الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
روحيّات --> عظات عامّة

الغربة

  بقلم: المطران جورج خضر


انقر هنا للتكبير
 
في اواخر الخدمة لجناز المسيح في الكنيسة البيزنطية ان يوسف الرامي احد اصدقاء يسوع دنا من بيلاطس وتوسل اليه قائلا: "اعطني هذا الغريب الذي تغرب منذ طفولته كغريب. اعطني هذا الغريب الذي اماته ابناء جنسه كغريب... اعطني هذا الغريب الذي غربه اليهود من العالم حسدا". ذلك ان ابن الانسان قال عن نفسه انه ليس له موضع يسند اليه رأسه. وكأن الانشودة تقول انه لم يتم لقاء بين المسيح ومن كان حوله. لم يكن هو من هذا العالم بمعنى ان نفحاته تأتي من فوق وحوافزهم اتت من تحت. وربما لهذا قال باسكال: "ان يسوع يعاني النزاع حتى آخر العالم".
كذلك الذين "لم يولدوا من لحم ودم ولا من شهوة رجل ولكن من الله ولدوا" يشعرون دوما انهم منفيون في اللحم والدم وانهم لا يتوطنون حيزا في هذه الدنيا. ان السماء تنحني ولا تحاور الارض. تعطف علينا ولا يعطف احد عليها. فالناس يزاوجون منافعهم وان نزلت الكلمة عليهم لا تجد عندهم صدى. الذين جاؤوا من فوق "يزوجون ويتزوجون"، يأكلون ويشربون ويظلون في السماء ويضطرون الى الاعتزال ولا احد يرافقهم في عزلتهم. غير انهم احياء بالملكوتية التي تحييهم ويبقى ولاؤهم للملكوت الذي اطلوا منه ويرجون ان يستردهم ربهم اليه لئلا يخنقهم هذا المنفى الذي صاروا فيه ولم يطلبوه.
والمنفى جرح وتمزق ولو حاول المنفيون كشف الحقيقة التي يحملون للناس والكل يعرف انهم نزلوا من مكان آخر لكن عامة الناس لا تحب التحام المكانين. ولعل التشاد بينهما قائم حتى آخر الازمنة حيث يصبح الله "الكل في الكل". ومن الواضح ان الذين اشتقوا انفسهم من الحقيقة يعتبرهم الكثير حمقى اي غرباء عن الارض ومنطقها وينعتونهم بأنهم غير واقعيين. والجنون، تحديدا، ان تكون خارج الواقع وتبني لنفسك عالما قائما بذاته. واذا لم نتحدث عن الخلل العقلي ولكن عن هذا التصادم بين اهل العالم واهل السماء فأهل الدنيا يرشقون اهل السماء بتهمة الجنون وما من حَكَم يفصل.
المؤمن الكبير يعتزل عن الخبيث ولا ينعزل عن البشر بحيث يحبهم جميعا علهم يهتدون. فلا يفهم من كلامي ان المؤمن يعيش في برج عاجي لئلا يتدنس لكنه يطل باطلالة الله ويتحد بالناس ويداريهم ويرعاهم ويقيمهم في نفسه ولو لم يقيموه. غير انه يبقى غريبا فالتصاقه بهم مستحيل بعدما رفضوا الالتصاق بالله. فهو يعطي ولا يعطى. ونصيبه صحراء العاطفة. لكنه لا يموت لأن ربه يتفجر فيها ينبوعا ويرويه وحسبه الله.
غير ان الصحراء لا تطاق بسهولة فيسعى الانسان الى وجوه قد تكون لله مرايا. في الارض انوار منزلة ما عندي في ذلك ريب وبفضل هذا تنشأ الصداقات ولا كثافة لها ما لم تكن تحلقاً حول الرب او لا مضمون لها. غير ان الصديق الكبير لا يريد رفيقه مستنسخاً عنه اذ يكون في ذا عبد نفسه فيغدو ما يبدو لقاء صداقياً فرصة اخرى للغربة. انت لا تتكئ على صدر بشر اذ المتوكأ الوحيد هو الذي تطمئن اليه كلياً ولا يخيب املاً ولا يخزي. ان الصداقة هي المنطرح الكبير للقلب التائق الى الخروج من العزلة. غير ان قلب الفرد الواحد ليس له رديف فما من تناغم كامل وما من انصهار بين عقل وعقل ولو تجلياً. ان تناضح العقول يتطلب به تطابق لا يأتي الا من مسيرات طويلة وغوص على الاعماق. وتبقى المشاركة ناقصة.
كذا في الحب الزوجي. ليس الآخر شريكك الكبير الا اذا سكبت عليه لطفاً لا يحد وقد لا يتم بينكما تبادل الحس الداخلي والحسن. وقد ينعطب الكيان من فرقة الطبائع الا اذا تقبلت الآخر بصبر إلهي حتى الاحتضان. العائلة - في كثرة الاحوال ان لم اقل في اكثرها - هي مطرح العزلة الكبرى فتظل مسيرتا الزوج وزوجته متوازيتين اي لا تلتقيان في النهاية وكأن الكتلة العائلية مكان القسري والمعتاد في ضمان السقف الواحد وشيء من انفراج الطبيعة. فإن لم يكن الله شريكك في هذه المسيرة المضنية فليس لك من شريك. ولهذا يقول بولس في رسالته الى اهل غلاطية: "ليس من رجل وامرأة" والمعنى ان الرجل لا يضاف الى المرأة ولا المرأة الى الرجل ولكن يشكل كل منهما على حدة ثنائياً مع الله فإذا تم فيه لكل من الزوجين لقاء كثيف يتحدان فيه ثم يلتقيان على صعيد البشرة.
وقد لا تكون الكنيسة - كما هي في شقائها البشري - مطرح لقاء. وتصير ذلك اذا غدت عائلة الله، لا طائفة مبعثرة او معطوبة او مكسورة. واذا انعمت النظر في الاشياء لا ترى الجاه وقف عند مدخل المعبد بل تعداه ولا تلمس التواضع الكثير ولا الاستغفار الباكي او الغفران الدفوق وكأن الذين يحيون حياة المسيح يقودهم في ذلك روحه وكثيراً ما لا يرعاهم احد وكأن الكنيسة التي طبيعتها من الحب ورجاء الملكوت امست مؤسسة تفتك بها الشيخوخة كما تفتك بأية مؤسسة من دنياك. وانت تحيا مع صفوة من المختارين الضائعين في ركام بشري لا دسم فيه ولا نكهة. واذا كنت على شيء من رهافة الحس الروحي او كنت تلح على الفهم تقلق ما هو رتيب فيهم. وكل دعوة الى التأصل تخرجك على مفهومهم الطائفي بحيث تمنع عنك الدعوة وتمنع فرادة الكلمة لكي يتساوى الناس في رمادية رهيبة. انت غريب بمقدار ما انت عارف او محرك للنفوس.
اما في ما يسمى المجتمع المدني فتبدأ غريباً عن عائلتك حتى تقبل تحالفاتها والعصبية وان تعادي اذا عادت وتتحمس ان تحمست اذ يجب ان تقف حيث هي تقف وتنأى ان نأت. وهنا اتكلم على العائلة الواسعة اي القبيلة والتي تحيا على منطق القبائل. ولا حرية لك الا ان كسرت هذا المنطق فانفردت وتغربت.
في المجتمع الارحب المفروض ان يحضن افرادا لا عشائر، في المهنة، في الحياة السياسية قد تبدو عائشا في عزلة ان اردت هذا المجتمع ان يتخلق باخلاق الله او ان يعتمد معايير. ربما وجدت نفسك في الحزب لكن الحزب هو ايضا في بعض من احايين، مكان عزلك اذ يظن المكتب السياسي انه بديل من الناس. انت تنخرط في الحزب لتخرج من اعتباط النافذين ومزاجيتهم فترى ان ذلك انتقل الى الحزب انتقالا وان الوهن قد يصيبه ولا يحميه شيء من الترابية المؤلف منها كل الوجود.
من هزالات المجتمع انه يصنف الناس، كل الناس، حسب الهوى وتنشأ فيه كتلة على قاعدة المنافع ولو لبست لباس الفضيلة. وتبرز هذه الكتل في الحقل السياسي وتتلاقى او تتنازع بما هو مردود الى الارض وانفعالاتها وضيقها وحسدها فتلحظ ان ما يكشفونه لك مبدأ انما تكمن وراءه اموال وكأن الصراع بالكلمات جاء ليغطي صراع ذئاب تتسابق على الافتراس. فلا تجد لك او لفكرك او لعطائك مكانا في هذه الغابة.
هذا اذا لم نتكلم على الدولة التي فيها معظم الناس غرباء لضعف وعي الكثيرين فيها انه أتى بالحكام للخدمة. فان لم يكونوا اولياء للناس يكون ولاؤهم لأنفسهم. المواطن بات اليوم في يأس شديد لكونه في فقر شديد. هناك حد ادنى ليكون الحكم حكما، حد ادنى من الاخلاص ومن التفاهم بين المسؤولين ومن تبتل لادارة حكيمة، نزيهة. الدولة في البلدان النامية هي بنوع خاص راعية للأمة ومنظمة لها وهادية لأخلاقها. ويشعر الناس، بحق او بغير حق، ان دولتهم باتت على وهن عظيم ويحسون ان البلاد ليست لهم وانها ملك للذين يحكمون.
في كل هذه الميادين الانسان غريب عن الانسان ومرمي في النسيان. متى تزول الغربة ويصير القلب ضيفا على القلب ويصير كل قلب ضيفا على الله؟
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
لا نكوننّ مشاهدين، بل شهودًا لسر المسيح الفصحي2012
المحبة الأخويةتجلّي يسوع
هل يحقّق يسوع الطموحات؟الفضيـــلة
مضطهدون لأنهم مسيحيون!.. تأمّل متألّمة من العراقالعلماني رسولٌ إلى جانب الكاهن
السجود الحقيقي لله بالروح والحقالحاجات الإنسانية.. نِعَم أم عقبات؟
"في البدء خلق الله السماوات والأرض"..الشجرة
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى