 
تجربة الجحيم
        تيريز وسلوان كائنات نقيّة، الحب هو كلّ حياتهما، وفي الوقت نفسه نشعر عندهما بنوعٍ من الضعف كالذي نجده عند أعظم القدّيسين. القدّيس بولس جُعل له شوكةً في جسده، وسمع الرب يقول له: «تكفيكَ نعمتي، لأنّ قوّتي في الضعف تكمل». وبسبب هذا الضعف فإنّ صدمة التجارب تكون أقوى، بما فيها تجارب الجسد التي شعر بها سلوان أثناء نزهاته مع فتيات القرية، وتعترف تيريز أنّها أيضاً شعرت بها مع كونها حُفظت دائماً من الخطيئة.
        خلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة من حياة الشابة تيريز كانت صدمة اختبار الإيمان قاسية. هاجمتها شكوك فظيعة، وغرقت في ليل عميق وهي تعلم جيداً أنّ الزمن محسوب عليها. تملّكها شعور بالإهمال، وبدا لها أنّها تنزلق نحو العدم. ورغم ذلك فإنّها تقود وبشجاعة قتالاً ضدّ الأعداء وتتعلّم أن «تحب حتى النهاية» كما أحبّ يسوع في الجسمانية وعلى الصليب. في تموز 1897، سنة وفاتها، تملّكتها قوة للقيام بفعل إيمان بطوليّ: «يا ربّ، بمساعدة نعمتكَ أنا جاهزة لبذل حياتي لتأكيد إيماني».
        في الجحيم تواجه تيريز «الطريق الصغير» للثقة البسيطة والمُحبة. روح الطفولة الإنجيليّة، في قلب صيرورة البشر، البحث عن براءة ضائعة في الشعور الطفولي المُستعاد، تشفيان جروحات كبرياء الإنسان الباطلة والذي يظنّ نفسه سيّد العالم. وتبقى متكتمّة على آلامها: «الشهادة الأكثر ألماً، الأكثر حباً هي شهادتنا بما أنّ يسوع وحده يراها». في تموز 1897 تمرّ بتجربة النار الحاسمة: «بدأ درب صليبي، وها أنذا فجأة مأخوذة بحبّ جارف تجاه الربّ لا أستطيع تفسيره إلاّ بالقول كما لو أنّي غرقت بالكامل بالنار. آه! ما هذه النار وما هذه العذوبة في الوقت ذاته! (نرى عند سلوان هذا التحالف نفسه بين النار والعذوبة) كنتُ ألتهب حبّاً، وكنت أشعر أنّه لو مرّت دقيقة أو ثانية أخرى فإنّني لن أحتمل هذا الاضطرام من غير أن أموت».
        خلال الأشهر الستة الأولى بعد دخوله الدير أُعطي سلوان نعماً غير عادية. في أحد الأيام بينما هو في حالة تأمل أمام أيقونة المسيح شاهد الربّ حيّاً وملأت نعمة الروح القدس روحه وجسده وأخذته الرغبة للتألم من أجل المسيح. في هذه الحالة من الحماس تملّكه شعور من الفوقيّة تجاه الرهبان الآخرين، وإذ سيطر عليه إحساس من الكبرياء أصبح هدفاً مختاراً لهجمات الشياطين. واحتاج إلى خمسة عشرة سنة من الجهاد العنيف لكي يتخلّص من شعور الكبرياء الذي يكون ضحاياه بشكلٍ خاص الرهبان المبتدئين. هناك قول مأثور يشير إلى هذه الحالة: إذا رأيتَ راهباً يطير نحو السماء أمسِك به من هُدب ثوبه وثبّته في الأرض.
        بعد انتهاء الأشهر الستة الأولى من حياته في الدير يغرق سلوان فجأةً في هاوية من اليأس، يتملّكه شعور بأنّ الله قد تركه، وبأنّ ألهبة الجحيم تزمجر حوله. في إحدى الليالي بينما هو غارق في الصلاة أمام أيقوناته، رأى وجوهاً مُكشرّة ترتسم أمامه، وجوهاً شيطانيّة. لم يعد باستطاعته السجود أمام الأيقونات لأنّ هذا سيكون ولاءً لإمبراطورية الشياطين. ما العمل؟ عيناه مملوءتان بالدموع يطلب المعونة الإلهيّة فيأتيه الجواب التالي: «احفظ نفسكَ في الجحيم ولا تيأس» لا تيأس تعني: نحن مُخلّصون بالعطية المجانية للحب الإلهي. اعتباراً من هذه الليلة المشهودة وجدت نفسه السلام.
        إنّ كلمة جحيم تأخذ عدة معاني. فهناك الجحيم بالمعنى الموضوعي، جحيم الكتاب المقدّس، أو جحيم الميتولوجيا اليونانيّة، حيث ببساطة تُحفظ نفوس الأموات؛ ويوجد أيضاً الجحيم مكان العذابات والنار والذي لازم خيال الناس في العصور الوسطى. وبالتوازي هناك الجحيم الذاتي الشخصي الذي يستطيع أن يختبره كلّ إنسان بموجب الشروط المأساوية لوجوده. الحسابات الصعبة للعذابات الأبديّة مع إله هو الحب تظل مسألة مُغلقة وبدون جواب نهائي. والله يترك للناس حريّة الاختيار. ويتساءل القدّيس اسحق السريانيّ ما الذي يجعل الهالكين يتألّمون؟ إنّه الحبّ، أن يمثل أمام محكمة مَن هو الحبّ. إنّ الألم الّذي تسبّبه الخطيئة في القلب ضدّ الحبّ يمزّقه أكثر من كلّ المٍ آخر. من المُحال التصديق أن الخطأة في الجحيم سيُحرمون من الحبّ الإلهيّ، لأنّ الربّ نفسه نزلَ إلى الجحيم. الحبّ يعمل بطريقتين: إنّه يعذّب الخطأة حتى الّذين في الأبدية يُظهرون عداءهم لله باستمرار؛ ومن ناحية أخرى هذا الحب الإلهيّ سيكون نبع فرحٍ أبديّ للذين يستحقون هذا الحبّ. الجحيم يعني إذاً أنّ كلّ البشر ستغمرهم محبة الله، التي ستظهر نبع فرح لجماعة، ونبع ألم لآخرين.
        نزل المسيح إلى الجحيم لكي يبشّر بالمحبة وليتألّق نور القيامة. وبصعوده منها انتشل آدم وحواء أي البشريّة كلّها، من مخالب مثوى الأموات. بعد اجتياز الجحيم يصبح التحوّل ممكناً بقوة الروح. كتب سلوان: «بواسطة الروح القدس عرفت أنّ يسوع المسيح هو إله». إنّ تجربة الجحيم فتحت أمام الستارتس طريق التواضع؛ عندما يترك أفكار الكبرياء تخرج من النار، يستعيد الكبرياء قوّته ولكن «علّمني الربّ أن أحفظ نفسي في الجحيم وأن لا أيأس، وهكذا تتعلّم نفسي التواضع».
        بقلبٍ مكسور يخوض تيريز وسلوان تجربة رحمة الله. الجحيم بالنسبة لهما هو ممّر وليس نهاية المطاف، بعكس أنصار خطٍ يبدأ من القدّيس أغسطينوس ويمّر بالكلفينيّة والجنسينيّة ليمسّ بشكلٍ جزئي الكنيسة في الشرق، جميعهم نذروا للنار الأبديّة الخطأة القُساة. إنّ دعوة الإنسان ليست البقاء في الجحيم، ولكن لا يوجد وسيلة أخرى لتجنّب هذا المرور إذا أردنا الوصول إلى هدفنا النهائي: ملكوت الله.
مشاركة الخطأة أو الآدم الكل
        بشعورهما أنّهما غارقان في نار الجحيم دخل تيريز وسلوان في شركة مع الخطأة، ومن أجل خلاصهم دعوا إلى المحبة وتألّما بدلاً عنهم. «نحن الكثيرين: جسدٌ واحدٌ في المسيح وأعضاءٌ بعضاً لبعض» (روم 12/ 5)، عند القدّيس بولس هذا الجسد هو حجر الزاوية لشراكة البشر، في موت وقيامة المسيح تنتظم البشريّة في جسد واحد، يسميه سلوان الآدم الكل. كلّ شخص في شركة مع المسيح هو جزء مكمّل لجسده وهو في الوقت ذاته متحّد مع كل البشريّة، هذا الآدم الكل الّذي يحمله المسيح في ذاته كي يخلّصه. كتبَ القدّيس بولس: «أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات لأجل جميع الناس» (1 تيمو 2/2) داعياً المسيحيين للخروج من ذواتهم المغلقة لينفتحوا على البشريّة ككل.
        إنّ التشابه الكبير بين تيريز وسلوان يكمن في هذا التقارب الروحي المُدهش الّذي يكشف تضامنهما مع الخطأة. كانا يعيشان بقلق وألم، ضيق وخطيئة العالم. كانت تيريز تختبر شعوراً أخوياً تجاه الخطأة والمجرمين القُساة، كما برانزيني قاتل امرأتين وطفلة صغيرة، كانت تسمّي هذا «الجلوس على طاولة الخطأة» واقتسام خبز الألم معهم. فالخطيئة هي جزء من مسار روحيّ.
        على غرار سلوان، تقف تيريز ضدّ روحيّة شرعيّة ومنتصرة. إنّها ببهائها تجهل عبارات القسوة للعدالة الإلهيّة، لغضب الربّ وفضلّت تقديم ذاتها للحبّ الرحيم. آثرت أن تحب الله مكان الذين رفضوا أن يحبوه، فشريعة الحبّ تلَت شريعة الخوف. قالت: «اختارني الحبّ ضحية ... ولكي يكون الحبّ تكفير يجب عليه أن ينحني، وينحني حتى يصل إلى العدم، وأن يتحوّل هذا العدم إلى نار».
        من جانبه سلوان يسّمي النفس التي تحب أخيها مغبوطة، «لأنّ أخانا هو حياتنا». يتحمّل بقوة مسؤولية كلّ إنسان من أجل الشرّ الشامل ـ يقول دستويفسكي: «نحن مسؤولون عن الجميع وتجاه الجميع» ـ ويصلّي وهو يبكي من أجل كلّ البشر: «عندما تمتلئ النفس بالحب الإلهيّ، في فرحها اللامتناهي، فإنّها تتكدّر وتصلّي بدموع من أجل كلّ العالم، لكي يتمكّن جميع البشر من معرفة إلههم وأبيهم السماوي. هي لا تعرف الراحة ... طالما أنّ الجميع ليسوا في فرح الحبّ الإلهيّ». ما هذا الخليط العجيب من الحزن والفرح، من الدموع والابتسام! هنا لا يوجد كآبة إنّه «الفرح المؤلم» لأتقياء عارفين أنّ العذاب من أجل الله لا يمكن أن ينتهي إلاّ على التأكيد على الإتحاد به. ويتكرّر ذكر محبة الأعداء عند سلوان، يقول لا يكفي أن نسامح، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يحب من ذاته. «يا رب، أوصيتنا أن نحبّ أعداءنا، ولكن هذا صعب علينا نحن الخطأة، إذا لم تكن نعمتكَ معنا». وحده المسيح من خلالنا يستطيع أن يسامح أعداءنا.
        إنّ رؤية البشريّة الخاطئة التي صححّها حبّ المسيح الفادي تتبلوّر حول شخصية آدم. لا تزدري الكنيسة الأرثوذكسية آدم ولا تعتبره مذنباً لكلّ الشرور التي تعذّب البشريّة. آدم وحواء لم يُستبعدوا كونهم خطأة، إنّهم خطأة مغفور لهم، كما تشير إلى ذلك أيقونة القيامة حيث أُخرج آدم وحواء من القبر ليتمّ اقتيادهم إلى الحياة الأبدية. أحد نصوص غروب سبت «نفي آدم» الّذي يحدّد الدخول في الصوم الأربعيني، يبيّن آدم الشقي، جالس أمامه الجنّة، ينتحب لأنّه عصا مشيئة الله، ووجد نفسه محروماً من عيش حياة السعادة والغبطة في الجنّة. ويُسمع صوت المخلّص: «لا أريد ضياع خليقتي، أريد خلاصها، لن أدعَ خارجاً مَن يأتي إليَ».
        كتب سلوان قصيدة رائعة حول «نحيب آدم». لقد ملأ نحيب الإنسان الأول الصحراء، نفسه تتألم من هذه الفكرة: «لقد أهنتُ الله الّذي أحبّه». يذرف دموعاً غزيرة، الحيوانات والطيور تصمت من الألم. في النهاية يعود إلى الجنّة، لأنّ الربّ بمحبته على الصليب فتح له جنةً أخرى أفضل من الأولى حيث يشعّ نور الثالوث الأقدس. وفي النهاية، آدم هو على صورة كل واحد منّا، صورة الخاطئ المُفتدى.
        الخلاصة، القدّيسة تيريز والقدّيس سلوان قدّيسان قريبان جداً من بعضهما، ينتميان إلى نفس العائلة الروحيّة. وعلى عتبة العصر الحديث هذان القدّيسان كانا شاهدان على تحوّل المسيحيّة عندما تخلّصت من شرعيتها وقوانينها لكي تترك ذاتها مأخوذة بنفحة الروح.كانا «كاهنا العالم» أي كانا قرباناً عن البشريّة كلّها.
        إنّ إعلان قداستهما سيترك آثاراً عميقة في نفوس العديد من المسيحيين وسيساعد بلا شك على التقارب بين الكنائس. بعد أن قرأ بحثاً عن القدّيسة تيريز، كتب كارل بارت: «إذا كانت هذه هي الكثلكة أنا أيضاً كاثوليكي». في دراسة عن «الستارتس سلوان وروسيا في عصره» يقرّب فون ليبنفلد قديسَينا من سورين كيركفارد اللاهوتي والفيلسوف الدانماركي في القرن التاسع عشر، والمُسمّى «نبيّ الشمال» إنّه الناطق بصوت الضمير الّذي يتأرجح بين الشك المخرّب والتأكيد على إيمان متكّلٍ على الله، بين اليأس والقدرة على الاندهاش بنور الروح. هذا الغوص في الجحيم، هذه اللحظات في الفردوس التي وصلوا إليها بالجهاد، تجمع هؤلاء المسيحييّن الثلاثة الكبار، لقد خطّوا طريقهم، أناروا جهادهم من أجل الإيمان، أو الإيمان كجهاد. لقد عبروا من الجحيم حتماً، ولكن كما يقول أوليفييه كليمان، «الجحيم، بما أنّ المسيح نزلَ إليه ولم يزل ينزل، لا يؤدي إلى العدم، بل إلى الرجاء».
 
المقال هو مداخلة لمحاضرة حول القدّيسة تيريز دي ليزيو / باريس 2007

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
من وحي زيارة ذخائر القديسة تريزيا إلى كنيستنا بحلبذخائر القديسة تريزيا في كنيستها بحلب.. وبعض كنائس حلب وسوريّة
القدّيسةُ تيريز الطفل يسوعتريز وسنة الكهنوت
قراءة في الحبّ.. قبس من وحي روحانيّة القديسة تريزيامدرسة الألم عند القديسة تريز
مرآة الله الجديدةتيريز الصغيرة: من تلقاء نفسي لا أصل إلى ذلك...
تيريز الصغيرة .. الحبّ في قلب الكنيسةتريزيا «المعلمة» أميرة العشق
سأكون الحبّ!.. هذه دعوتيطفلة.. ومعلمة الكنيسة!
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى