الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات ثقافيّة

الأساطير وتطور الفكر الديني

  بقلم: رشا سابا

يرجع تاريخ ظهور الأديان إلى تاريخ ظهور الوعي البشري أي قبل حوالي 150 ألف سنة، وقد استدلينا على هذا من الآثار الثقافية غير الكتابية كالقبور وما تحتويه من أدوات طعام حجرية وحلي ومكاحل، وطريقة الدفن من حيث القرفصاء مع طي الأيادي بشكل متصالب مع الصدر، مما يدل على أن الإنسان الأول ومنذ نشوء وعيه، اعتقد بوجود الحياة الأخرى، تخطياً لرهبة الموت ورغبةً في الحياة الأبدية، ولم تتبلور هذه الأبدية من وجهة النظر الدينية إلا بعد صلب السيد المسيح وقيامته (ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور).. ولعل الغريزة الأقوى لدى الإنسان هي غريزة البقاء، لذلك بحث الإنسان عن الخلود كالآلهة التي لم تكن تتميز عنه إلا بكونها خالدة، لكنها عرفت الحب والكراهية والخير والشر معاً بالإضافة إلى تحكمها بمصائر البشر، فتاريخ الدين والأسطورة هو تاريخ صراع الذات مع الموت، وكانت حياة الإله وموته وبعثه، توحي بأمل غامض بالخلاص، وتعبر عن النزوع الإنساني نحو الخلود .
يعتقد أن التوق إلى معرفة الأسباب دفعت لافتراض وجود قوى خارقة للطبيعة تتجسد في جسم الحيوان كما في الطوطمية حيث كان الإنسان القبلي يعبد الحيوان الطوطم الخاص بقبيلته، ويذبحه ليقدمه قرباناً ثم يأكل لحمه ويشرب من دمه. أو تتواجد ما وراء الظواهر الطبيعية، من هنا أتت عبادة عناصر الطبيعة كالشمس (شمش- شبش) والقمر(سن) والمطر (حدد- بعل) والسماء (آنو). ومع تطور الفكر الإنساني واكتشافه العديد من الظواهر والحقائق، بدأت مهمة الآلهة بالانحسار ويتضح هذا من خلال تناقص عددها وصولاً إلى الوحدانية، بالإضافة إلى إقصائها عن التدخل في الظواهر الطبيعية. ومع ظهور الكتابة قبل حوالي 5000 سنة، بدأ الإنسان بتدوين أفكاره والتعبير عنها بأشكال أدبية رائعة كالملاحم و الأساطير.
الأسطورة هي رواية تفسيرية مقدسة يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة، وهي تقتصر على علاقة الإنسان بالقوى الكونية العظمى التي تحيط به وبالإله الذي يبدو حضوره عطوفاً أو رهيباً. من هذا المنطلق يمكن أن تعتبر الأسطورة رؤية فلسفية تمثل فكر وعقيدة الإنسان في مرحلة ما.
إن الحدود بين القوى الكونية والعالم الإلهي تميل إلى الزوال (راجع: الأب بيير غرولو: "من أنت أيها الإنسان"..)
عند المقارنة بين نصوص الكتاب المقدس ونصوص بلاد الشام وما بين النهرين، تأتي قيمة النصوص الأولى لا مما يجمع بينها وبين النصوص الأخرى، بل بالأحرى على ما تختلف به عنها، لأننا نجد فيها مفهوماً جديداً لله ولغايته في الكون ولصلة الإنسان بالله. التوراة أولى الديانات السماوية اذا كانت الأخناتونية التوحيدية قد أعطت اليهودية دفعتها الأولى من خلال موسى، فإن المناخ الثقافي الذي نمت فيه فيما بعد أي الثقافة السورية المجاورة ، كان له الأثر الأكبر في تشكلها وتطورها البطيء (منذ القرن العاشر حتى الأول قبل الميلاد) وكانت أسفار التوراة الأولى التي تعود إلى مرحلة الخروج من مصر وقبل العودة من السبي، مليئة بالاعتراف بوجود آلهة للشعوب الأخرى حتى أنهم كانوا ينادون الههم باسم (ايل) وهو كبير آلهة معظم شعوب بلاد الشام (فأتى يعقوب إلى لوز التي كانت في أرض كنعان، وبنى هناك مذبحاً ودعا المكان بيت ايل) ، وفي المراحل التالية نجد يهوه ينفصل عن ايل ويحاول انتزاع سلطات الإله السوري (بعل) إله المطر والرعد .. النص الاوغاريتي المزمور 9 :
هوذا أعداؤك يا بعل هوذا أعداؤك تبيدهم
هوذا خصومك تبيدهم هوذا أعداؤك يا رب
هوذا أعداؤك تبيدهم
تبيد كل فاعلي الاثم
كما أن اسرائيل مدينة لنماذج بلاد ما بين النهرين، حيث نلاحظ الفرق بين وعي أنبياء التوراة قبل وبعد السبي البابلي الذي تم على يد ملك الكلدانيين نبوخذنصر 587 ق.م. وانتهى على يد ملك الفرس قورش الذي أعادهم حوال 530 ق.م. فقصص و مبادئ الشريعة اليهودية منقولة بشكل شبه حرفي من قصص الديانات التي سبقتها، فعذابات أيوب تكاد تطابق عذابات الملك دانيال(اوغاريت) ومبدا العين بالعين والسن بالسن منقولة حرفياً من شريعة حمورابي (القرن 19 قبل الميلاد) وعادة الختان وتحريم لحم الخنزير مأخوذة من مصر، وشخصية الشيطان أهريمان وعالم الملائكة تعيد إلى أذهاننا بلاد فارس وزرادشت الذي كان أول من قال بوجود إلهين فقط أهريمان اله الشر وأهورامزدا اله الخير.
تعترف المسيحية أيضاً بما سبقها من ديانات كعهد قديم، حيث يقول السيد المسيح : "ما جئت لأنقض الناموس والأنبياء بل لأكمل"، وكذلك يعترف الإسلام بوجود شرائع سبقته، فيرد في الحديث النبوي الشريف: "جئت لأكمل مكارم الأخلاق".
أسطورة التكوين تنتمي أساطير التكوين إلى زمرة أساطير الميلاد المائي، فبدء الكون هي حالة من العماء المائي الساكن، اللامتجانس، إلى أن تحين لحظة يقرر فيها الآلهة خلق العالم ووضع أسس الكون والحياة، فيبدأ الزمن وتأخذ الأشياء شكلها الذي نعرفه اليوم.
الأسطورة السومرية: في البدء كانت الآلهة (نمو) وهي المياه الأولى التي انبثق عنها كل شيء، أنجبت نمو ولدين آن اله السماء المذكر، وكي الهة الأرض المؤنثة.
الأسطورة البابلية: وهي اسطورة خلق العالم اينوما ايلش التي نظمت تمجيداً للاله القومي مردوخ، كما أنها نشيد يتلى في رأس السنة، وفيها يقوم الاله مردوخ بشطر جسد الالهة (تعامة) وهي المياه الأولى إلى نصفين فيرفع الأولى سماء، ويبسط الثانية أرضاًًًًًًًَ.
الأسطورة التوراتية: "في البدء خلق السماوات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه".. يقوم إله العبرانيين يهوه بفصل المياه الأولى إلى شطرين، رفع الأول إلى السماء وبسط الثاني في الأرض. القرآن الكريم: أثبت لنا واقعة فصل السماء عن الأرض بقوله: "أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما"..
تتفق الأساطير في مضمونها على خلق بقية العناصر، حيث يتشكل في النهاية الإنسان من طين، ليكون عبداً للإله الذي يبني له بيتاً ليرتاح فيه بعد أن أتم فعله، لكن من اللافت للنظر في الأسطورة السومرية، ظهور القمر قبل الشمس وكونه فيما بعد أباً للشمس، يفسر ذلك الكاتب فراس السواح في كتابه "مغامرة العقل الأولى" بأسبقية عبادة القمر (الهة المجتمع الأمومي) على عبادة الشمس (رمز الإله الذكر)، بالإضافة إلى شيوع فكرة الإله الابن الذي يتفوق على أبيه ويأخذ سلطته، في ميتولوجيا المنطقة، كالاله انليل ومردوخ وبعل، وفي المعتقد المسيحي نجد الإله الابن الذي غدا أكثر أهمية للخلاص من الإله الأب نفسه.
أسطورة الطوفان تتكرر الخطوط العريضة لأسطورة الطوفان، مع بعض التنويعات، لدى السومريين والبابليين والعبرانيين سبب الطوفان: غضب الآلهة من شر الإنسان وفساده وتمرده، فتقرر دمار الأرض بواسطة دمار شامل. اختيار المنقذ: حيث تختار الآلهة واحداً من البشر لانقاذ مجموعة صغيرة من البشر والحيوانات، فهو الملك زيوسودرا في السطورة السومرية، واوتنابشتم في الأسطورة البابلية، ونوح في التوراة والقرآن الكريم، ويعود نسب هذين الأخيرين إلى عاشر أبناء آدم.
بناء سفينة النجاة على هيئة مقدس مربع في ملحمة اطراحيس البابلية، وعلى هيئة برج مكون من سبعة طوابق في الرواية الآشورية وملحمة جلجامش، وعلى مثال مقدس له ثلاثة طوابق كهيكل سليمان في التوراة. انتهاء الطوفان والخروج من السفينة، ثم بناء المذبح وتقريب الأضاحي ، لتبدأ الحياة من جديد بواسطة من نجا، سام جد بني اسرائيل، حام أبو الكنعانيين، ويافث جد الفلسطينيين.
يعتبر هذا الخلاص صورة سابقة للخلاص الذي سيتم في نهاية الأمر على يد السيد المسيح، وقد شدد آباء الكنيسة على أن الكنيسة هي سفينة الخلاص وأن البشر يجدون فيها ملاذاً للنجاة من مصير الجنس الخاطئ. يمكن أن نتساءل عن سبب اختيار الطوفان وسيلة للهلاك دون غيره؟
إن أسطورة الدمار الشامل شائعة في أماكن متعددة من العالم، وهو إما نار سماوية أو طوفان، ولعل سبب سيطرة الطوفان في أساطير منطقتنا يعود إلى كونها أراض زراعية نشأت على ضفاف الأنهار، التي أدى فيضانها إلى أكثر المشاكل التي عانى منها السكان ، بالإضافة إلى أنه من وجهة النظر النفسية، فإن الطوفان والسفينة يمثلان العودة إلى الرحم والولادة من جديد، وربما حصل طوفان فعلي في هذه المنطقة. ملحمة جلجامش تأتي وثيقة (ثبت ملوك سومر) على ذكر جلجامش باعتباره خامس ملوك اوروك بعد الطوفان، وتجعل النصوص السومرية منه ابناً للالهة ننسون زوجة الملك لوجال بندا وأباه كاهن غامض، ومن هنا جاءت الإشارة إلى جلجامش على أنه مزيج من اله وبشر جمع السلطات الزمنية (أعلى مهامها قيادة الجيش) والسلطات الروحية (أعلى أشكالها طقس الزواج المقدس لضمان استمرار خصب الأرض)
كان جلجامش مطلق السلطان، أقوى الرجال وأكثرهم ملاحةً وذكاءً، ولعل هذا التفوق الجسدي هو ما دعا للاعتقاد بالجانب الإلهي في شخصيته ونسبه للالهة ننسون، قضى حياته في الصيد واللهو والبطش بالناس، منتشياً بطاقته المتفجرة، إلى أن التقى صديقه انكيدو فيحول طاقاته نحو الأهداف النبيلة، وتبدأ مسيرتهما الكبرى نحو تحقيق الانجازات الباهرة (التخلص من الشر المتمثل في الوحش حواوا) برعاية الإله شمشس، رب العقل والقيم الذكرية المتعلقة بالفتح و السيطرة و التسامي على الطبيعة، في مقابل القيم الأمومية التي تمثلها عشتار ربة الطبيعة والعشق والخصب والحرب. في الغابة، هناك يعيش حواوا الرهيب هيا أنا و أنت نقتله هيا نمسح الشر كله عن وجه الأرض........ إلى أن أصل غابة الأرز إلى أن أقتل خمبابا الرهيب فأمحو عن الأرض كل شر يكرهه شمش وبعد إنجاز المهمة، يعود البطلان إلى اوروك وتعرض عشتار الزواج على جلجامش الذي لا يكتفي برفضها بل يشرع في تعداد خياناتها لعشاقها فيصطدمان بعد أن ترسل له عشتار ثور السماء الذي يقضي أيضاً عليه جلجامش، ويعتبر هذا ترسيخاً للصراع الديني بين الديانة الأمومية القديمة والديانة الذكرية الجديدة. هنا تتحرك الآلهة لإعادة التوازن بين عالمها وعالم البشر وقرروا إنزال العقوبة بالبطلين اللذين وضعا القدم في الأرض الحرام، فانكيدو يجب أن يموت وجلجامش سيندبه ماتبقى من عمره. عندما فقد جلجامش صديقه أنكيدو، وعى مسألة الموت و التفكر به، نقرأ في النص السومري: يفنى الرجل حزين الفؤاد أنظر من فوق السور فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر و أراني سأغدو مثلهاحقاً فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً ومهما اتسع، لن يغطي الأرض عرضاً وسيبحث جلجامش عن جده اوتنابشتيم الحكيم الذي نجا من الطوفان الشامل وأنقذ الحياة من الانقراض ونال نعمة الخلود، فاجتاز أبواب الشمس ومياه الموت ونزل إلى جزيرة الفردوس التي نقل إليها جده، فكشف له سر شجرة الحياة التي تجدد الشباب بأكلها، وبعد أن يستولي جلجامش على هذا النبات تسرقه منه حية. فرأى جلجامش بركة ماء بارد نزل فيها واستحم بمائها فتشممت أفعى رائحة النبتة تسللت خارجة من الماء وخطفها و فيما هي عائدة تجدد جلدها يبحث جلجامش عن معنى للحياة القصيرة التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا الفانية، من خلال بحثه عن جدوى الفعل وعن مضمون للحرية، فيجده في الأعمال الجليلة التي تخلد اسم صاحبها: سأدخل أرض الأحياء وأخلد لنفسي اسماً هناك ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي يتبين لنا هنا تمرد الإنسان على الآلهة ورغبته في المعرفة وبالتالي حرمانه من الجنة والخلود، وظهور الأفعى كمصدر للشر كما ورد في الكتاب المقدس: "من جميع أشجار الجنة تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً"، فمأساة الجنة المفقودة التي تنتج عن مخالفة وصية من وصايا الإله، ليست أمراً غريباً عن حياتنا بل هي عرض تصويري لما نمارسه كل يوم.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
محاضرة الدكتور زاهي اسبيرو: تقنيات سرية للتحكم بعقول البشرالهرم وسر قواه الخارقة
الشباب وتحديات العصرالكمبيوتر ومهن المستقبل
هل نـُربىّ على الطائفية أم على الانفتاح؟لنفهم أحسن الزلازل..
سونامي الضيف الغريبالمرأة في الإعلام والإعلان
طريق الحرير
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى