الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات وندوات طبيّة

الخطأ الطبي

  بقلم: د. نهاد خوري

 
المقال هو محاضرة قدّمها الدكتور نهاد خوري في مركز "الأرض" قرب حمص لـ"رابطة أطباء المستقبل" في كنيستنا، بتاريخ 2 تشرين الأول 2008.
 
 (الخطأ الطبي) يخضع الخطأ الطبي للمعيار العام في تحديد الخطأ في المسؤولية المدنية، إلا أن الطبيعة الخاصة والفنية للعمل الطبي وما ينطوي عليه من خطورة تثير التساؤل حول مفهوم الخطأ الطبي وخصائصه من جهة، وصور تطبيقات هذا الخطأ من جهة أخرى.
ماهية الخطأ الطبي ومعياره
يعرف البعض الخطأ بأنه انحراف ايجابي أو سلبي في سلوك المدين ويعرفه الفقيه بلانيول الخطأ، بأنه الإخلال بالتزام سابق، ويحصر الالتزامات التي يعتبر الإخلال بها خطأ في أربعة أنواع، الامتناع عن العنف، الكف عن الغش، الإحجام عن عمل لم تتهيأ له الأسباب من قوة أو مهارة، واليقظة في تأديب واجب الرقابة على الأشخاص والأشياء. ويعرفه سافاتيية بأنه إخلال بواجب تبين لمن اخل به انه اخل بواجب .
ويمكن القول إن الخطأ في المسؤولية التقصيرية هو إخلال بالتزام قانوني، أما الخطأ في المسؤولية العقدية هو إخلال بالتزام عقدي، والالتزام العقدي أما أن يكون بتحقيق نتيجة وإما أن يكون التزام ببذل عناية، أما الالتزام القانوني فهو دائما التزام ببذل عناية وهو أن يصطنع الشخص في سلوكه اليقظة والتبصر والحذر حتى لا يضر بالغير، فإذا انحرف عن هذا السلوك الواجب، وكان من الممكن التمييز انه يدرك انه انحرف، كان هذا الانحراف خطأ يستوجب المسؤولية التقصيرية. وينطوي ركن الخطأ في المسؤولية التقصيرية على ركنين: الركن الأول مادي والذي يتمثل بالانحراف أو التعدي، والركن الآخر معنوي وهو الإدراك والتمييز لذا نجد ان نصوص المواد التي تتعلق بالفعل الضار بالقانون المدني تقتصر على العنصر المادي فقط وهو التعدي، وبالتالي يسأل كل من احدث الضرر حتى ولو كان غير مدرك أو مميز للعمل الذي قام به . يعرف الخطأ الطبي بأنه عدم قيام الطبيب بالالتزامات الخاصة التي فرضتها عليه مهنة الطب، او هو كل تقصير في مسلك الطبيب، وحيث أن الالتزام الذي يقع على عاتق الطبيب من حيث المبدأ هو التزام ببذل عناية، فان مضمون هذا الالتزام هو بذل الجهود الصادقة واليقظة التي تتفق مع الأصول العلمية الثابتة، والتي تتفق مع الظروف القائمة بهدف شفاء المريض وتحسين حالته الصحية، وكل إخلال بهذا الالتزام يشكل خطأ طبيا يثير مسؤولية الطبيب، وكذلك يسأل الطبيب الذي يقوم بالمعالجة عن كل تقصير من جانبه إذا كان ذلك لا يقع من طبيب وسط في نفس مستواه المهني وفي نفس الظروف التي أحاطت بالطبيب المسؤول .
وهذا يعني أن المعيار الذي يقاس به خطأ الطبيب هو معيار موضوعي يقيس الفعل على أساس سلوك معين يختلف من حالة إلى أخرى وهو سلوك الشخص المعتاد، أي أن القاضي في سبيل تقدير خطأ الطبيب في علاج مريض معين يقيس سلوكه على سلوك طبيب آخر من نفس المستوى، سواء طبيب عام أو مختص.
 درجات الخطأ
أولا: الخطأ العمد، إرادة الفعل وإرادة النتيجة ويمكن تعريفة بأنه الإخلال بالتزام قانوني بقصد الإضرار بالغير، أي اتجاه الإرادة إلى إحداث الضرر ولا يكفي اتجاهها إلى ارتكاب الفعل لذاته إذا لم تتجه الإرادة لإحداث النتائج الضارة، لذلك فان الخطأ العمدي يتكون من عنصرين الأول مادي وهو الإخلال بالواجب (الالتزام)، والثاني معنوي (نفسي) وهو قصد الإضرار بالغير.
ثانيا: خطأ الإهمال: إرادة الفعل دون النتيجة ويمكن تعريفه بأنه الإخلال بالتزام قانوني دون قصد الإضرار بالغير، وتتفاوت درجات الإهمال فقد يكون خطأ الإهمال خطأ جسيما وقد يكون خطأ يسيرا. والخطأ الجسيم هو الخطأ الذي يقع فيه حتى أكثر الناس إهمالا بحيث لا يقع إلا من شخص شديد الغباء عديم الاكتراث، وعرفة البعض بأنه الإهمال أو عدم التبصر الذي بلغ حدا من الجسامة يجعل له أهمية خاصة، وإذا كان الخطأ العمدي ينطوي على سوء نية، فان الخطأ الجسيم لا ينطوي عليها، ولكن مع ذلك لا يعني إزالة وصف الخطأ الجسيم ويسأل مرتكب الفعل عن خطئه الذي سبب ضررا للغير. وقد يشترك شخصان في الضرر احدهما ارتكب خطأ عمدي والآخر ارتكب خطأ غير عمدي، وفي هذه الحالة فإن الخطأ العمدي يجب الخطأ الغير عمدي، أي أن مرتكب الخطأ العمدي هو المسؤول فقط . ويذهب البعض إلى وجوب التفرقة والتمييز في مزاولة المهنة بين الخطأ العادي والخطأ المهني، فالخطأ العادي هو ما يصدر من الطبيب صاحب المهنة عند مزاولته مهنته دون أن يكون لهذا الخطأ علاقة بالأصول الفنية لهذه المهنة، كإجراء العملية في حالة سكر أو الإهمال في تخدير المريض قبل العملية، ومعيار هذا الخطأ هو معيار الخطأ المعروف وهو الانحراف عن السلوك للرجل العادي. أما الخطأ المهني فهو خطأ يتصل بالأصول الفنية للمهنة كما إذا اخطأ الطبيب في تشخيص المرض.
وقد يجب التفريق بين الخطأ الفني والخطأ العادي للطبيب كخطأ الطبيب الذي لا يأمر بنقل المريض إلى المستشفى في الوقت المناسب إذا لا يسهل وصفه خطأ عادي أو خطأ فني، وكذلك إذا باشر الطبيب عملية جراحية خطيرة لا لغرض علاجي بل لمجرد إزالة عيوب طبيعية لا اثر لها بالصحة إطلاقا.
ونظرا لدقة التفرقة بين نوعي الخطأ العادي والفني وعدم وجود مبرر قوي يسندها، بالإضافة إلى تطور فكرة المسؤولية والميل إلى توفير حماية أكبر للمضرور فان القضاء في فرنسا ومصر قد عدل عن فكرة التفرقة ، فإذا كان الطبيب أو غيره من الرجال الفنيين في حاجة إلى الحماية من الأخطاء الفنية، والواجب اعتبار الرجل الفني مسؤولا عن خطئه المهني مسؤوليته عن خطئه العادي فيسأل في هذا وذاك حتى عن خطئه اليسير، لذا أصبح الطبيب مسؤولا عن خطئه مهما كان نوعه سواء كان فني أو غير فني، جسيما أو يسيرا.
فبالنسبة للقضاء الفرنسي قضت محكمة النقض في احد أحكامها "أن هاتين المادتين (1382، 1383 من القانون المدني الفرنسي) قد قررتا قاعدة عامة إلى قاعدة ضرورة إسناد الخطأ إلى المسؤول لإمكان إلزامه بتعويض الضرر الذي ينشأ عن فعله بل حتى عن مجرد إهماله وعدم تبصره، وان هذه القاعدة تسري على جميع الناس مهما كانت مراكزهم وصناعاتهم دون استثناء، إلا في الحالات التي نص عليها القانون بصفة خاصة، وانه لا يوجد أي استثناء من هذا القبيل بالنسبة للأطباء، وانه مما لا شك فيه أن المحكمة تتطلب من القاضي ألا يوغل في فحص النظريات والأساليب الطبية، وانه توجد قواعد عامة يمليها حسن التبصر وسلامة الذوق وتجب مراعاتها في كل مهنة، وان الأطباء فيما يتعلق بذلك خاضعون للقانون العام كغيرهم من الناس".
وبات الاتجاه في القضاء المصري واضحا حيث "قضت محكمة استئناف مصر بان مسؤولية الطبيب تخضع للقواعد العامة متى تحقق وجود خطأ مهما كان نوعه سواء كان خطأ فني أو غير فني جسيم أو يسير، لهذا فانه يصح الحكم على الطبيب الذي يرتكب الخطأ اليسير ولو أن هذا الخطأ له مسحة طبية ظاهرة ولا يتمتع طبيب بآي استثناء، ويجب على القاضي فقط أن يتثبت من وجود هذا الخطأ وان يكون هذا الخطأ ثابتا ثبوتا كافيا لدية".
وقضت محكمة النقض المصرية "بان الطبيب يسأل عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب المسؤول، كما يسأل عن خطئه العادي أياً كانت جسامته".
والمعيار الذي يقاس به الخطأ المهني هو معيار فني موضوعي معيار شخص من أواسط رجال الفن ومثل هذا الشخص لا يجوز له أن يخطئ فيما استقرت علية أصول مهنته، والأصول المستقرة للمهنة وهي ما لم تعد محلا للمناقشة بين أصحاب هذه المهنة بل أن جمهورهم يسلمون بها ولا يقبلون فيها جدالاً، ومن ثم إن الخروج على هذه الأصول المستقرة خطأ يوجب المسؤولية، وتقضي المحاكم بان يسأل الطبيب عن خطئه في العلاج إذا كان الخطأ ظاهرا لا يحتمل نقاشا فنيا تختلف فيه الآراء، فان وجدت مسائل علمية يتجادل فيها الأطباء ويختلفون عليها ورأى الطبيب إتباع نظرية قال بها العلماء ولم يستقر عليها الرأي فلا لوم عليه وعلى القضاء أن يتفادى النظر في المناقشات الفنية عند تقدير مسؤولية الأطباء، اذ ليست مهمة القضاء المفاضلة بين طرق العلاج المختلف عليها، بل إن مهمته قاصرة على التثبت من خطأ الطبيب المعالج .
صور الخطأ الطبي
إن استقصاء صور عملية وتطبيقية للخطأ الطبي تبدو من خلال تتبع العلاقة بين المريض والطبيب منذ بداية العلاقة، فيبدأ الأمر أولا بمعرفة توافر الرضا بصدد العمل الطبي سواء أكان من قبل الطبيب أو المريض ويأتي بعد ذلك مرحلة فحص المريض وتشخيص المرض ووصف العلاج ومباشرته، وقد يستدعي الأمر تدخل جراحي وما ينطوي عليه ذلك من حساسية خاصة بسبب تداخل عدة عوامل كالفحص الأولى والتشخيص والتخدير والطبيعة الفنية للعمل والاستعانة بالكوادر الطبية الأخرى وما إلى ذلك من الأمور التي تعد من لوازم العمل الطبي وسأعرض لبعض صور الخطأ الطبي الأكثر شيوعا في الحياة العملية التي يمكن أن تصدر خلال المراحل والفروض السابقة.
أولاً: امتناع الطبيب عن معالجة المريض إن دعوة الطبيب لعلاج المريض هي أولى مراحل العلاقة بين الطبيب والمريض، ويثور في هذا الصدد مجموعة من التساؤلات، فهل الطبيب ملزم بتلبية دعوة المريض؟ وهل له رفض التعاقد مع المريض؟ وهل تترتب عليه أية مسؤولية في حال رفض تلبية الدعوة؟
الأصل أن الطبيب كسائر المواطنين له كامل الحرية في ممارسة مهنته وبالطريقة التي يحبذ، إذ له الحق في قبول أو رفض الدعوة للعلاج. فالعلاقة بين الطبيب والمريض علاقة تعاقدية يلزم فيها رضا كل من الطرفين، ولا يوجد ما يلزم الطبيب بتقديم العلاج للمرضى الذين يطلبون المساعدة، ولا يعد الشخص مخطئا إلا إذا اخل بواجب يفرضه عليه القانون أو الاتفاق، وهذا ما كان مستقر علية في الفقه والقضاء ، حيث أن الطبيب غير ملزم بتلبية دعوة المريض لمعالجته إذ له الحرية في قبول العلاج أو رفضه، ولا يترتب على امتناعه أي مسؤولية وذلك لانعدام الرابطة السببية بين الضرر والخطأ، علاوة على أن هناك مبدأ هام في التشريعات الجنائية مفاده أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وان مجرد الامتناع لا يرتب مسؤولية ما لم يوجد نص أو عقد يوجب العمل.
والقول بغير ذلك يتنافى مع مبدأ الحرية التي يتمتع بها الطبيب، فكما أن رضا المريض شرط لازم فان الطبيب كذلك لا يعتبر ملزما بالعلاج إلا بعد قبوله، وعليه لا يعد امتناعه سببا لإقامة المسؤولية عن هذا الامتناع، حتى أن القضاء والى عهد قريب كان يقضي بان من حق الطبيب أن يمتنع عن إجابة دعوة المريض دون أي مسؤولية، حتى ولو لم يوجد طبيب آخر يمكن أن يكون بديلا عنه. وكان اجتهاد محكمة شاتورو الفرنسية عام 1908 "أن من حق الطبيب أن يمتنع عن إجابة دعوة المريض دون أن يتعرض إلى أي جزاء جنائي أو مدني لان مهنة الطب هي مهنة حرة، وله مطلق الحرية في اختيار عملائه". وقد كان لهذا الاتجاه آثار سلبية لاسيما في الأرياف حيث لا يوجد في كثير من الأحيان ألا طبيب واحد فإذا رفض معالجة المريض فانه يحرم هذا المريض من العناية الطبية التي يمكن أن تنقذه من الموت. لذلك تراجع الفقه والقضاء عن المبدأ السابق والمتمثل في حرية الطبيب بالامتناع، وظهرت اتجاهات حديثة تنادي في نسبية الحقوق ووظيفتها الاجتماعية، مما كان له اثر فعال في تقييد الحرية المطلقة للطبيب، حيث ان هناك واجب إنساني وأدبي على الطبيب اتجاه المرضى والمجتمع الذي يحيا فيه، تفرضه عليه أصول ومقتضيات العمل الطبي.
فرغم التسليم في حرية الطبيب في مزاولة مهنته إلا انه يجب ألا يستعملها إلا في حدود الغرض الاجتماعي الذي اعترف له بها وإلا يعتبر متعسفا في استعمال حقه، وعليه فان إقرار مسؤولية الطبيب الممتنع متى كان سبب امتناعه يلحق ضرر بالغير، فان هذا الأمر يتطلب وجود نية الإضرار بالغير وهذه النية يمكن استخلاصها من ظروف الحال كوجود المريض في مكان ناء ولا يوجد سوى طبيب معين لإنقاذه وعلاجه، أو إذا طلب المريض العلاج في ساعة متأخرة من الليل ولا يوجد في هذه الساعة غيره، كذلك وجود المريض في حالة خطرة تستدعى التدخل السريع والفوري من الطبيب الحاضر.
اعتبر الفقه والقضاء أن مجرد امتناع الطبيب في مثل هذه الحالات يشكل خطأ يستوجب المسؤولية وتطبق بشأن هذا الخطأ قواعد المسؤولية التقصيرية التي من شروطها ثبوت وجود ضرر نشأ من هذا الامتناع واثبات العلاقة السببية بين الامتناع والضرر. ومن الجدير بالذكر أن الطبيب الذي يعمل في مستشفى عام أو مصلحة حكومية ليس له أن يرفض معالجة المرضى الذين ينبغي عليه معالجتهم، ونفس الحكم بالنسبة للطبيب الذي يتعاقد مع مؤسسة أو رب عمل على علاج العاملين، فامتناع الطبيب عن العلاج هنا يثير مسؤوليته التعاقدية التي لا مناص منها بل والتشدد فيها. خلاصة القول أن مسؤولية الطبيب تثور في حالة الامتناع عن العلاج إذا تم حصول ضرر بسبب هذا الامتناع، ويقع على عاتق المريض إثبات قيام العلاقة السببية بين امتناع الطبيب عن العلاج والضرر الذي لحق به.
كما تقوم مسؤولية الطبيب الجنائية إذا كان الترك أو الامتناع عن تقديم العلاج يشكل خطأ جنائيا، وقد نصت المادة (474) من قانون العقوبات الأردني "انه يعاقب بالحبس حتى شهر واحد والغرامة خمسة دنانير على كل شخص من أصحاب المهن أو أهل الفن إذا امتنع دون عذر عن إغاثة او إجراء عملية" .
كما تنص المادة (343) من نفس القانون على أن "من سبب موت احد عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ثلاثة شهور إلى ستة سنوات" .
ثانيا: رضاء المريض بالعلاج ان حق المريض في العلاج من الحقوق الإنسانية الأساسية كحقه في الحياة، ويعتبر رضاء المريض في العلاج هو الدافع الأساسي لبدء العلاج أو المرحلة التنفيذية في مباشرة العلاج.
يلزم لقيام الطبيب بالعلاج والعمليات الجراحية الحصول على رضا المريض بذلك وتخلف هذا الرضا قد يجعل الطبيب مخطئا ويحمله تبعة المخاطر الناشئة عن العلاج، ولا يعني رضاء المريض إعفاء الطبيب من المسؤولية، بل انه يسأل طبقا للقواعد العامة عن الخطأ الصادر منة أثناء العلاج.
اجمع القضاء في فرنسا على أن الإنسان هو الوحيد الذي له حق التصرف في جسمه وفي تقدير ماله من مخاطر، فأقر في هذا النطاق انه يجب على الطبيب أن يطلع المريض بما يترتب على علاجه بنوع معين من الدواء، أو ما قد يحدث من جراء عملية جراحية فيها أي قدر من الخطورة، فانه يجب على الطبيب – كقاعدة عامة عدم لالتجاء إلى علاج مريض أو المساس بجسمه دون الحصول على رضاه سلفا، فهذا الرضاء يقتضيه احترام الشخص لهذا الفرد، إذ لكل إنسان حقوق مقدسة على جسمه لا يجوز المساس بها بغير رضائه ولو كان الدافع إليه لصالح المريض.
وتزداد أهمية الحصول على رضى المريض كلما كان العلاج أو التدخل الجراحي ينطوي على كثير من المخاطر، والتزام الطبيب بالحصول على موافقة المريض لا يقتصر على العلاج الذي يشير به فقط بل يجب على الطبيب أن يحيط المريض بكافة النتائج والمضاعفات التي قد تحدث بسبب ذلك العلاج.
ولا يقصد برضى المريض الإيجاب الصادر عنه بقبول العلاج، لدى طبيب ما أو مستشفى، لانعقاد العقد الطبي بينهما بل إن الرضا المقصود هو الرضاء الخاص، بحيث يكون حصول الإذن بالرضاء مقدما من المريض ذاته، أو من أهله وذويه ممن هم أهلا لتنفيذه وخاصة في حالة إجراء عملية أو علاج خطير أو بتر عضو. ويبرر الفقه ضرورة الحصول على الرضا الخاص، لان المريض إنسان حر، له حقوق مقدسة على جسمه وليس لأحد المساس بجسمه دون رضاه، لذا يجب أن يكون هذا الرضا واضحا وصريحا قبل البدء بالعلاج وان يستمر إلى وقت التدخل العلاجي من الطبيب وفي حالة إذا ما عدل المريض عن رضاه، فان الطبيب يسأل في حالة قيامة بالعلاج دون الحصول على رضى المريض. تنص المادة الثانية من الدستور الطبي الأردني والمتعلقة بواجبات الطبيب تجاه المرضى على أن "كل عمل طبي يجب أن يستهدف مصلحة المريض المطلقة وأن تكون له ضرورة تبرره وان يتم برضائه أو رضاء ولي أمره إن كان قاصرا أو فاقداً لوعيه" .
إن الطبيب لا يعفى من الحصول على الرضى مسبقا إلا في حالات استثنائية وتتمثل في حالات العلاج العاجل كما في حالة المصاب بحادث سير، فعلى المريض هنا ان يتقبل ويتناول ما يقدمه له الطبيب من علاج وتطبيب، وان يرضخ للإجراءات العلاجية التي تستدعيها حالته، كالتصوير بالأشعة والموجات الكهربائية واخذ العينات المخبرية.
وأما عن وقت الرضا فانه يجب أن يكون سابقا للعلاج آو إجرائه وهو إما أن يكون صريحا أو ضمنيا حيث يمكن في حالة العلاج اعتبار دخول المريض إلى عيادة المريض ودفع مقابل الكشفية ليس إلا مظهرا ودليل على القبول والرضى، على الرغم من أن شروط العقد غير مبينة كتابيا لان مواصفات العمل وشروطه وأصول المهنة واعترافها هي التي تحدد مثل هذه الشروط.
ويجب أن لا ننسى في هذا المقام أن الرضى يجب أن يصدر من صاحب العلاقة (المريض نفسه) في حالة إذا ما كان كامل الأهلية وبالغ راشد عاقل، وكانت حالته تسمح له بالتعبير عن رضائه، ويكفي أن يصدر الرضا مما له سلطة قانونية أو من ممثليه القانونيين أو أهله القريبين في حالة أذا ما كان المريض غير أهل للتعبير عن رضائه كأن يكون فاقدا للوعي . وقد جاء في حكم صادر عن محكمة بيروت "يجيز القانون العمليات الجراحية، والعلاجات الطبية المنطبقة على الصول الفن، شرط أن تجرى برضى العليل، آو رضا ممثليهم الشرعيين أو في حالة الضرورة الماسة". وعلى الرغم من كل ما سبق فأننا نؤكد أن رضا المريض لا يعني إعفاء الطبيب من المسؤولية التي تنشأ عن أخطاءه في العلاج أو الجراحة بل يسأل طبقا للقواعد العامة لان الإخلال بالالتزامات المتعلقة بسلامة الجسم البشري هي من النظام العام.
ويقع عبء إثبات الرضى على عاتق الطبيب المباشر للعمل وله أن يستفيد من ظروف الحال وواقع ما جرى معه والقرائن المحيطة ليستطيع استخلاص الرضا وذلك في حالة انتفاء الرضا الصريح، ومن الصور الدالة على الرضا الضمني أن يقوم المريض بدفع أجور العملية أو جزء منها مسبقا أو لاحقا لانتهاء العمل الجراحي.
ثالثا: الخطأ الطبي في التشخيص:
 إن التشخيص له أهمية خاصة باعتباره مرحلة تسبق مراحل العلاج وهذه المرحلة من أهم وأدق هذه المراحل جميعا ففيها يحاول الطبيب معرفة ماهية المرض ودرجة خطورته وتاريخه وتطوره مع جميع ما يؤثر فيه من ظروف المريض من حيث ناحيته الصحية وسوابقه المرضية وأثر الوراثة فيه، ثم يقرر بناء على ما يجتمع لديه من كل ذلك، نوع المرض الذي يشكو منه المريض ودرجة تقدمه، ولتحديد الخطأ في التشخيص يستلزم الوقوف على أمرين أولهما: الإهمال في التشخيص، وثانيهما: الغلط العلمي الذي يقع فيه الطبيب.
 أولاً: الإهمال في التشخيص إن تشخيص المرض أول أعمال الطبيب فعلى ضوء ذلك يتحدد تعامله مع المريض وطريقة علاجه، وان أي خطأ في تلك المرحلة الهامة والرئيسية يستتبع نتائج قد لا تحمد عقباها، وفي هذه المرحلة بالذات ومنها تبدأ المسؤولية الطبية وان أي تسرع في البت وتقرير حالة المريض قد يوقع الطبيب في خطأ التشخيص. فيجب على الطبيب أثناء قيامه في تشخيص المرض اللجوء إلى الفحوصات العلمية والعملية كالفحص الميكروسكوبي والتحاليل بأنواعها والتصوير بالأشعة، وله أن يستعين بأطباء آخرين من ذوي الاختصاص، فإذا أهمل الطبيب في اتخاذ الاحتياطات الضرورية التي تبعده عن مواطن الخطأ كان مسؤولا عن الأضرار الناجمة عن أخطائه في التشخيص، وفي هذا الصدد ذهبت محكمة السين الابتدائية في فرنسا "بأنه في حالة الشك بالتشخيص يجب الالتجاء إلى الطرق العلمية للتحقق من الحالة المرضية، ويمكن القول أن الطبيب يحاسب عن جميع الأخطاء التي تقع في التشخيص وخاصة إذا كان ذلك الخطأ لا يقع من طبيب معتاد من أواسط رجال الطب وفي الظروف العادية للتشخيص وعلى هذا يلزم الطبيب ببذل أقصى الجهد للتحقق من نوعية المرض والوقوف على حقيقة ما يعانيه المريض، وذلك بعنايته بالتشخيص ويكون ذلك باتباع احدث ما توصل إليه العلم وفن الطب من وسائل كشف مما هو متاح، وإلا فانه يسأل عن أي تقصير في مساعيه بهذا الخصوص فيما إذا كان تشخيصه مخالفا أو بعيدا عن حالة المريض حقيقته. أما الحالات التي لا يمكن أن تساعد فيها الأعراض الظاهرة فيها عن كشف حقيقة المرض، كوجود التهابات يصعب معها تحديد حالة المرض، أو أن الحالة لم تكن ذات جدوى للاستعانة بها فان الطبيب لا يسأل من حيث المبدأ.
 ثانيا: الغلط العلمي هناك العديد من النظريات العلمية الطبية لا تزال محل خلاف بين العلماء والأطباء، فإذا ما رجح الطبيب رأى على آخر واخطأ في التشخيص نتيجة لتشابه الأعراض المرضية والتي تستعصي على أكثر الأطباء علما ودراية، ففي هذه الحالات يبقى الطبيب في منأى من المسؤولية متى كان الخطأ الذي وقع فيه بسبب تشابه الأعراض، ويمكن أن يقع في ذلك الطبيب الوسط الذي وجد في نفس الظروف، ولكن هذا لا يعني أن الغلط العلمي في التشخيص يغتفر مهما كان الغلط الصادر من الطبيب، لان اعتماد مبدأ كهذا فيه مخالفة لما قلناه في معيار الخطأ الطبي، وإنما يسأل الطبيب إذا لم يبذل جهودا صادقة يقظة تتفق مع الأصول العلمية الثابتة ماعدا الظروف الاستثنائية وعلى هذا ذهبت إحدى المحاكم الفرنسية إلى القول " بان طبيب الأشعة الذي لا يكشف كسر في رأس عظمة الفخذ الذي اخذ له صورة مع ما أثبته الخبراء من وضوح اثر الكسر في تلك الصورة يدل بذلك على جهل تام بقراءته للصورة العظمية، جهل لا يغتفر على الأخص من طبيب مختص، وعلى ذلك فان الطبيب يسأل كلما اخطأ في تشخيص المرض خطأ يدل على الجهل الفاضح للفن الطبي، مما يستدعي الفصل بين الجهل والرأي العلمي فنحاسب الطبيب في حالات الجهل دون الاجتهاد العلمي. ويمكن إجمال بعض حالات الخطأ في التشخيص في الأمور التالية : 1. إذا كان الخطأ يشكل جهلا واضحا بالمبادئ الأولية للطب المتفق عليها من قبل الجميع والتي تعد الحد الأدنى الذي يتفق مع أصول المهنة. 2. إن الغلط في التشخيص لا يشكل بالضرورة خطأ طبيا، فمثل هذا الغلط يمكن أن يثير مسؤولية الطبيب إذا كان عن جهل في الأوليات أو عن إهمال في الفحص الطبي كأن يتم في طريقة سطحية وسريعة غير كاملة. 3. إذا كان الخطأ في التشخيص غير مغتفر، كما إذا كان علامات وأعراض المرض ظاهرة بحيث لا تفوت على طبيب وسط من نفس مستوى من قام بالتشخيص. إذا كان الخطأ ينطوي على إهمال واضح من قبل الطبيب لا يتفق مع ما جرى عليه العمل في مثل هذه الحالات، حيث يسأل الطبيب إذا كان خطؤه في التشخيص راجعا إلى عدم استعمال الوسائل الطبية الحديثة التي اتفق على استخدامها في مثل هذه الأحوال كالأشعة، والفحوصات المخبرية، 4. ولا يعفي الطبيب من المسؤولية في هذه الحالة إلا أذا كانت حالة المريض لا تسمح باستعمال الوسيلة المتبعة أو كانت الظروف الموجود بها المريض لا تؤهل لذلك. 5. ويٍسأل الطبيب أيضاً إذا كان الخطأ في التشخيص راجعا إلى استخدام الطبيب لوسائل مهجورة وطرق لم يعد يعترف بها علميا في هذا المجال. 6. وأخيراً يسأل الطبيب عن الخطأ في التشخيص إذا كان ذلك راجعا إلى عدم استشارته لزملائه الذين هم أكثر منه تخصصا في المسائل الأولية اللازمة، حتى يتبين طبيعة الحالة.
رابعا: الخطأ في وصف العلاج:
 تأتي مرحلة وصف العلاج للمريض بعد تشخيص المرض وتحديد هويته والوقوف على طبيعته بشكل دقيق، فوصف العلاج للمريض يجب أن يستند على نتائج هذه المرحلة حتى يكون ناجحا وملائما للمريض ومن الطبيعي ألا يلتزم الطبيب بنتيجة معينة كشفاء المريض بل يبقى التزامه ببذل عناية، حيث يجب عليه أن يبذل العناية اللازمة لاختيار العلاج والدواء الملائمين لحالة المريض بهدف التوصل إلى شفائه أو تخفيف الآمة، ولا يسأل الطبيب عن نتيجة ذلك لأن الأمر مرجعه إلى مدى فعالية العلاج من جهة ومدى قابلية جسم المريض وحالته لاستيعاب ذلك من جهة أخرى، ويلزم الطبيب بمراعاة الحيطة بوصف العلاج وعليه أن يأخذ بعين الاعتبار الحالة الصحية للمريض وسنه وقوة مقاومته ودرجة احتماله للمواد الكيماوية، وقد قضت إحدى المحاكم الفرنسية في احد أحكامها "أن الطبيب يعتبر مخطئا، إذا أمر بعلاج لم يراعى فيه بنية المريض وسنه وقوة مقاومته، ودرجة احتماله للمواد السامة التي تقدم إليه". إن خطأ الطبيب في مرحلة العلاج يمكن تقسيمه إلى نوعين: 1. خطأ ناتج عن عدم إتباع الأصول العلمية السائدة وقت مباشرة العلاج حيث أن إتباع هذه الأصول هو التزام عام يقع على عاتق الطبيب، إذ يجب عليه أن يبذل للمريض عناية لا من أي نوع كان بل أن يبذل جهودا صادقة يقظة تتفق مع الأصول العلمية الثابتة، وبناء على ذلك فان الطبيب الذي يستخدم فنا قديما في المعالجة مع إمكانية استخدام وسائل طبية حديثة بديلة عن الفن القديم والمهجور يعد مسؤولا عن الأضرار التي يمكن أن تنجم عن فعله" . ومعنى إلزام الطبيب باتباع ما وصل إليه العلم والمعرفة وخاصة في مجالات الطب ليس الجمود والتقوقع والانزواء عن الاستنباط والاستحداث وتجديد والتطور، وإنما القصد انه إذا ما عرض على الطبيب حالة تحكمها القواعد الثابتة المستقرة التي وضع لها العلم حلا، ودلت الخبرة والتجربة على صلاحيته، فان الطبيب ملزم بإتباعه، حتى لا يعرض المريض لأخطار لا مبرر لها. وفي حالة إذا ما عرض على الطبيب حالة لا تدخل في ذاك النطاق وتلك الحدود فلا يوجد ما يمنع من مسايرة الأمور وفق ما تقتضيه تلك الحالة ومصلحة المريض فيختار ما يراه مناسبا ويفاضل بين النظريات الأكثر ملائمة دون أن يكون له حق في الخروج عن الأصول المستقرة الثابتة وإنما له التصرف ضمنها وله أن يحورها بما يناسب مصلحة المريض، فيجري علاج جديد شرط أن لا تكون أخطاره غير متناسبة مع فوائده 2. الخطأ الناتج عن قواعد الحيطة والحذر في وصف العلاج. يجب على الطبيب عند كتابته للوصفة الطبية للمريض أن يراعى جانب الحذر والحيطة واليقظة في وصفة العلاج، حيث يجب أن تصدر الوصفة الطبية عنه مذيلة بتوقيعه وظاهر فيها مقادير الدواء وطريقة استخدامه، وقد نصت المادة (8) من الدستور الطبي والمتعلقة بواجبات الطبيب العامة على أن تحوى أوراق الوصفات الطبية المعلومات المسموح بإدراجها في إعلان الصحف واللافتات فقط. ويجب أن يذكر على الوصفة الطبية اسم المريض وعمرة والتاريخ وتوقيع الطبيب وان تكون الوصفة واضحة الخط وحاوية على شروط استعمال العلاج".
فاختيار العلاج بنوعيته ومقدار جرعته وكيفية استخدامه يقتضي من الطبيب منتهى اليقظة والانتباه فإذا ما اخطأ في تقدير الجرعة أو في نسبة تركيب المادة التي تدخل في الدواء ومات المريض نتيجة لذلك فان الطبيب يعد مسؤولا في هذه الحالة نتيجة لخطئه في وصف الدواء، فالطبيب يعتبر مسؤولا إذا اخطأ وتجاوز في تقدير الجرعة التي يحتاجها المريض لدواء ما، وكان الحد والمقدار معلوما ومستقرا عليه في علم الطب والأصول الفنية، أو إن الطبيب قد أعطى المريض دواء غير مناسب لحالته لاعتقاده العكس، فيكون تقديره خاطئ وعلى غير مقتضى أصول الفن الطبي.
وعلى الرغم مما تقدم ليس هناك معيار محدد يمكن من خلاله القول أن الطبيب قد اخطأ أثناء العلاج، لذلك ذهبت أحكام القضاء إلى أن الطبيب يعتبر مسؤولا إذا اثبت أن في اختياره الدواء جهلا واضحا بأصول العلم والفن العلمي أو انه يصف دواء للمريض يحتوي على مواد خطرة دون أن يبين كيفية تناوله ولم يقم بفحص المريض للتأكد من مقدرته على تحمل العلاج.
ورغم ذلك فان الطبيب لا تحجب عنه المسؤولية حتى وان نبه المريض أو ذويه أو المسؤول والقائم على رعايته والعناية به إلى مخاطر العلاج، وذلك إذا لم تكن حالة المريض تستدعي تعريضه لهذه المخاطر أو لم توجد ضرورة لذلك حتى ولو رضي المريض بذلك لان الطبيب يجب أن لا يقبل تعريض مريضة لعلاج لا تكون فوائدة متناسبة مع مخاطره، فعلى الطبيب عند اختيار العلاج أن يوازن بين أخطار العلاج وأخطار المرض، من منطلق انه كلما كان في العلاج المقصود خطر على حياة المريض فيتحتم على الطبيب استبعاده.
وقد تقوم المسؤولية بشكل مشترك بين الطبيب والصيدلي كما في حالة لو وصف الطبيب دواء خطير على الصحة ولم يقم الصيدلي بمراجعته أو إذا اخطأ الطبيب في جرعات الدواء ولم يقم الصيدلي بمراجعة ذلك والتأكد من الجرعات التي تلزم المريض .
خامسا: إجراء العلاج بهدف غير الشفاء:
 نظرا للطبيعة الإنسانية لمهنة الطب، يجب أن يكون تدخل الطبيب في جسم الإنسان منصرفا إلى علاجه لا إلى تحقيق غاية أخرى يكون الغرض منها قيامه بعمل من أعمال مهنته سواء كان بإعطاء دواء معين أو بتعريضه للأشعة، أو إجراء عملية جراحية، ليس بغية الوصول إلى شفاء المريض من مرضه وتحسين مستواه الصحي وتخليصه من الآمة، فإذا ما قام بهذه الإجراءات بغرض آخر غير الشفاء، فيكون قد خرج على وظائف مهنته وزالت صفته وتوافر في فعله عناصر المسؤولية، لان الطبيب بخروجه عن الغاية التي أتاحت له مزاولة مهنته يكون قد خرج عن حدود هذه الإباحة.
وعلية لا يسلم الفقه والقضاء بمشروعية تقصير عمر المريض الميؤوس من شفائه حتى ولو كان بهدف إنقاذه من الآلام المبرحة، كالقتل شفقة، أو القتل الرحيم، فيعد هذا جريمة قتل بحسب الكثير من التشريعات العربية والأجنبية. وهناك عدة صور يتحقق إجراء العلاج فيها لهدف غير الشفاء كتحقيق الربح والتجارب الطبية وغيرها.
      1- العلاج بقصد تحقيق الربح. قد يسعى الطبيب من خلال تقديمه للعلاج إلى تحقيق الربح المادي، ومما لا شك فيه انه لا يمكن مؤاخذه الطبيب على مجرد قصد تحقيق الربح، لأنه إنسان، ولكن تثور المسؤولية إذا كان الهدف هو الدافع الوحيد وراء تدخله، مما يترتب عليه من انتقاء وسيلة العلاج الأكثر ربحا دون النظر إلى ملائمة هذه الوسيلة لصحة وحالة المريض ومقتضيات شفاءه، فإذا ما ثبت للمحكمة أن الدافع الوحيد لتدخل الطبيب وإجراء العلاج هو تحقيق الربح فان الطبيب يسأل عن ذلك، وقد ذهب القضاء المصري إلى أن قيام الطبيب بخلع ضرس مريض دون أن تستدعي حالته ذلك، وإنما لمجرد تحقيق الربح، فان الطبيب يعتبر مسؤولا بناء على نظرية إساءة استعمال الحق، إذ يجب أن يكون هدف الطبيب إجراء ما هو في مصلحة المريض.
     2- العلاج بقصد التجارب العلمية (البحث العلمي) والمقصود بالتجارب الطبية تلك التجارب العلمية أو الفنية دون أن يكون هناك ضرورة تمليها عليه حالة المريض، إنما يقوم بها لإشباع هوايته العلمية او لأجل الاكتشاف والتجربة أو لخدمة الإنسانية، فمن حيث المبدأ مهما سمت الغاية وعلت قيمة الذريعة، ورغم موافقة من تجري عليه التجربة سليما أو عليلا، فلا يجوز في هذه الحالة المغامرة في صحة إنسان في سبيل اكتشاف أو تجربة قد تفيد غيره، سواء نجحت أو فشلت. أما الطبيب الذي يهدف أساسا إلى شفاء المريض، فتعتبر التجارب التي يجريها على المريض بهدف الوقوف على الوسيلة الأكثر تناسبا مع حالته وصحته في تحقيق الغاية المنشودة، مشروعة ولا تكون محلا لإثارة مسؤوليته الطبية طالما انه اتبع مسلك الطبيب المماثل له، فالطبيب حر في طريقة اختياره للعلاج التي يراها، فهو لا يتعرض لأية مسؤولية أذا اختار طريقة أخرى شرط أن يبني اختياره على أسس علمية صحيحة، وألا يعرض المريض لخطر لا تدعو له حالته، أو لا يتناسب مع الفائدة المرجوة من العلاج.
وقد ثار الجدل حول إجراء التجارب العلمية على المحكومين بالإعدام ومدى جواز ذلك، حيث انتهى الأمر إلى عدم جواز ذلك لان كرامة الإنسان تمنع حتى في مثل هذه الحالة إهدار دم المحكوم علية بالإعدام قبل تنفيذ الحكم به .
كما لا يعتبر رضاء المريض قبول إجراء تجارب علمية علية معفيا الطبيب من المسؤولية، لان الرضا ليس سببا من أسباب الإباحة، وان سلامة جسم المريض تعد أيضا من النظام العام باعتبار أن ذلك امرأ تقتضيه مصلحة المجتمع، فلا يجوز المساس بها إلا لضرورة فائدته وبقدر ما يتناسب مع الفائدة. وقد قضت محكمة ليون الفرنسية "إن الطبيب يعتبر مخطئا إذا باشر غرضا غير شفاء المريض، فالتزامات الطبيب نحو العلم لا تسوغ له المساس بجسم الإنسان" .
سادسا: أخطاء التخدير:
 يعتبر التخدير من أهم الانتصارات العلمية في المجال الطبي حيث أن له دور فعال في تسهيل علاج الكسور والعمليات الجراحية والتخفيف من شدة بعض الأمراض ومآسيها وآلامها وأوجاعها، لان هناك بعض أمراض وحالات يتمنى المريض معها الموت على استمرار الآلام، هذا من ناحية اعتبار تحقيق الآلام أسلوبا علاجيا، ومن ناحية أخرى تحقيق السرور والسعادة بتخفيف وطأة الألم وذلك من خلال وأثناء وبسبب العلاج وخاصة عندما يكون العلاج جراحيا بشكل خاص، حيث أن العمليات الجراحية ترافقها الآلام الشديدة التي لا يستطيع المريض تحملها، لذلك فان الطبيب يلجأ إلى وضع المريض تحت التخدير قبل مباشرة العلاج الجراحي وهذا يحتاج إلى وسائل فائقة في العناية للتأكد مسبقا في ما إذا كانت صحة المريض وحالته تتحمل وضعه تحت التخدير، خاصة بالنسبة لمرضي القلب والتأكد من أن معدة المريض خالية من الطعام، وعلى ابسط الأحوال إن المقادير تختلف بين شخص وآخر ، كبير أو صغير ، ذكر آو أنثى ، بدين أو نحيف كما وتختلف في ذات الفئة بين معتاد لبعض العادات والمشروبات وليس كذلك، بين حالة مرضية وأخرى وما إلى غير ذلك من ظروف وأحوال، لذلك فان علم الطب والجراحة والتخدير وضع معايير خاصة ودقيقة لاستخدام التخدير وخاصة في العمليات الجراحية. في الماضي كان الطبيب الجراح هو الذي يقوم بعملية التخدير على اعتبار أن هذه العملية جزء لا يتجزأ من عمل الطبيب أثناء قيامه بمعالجة المرضي وإجراء العمليات ونظرا لتشعب التخصصات الطبية أصبح التخدير تخصص هام من تخصصات الطب مما ينبغي معه أن يكون هنالك متخصصا يقوم بأعمال هذا التخصص، وكما أن وظيفة الطبيب الجراح أيضا زادت أهميتها في الوقت الحاضر وأصبح طبيب التخدير مرافق للطبيب الجراح بحيث اصحب من المبادئ الأساسية المقررة للعمليات الجراحية، انه يجب على الطبيب الجراح الاستعانة بطبيب تخدير متخصص يقوم بأعمال التخدير اللازمة للمريض.
يجب على طبيب التخدير أثناء قيامه بتخدير المرضي أن يتبع أصول الفن في هذا التخصص ويتخذ من جانبه جميع الاحتياطات اللازمة، ولا يسأل عن الحوادث التي تقع بسبب التخدير دون أن ترجع إلى خطأ منه، وقد قضت محكمة مونبليية بانت "لا مسؤولية على الطبيب عن وفاة طفل على اثر تخديره بمادة الكلورفورم طالما انه قد لاحظ جميع الاحتياطات التي يمليها عليه الفن، وبعد الحصول على رضا بالتخدير من والد الطفل، وإجراءه بمعرفة زميل له من الأطباء.
سابعا: أخطاء التوليد:
 يعد التوليد فرع من فروع الطب الهامة، وتعتبر عملية التوليد بحد ذاتها من حيث ماهيتها من الممارسات المحفوفة بالكثير من المخاطر والمفاجآت وهذا يعني بدوره أن ما يتصرفه القائم على التوليد، لا يمكن لأي شخص الوقوف على حقيقة الأسباب التي دعت الشخص القائم بالتوليد إلى التصرف على النحو الذي جرى عليه، لذا فان خطأ التوليد هو من بين الأخطاء الطبية الذي تستدعى قيام مسؤولية الطبيب المرتكب له.
وتبدأ مسؤولية الطبيب من ساعة حدوث الحمل، إذ يحظر على الطبيب أن يوصف للمرأة الحامل العلاجات الغير مناسبة والتي من شأنها أن تلحق الأضرار بالجنين أو تؤدي إلى سقوطه، كإعطاء أدوية ذات طبيعة سمية أو تخديرية، كحبوب الفاليوم وغيرها من الأدوية التي يمنع إعطائها للمرأة الحامل في المرحلة الأولى من الحمل، وكذلك يسأل طبيب التوليد عن الأخطاء التي يرتكبها أثناء الفحص السريري، سواء كان ذلك بالضغط على جدار الرحم، أو عند استخدام الآلات كالمجس الرحمي إذا ما أدى ذلك إلى الإجهاض، وعلى المحكمة أن تبحث فيما إذا كان الطبيب قد أعطى العلاج لضرورة علاجية أو انه قام بإعطائه برعونة وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة في كيفية استخدام الدواء، كما ويسأل الطبيب المشرف الذي يراقب المرأة الحامل ويقوم بإجراء الفحوصات الدورية لها عن الأضرار الناتجة عن تقصيره في هذا المجال، لاسيما إذا لم يستخدم الآلات الحديثة كالأجهزة التلفزيونية أو الأجهزة التي تستخدم لقياس ضربات قلب الجنين أو انتظام ذلك، وعلى الطبيب المشرف أن يوضح للمرأة الحامل جميع المسائل المتعلقة بحالتها.
ويمكن مساءلة الطبيب عن الإصابات التي تنتج عن جهل أو تقصير آو عدم أتباع أصول علمية ثابتة، كما في حالة تمزق الرحم وخرقة بواسطة مجس الرحم أو ثقب الرأس أو بتر بعض أعضاء الوليد دون أي ضرورة أو كسر جمجمته أو فقء عينة وأيضا كما في حالة إجراء عملية قيصرية بطريقة مخالفة للأصول العلمية الطبية ودون أن يكون هناك ضرورة لذلك، وقد قضت إحدى المحاكم الفرنسية بمسؤولية الطبيب لأنه نزع من أم الطفل أثناء الولادة ستة أمتار وتسعين سنتمتر من أمعائها الدقيقة، وكذلك قضت إحدى المحاكم الفرنسية بقيام مسؤولية الطبيب نتيجة عدم قيامة بربط الحبل السري للطفل وتركه دون عناية ليموت . ولأهمية الموضوع فلقد اهتم المشرع العربي بالتوليد، فإضافة لخضوع القائمين بالتوليد (طبيب أو قابلة) للقواعد العامة في القوانين المدنية أو الجزائية على السواء، انتشرت في كثير من بلدان العالم العربي حملات التوعية والإرشاد بخصوص كيفية التعامل مع الأم وطفلها.
ثامنا: أخطاء الجراحة :
تعتبر الجراحة كفرع هام من فروع الطب، المجال الواسع الذي تعتمد فيه الممارسات الطبية بأغلب أنواعها وأقسامها وما يتعلق بها من مهن تلازمها أو تتبعها، وعليه فان الخطأ الطبي الجراحي أو بالأحرى أخطاء الجراحة هي الأخطاء النموذجية التي يمكن اعتمادها لدراسة المسؤولية الطبية بكافة وجوهها وأشكالها. ويسأل الطبيب الجراح وفق القواعد العامة للمسؤولية الطبية إذا لم يؤدّ عمله الجراحي بالمهارة التي تقتضيها مهنته وبالمستوى الذي ينتظره منه المريض.
ومما لا شك فيه إن أهمية مسؤولية الطبيب الجراح تنبع من أهمية الجراحة بحد ذاتها، لذا فهي على جانب كبير من الدقة والخطورة ينبغي من القائمين عليها بذل فائق العناية والحذر والاهتمام والحيطة، فهي من ذات طبيعة الالتزامات التي يتحمل مسؤوليتها الطبيب، وينطبق عليها تعريف أنها التزام بوسيلة وعناية، وإضافة لذلك فهي غير مضمونة النتائج ولا يمكن أن تكون بحال من الأحوال التزام بتحقيق غاية حتى في ابسط الجراحات.
ولاعتبار مسؤولية الطبيب الجراح لا يشترط أن يكون الخطأ التي ارتكبه جسيما بل يكفي أن يكون قد قصّر في بذل العناية، ولذلك قضت المحاكم بمسؤولية الجراح الذي لم يتأكد من استقرار المريضة على منضدة الجراحة مما ترتب على ذلك تشوه في ذراعها لإصابته ببداية شلل حيث كان ينبغي عليه التأكد من سلامة المنضدة وآلات تثبيت المريض ، وكذلك يسأل الطبيب الجراح عن ترك أجسام غريبة في بطن المريض مثل القطن أو الشاش أو بعض الآلات التي تستخدم بالجراحة أو إذا لم يقم الطبيب بتنظيف الجرح أو تطهيره حتى لا يكون بؤرة للعدوى، ولا يقف التزام الطبيب الجراح عند حد العملية الجراحية بل يمتد للعناية بالمريض إلى ما بعد العملية الجراحية لتفادي المضاعفات التي قد تترتب عليها، ولا يعفي الطبيب من المسؤولية إلا إذا اثبت توافر شروط القوة القاهرة كوجود ضرورة تقتضي التدخل الجراحي على وجه السرعة فما يفاجئ به الجراح من ظروف شاذة في إجرائها ودقتها وصعوبتها، كل ذلك من شأنه إعفاء الطبيب من المسؤولية عن إهماله في اتخاذ الاحتياطات التي توجهها الأصول المهنية في الأحوال العادية.
ويجب علينا في موضوع أخطاء الجراحة أن نفرق بين مسؤولية الطبيب بالعناية بالمريض دون الشفاء أو النجاح، وبينما يقع عليه من التزامات يجب أن يسأل عن تحقيق النتيجة فيها مجازا، كالتزامه باستخدام الآلات والعلاجات التي لا تنطوي على خطر، فمثلا إذا تبين أن الحادث كان مردّه إلى سوء صفات الآلة التي استخدمها الجراح، عندها يكون قد أخل بالتزام هو من نوع التزام بتحقيق نتيجة إذ من الواجب عليه أن يقدم الآلات والعلاجات التي لا يمكن أن تضر بالمريض، أما إذا جاء الحادث وليد استخدامه الآلة أو المستحضر الذي لا عيب فيه, عندها يكون إخلاله ببذل عناية الحيطة و الحذر .
استعانة الطبيب بالمساعدين و المسؤولية عنهم أدى التطور الطبي إلى الالتجاء المتزايد إلى فريق طبي متخصص كل في ميدان تخصصه ، و يكون الجراح هو المسؤول عن هذا الفريق الذي يعمل تحت إمرته, فإذا كان عقد بين المريض و الجراح فان الطبيب يسأل تعاقديا عن جميع الأخطاء التي يرتكبها أعضاء الفريق الطبي من ممرضين وأطباء ومساعدين، ومن خلال الرجوع إلى القواعد العامة التي تحكم المسؤولية عن فعل الغير، نلاحظ انه لا يوجد في القانون ما يقرر بطريقة مباشرة مسؤولية المتعاقد عن فعل الغير كما هو الحال في بعض القوانين الأخرى.
وبالرجوع إلى مسؤولية الطبيب الجراح عن أفعال مساعديه تكون المسؤولية تقصيرية عندما لا يكون التدخل الجراحي قد تم باتفاق بين المريض والجراح ونطبق في هذا الشأن تحديدا قواعد مسؤولية المتبوع عن أفعال تابعيه، ولكنه لا يسأل عن أخطائهم التي تصدر قبل العملية أو بعدها لأنه لا يملك توجيههم وتبعيتهم له إلا أثناء الجراحة .
عاشرا: أخطاء الأطباء أثناء جراحة التجميل:
 لقد كان للتطور العلمي والاجتماعي اثر كبير على مفهوم العمل الطبي فقد اتسع نطاقه ليشمل الفحص والتشخيص والعلاج وأصبح الشخص لا يطلب من الطبيب أن يشفيه من المرض أو يخفف آلامه، بل يطلب منه أن ينظم حياته وحالته الصحية والنفسية، فأصبح من حق الطبيب أن يصف له الهرمونات والفيتامينات اللازمة والغذاء المناسب لحالته الصحية، أو استئصال احد أعضاء الجسم الزائدة، أو إصلاح عضو غير سليم، أو نقل عضو من شخص إلى آخر. أصبحت جراحة التجميل اليوم من الضروريات التي يحتاجها البشر، فبعد أن كان الاتجاه في أول الأمر يرمي إلى تحريمها على اعتبار أنها تنطوي بالمساس بسلامة الجسم دون أن تستهدف علاج المريض، أخذت جراحة التجميل موقعها من العمل الطبي وأصبح لها نظامها وأصولها وتعاليمها وارتفعت في الوقت الحاضر وشاعت في جميع البلاد واتسع ميدانها لتشمل جميع أنواع التشوهات الخلقية والمكتسبة. وفي الواقع فان فكرة الهدف العلاجي التي تعود على المريض يمكن النظر إليها من عدة وجوه ليست فقط جسمانية ولكن أيضا نفسية ومعنوية، وفي غالب الأحوال ما يكون العلاج بالنسبة لجراحة التجميل علاج نفسي والعلاقة وثيقة بين صحة الإنسان ونفسيته.
لذا تعتبر جراحة التجميل تلبية ضرورية لتطور الحياة المعاصرة وما صاحبها من حوادث قد ينتج عنها حروق وتشوهات وكذلك عندما يصاب بعض العمال بإصابات بها تشويه أثناء العمل أو أثناء الألعاب الرياضية. وقد اتخذ القضاء موقفا متشددا وكان ينظر إلى هذا النوع من العلاج نظرة سخط وكراهية، وكان يعتبر أن مجرد الإقدام على علاج لا يقصد منه إلا تجميل من أجري له خطأ في حد ذاته يتحمل الطبيب بسببه كل الأضرار التي تنشأ عن العلاج وليس مهما أن يكون العلاج قد أجري طبقا لأصول العلم والفن الطبي الصحيح، وعلتهم في ذلك إن الطبيب قد باشر علاج خطرا من غير أن يكون هناك حاجة لشفاء مرض، إنما لمجرد إزالة عيب طبيعي لا خطر منه على صحة من أجريت له العملية، وانه في هذه الحالة لا يوجد ما يبرر تعريض مصلحة المريض للخطر، إن لم يكن لخطر الموت فعلى الأقل لان يصبح لهذا العيب عاهة حقيقية. وهذا ما كان من أمر فتاه كانت تشكو من شعرات في ذقنها فعالجها طبيب بالأشعة وأزال الشعرات إلا انه تخلف من ذلك مرض جلدي قبيح، ولقد قضت المحكمة في الحكم المذكور بمسؤولية الطبيب، رغم أن الخبراء قد قرروا بان الطبيب قد اتبع قواعد وأصول فن الطب وتوخى بالغ الحذر والحيطة ولم يمكن أن ينسب إليه خطأ فني أو تقصير .
نتيجة لتطور الفكر الإنساني ورغبته بالبحث عن الأفضل وما أثارته أحكام المحاكم من ضجة واحتجاج شديدين لما أصبح للجمال الخلقي من اعتبارات في نفسية الشخص، اخذ القضاء يغير موقفة تدريجيا، وذلك لنفس المبادئ التي تقوم عليها العمليات الجراحية باعتبار أن عملية التجميل هي نوع من الجراحة، إلا انه نظرا للطبيعة الخاصة لجراحة التجميل فان القضاء قد تشدد في هذا النوع من الجراحة، وأوقع على عاتق جراح التجميل التزاما بتبصير المريض بطبيعة العملية الجراحية التي سيجريها له وإعلامه أيضا بالنتائج المحتملة بالتدخل الجراحي وإعلام المريض بكل المخاطر التي يمكن أن تنتج عن هذا النوع من العلاج بحيث يكون رضا المريض بإجرائها رضاء سليما، عالما بكل هذه المعلومات، وإذا كان الطبيب لا يلتزم كقاعدة عامة بإعلام المريض بالأخطار التي تعتبر نادرة الحدوث إلا انه بصدد جراحة التجميل يجب عليه أن يحيط المريض بكافة المخاطر سواء كانت هامة أو نادرة الحدوث.
وقد أصدرت محكمة استئناف دواى الفرنسية 10-7-1946 حكم في قضية تتلخص وقائعها أن احد الأشخاص راجع احد الأطباء لأنه كان يشكو من تورم طفيف في ذراعه وبعد الفحص تبين للطبيب بأنه تورم عادي، وقام الطبيب بتوجيه النصح والإرشاد للمريض لإجراء العملية مؤكدا له نجاحها ووافق المريض على ذلك وعند قيامة باستئصال الورم تبين له أنّّ الورم هو ورم سرطاني خبيث فقام باستئصاله فورا ودون إشعار المريض بذلك أو حصول موافقته وبعد أن أفاق من المخدر وعلم بان ذراعه أصبحت عاجزة وعاطلة لجأ إلى القضاء مطالبا بتعويضه عن الضرر فقضت محكمة دواى المذكورة بان على الطبيب أن يحصل على رضا المريض قبل إجراء العملية وإعلامه بحقيقة ما تنطوي عليه العملية من مخاطر لذا فان الطبيب يعد مخطئا بذلك.
وإضافة إلى ما سبق فقد تشدد القضاء بضرورة أن يكون الطبيب مؤهلا من ناحية الاختصاص العلمي والكفاءة العلمية بما يتناسب وحجم العمل الطبي ومخاطره، وان يقوم الطبيب بانجاز جميع الفحوصات الطبية كنوع فصيلة الدم وضغطة ومقدار السكر وعمل القلب وغيرها من الفحوصات.
ذهب القضاء المصري إلى القول بان مسؤولية الطبيب الذي اختاره المريض هي مسؤولية عقدية وان كان لا يلتزم بمقتضى العقد بنجاح العملية أو شفاء المريض لان التزامه ليس التزام بتحقيق نتيجة وإنما هو التزام بتحقيق عناية، إلا أن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمريضه جهودا صادقة يقظة تتفق مع الأصول المستقرة في علم الطب فيسأل الطبيب عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب، وجراح التجميل وان كان كغيره من الأطباء لا يضمن نجاح العملية التي يجريها إلا أن العناية المطلوبة منه أكثر منها في الأحوال الجراحية الأخرى، لان جراحة التجميل لا تستلزمها صحة المريض وإنما لإصلاح تشويه يجب ألا يعرض حياته للخطر .
نستخلص مما سبق إن القضاء في كل من فرنسا ومصر يتشدد بالنسبة للأخطاء الصادرة من أطباء التجميل، بحيث يجب على الطبيب ان يلتزم تجاه المريض عند قيامة بإجراء جراحة تجميلية بما يلي:
1. الحصول على رضا المريض الحر والصريح.
2. أن يلتزم الطبيب بشرح كل ما يترتب على العملية من مخاطر.
3. إجراء العملية التجميلية ضمن الأصول العلمية الحديثة المستقرة في علم الطب.
4. أن يراعي التناسب بين الخطر الذي يتعرض له المريض والفائدة التي يتوخاها من العمل الجراحي التجميلي.
حادي عشر: الخطأ الطبي في المستشفيات العامة والخاصة:
 - الخطأ الطبي في المستشفيات العامة: سبق وان ذكرنا أن علاقة المريض بالمستشفى العام هي علاقة قانونية بحيث تعتبر مسؤولية المستشفى مسؤولية تقصيرية وخاصة أن المريض لا يختار طبيبه وبالتالي تنتفي العلاقة العقدية بينهم، وأما بخصوص علاقة الطبيب بإدارة المستشفى فهي علاقة تنظيمية بحته تنظمها اللوائح والأنظمة باعتبار أن هذا المستشفى العام هو مرفق عام، وبالتالي فهي ليست علاقة عقدية، بل يمكن أن نطبق بشأنها قواعد مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع حيث يعتبر المستشفى العام متبوع والطبيب تابع له ولا بد من قيام علاقة التبعية والتي تقوم في حالة وجود سلطة فعلية للمتبوع على التابع، حتى ولو كانت قاصرة على الرقابة والإدارة، وعليه لا يلزم لقيام علاقة التبعية أن يكون للمتبوع سلطة الإشراف الفني والإداري على التابع، حيث ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن وجود علاقة التبعية بين الطبيب وإدارة المستشفى الذي يعالج فيه المريض حتى ولو كانت هذه العلاقة تبعية أدبية، كافي لتحميل المستشفى مسؤولية خطأ الطبيب ، ولا يشترط أن يكون للمتبوع علاقة مباشرة بالتابع ما دام انه يعمل لحسابه، وعليه فان الحكم على ممرضة نتيجة لإهمالها، مما أدى إلى وفاة المريض فان إدارة المستشفى تسأل عن هذا الإهمال ولا يشترط أيضا لقيام علاقة التبعية، أن يكون المتبوع حرا في اختيار تابعية وإنما يشترط فقط أن يكون للمتبوع على التابع سلطة فعلية بالرقابة والتوجيه.
وبناء على ما سبق فان المريض المضرور يستطيع الرجوع على وزارة الصحة والطبيب حيث يلزمان بالتضامن طبقا لقواعد مسؤولية المتبوع عن أفعال تابعة والالتزام بدفع كامل التعويض للمريض، ويحق لهذا الأخير الرجوع عليهما مجتمعين أو منفردين، وهذا ما أقرته محكمة التمييز الكويتية عندما ألزمت وزارة الصحة بدفع التعويض للمريض مع الطبيب باعتباره الهيئة التي يتبع إليها الطبيب، وباعتبارها مرفق صحي حدث في نطاقه الضرر أثناء قيام الطبيب بعملة والطبيب يعد تابع لوزارة الصحة التي تملك سلطة الإشراف الإداري على الأطباء . ويمكن للمستشفى بعد ذلك الرجوع على الطبيب وعلى كل من تسبب بإحداث الضرر، إلا أنه لا يجوز للمتبوع أن يرجع على تابعه بالتعويض المحكوم به للمضرور إلا إذا قام بأدائه للمضرور. 
- الخطأ الطبي في المستشفيات الخاصة إن التجاء المريض إلى المستشفى الخاص يكون عادة بناء على عقد ما بين المريض والمستشفى, فالعلاقة التي تنشأ بينهم تتم من خلال ما يسمى بعقد العلاج الذي يحكم العلاقة التعاقدية بينهما, و قد يكون هذا العقد صريحا و قد يكون ضمنيا, و أود أن أبين أن هناك فرق ما بين عقد العلاج و العقد الطبي الذي يتم ما بين المريض والطبيب الذي يقوم بعلاجه.
فإذا كان العقد مع إدارة المستشفى موضوعه تقديم الخدمات العادية للمريض أثناء علاجه و إقامته ، إلا أن العقد مع الطبيب موضوعه الأعمال الطبية بكل ما تحمله من فن طبي, هذا و قد يتحد العقدان في عقد واحد عندما تندمج شخصية المستشفى الخاص في شخص مالك المستشفى 
يلتزم المستشفى الخاص بإجراء العلاج وتقديم الخدمات التي يحتاجها المريض والإشراف على حالة المريض وتقديم العناية له أثناء إقامته، كما تلتزم بتوفير التجهيزات اللازمة لاستقبال المرضى ورعايتهم وعلاجهم وتوفير أدوات الجراحة ومستلزماتها وغيرها، كما تلتزم أيضا بتوفير العدد الكافي من العاملين والممرضات لحسن أداء المستشفى للخدمات الطبية المستلزمة فيه، وتلتزم المستشفى كذلك بسلامة المريض وهو التزام بتحقيق نتيجة وذلك نظرا لان المريض أثناء تواجده في المستشفى يعتبر كائناً ضعيفاً بحاجة إلى العناية والحماية من الأخطار التي يمكن تهدده. وحتى تتمكن إدارة المستشفى من تنفيذ التزامها العقدي تستعين بالأطباء العاملين لديها والمساعدين لهم والأطباء الملحقين بالمستشفى، والتي تكون العلاقة بين هؤلاء والمستشفى علاقة تعاقدية ويكون لإدارة المستشفى حق التوجيه والإشراف وفقا لأنظمته ولوائحه، فإذا ما صدر خطأ من أحد الأطباء كإعطاء طبيب التخدير للمريض كمية من مادة المخدر لا تتناسب معه وتؤدي إلى إلحاق الضرر به، حيث يمكن أن يثور في هذا الصدد التساؤل حول مدى إمكانية رجوع المريض على المستشفى بدعوى التعويض أم انه يرجع على الطبيب فقط؟
وما دام إن مسؤولية المستشفى هي مسؤولية عقدية عن فعل الغير، فان الدعوى في هذه الحالة ترفع على إدارة المستشفى وهي التي تلزم بالتعويض، أما في مجال مسؤولية المستشفيات الخاصة عن أعمال الأطباء الذين يعملون لديها، يذهب عدد من الشرّاح إلى التفرقة بين العمل الفني للطبيب والعمل الغير فني ويستندون في هذه التفرقة إلى القول بأنه يمكن أن يكون هناك رقابة للمستشفى وقد لا يكون، وعليه فان المحاكم ميزت بين نوعين من الرقابة يختلف كل منها عن الآخر من حيث قيام علاقة التبعية .
بالنسبة للأعمال الفنية الطبية، لا يوجد للمستشفى الخاص رقابة على الأطباء في هذا المجال، بل له فقط رقابة الأعمال الغير فنية بحيث يبقى للأطباء حرية واسعة واستقلال تام أثناء قيامهم بمعالجة المرضى وخاصة عندما لا يكون مدير المستشفى طبيبا مما ينحصر عمل إدارة المستشفى بالرقابة على المسائل الإدارية والتنظيمية فقط .
وكما يذهب البعض إلى القول بأنه ليس لإدارة المستشفى أن تصدر للطبيب أمراً يكون فيه تدخل في العمل الطبي، حتى ولو كان العقد يسمح في ذلك، لان الطبيب في هذه الحالة يفقد حريته المهنية والتي هي من الضروريات لممارسة العمل الطبي، ويذهب هذا الاتجاه من الفقه إلى القول إن العقد يكون باطلا إذا لم يكن الشخص الذي يتبع له الطبيب هو طبيب لديه الكفاءة والمعرفة الطبية. إن التدخل في الأعمال الطبية أمر ترفضه المهنة الطبية، وذلك حتى لا تثور هناك صعوبات في العمل الطبي ويبقى الطبيب له مطلق الحرية في اختيار وسيلة العلاج المناسبة لحالة المريض.
ولمعرفة متى يجب اعتبار المستشفى مسؤولا عن أخطاء الأطباء الذين يعملون لدية يجب قياس هذه الأخطاء على سلوك الأطباء من نفس المستوى، فيما إذا كان الطبيب المدعى عليه قد تقيد بقواعد الأصول الطبية أم لا، فإذا قام الطبيب مثلا بإعطاء دواء سام للمريض، ولم يحدد الجرعات الواجب إعطائها أو لم يقم بالتعقيم اللازم للأدوات الطبية وأدى ذلك إلى نقل العدوى، ففي هذه الحالة يسأل المستشفى عن مثل هذه الأخطاء حتى ولو كان ذات صبغة فنية.
ويذهب بعض الفقه إلى انتقاد التفرقة بين الأعمال الفنية وغير الفنية للطبيب، ويقرر أن المستشفى يعتبر مسؤولا عن أخطاء الأطباء العاملين لديه، ما لم يثبت أن سبب ذلك يرجع للقوة القاهرة أو الحادث الفجائي (السبب الأجنبي)، كما يذهب هذا الرأي إلى انه لا يوجد قضاء مستقر على نفي رابطة التبعية بين المستشفى والطبيب بالنسبة للأعمال الفنية، وبالتالي إقرار مسؤولية المستشفى عن أخطاء الطبيب، وذهب رأي آخر إلى انه يشترط لقيام العلاقة التبعية أن يكون للمتبوع حق الرقابة والتوجيه من الناحية الأدبية، وبذلك تقوم مسؤولية المستشفى الخاص عن خطأ الطبيب، وان تقدير المسؤولية على إدارة المستشفى لمجرد قيام علاقة التبعية الأدبية بين إدارة المستشفى والطبيب، أمر لا يتفق والقانون ولا يمكن الأخذ بهذا الرأي لان الفقه والقضاء استقر على مساءلة المستشفى الخاص عن الأضرار التي تلحق بالمريض أثناء العلاج بالمستشفى، دون حاجة للتفرقة بين الأعمال الفنية والغير فنية.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
طب أسنان الأطفال.. نصائح عمليةالإيكوغرافي في الطب النسائي
المراهقة في مفهوم طب الأسرةالدخول إلى سنّ الأمل براحة
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى