الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات روحية ولاهوتيّة

العمل المسكوني ودوره في تفعيل الحضور المسيحي

  بقلم: رازق سرياني


انقر هنا للتكبير
 
ألقى هذه المحاضرة مدير العلاقات الدولية المسكونية في مجلس كنائس الشرق الأوسط رازق سريـاني بدعوة من حركة الشبيبة الأرثوذكسية بحلب ـ بيت مار الياس 30/1/2009
 
الموضوع المطروح أمامنا اليوم هو موضوع هام وتم طرحه وتداوله بين الكنائس بطريقة أو بأخرى وعلى أعلى المستويات بين الرئاسات الروحية، وصدرت عنه بيانات ورسائل رعوية وكتابات متنوعة. ولكن الحوار والحديث والعمل فيه يجب أن يستمر دون انقطاع لأن فهمه واستيعابه ووضع آلية له هو في رأيي أولوية في الواقع المسكوني الحالي.
 
مقارنة بين العمل المسكوني والحركة المسكونية
في البداية، أعتقد أنه يجب التمييز بين مصطلح "عمل مسكوني" و "حركة مسكونية". فالعمل المسكوني هو نشاط مشترك بين الكنائس يتناول قضية أو مسألة أو مشروع أو موضوع معين تحركه وترعاه وتنفذ ّه إحدى الجهات المعنية بالشأن المسكوني مثل مجلس كنائس الشرق الأوسط أو مجلس الكنائس العالمي أو جهة كنسية ترغب في إقامة عمل مسكوني، ويؤدي في النهاية الى نتائج ربما تكون عملية وربما غير عملية، وقد تبقى كتوصيات ومقترحات وهواجس لا تجد طريقاً وآلية لها للتنفيذ.
أما الحركة المسكونية فهي إيمان وتوجّه وفكر وإرشاد. هي عطية من الله ودعوة منه تحتاج الى تجاوب الإنسان مع هذه الدعوة الإلهية. والتجاوب الإنساني للدعوة عادة ما يكون مقترناً بعوامل وحقائق موجودة على أرض الواقع ومحيطة به. الحركة المسكونية ليست مظهراً نتفاخر به أمام بعضنا البعض، وليست فقط اتفاقات بين الكنائس مكتوبة على الورق، وليست فقط إجماع الكنائس حول مختلف العقائد المسيحية، ولكنها حالة إيمانية حقيقية تصل اليها الكنائس والمؤمنين والمؤمنات فيها الى انفتاح في الذهنية قبل العلاقات المظهرية، وتفاهم في القلوب والعقول قبل البيانات والاتفاقات الورقية، وعيش واحد برغبة صادقة في المسيح يسوع عبر الصلاة المستمرة.
يجب أن تكون الحركة المسكونية إذاً في حالة تجدد دائم في إيمان وذهنية وفكر كنائسنا. وأنا أرى أن الحركة المسكونية لم تصل بعد الى هذا المستوى من النمو إن كان على مستوى الرئاسات الكنسية أو على مستوى الشعب المؤمن. فهي لم تتعد حالة العمل المسكوني الميداني المتجسد في الحوارات اللاهوتية بين الكنائس والنشاطات المسكونية المتنوعة التي يدعو اليها مجلس كنائس الشرق الأوسط أو غيره. أن تصبح الحركة حركة ً وأن يتحوّل العمل الى تيار يجب أن يكون له مفعول وأثر واضح وملموس لدى الرعايا. ولكننا في ذات الوقت، لا نتنكـّر للإنجازات المسكونية التي حققها العمل المسكوني عبر السنين من خلال المؤسسات المسكونية التي شكـّلتها الكنائس. فقد اسهمت حتماً في التقارب والتواصل والمعرفة، وساهمت في الانفتاح بين الكنائس، وأعدّت أجيالاً من الأقطاب المسكونيين.
 
الواقع المسكوني والمرتجى:
تتعثر الحركة المسكونية برؤيتين شبه متباعدتين في وقتنا الحالي:
1)     المسكونية "التقليدية" التي ترى في الوحدة الكنسية المنظورة هدفاً جوهرياً للحركة المسكونية. وبالتالي يجب أن يتركز كل العمل المسكوني حول هذه الوحدة المنشودة التي دعا اليها السيد المسيح. وأن لا شيء آخر يجب أن يُبعد الحركة المسكونية عن هذا الهدف.
2)     المسكونية "المتحررة" والتي ترى أن العمل في قضايا السلام والعدالة وحقوق الإنسان والبيئة وكل المشروع الإنساني وحياته في الكون هي الأولوية والتي ستؤدي بالنتيجة الى وحدة الكنائس.
هاتان الرؤيتان تتصادمان عندما نخطط للعمل المسكوني. فهناك حقائق وأفكار ورؤى جديدة تستجد وتجد طرقاً لها في الواقع المسكوني. كما يجب أن لا نتجاهل أن العولمة لها هي الأخرى أثر على حياة ورسالة الكنيسة بشكل عام. وبالتالي لا يمكننا تجاهل إحدى هاتين الرؤيتين. لا بل علينا أن نسعى الى إيجاد سبل للمصالحة بينهما والحؤول دون صراعهما على الساحة المسكونية.
من ناحية أخرى، يتحدث عدد من المهتمين بالشأن المسكوني عن "أزمة" في الحركة والعمل المسكوني. وأن الحركة المسكونية بدأت تشيخ ، وأن الواقع المسكوني يعيش حالة من الفتور والتراجع في فهم ماهية الحركة المسكونية رغم مضي أكثر من ثلاثة عقود على انطلاقتها في شرقنا العربي. فرغم أن وحدة الكنائس تتجلى في إيمانها برب واحد يسوع المسيح إلا أن التعبير عن ذلك لم يصل الى مرحلة الوحدة. فالكنائس مختلفة تصلي الصلاة الربية بشكل مختلف عن الآخر رغم الاتفاق على نص موّحد إلا أنه لم يمارس. والمؤمنون والمؤمنات في مختلف الكنائس يرددون دستور الإيمان بطريقة مختلفة عن الآخر بحسب العقائد المختلفة رغم الاتفاق أيضاً على النص القسطنطيني ـ النيقاوي إلا أنه لم يمارس. وعقدت الكنائس العديد من المؤتمرات والحلقات الاستشارية والدراسية لحل عقدة توحيد عيد الفصح إلا أنها لم تصل الى نتيجة ملموسة وتطبيقية يرتاح لها المؤمنون والمؤمنات. وما الى ذلك من مسائل إيمانية عملية لم تستطع الكنائس أن تحققها حتى يومنا هذا، ولكنها تعيش حالة رجاء وصلاة لتحقيق ذلك.
باختصار إن الوحدة الكنسية لم تتجل بعد بشكل واضح في تطبيقات عملية على الأرض، وتحتاج الى نهضة روحية شاملة ودائمة في الكنائس. فالحركة المسكونية التي تسعى الى الوحدة بين الكنائس من خلال الشركة الروحية ليست تجمعاً بشرياُ ذو منحى ديني يجتمع لتحقيق غايات دنوية آنية، وليست فولوكلوراً أو ترفاً اجتماعياً. إنها تطـّلع واستشراف لمستقبل الكنيسة والمسيحيين في آن معاً. وتحتاج اليوم أكثر من ذي قبل الى عصف ذهني فعلي ومراجعة ووقفة مع الذات لتوجيه الحركة المسكونية نحو المسار الصحيح انطلاقاً من محبة وقبول الآخر المسيحي، على أن تترافق مع الصلاة. إذ يكفينا انقسامات وتشرذم، ويكفينا تهرب وخوف من الآخر، ويكفينا اقتناص، وآن الأوان لتوبة وتصالح مع الذات ومع الآخر وقبول اختلافاتنا وتعدديتنا لأن الإنقسام هو نتيجة محدودية العقل البشري.
على الكنائس أن تتفق أي نوع من المسكونية تريد؟ وما هو مفهومها ورؤيتها للحركة المسكونية بعد هذه السنوات من انطلاقتها وبناء على المستجدات والتحديات على أرض الواقع في منطقتنا العربية؟ وما الذي تحقق ولم يتحقق حتى الآن؟ وما هو أثر كل ذلك على الرعايا؟ وما هي دعوة الله لنا من خلال الحركة المسكونية؟ هل نريد مسكونية تنحصر في مؤسسات وتكتفي بالعمل المشترك المسكوني وترتاح له بعض الكنائس ولا تريد أبعد من ذلك خوفاً من ضياع هويتها ورعيتها؟ أم مسكونية تعانق كل رعية الله المؤمنة؟ بكلمة أخرى هل نريد عملاً مسكونياً أم حركة ً مسكونية؟ تتحدث الرسالة الرعوية لبطاركة الشرق الكاثوليك عام 1992 عن "أن المؤسسات لا تكفي إذا لم تنعشها الروح المسكونية الحقيقية. لأن العمل المسكوني روحانية إنجيلية قبل أن يكون عملاً ميدانياً."
في كل الأحوال، تشكل الحركة المسكونية تحد للكنائس للخروج من ذاتها والانطلاق نحو معانقة وحوار الآخر تأدية ً لشهادة مسيحية مشتركة. ولكن هناك صعوبة في تجلي الشهادة بشكلها الأمثل والمتكامل إذا بقيت المسكونية على المستوى الرئاسات الروحية. إذا أردنا أن تصبح المسكونية حركة ً فاعلة نحو الوحدة فلا بد أن تنتشر وتجد لها أرضاً خصبة على مستوى الرعية المؤمنة وبرعاية وإرشاد الرئاسات الروحية. وإلا فلن تتعد حدود العمل المسكوني المؤسساتي الذي يمتلكه البعض وليس الكل. المسكونية الحقيقية هي التي تتعاطى وتتعاطف وتتفاعل مع قضايا المسيحيين في واقعهم الحياتي، وليس فقط مع المفاهيم والنظريات والعقائد والدساتير. هي تلك المسكونية التي تكون فاعلة ومؤثرة في حياة الكنائس والرعايا وليس منفعلة، وهي تخطي للذاكرة التاريخية المثقلة بالانقسامات والانشقاقات.
 
الحضور المسيحي في الشرق والهجرة
من هنا أستطيع القول أن تحدي وحلول ومسألة الحضور المسيحي في الشرق مرتبطة بشكل جوهري بمفهوم ورؤية الكنائس للوحدة وللحركة المسكونية. لأنه ببساطة الحضور المسيحي يطال جميع الطوائف المسيحية دون استثناء.
فمن التحديات التي تواجهها الكنائس والمسيحيون في الشرق العربي هي مسألة الهجرة التي تشكل نزيفاً صارخاً للوجود المسيحي.
إننا لا نستطيع بالطبع أن نفصل موضوع الهجرة عن موضوع الحضور والوجود المسيحي. فكلاهما متلازمان ومترابطان، والحلول المفترضة هي حلول تلازم المسألتين معاً. ونحن هنا بالطبع نتحدث بالتحديد عن الهجرة الجغرافية أي تلك التي تشكل انتقالاً جغرافياً للشخص من الموطن الأم الى موطن آخر، إما بشكل دائم أو بشكل مؤقت.
ويجدر السؤال هنا هل هي هجرة المسيحيين أم أنها هجرة المسيحية من الشرق؟ هل هي هجرة مسيحيين نسبة ً للأعداد والأرقام أم هجرة مواطنين ضاقت بهم سبل العيش الكريم وفرص الحياة في أوطانهم لأسباب متعددة؟ بمعنى آخر هل هي اغتراب بالجغرافيا أم اغتراب بالذات؟ لأن هناك من يهاجر وهو ما زال في وطنه.
لا شك أن الهجرة الجغرافية للمسيحيين حاصلة في منطقتنا العربية بنسب متفاوتة بين بلد وآخر، وتتصاعد منذ عقود. إننا نجد صعوبة فائقة في الحصول على أرقام وإحصائيات حول أعداد المهاجرين، ولكن في بعض الأحيان هناك تضخيم لحجم الظاهرة أيضاً. وأذكـّر أن ظاهرة الهجرة بين المسيحيين بالتحديد ليست حديثة العهد إذ بدأت مع نهايات الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وما زالت مستمرة. ولكل زمان أسبابه المباشرة وغير المباشرة في الهجرة.
 
بعض الإحصائيات عن الهجرة:
لكي نكون موضوعيين وواقعيين لا بد من الإشارة الى بعض الأرقام غير الدقيقة لتبيان حجم المشكلة. يقدّر عدد المسيحيين في المنطقة العربية بحوالي 11 ـ 13 مليون نسمة من مختلف الطوائف وغالبيتهم في مصر. ويتوقع بعض المراقبين أن يهبط عددهم الى 6 مليون مع حلول عام 2020.
في سورية: كان تعداد المسيحيين في بداية القرن العشرين يقارب ثلث السكان وتناقص حالياً الى أقل من 10% من مجموع السكان.
في لبنان: كان المسيحيون يشكلون ما يقارب 55% من السكان عام 1932 وأصبح الحديث يدور الآن عن حوالي 32% فقط.
في مصر تفيد المصادر عن وجود ما يقارب 11 مليون نسمة.
في الأردن: لا تزيد نسبة المسيحيين عن 3% في الوقت الحالي بينما كانت 10% منتصف القرن الماضي.
في العراق: تراجع عدد المسيحيين بشكل حاد في العقدين الأخيرين. إذا كان المسيحيون يشكلون نسبة حوالي 6% من مجموع السكان وهو اليوم لا يتعدون 2،5 %
أما في فلسطين فحدّث ولا حرج حيث تراجعت نسبة أعداد المسيحيين من 17% منتصف القرن الماضي الى حوالي 3%. في القدس وحدها تراجع عدد السكان المسيحيين من 50% عام 1920 الى أقل من 10% في التسعينات.
ولا بد من الإشارة أيضاً الى أن الهجرة تطال بالدرجة الأولى فئة الشباب ثم المهنيين ثم الأسر، وبالتالي تكمن خطورة الظاهرة بما يعرف "بهجرة الأدمغة".
 
أسباب الهجرة:
لن أتطرق في حديثي عن أسباب الهجرة العديدة فهذا يحتاج الى بحث مستقل ومعمّق في حد ذاته. لكن يمكن تسمية الأسباب على شكل عناوين: تنامي الأصولية الدينية في المنطقة ـ إنكفاء دور المسيحيين الاقتصادي والثقافي والسياسي في مجتمعاتهم بنسب متفاوتة ـ انحسار المشروع القومي العربي الوحدوي ـ إنكفاء في مفهوم المواطنة ـ الضائقة الاقتصادية وتباطؤ الوصول الى تنمية مستدامة ـ الحروب الإقليمية والاجتياحات والاحتلالات العسكرية المستمرة والمتكررة ـ تزايد الكراهية على أسس مذهبية وعرقية ودينية. والجدير بالذكر هنا أن الأسباب الآنفة الذكر هي أسباب موجبة ليس فقط للمسيحيين بل للمسلمين أيضاً من أبناء المنطقة.
 
واقع وتوجهات:  
بناء على ما سبق لا ينفع النحيب على ما يحصل، بل لا بد من العمل الجاد من منطلق المسؤولية الإيمانية والتاريخية للتخفيف من وطأة هذه الظاهرة على الوجود المسيحي في المنطقة.
لقد تحدثت الرسائل الرعوية الصادرة عن رؤساء الكنائس في الشرق الأوسط أعوام 1985، 1998، و2000 والتي رعاها مجلس كنائس الشرق الأوسط عن موضوع الحضور المسيحي بإسهاب. وأوضحت موقف الكنيسة الجامعة تجاه هذا الأمر. وتناولت عدداً من المجامع المقدسة للكنائس أيضاً هذا الموضوع. ولكن الرسائل الرعوية والبيانات والمواقف لم تستطع أن توقف نزيف الهجرة التي تهدد باضمحلال الوجود المسيحي.
وعندما أتحدث عن الوجود المسيحي فهذا لا يعني مجرد استمرارية بالوجود الظاهري، بل بالفعل والعمل. المسيحيون هم جزء لا يتجزأ من النسيج الحضاري والإنساني للمنطقة منذ نشأة المسيحية وولادتها. وهم رافد أساسي لمجتمعاتها وثقافتها ونهضتها وحضارتها الماضية والحاضرة. فلا أحد يستطيع أو يحق له أن ينكر إسهامات المسيحية في الشرق. ولا يجوز في رأيي أصلاً الحديث والدفاع عن ذلك وكأن المسيحيين دخلاء على الشرق وعليهم أن يثبتوا انتماءهم الصادق إليه وعدم تغريبهم. ومن غير المقبول التحدث عن المسيحيين بالأرقام والإحصائيات وكأنهم كتلة دينية واجتماعية منفصلة عن النسيج الوطني المتكامل. لذلك وجب علينا أن لا نتجاهل أن هناك من يهوّل للفكرة، وأن هناك من يسعى بشكل مستمر لإبعاد فكرة ومفهوم المواطنة وتعزيز الانقسام الديني والطائفي والمذهبي لشعوب المنطقة.
صحيح أن الأعداد مهمة وتلعب دوراً فاعلاً في حجم الإسهامات على مستوى المجتمع ككل. وصحيح أن تنامي الأصولية الدينية في المنطقة بعد أحداث 11 ايلول والغزوات الأجنبية لبعض بلدان المنطقة مثل العراق والحروب الأهلية أثـّرت سلباً على الوجود العددي للمسيحيين. فقد خسر المسيحيون وجوداً ديموغرافياً مهماً نتيجة للضغوط عليهم. إلا أن الانكفاء والصمت الكنسي في الدفاع عن الوجود المسيحي يساهمان أيضاً في تراجع دور المسيحيين على الساحة الوطنية.
وهنا يأتي في نظري دور الحركة المسكونية ومسؤوليتها في تفعيل الحضور المسيحي من أجل شهادة مشتركة واحدة بين الكنائس غير مجزأة وغير منقسمة على ذاتها، شهادة يؤديها المسيحيون من أجل أن يكونوا فاعلين وليس منفعلين، مؤثرين وليس متأثرين، في السير نحو تنامي مفهوم المواطنة الكاملة والمساهمة في التنمية الوطنية الشاملة. لن ينفع الانغلاق والتقوقع على الذات رغم كل التحديات الملموسة على أرض الواقع. بل إن من مهام الحركة المسكونية السعي للقضاء على مفهوم الأقلية التي تبحث عن ملجأ وحماية لها. إن الاستسلام للهروب من الواقع والتفاعل معه هو انتقاص من هويتنا المسيحية وسيؤدي بنا الى الاغتراب والهجرة.
إن قدر المسيحيين على ما يبدو أن يدفعوا ثمن أي توتر أو صراع يحصل بين الشرق والغرب من جهة وبين أبناء الوطن الواحد من جهة أخرى. ولا ننسى أبداً أن وجود الكيان الصهيوني بدولته العنصرية الدينية قد ساهم كثيراً في تأجيج الصراعات الطائفية والدينية في المنطقة.
يتحدث الأمير طلال بن عبد العزيز عن بقاء المسيحيين العرب فيقول: "إن ما يحدث للمسيحيين العرب هو نتاج بيّنة تفترش التعصب والتطرف وبالتالي العنف المؤدي الى كوارث تاريخية والأهم من ذلك كله فكرة إلغاء الآخر. وأن بقاؤهم هو ترسيخ للدولة العصرية وللتنوع الثقافي وللتعددية وللديمقراطية ولمنع استنزاف الطاقات العلمية والفكرية والثقافية من منطقتنا، وهجرتهم ضربة عميقة توجه الى صميم مستقبلنا".
 
حلول مفترضة:
أما الحلول لمواجهة خطر انحسار الحضور المسيحي في كنائسنا والمنطقة فيمكنني أن أجملها في النقاط التالية وهي ما أجمعت عليه أيضاً الرسائل الرعوية لرؤساء الكنائس في الشرق والباحثين في هذا الشأن:
1)     أن تسعى الكنائس بتنوعها الى توحيد شهادتها المسيحية المبنية على تعاليم السيد المسيح وبرباط المحبة والتعاون فيما بينها، وذلك بتفعيل جدي للحركة المسكونية والالتزام بها كما سبق ووصفتها لتصير هذه الحركة خياراً أبدياً وتعبيراً عن موقف الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية إزاء التحديات المصيرية. شهادتنا المسيحية هي شهادة تجسدية واستجابة طاعة لدعوة الله، وانقسام الكنائس يضعف الشهادة المشتركة. أما تعزيز الوجود المسيحي فهو عمل مسكوني بامتياز، لكن لا يستقيم إذا لم تتوحد الجهود الكنسية وتتضافر في حركة دؤوبة نشطة ونهضوية. ولا بد أن تطال هذه الحركة رعايا الكنائس.
2)     دعوة المؤمنين والمؤمنات بشكل متجدد للانفتاح على مجتمعاتهم والمشاركة في الحياة العامة دون التقوقع على الذات مهما كانت التحديات والصعوبات لأن في ذلك تطبيقاً لكلام السيد المسيح أن يكونوا خميرة للعجين (متى 13: 23)، وملحاً للأرض (متى 5 :13)، وسراجاً يضيء للجميع (متى 5: 15). هنا ولدنا وهنا اخترنا أن نعيش، هذه هي رسالتنا على هذه الأرض. علينا عدم الانجراف نحو مفاهيم الأقلية العددية التي تبحث عن حماية لها.
3)     أن تبقى الكنائس الصوت الصارخ في كل الأوقات مدافعة عن حقوق كل المواطنين في العيش بكرامة وحرية وعدالة ومساواة، والدفاع عن الفقير والمظلوم. فالوطن حق للجميع دون أن يميّز بين دين ولون وعرق وانتماء.
 
4)     متابعة الجهود التي انطلقت منذ أكثر من عقد مضى وما زالت في تفعيل اللقاءات المسيحية ـ الإسلامية التي من شأنها أن تساهم في نشر الوعي وإزالة الغموض والحواجز النفسية والفكرية والفهم المغلوط عن المسيحيين العرب، والعكس صحيح. فالانتماء واحد، كما تقول الرسالة الرعوية الصادرة عن رؤساء الكنائس في الشرق عام 2000، "والأرض واحدة والهم واحد والمصير واحد لنواصل معاً حوار حياة من أجل مجتمع يحترم التنوع ويحقق المساواة ويحافظ على الحريات ويصون كرامة الإنسان وحقوقه".
5)     التوجه نحو كنائس الغرب برسالة موحدة أيضاً، لا لاستجداء عطفهم وتعاطفهم بل للأمور التالية:
•       للمساهمة في نشر الوعي الكنسي والثقافي لدى كنائس الغرب عن مسيحيي الشرق وجذورهم المتأصلة في هذه الأرض. وأن غياب المسيحية الأصلية عن هذه المنطقة إنما هو ضياع لجذور المسيحية وتراثاتها في كل المعمورة.
•       للعمل مع كنائسنا في المساهمة في تحقيق السلام القائم على العدل في منطقتنا واحترام إرادة الشعوب والحقوق الإنسانية لأبناء المنطقة بمختلف أطيافهم، والمساهمة في تنمية المجتمعات، والضغط على حكوماتهم من أجل ذلك.
•       لتكون كنائسنا من خلال الحركة المسكونية عامل وصل وتواصل بين الشرق والغرب كما كانت في الماضي تداركاً لكل صدام مع الدين الإسلامي ومع المسلمين في منطقتنا الذين نآخيهم العيش الواحد منذ قرون خلت.
6)     إن مساهمة المسيحيين في بناء أسس الدولة الحديثة بكل مقوماتها العصرية من مواطنة وحريات ومساواة وحقوق وواجبات ستسارع في اندماج أبناء المجتمع الواحد. وغيابها هو الذي سيؤدي الى تهميشهم وعزلتهم وهجرتهم.
 
في الختام، إن نقطة الارتكاز التي نعتمد عليها جميعاً كميسحيين مؤمنين بالحركة المسكونية هي السيد المسيح القائم من بين الأموات. فهو الذي يجمعنا ويسيّرنا ويوحّدنا.
 
أشكر حركة الشبيبة الأرثوذكسية على دعوتها هذه، وأشكر حضوركم.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
المسيحية واحترام البيئةالهجرة
شهادة حياة: "الإيمان والألم والعلم"الخطاب الديني وتحدّيات العصر
دور المرشد في المفهوم الكنسيّالقدّاس أولاً
حاجاتُ المؤمنين من الكنيسةِ اليوم، وكيف تلبّي الكنيسة هذه الحاجاتسرّ الفداء
"مسيحيو حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر.. دور بارز في النهضة العربية" محاضرة للأب ديكالمسيح في صلاة الفصح
الأسرار: اختيار مشاركة.. ودعوة خدمة (الزواج والكهنوت)مَنْ هُوَ الله..عند آباء الكنيسة الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى