الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> أمسيات أدبيّة وموسيقيّة

الصلاة في أغاني فيروز

  بقلم: نورا محفوض


انقر هنا للتكبير
 
"نادرةٌ، إن لم تكن غير موجودة، المغنية التي يأبه لها المصلي. فصوت فيروز يخلع على رهافة القلب مسحةً من ابتهال.. تروح تصلي.. تصلي دوماً.. بمعنى أن تدعوك دوماً إلى الصلاة".. بهذه الكلمات افتتحت السيّدة نورا محفوض سالم أمسية الثلاثاء 24/11/2009 بعنوان: "الصلاة في أغاني فيروز"، فأجابت، بعد تقيم هدف المحاضرة، عن أسئلة: كيف تصلّي فيروز؟.. أين؟.. لماذا؟.. ثم استعرضت معاني الصلاة في أغانيها فتحدّثت عن الفرح والغفران والعيد والنور والحياة مع الله التي تتداخل مع واقع الإنسان.. ورأت، في سياق الإجابة عن سؤال لمن تصلّي فيروز، أنها تصلّي للناس، للمظلومين، للحبيب، للمقدّس، للابنة، للأخ.. ويكون الكون بأسره معبدها.. تصلّي على التلال، وفي الوديان، "وتحت أحلى سما".. وتدعو الأرض لتصلي والناي أيضاً. بعد المحاضرة النظريّة التي أرفقتها غناءً ببعض المقاطع، قدّمت باقة من الأغاني التي تعبّر عن أفكار المحاضرة: "شمس المساكين"، "عَ أسمك غنيت"، "أؤمن"، "إيماني ساطع"، "خذني"، "يارا"، "لا إنت حبيبي"، "يلا تنام ريما"، "ضوَّ يا هالقنديل"، "أعطني الناي وغنِّ".. ولقد رافقها على البيانو الأستاذ شادي نجّار بعزفه المتقن والمبدع، إذّاك شعرت الجموع المحتشدة بكثافة في الصالة أنها دخلت في ملكوت من نوع جديد.. الصوت عذب، ملائكي، خاشع.. العزف راقٍ، مميّز، جذّاب.. لم يكن ثمّة تقليد أو استنساخ عن الأغاني والموسيقا، بل سَكَبَ كلٌّ من نورا وشادي شخصيّتهما فيما قدّما، حتى أن فيروز نفسها والرحابنة ربما يرون الجديد ويعجبون به!.. قدحت الأكفّ مرات ومرات تصفيقاً ولمعت العيون كذلك خشوعاً، لكأنّك تشعر بقدّاس من نوع آخر!..صمتت الناس كأنها في سماء اجتمعت فيها الكلمة والخشوع والموسيقا والأداء، وامتزجت المشاعر لتختزن الفرح والغبطة، كمن يختزن الصلاة في العديد من مواقف الحياة.. وقبل نهاية الأمسية أهديا الأب بسّام أغنيتين "وجهك بذكّر بالخريف" و"يا سنين لِ رح ترجعي لي" أضفت مزيداً من الجوّ العائلي والدافئ الذي تميّزت به الأمسية...
 
 
وإليك نص المحاضرة الذي أعدته مشكورة د. مارسيل شحوارو
 
"الصلاة في أغاني فيروز"..
عنوان قد يثير الدهشة للوهلة الأولى عند الكثيرين لأنه يرسم في أذهانهم أكثر من علامة استفهام، أولها "ترى ما علاقة الفولكلور بالصلاة؟ وماذا يربط عالم فيروز المغنيّة بعالمها الروحي والخلقي؟ يأتي الجواب بعد تأمل عميق في نصوص الأغاني وإصغاء مرهف إلى الألحان وعيشٍ مصلٍّ في الجو الفيروزي، أليس فيروز والرحابنة أشخاص مؤمنين يعيشون فوق جبل هو بين الله والأرض؟.. ألم تتحد حياتهم الروحيّة بعبقريتهم الفنيّة بعد أن تشبعوا من الروحانية الشرقية، روحانية المحبة والنور والحوار والتسامح، فخلقوا مدرسة حديثة للموسيقى والغناء والفولكلور، وسموا بفنهم إلى ذرى الحضارة الإنسانية الروحانية؟ يقول الكثيرون: عندما نسمع فيروز تغني نحسّ بمناخ قدسي يحيط بنا، نشعر بجو صلاة  يكتنفنا ويخترق ضلوعنا، يلفنا بقوة وعنف ويحملنا على الصلاة، ذلك لأن الأغنية الفيروزية هي بحد ّ ذاتها صلاة، فعندما تصغي إلى فيروز "كأنك تستمع إلى واحد من عمالقة المتعبدين ينشر في صومعته إحدى أروع ملاحم التصوف أو إلى كاهن قديس يستنزل رأفات السماء في حنية معبد.
 
إنّ فيروز مؤمنة تعيش في محيط مؤمن بين الكنائس والمعابد، تعيش في وطن، فسّر البعض اسمه بـ "قلب الله"، فمن هذا الجو الروحاني كان لا بدّ لفيروز من أن تتشبع نفسيتها من هذه الروح ولا بدّ لهذه الروح من أن تتوهج في قلبها وتسيل على شفتيها كما الألحان من جراح القصب. في أغنية "أعطني الناي" نجد تحديداً، ولو غير متكامل للصلاة.
إنّ الغناء الذي هو رسالة فيروز، تبشر من خلاله بالقيم والمثل العليا، يغدو مرادفاً للصلاة: "أعطني الناي وغنِّ فالغنا خير صلاة". من هنا نرى أهمية الصلاة المرتلة فهي تحمل توهجاً روحياً خاصاً تفتقر إليه الصلاة التي تتلى عدّاً.
نرى أيضاً من خلال أغنية فيروز "أعطني الناي "أن الآلة أيضاً تصلّي فالناي والقيثارة يصليان كما البشر، ولكلِّ لغته الخاصة في صلاته فللناي بوحه وبحّته وللقيثارة لحنها ورنتها، ولذا نرى فائدة إدخال الآلات الموسيقية إلى الكنيسة وإشراكها بالصلاة معنا فصلاة اثنين أجدى من صلاة واحد.
إن فيروز بأغنيتها تأخذنا وتسافر بنا إلى دنيا الله، تدخل بنا البيت، البيت المقدس، "الناطر التلة"، تمضي بنا إلى القدس مدينة الصلاة، أورشليم مدينة السلام ترجع بنا إلى ليلة الميلاد. كما ويختلف موقع الصلاة، داخل الأغنية الفيروزية، بين أغنية وأخرى فأحياناً تمهد لها فيروز بوصف الهيكل الكبير حيث تصلي كما في أغنيتها "خذني" وأحياناً أخرى تصلي فيروز وتغني فترافق أغنيتها بصلاة وتحمل هذه تلك إذ نرى الصلاة في مجمل أقسام اغانيها كما في: زهرة المدائن، يا ساكن العالي، ساعدني يا نبع الينابيع، ع اسمك غنيت..
 
كما إننا نجد لفيروز عدة صلوات مرنّمة للمناسبات الدينية المختلفة، الطقسية كانت أو التي ترتلها الكنيسة في احتفالاتها الليتورجية: سبحان الكلمة – إن الملاك – يا شعبي وصحبي – قامت مريم – يا يسوع الحياة – كامل الأجيال – نعظمك – المسيح قام – يا أم الله – يا مريم البكر.. إلخ).. فهي لم تحدّ بطقس معيّن أو طائفة محددة.
 
متى تصلي فيروز؟..
لليل تاريخ حافل ٌ في التقليد الكنسي، فلقد كان الرهبان يقضون الليالي بالصلاة، كانوا يحيون السهرات الليتورجية وبنوع خاص في الأعياد الكبرى كالميلاد والقيامة وغيرهما، ذلك هو أن الليل رمز اللقاء المستمر والصلاة تنعشه وتبعثه حياً، المصلّون ليلاً هم على مثال الملائكة "يقظون "يقدسون الوقت والليل بالصلاة وفيروز أيضاً تفضل الليل للصلاة حيث الهدوء والخلوة، لأن الليل هو ملهم الشعراء وباعث الإيحاءات والرؤى والأحلام السعيدة وحافز للنفس المؤمنة على الصلاة ومناجاة خالقها، وسر ذلك أن الليل يغمرنا بالهدوء والسكينة وهما غاية كل نفس هادئة آمنة، محبة للسلام والطمأنينة، غير أنه يحمل في طيات ظلماته رهبة مشوبة بالقلق والهواجس وأحياناً هذا أيضاً يشد بالنفس إلى الصلاة ويدفعها إلى طلب الحماية، لذلك تصلي فيروز في الليل فتقول في أغنية "يا ساكن العالي": (ركعنا بهالليالي... صرنا دمع الليل) وبالرغم من أفضلية الليل للصلاة فإن الصباح الباكر يحتفظ بقسم من خصائص الليل (الهدوء والسكينة)، لذا تحلو فيه الصلاة والآذان قبل أن يستيقظ البشر، ويرحل الهدوء، ومن منا لا يرغب بباقة دافئة من أغاني فيروز في صباح جديد مع فنجان ساخن ينبعث من دخانه رسومات وخيالات تبقى في أذهاننا إلى المالا نهاية.
إن فيروز تعيش واقعها وتصلي واقعها إنها تعيش في جو الكنائس والمعابد ولذلك نجد عندها شيئاً من التوازن والتعايش الحبي، بين صلاة المساء وآذان الصباح. نجد هذا التوازن في أغنيتها وطن النجوم، فلكل منها حصته: لليل فيك مصلياً... للصبح فيك مؤذناً فهي تصلي في كل الأوقات دائماً وأبداً.
 
ولكن، كيف تصلي فيروز؟..
عندما تمر فيروز بهيكلها الرحب، أو تدخل إليه، تقبّل الحيطان وتقبيل حيطان الكنائس والمعابد عادة منتشرة في جبالنا وبعض مدننا. فكلما مر المسيحي قرب كنيسة أو معبد، اقترب وقبّل الحائط راسماً على ذاته إشارة الصليب. وإذا لم يتمكن من الوصول إلى الحائط أشار بيده إليه، ثم قبلها راسماً على ذاته إشارة الصليب.
في "زهرة المدائن" تقبّل فيروز بلطف حيطان الكنائس القديمة في القدس "تعانق الكنائس القديمة". وبعد أن تقبل الحيطان تركع تحت أحلى سما وتصلي،
وقد رأينا ذلك في أغنيتها "خذني" أنها تركع "مثل الشجر العاري اللي ساجد بالبراري".
في أغنيتها "يا ساكن العالي" لا تصلي فيروز بفمها فحسب بل وبيديها أيضاً: "أيدينا مرفوعة صوبك"
وفي أغنيتها "يارا"( وللسما ديها هاك الدين الحرير )
وبكل جسمها وكيانها إذ تجثو على الأرض "ركعت وصليت والسما تسمع مني".. "عتلالك، عاجبالك، ركعت وصليت"
إنها لا تجثو على الأرض فقط، بل تطلب منها أيضاً أن تشاركها في صلاتها، تطلب منها أن تركع في صلاتها: "وسعي يا مطارح ويا أرض اركعي"
في أغنيتها يا شمس المساكين والركوع يحمل زخماً روحياً ومعنى كبيراً، فهو يعني الخضوع والاستسلام ويعني أيضاً التوبة وانسحاق القلب، كما يعني أيضاً الضعف والعدم أمام "الكلي القدرة"
تشرك فيروز إذا الجسد كله في الصلاة: تصلي بيديها، كما تصلي بعينيها حتى أصبحت عيناها صلاة. إذ أنها استعارت الصوت وأعطته للعين كي تصلي معها "عينينا تصرخ عبابك "إنها تصلي بالدموع، حتى أصبحت والدموع كياناً واحداً "صرنا دمع الليالي".
إذا فيروز تشرك كل كيانها في الصلاة، لأنها تحس وتؤمن أن ّ كل ّ كيانها سيتمجد بعد القيامة فعلى الجسد أن يصلي بكل كيانه ليستحق يوماً ذلك المجد المهيأ له من قبل إنشاء العالم.
 
لمن تصلي فيروز ولماذا؟
إنها تصلي وتبكي مع "الطفل في المغارة وأمه مريم" لأجل من تشردوا، لأجل أطفال بلا منازل لأجل من دافع واستشهد في المداخل أيضاً
تصلي لأجل القدس، مدينة الصلاة، بهيّة المساكن وزهرة المدائن،
تصلي لأجل الأم لأجل كل الأمهات على هذه الأرض ليفرش الله أرضهن بالورد بالبنفسج وليرد عنهن كل أذى في أغنيتها "ربي سألتك باسمهن ّ"
تصلي لأجل أخيها الصغير لكي يكبر، ولكي يحفظه الله، في أغنيتها "يارا"
تصلي وتطلب لأجل ابنتها الصغيرة كي تحب الصلاة والصوم، فهي تؤمن أن السماء لا ترد صلوات الأطفال "أقول لطفلتي "و"يلا تنام ريما"
وتصلي فيروز لأجل حبيبها الذي جاء يودعها مصمما على السفر، إنه لا يطلب منها إلا الصلاة، وهل أجمل من الصلاة عند الوداع؟.. في أغنية "لا أنت حبيبي" إذ يقول: بخاطرك صليلي فتجيبه تسعد يا حبيبي... أي وفقك الله وكان معك وهو أجمل طلب وأفضل أمنية نتمناها لحبيبها المسافر أيضاً.
تصلي ليعود إخوتنا وأهالينا إلى بيوتهم سالمين،
ولكي يبقى الله ساهراً علينا، عينه على أراضينا، يحرسنا ويحرسها: في أغنية يا ساكن العالي.. "عينيك علينا على أراضينا رجّع أخوتنا وأهالينا"
إذاً تصلي فيروز لأجل جميع البشر على السواء لا يهمها العرق ولا اللون، فقراء كانوا أم أغنياء، تصلي ليرأف الله بجميع البشر.
 
ولكن أين تصلي فيروز؟
إنها تصلي على الهيكل.. ولكن ما هو هيكل فيروز؟ وأين تنتهي حدوده؟..
إن هيكل فيروز هو البيت والتلال والسهول ولقد أصبح الكون بأسره هيكلاً لصلاتها، فقد جمعت فيروز بين محبة المعابد والكنائس والهياكل المبنية من حجر، وبين الهيكل الكبير الذي هو كل مكان في الكون، لا بل هو الكون بأسره، هنا تلتقي فيروز والفيلسوف الأب (Telare de chardim) في النظرة الكونية الشاملة إلى العالم وكأنه بيت واحد وهيكل واحد.
كما تلتقي وجبران خليل جبران في نظرته إلى المكان المقدس، فهيكل فيروز ليس مكاناً تقام فيه المراسم الدينية دون سواه، بل هو كل مكان اجتمع فيه اثنان باسم الرب فالمسيح أنذر بأنه "لا يترك حجر على حجر إلا سينقض كما أنه أنبأ عن هيكل جسده الذي سيحل فيه ملء اللاهوت جسدياً والذي سيصبح الهيكل الجديد الأبدي وهكذا يصبح الهيكل الحقيقي قلب كل مؤمن، لا بكل كل ّ المؤمن، فالهيكل هو حينما اجتمع اثنان باسم الرب، إنه كل مكان في الكون، إنه بالنسبة لفيروز البيت المنتظر قرب التلة: "بالبيت ياللي ناطر التلة.. اركع وصلي".. وللتلة قرابة روحية صميمية مع الهيكل، فهي قريبة من السماء ارتفاعاً، وهو قريب من السماء روحاً، وهكذا اصبحت التلال هيكلاً لصلاة فيروز: "عا تلالك ع جبالك ركعت وصليب".. في أغنيتها ( ع اسمك غنيت )
و"على تلاتها الحلوين ".. في أغنيتها ( خدني )
كما أن فيروز تصلي أيضاً في رحاب السهل الواسع، تصلي في البراري فما هم فيروز أينما تصلي، المهم أنها تصلي "تحت أحلى سما".. إنها تصلي على الأرض التي نشأت فوقها والتي تكرست هيكلاً لصلاتها وقد اتسع هذا الهيكل ليشمل الكون بأسره فيروز إذاً لا تقيد بمكان واحد خاص بالعبادة، إذ عبادة الله بالروح والحق لن تكون بعد اليوم محدود في مكان معين بل في كل مكان يناجى فيه اسم الله فالله هو محور الصلاة وغايتها إذ أن هذه بطبيعتها مناجاة الخليقة لخالقها بواسطتها يتكلم البشر مع الله فلا بد لهذه المناجاة أن تذكر اسم الله وتناديه يا رب.
إن ذكر الله وعبارة يا رب أكثر من مرة في اغنية عالروزانا "يا ربي نسمة هوا ترد الولف ليا".. وفي أغنية الحلوة دي تقول "برضو الفقير له رب كريم ".. وفي أغنية المحبة لجبران تقول : المحبة تعدكم لنارها المقدسة لكي تصيروا خبزاً مقدساً يقرّب على مائدة الرب المقدسة.. وأما أنت إذا أحببت لا تقل الله في قلبي.. لكل قل : انا في قلب الله حتى في وداع الحب والحبيب تذكر الله وتدعو باسمه في اغنيتها "الله معك يا هوانا يا مفارقنا"...
كما اننا نرى أيضاً أن كلمة السماء كان لها مكانتها في الأغاني الفيروزية، فلا بد لكل مؤمن أن يتوق إلى السماء ويذكرها في صلواته وذلك لأنها مقر الله وعرشه ومحل سكناه، وهي الميراث الذي يرجوه كل مصلّ.. وذكر السماء هذا يرد غالباً في أغاني فيروز بمعنى إما الفضاء الأزرق الذي يحيط بالأرض مثل في أغنية "يا قمر أنا وياك لونا سمانا وزرعنا هوانا".. وفي أغنية "شايف البحر شو كبير، شايف السما شو بعيدة".. أو بمعنى السماء العلوية مقر السعادة والخير والسلام، مقر ّ عرش الله كما في أغنيتها "عاسمك غنيت": هون السما قريبي بتسمعنا يا حبيبي.. ركعت وصليت والسما تسمع مني
 وفي اغنيتها "يارا": وللسما ديها هاك الدين الحرير
أما في أغنية المحبة من مختارات النبي لجبران في قوله عن الزواج: "ولدتما معاً وتظلان معاً حتى في سكون تذكارات الله كونا فرحين، غنيا فرحين، إنما اتركا بينكما بعض فسحات لترقص فيها رياح السماوات".. وتعني السماوات هنا السماء الطبيعية ورياحها ولكنها تعني بالدرجة الأولى السماء العلوية والروح القدس الذي هو ريح عاصفة فهناك أمثلة عديدة لا تحصى حيث تذكر فيروز فيها السماء، في صلاتها في غنائها تجعل الحاضرين يصلون معها، لا بل تشرك معها الكون بأسره في صلاتها..
إن فيروز في صلاتها لا تفكر أبداً في نفسها، إنها تصلي للغير، في صلاتها صبغة الغيرية، إنها تفكر بغيرها، بفرحهم، بسعادتهم، بتوفيقهم... تصلي لكي يحل مشاكلهم وأزماتهم صلاتها لتوبتهم والغفران لهم.. فالغفران والعفو هو من شيم النفوس الكبيرة، وقد أوصى بهما المسيح وأمرنا أن نغفر لأخينا لو أخطأ إلينا "سبعين مرة سبع مرات".. وفيروز عملاً بهذه الوصية، تغفر ولا تحسب لذنوب حبيبها حساباً ففي أغنيتها عتاب تقول: "قلبي شو صار صافيلك وغافرلك ذنوب"
وككل أم تتحرق فيروز لبعد طفلها عنها لسبب أو لآخر فلا يبقى لها إلا الصلاة، وهي إذ تعاتبه على هجره لها بحنان الأم فتقول: "ومن يوم هالغيبة والله يسامحك عمفرفط بهالفل، عمقطف ريحان، عمبستعير من السما أجمل لوان وخرطش ع هالحيطان ولنو ملامحك وهالقلب عمحفو على جرين السرير، عمرمغو بلعبك بمطارحك بريحة ريشات جوانحك، بغبرة حوافر حصانك هالزغير يا ابني".. أنها تعاتبه ولكنها تطلب له الغفران من الله، وعبارة "الله يسامحك" تحمل معنىً خاصاً وقوة وإيحاء، وكلها مستمدة من الحزن والاستسلام للعناية، فما حيلتها أمام مشيئة الله. فلا تستطيع فيروز كما لا يستطيع أي بشر إلا القول (لتكن مشيئتك)، والقول للطفل الذي سبب اللوعة لأمه "الله يسامحك" بكل ما في قلب الأمومة المتوجعة من لوعة وحسرة رغم اقتناعها ببراءة طفلها..
ولأنها تثق برحمة الله وغفرانه، تتوب إليه طالبة منه المسامحة، ففي موال "إذا كان ذنبي "تذكر التوبة إلى الله والثقة الكاملة بأن الله غفور رحيم فتقول : "أتوب إلى بي وإني لمرة يسامحني ربي إليك أتوب"..
ها هو فرح الغفران يملأ المصلي من الشعور بالعيد.. فنجد سيدتنا تغني للعيد رغم أن عالمنا المعاصر قد فقد لذة العيد أو كاد، أفرغ الأعياد من أبعادها الحقيقية ورونقها الفريد فصارت باهتة، كباقي الأيام، أصبحت أيام عطلة وراحة فحسب ينتظرها إنسان اليوم ليستريح من عناء العمل ولا يرى فيها نقطة ثقل بالنسبة إلى باقي الأيام ليمضي فيها مختزناً الفرح والأمل بحياة أفضل واسعد، لذا جاءت فيروز لتعيد إلينا أيام العيد، ولتعيد إلى العيد معناه وبهجته وآفاقه، فيصبح العيد بذلك لقاء بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولقاء بينهما وبين خالقهما. ففكرة العيد مسيطرة على كثير من أغاني فيروز حتى أن لديها أغنيات خاصة بالعيد، تصف فيها العيد بكل مظاهره، ولكن أجمل صورة للعيد ترسمها لنا فيروز في كلامها عن الميلاد، في حين ينام أطفال مشردون في الخيام، خارج أرضهم الأم، إنها ليلة الميلاد. تصفها فيروز وكأنها صباح مشرق في عالم جديد، فالعتم والظلام أصبحا ألوان فرح، لبسا حلّة بيضاء، حلة المجد.. ولا غرابة في الأمر إذ أن نور الأنوار وشمس الكون قد أشرق في تلك الليلة وقلب الظلام نوراً، وألبس العتم لون البياض، ففي ترتيلة عيّد الليل التي أصبحت تقليداً ننشده في كنيستنا (القديسة تريزيا) تقول فيروز : عيّد الليل، زهر الليل صوت العيد ضوا الليل موجي يا سما بالعناقيد... هلي بالحلا بالمواعيد زار الليل يسوع.. لوّن الليل يسوع
فسبب هذا الإزهار والنور في ليل مظلم هو ان يسوع قد زار الليل ولونه كما رأينا فإن زمن العيد هو الأجمل إذا، هو الربيع لذا يمكننا أن نرى الميلاد الذي يقع في كانون الأول ربيعاً روحياً يتفتح وسط فصل الشتاء، فهو ينبوع الأفراح، التي تتدفق على الكون بأسره ففيه تغني فيروز نجمة العيد التي كان دورها الأول إرشاد المجوس إلى المغارة حيث الصبي، أما اليوم حيث لا مجوس تائهون يبحثون عن طفل مولود، فالنجمة اتخذت لها دوراً جديداً فهي اليوم "تتلج ع هالكون طيب"، والسماء بدورها في تلك الليلة تتلج أيضاً ولكنها "تتلج أشعار، سلام".. لماذا كل هذا التغيير في الأدوار؟.. ذلك لأن المسيح سوف يأتي "جايي لعنا يسوع"..
وقد غنت فيروز أيضاً هدية العيد وزينتها وأجراس العيد ورموزها وكل ما يحمله العيد من فرح وبهجة وسرور..
لقد انتهى العيد، ولملمت الزينة أذيالها ورحلت، فماذا بقي من العيد ماذا ترك في القلوب بعد رحيله؟ ترك لنا امنية فيروز في أن يعمّ السلام في الأرض لتجتمع العائلات وتعيّد تحت سقف واحد بسلام.. السلام الذي اكتشف العالم قيمته في يوم العيد، حيث نرى مثلاً أن بعض المعارك الحربية لا تتوقف إلا يوم العيد، فيكون العيد يوم سلام حقيقي.. فالسلام ليس قيمة إنسانية فحسب بل قيمة روحية ولذلك أعطى المسيح رسله فيما أعطاهم، السلام بقوله: "سلامي لكم، سلامي اعطيكم".. أما بالنسبة لفيروز، فالسلام هو أغلى أمنية على قلب الإنسان، إنه "كنز الكنوز"، ففي مسرحية جسر القمر تقول : "يا شيخ المشايخ، رح قلك هالكلمة صوت المعول أحلى من رنين السيف، والرضى أحلى من الزعل، والسلام كنز الكنوز.. يا شيخ المشايخ انت البتخلصني"..
يرد السلام بكثرة في الفيروزيات وله معنيان إما الأمان والهدوء حيث نجده في "يا سما وتتلج أشعار وسلام" و"قدرنا ننام عإيدين السلام" و"بإيدينا للقدس سلام"؛ أو التحية، فالتحية ليست مجرد عمل خارجي تقوم به في لقاء الآخرين بل إنها تحمل للآخرين كل ما تكتنزه نفسنا من محبة لهم وهذا ما نجده في قول فيروز في اغنيتها "خذني": انطر شي إيد تسلّم عليّ، شي صوت عمبقول مسا الخير.. أو: "جايبلي سلام عصفور الجناين".
وإن تكلمنا عن النور، فهو رمز المسيح: "أنا نور العالم"، وعند فيروز فهو رمز الخير. نرى هذه الفكرة بوضوح في أوبريت "الليل والقنديل" التي تدور حول الصراع بين النور والظلمة، بين أنصار النور وأنصار الظلمة، أنصار الخير وأنصار الشر، تأخذ فيروز (منتورة) فيه دور ناشرة النور وبائعة القناديل وناطورة الخيمة حيث الغلة والقنديل الكبير الذي يكشف ممرق ضهر الشهير، تجتمع على فيروز عناصر الشر، أنصار الظلمة، لتمنعها من إنارة القنديل الكبير وتعليقه... لكن الخير ينتصر في النهاية، ويشع النور من الخيمة فتنفجر الفرحة فجأة وتغني الضيعة بكاملها، بعد أن يكون قد أخذها الوجوم بسبب سرقة "كيس الغلة "وهنا تجدر المقارنة بأن منتورة عندما كانت تقدم للناس حاجتهم من النور والأمان كان الجميع يهتف لها بالمديح كالمسيح الذي هتف الناس إليه الـ "هوشعنا"، وعندما تقع في فخ الخيانة، الذين كانوا يمدحونها رفعوا في وجهها أصابع اللوم والتأنيب، كالمسيح الذي سمع الهوشعنا، من ذات الأفواه سمع "ليصلب"...! فتطفى منتورة قنديلها ليطفئ معه جميع القناديل التي صنعتها، كالمسيح الذي عندما مات على الصليب حدثت ظلمة على الأرض بأسرها.. فتقول منتورة: لا منتورة ولا يشعشع نورها، بكرا منتورة، حكاية مقهورة، قولوا هالكلمة يلي ضوت على كل الناس، ضاعت بالعتمة"... ولكن الأمور تعود إلى نصابها عندما يعود الكيس ويشع القنديل الكبير على "ضهر الشير"، فكما المسيح ينهض منتصراً على ظلمة الباطل، يستعيد الحب النقي في قلب منتورة من هولو سارق الغلة ويستعاد النور ويستعاد العيد ويستعاد الفرح وهكذا تبقى منتورة رسولة النور، فكلما انار قنديل يسأل عنها، هكذا هي أوصت قنديلها وقالت : ضوي يا هالقنديل.. عا بيوت كل الناس عاليل كل الناس ضويت يا قنديلنا وغنيت وما كان ظني يشح فيك الزيت بخاطرك تبقى تذكرني وسأل عني كلما ضويت..
إن فيروز، كما رأينا، تصلي لكل الناس، وكذلك إذا أنارت قنديلها فلكل الناس.. لقد بقي صوتها يتموج صاعداً نحو أبراج الروح، كيف لا وفيه يتداخل ويتحاور ملاك يرتيل وطفل عفريت يلعب، ومراهقة تتفتح للحب، وعاشقة للمجهول الذي لا ينجلي ولا يحضر، وشاعر يحلم بالسفر البعيد فيروز قالت كلمة وأي كلمة؟ّ! جعلت الصلاة تقليداً وموعداً ينتظر، هي قصة المودعين، تحمل الأيام في راحتيها وتحمل دروب الحلم والروح في صوتها طقس فيروز هو طقسنا وصلاتها صلاتنا وغناؤها غناؤنا، ونحن ورائها في كنيسة ومعبد في مسرح ولقاء.
يا سيد العطايا، يا رب.. احميها..
عفواً منك سيدتي فيروز،
بتواضع سوف استعير أغانيك
لكي كما حرصت دائماً أن تشركي الناس بمشاعر مقدسة
أفعل أنا مثلك
رغم حدودي أمام عظمتك.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
تقديم أمسية "أطبّاء أدباء" الأدبيةأمسية غنائية: الحبّ في أغاني فيروز
البيانو في المدرستين الكلاسيكية والرومانسيةقراءة في روائع فيروز
وراء الباب.. إكبَر.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)الحبّ.. التيه.. الفنّانة.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)
باقة كلمات.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)"حيـاة" وثلاث نهايات! (مشاركة أمسية 15/2/2007)
الشعر عاشقاً (مشاركة أمسية 15/2/2007)صديقتي.. شجرتي.. القدر (مشاركة أمسية 15/2/2007)
تذوّق الموسيقاقصائد
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى