الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> كتب

التنوع المنهجي وإشكال قراءته للتاريخ

  بقلم: محمد الحرز

 
حول المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية يحدد الباحث المغربي عبدالله العروي ثلاثة شروط لقبول أية قراءة. الشرط الأول «أن نحاول فهم الكلمات فهماً تاريخياً. لا شك في أنه من الصعب أن نصل إلى رأي قطعي، وأن نجزم بأننا فهمنا الغزالي مثلاً كما فهم هو نفسه، ولكن على الأقل يجب أن نعطي الدليل على أننا حاولنا فهم جمله وكلماته على وجهها القاموسي.
بعد هذا لنا حق التأويل. وأما التأويل المبني على الجهل أو إلغاء أوليات القراءة فهو مردود.
الشرط الثاني أن نفصل بين القراءة والتأويل. إذا بدأنا بالتأويل وقرأنا المؤلف على ضوء ذلك التأويل فإننا نتكلم عن مؤلف آخر غير الذي ندرسه. أما الشرط الثالث هو أن نكون على استعداد للتخلي عن رأينا إذا تبين أننا أخطأنا القراءة». ويحدد في موضع آخر الآثار السلبية من جراء غياب إرادة استكشاف المفهوم القاموسي فيقول: «... من جراء ذلك تعم الفوضى الفكرية: كل واحد يقول ما يشاء عن هذا الكاتب أو ذاك، بل نواجه خطرين: أولاً: يمحى الفارق الزمني ويصبح الأموات معاصرين لنا، نستشيرهم ونحاورهم في أشياء مستجدة لا يمكن أن يكون لهم فيها رأي. ثانياً: نتولى شيئاً فشيئاً منطق الكشف». يقول لسان الباحث: «أنا وحدي أفهم مقصد ابن خلدون بل أفهم ما أراد قوله ولم يستطع». ويخلص بالتالي إلى نتيجة هي أن «الحد الفاصل بين الفكر التاريخي وبين غيره هو رفضه للكشف ومعاصرة الأموات للأحياء، يرفض أن يضع الدارسُ نفسه في الحلبة مع كاتب من كتّاب الماضي، ويدّعي أن بينهما تفاهماً تلقائياً.
 الكشف له قوانينه، له منطقه، لا يمكن أن يقحم في التاريخ وإلا انعدم الفارق بين الحلم واليقظة». هنا العروي يحاول أن يعيد للزمن تأثيره وهيبته وقوته، ويربطه بمجمل الدراسات التاريخية بوصفه الحس التاريخي الذي لا يمكن إهماله، خصوصاً ما تشهده الدراسات التاريخية الإسلامية من قلة في التطور المنهجي، في ما يخص تلك الدراسات بالتحديد. بالطبع هذه المنهجية الذي يعلي العروي من شأنها هي إحدى أهم المرتكزات التي تجعل من عمل الباحث عملاً احترافياً وظيفته الأساس قراءة الوثيقة التاريخية وتحليلها بحسب المعطيات التي تحددها منهجيته في البحث. هناك الكثير من الكتاب العرب لم يتعاملوا مع الوثائق التاريخية ولا الشخصيات التراثية من جهة إنتاجها الفكري والأدبي بالصورة التي حددها العروي في شروطه السابقة لرؤيته للمنهج إلا ما ندر من بعض الباحثين الذين كانت دراساتهم تترصد الاحترافية في قراءة مجمل الوثائق التاريخية كما نجد ذلك في كتاب مجلة الاجتهاد التي تصدر من بيروت منذ أكثر من عقدين من الزمن.
 لكنّ الإشكال التي تنتج من رؤية العروي للمنهجية السابقة هو أننا كعرب لا نملك قاموساً لغوياً احترافياً كما هو حال الفكر الغربي، مثل الموسوعة الضخمة التي أسسها فلاسفة عصر الأنوار، أو موسوعة لالاند الفرنسية الفلسفية المعاصرة. وغيرها من الموسوعات الكبيرة التي يزخر بها الفكر الأوروبي، ولا يمكن أن نعد «لسان العرب»عملاً احترافياً يساعد الباحث كثيراً في تنظيم الفكر والابتعاد عن الفوضى. لذلك يقع على عاتق المؤسسات الثقافية في الوطن العربي - هذا إذا كانت فاعلة بالأساس - العمل على إنتاج موسوعات لغوية ضخمة تشمل جميع مراحل العصور الإسلامية من لحظة التأسيس إلى العصر الراهن.
وفي هذا الأثناء مهما قيل من كلام حول ضرورة الالتزام بالمنهجية في ظل غياب تلك الموسوعات، يبقى تأثيره قليلاً، فالأسباب بالتأكيد تتصل بالوضع العام للثقافة العربية وتاريخها ومكانتها في سلم أولوياتنا الحياتية. وعلى رغم كوني شخصياً لا أميل إلى الصرامة المنهجية لأنها في ظني تحول كل رؤية إيديولوجية للتاريخ إلى عقيدة دوغمائية صارمة، وليس في كل الأحوال بالضرورة، ومن دون أيضاً أن نلغي أهمية التصور النظري المجرد باعتباره مرحلة متقدمة جداً في البحث العلمي، ولا يمكن بالتالي لمعرفة الإنسانية أن تتطور أو تتقدم من دون ممارسة مثل هذا التصور، فإن قناعتي التي لا تتعارض مع هذه الأهمية تذهب مع الرأي القائل: الأدب هو الشكل البدائي للمعرفة، وكل المنهجيات والنظريات تنبع من هذا الشكل ومن تأثيره. يكفي أن تنظر إلى تراث هوميروس والأساطير البابلية وأثرها الواضح في بعض النظريات التي أحدثت انعطافة في تاريخ المعرفة، إذ يأتي فرويد على رأس القائمة بالتأكيد.
 لكن أكثر ما يتضح إشكال هذا المنهج في كتابات الإسلاميين الذين يلوون عنق النصوص التراثية خصوصاً كتب الفقه والحديث منها ليبنوا عليها آراءهم بشكل يقيني لا يقبل الأخذ أو الرد، وليخلطوا بين خصوصية التأويل من جهة، ومتطلبات القراءة الموضوعية من جهة أخرى. وعلى العموم لا يخفى على المتتبع لما ينتج حول التراث الإسلامي- كما يشير الباحث فريد الزاهي- «أن المشكلات والعوائق التي ظلت تنخر الدراسات الاستشراقية والعربية تتبدى في خلفياتها الإيديولوجية ومنظورها المنهجي.
فقد ظل الاستشراق على رغم من الجهود المبذولة في التحقيق ونشر التراث حبيس أقانيم أكاديمية محددة، معرضاً عن الفكر الذي لا يتماشى مع محدداته الفكرية، ومع الاستراتيجية التي يحددها الناشر، مركزاً على عناصر دون أخرى، مانحاً للخلاف الثنائي ذي الطابع السياسي أهمية قصوى «ناهيك عن المؤرخين العرب الذين ذهب بعضهم بقراءة التاريخ والتراث بأثر رجعي تحت وطأة الأحزاب السياسية وشعاراتها المسيسة.
أما بخصوص من يستخدم المنهجيات الحديثة من الكتاب العرب المحدثين في دراساته وبحوثه من قبيل الألسنية والتاريخانية والتأويلية، فينبغي أن نشير إلى أن الرؤية المنهجية التي اقترحها العروي أعلاه تخص بالدرجة الأولى الوثيقة التاريخية المكتوبة، لكنها لا تأخذ في الاعتبار، أو لنقل ليس من شأنها التفكير في تلك الدراسات التي تدمج أثر المتخيل على نسق إنتاج المعرفة في العصر الذي وجد فيه الكاتب، ولنأخذ مثالاً على ذلك.
محمد أركون في نقد العقل الإسلامي يقترح مجموعة من المفاهيم الجديدة الكفيلة بفتح عدد من الأوراش غير المتناهية في حقل دراسة التراث العربي الإسلامي، وهو بذلك يستخدم أدوات جديدة مستعارة من حقول علوم اللغة، وعلم النفس وعلم الإناسة. تحت مصطلح ما يسميه أركون «إسلاموجيا تطبيقية» ينتقد تلك الدراسات التي لم تهتم بالإسلام الشفوي غير المكتوب «وللمعيش الذي لم تلحقه الكتابة والكلام، وكذا التعبيرات الإسلامية غير التمثيلية وللمتخيل المتصل بالأساطير والشعائر وللوقائع البصرية والحياتية، كتنظيم الفضاء والعمارة واللباس وعلاقات القرابة... إلخ».
 لذلك هو يقترح - كما يقوم به في دراساته - إدماج هذا الإسلام وإعادة الاعتبار له. وعلى هذا الأساس وظف مفهوم المتخيل في مجمل تحليله، الأمر الذي أدى به إلى خلخلة إحدى ثوابت الدراسات التقليدية التي كانت تعتمد بالأساس على قراءة الوثائق التاريخية من مدونات في الفقه والحديث والسيرة باعتبارها إحدى التشكيلات الخطابية العقلانية فقط. لكن هذه المدونات كما يشير أركون مدينة بالكثير إلى المتخيل الذي لا ينفصل إطلاقاً عن تلك التشكيلات الخطابية.
 وهو بهذه الرؤية المنهجية يعيد الاعتبار للعلاقة الوثيقة التي تربط بين العقلاني واللاعقلاني التي ظلت الدراسات تفصل ما بينهما بشكل تعسفي وفق التعارض الذي أسسه الفكر الغربي حولهما. هناك أمثلة أخرى تكرس هذا المنحى من الدراسات. لكنّ السؤال يبقى قائماً حول أهمية دراسة الوثائق التاريخية وتحليلها، وهذا لا يلغي ذاك في الأهمية، لكن المغزى يكمن في الأولويات، فدراسة كتاب تراثي مثل كتاب الأغاني للأصفهاني يتطلب قدراً احترافياً كبيراً في التعامل معه لسبب بسيط، كونه كتاباً يحمل جل مكونات الثقافة العربية والعربية الإسلامية التي تكون فيها تاريخ الأدب العربي. وكما يقول أحمد أبو حسن «كتاب يجمع أهم الإنتاجات الأدبية والفنية والثقافية العربية من أشعار وألحان وأخبار وكل ما يتعلق بالحياة العربية خلال قرون عدة من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي». وهنا أتساءل أليس الإحساس بأهمية هذا الكتاب هو تقليد شفاهي جرى تداوله من عصر إلى آخر، وما على الباحث المعاصر سوى البحث عن مبررات تاريخية من منظور منهجي جديد، يعزز تلك الأهمية ويجعلها متوافقة مع متطلبات العصر المعرفية والاجتماعية والحضارية. أليس ما يقوم به أركون وبعض الباحثين يدخل في هذا الباب؟
 
نقلاً عن "الحياة"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
صدور أوّل كتابٍ عربيٍّ عن لاهوت البيئة وروحانيّة الطبيعةكامو الرجل الذي كان دائماً على حق
جوزيف معلوف: لاهوت الحوار مع الحداثة"العلاقات المسيحيّة المسيحيّة في سوريّة عبر التاريخ".. دراسات مسكونيّة.. كتاب جديد للأب ديك
«العقل والتجربة في الفلسفة العربية» لعلي زيعور.. إبن رشد في تحليل نفسانيعرض كتاب "اختلال العالم" لأمين معلوف
الحلاج.. رحلة البحث عن المعنى.. «الديوان» و«الطواسين»... حسب شوقي عبد الأمير وفيليب دولاربر«بحر الحقائق» في تصوّف ابن عربي
«تأويل الثقافات»كتاب "الثقافة العربية في عصر العولمة" لتركي الحمد
معجم للمؤلفين العرب المسيحيين وآثارهم..قراءات في فكر علي حرب وفلسفته: هدم المتعاليات وخلخلة الأسس
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى