الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> دينية

"نجاوى" المطران جورج خضر

  بقلم: محمود الزيباوي


انقر هنا للتكبير
 
يا ندى الكون إذا جفّ الكون
"نجاوى" عنوان الكتاب الجديد للمطران جورج خضر، أنطولوجيا تضم سبعة وثلاثين نصا كُتبت في مراحل مختلفة، منها ثلاثة نصوص تُنشر للمرة الأولى. في الذكرى الأربعين لأُسقفيّة المؤلف على جبل لبنان، تأتي هذه الأنطولوجيا على شكل مجلّد فني أنيق ساهمت "الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة" بإصداره، ويحوي مجموعة من المائيات استلهمها الفنان السوري إلياس الزيات من وحي نصوصه وأنجزها خصيصا لتزيّن صفحاته.
يصعب تصنيف "نجاوى" جورج خضر. تجمع هذه النصوص بين النثر والشعر والفكر والتأمل، وهي في المقام الأول نصوص دينية يناجي فيها كاتبها ربّه، وخير تعبير عن هذا المقام قوله: "ربِّ حوّلْ قلبي إليكَ لئلا يَهوى ما عداك كلُّ رؤية نجوى همّي نجواك". صنّف الكاتب هذه النصوص وجعلها في ثمانية أبواب حمل كلٌّ منها عنوان "نجاوى". يشكل الباب الأول مقدمة لهذه المختارات، ويضمّ ثلاثة نصوص هي تباعا: "يا يسوع"، "يا سيد"، "يا يسوع الناصري". الأول غير مؤرّخ، والثاني يعود إلى عام 1980، أما الثالث، فهو من إنتاج 2002، وفيه خلاصة رؤية المطران جورج خضر لله والإنسان. يقول الكاتب في الدعاء الأول: "هبنا نحن الراغبين في أن نصير لك تلاميذ أن نصبح لك قياميين ليؤمن الناس بأن سر جمالنا هو أنت". ويقدم في الدعاء الثالث قراءة ثاقبة لهذا السر الإيماني.
يخاطب الكاتب المسيح ويقول: "لن يكتبك أحد يا سيد. أنت كتبت الكون بدمك. كان وحده هو النطق، المطرح الذي عرفنا فيه أن فرادة الله أن يحب. نحن إليك بسبب من تلك الحرية التي أزلت بها العبودية من طبيعة الدين إذ قلت إننا أحبة وإن لنا جسارة على أبيك لكوننا أصحاب البيت". يستعيد أسقف جبل لبنان المنظومة العقائدية المسيحية التي تميز بين "العهد القديم"، و"العهد الجديد"، وهما بتعبير بولس الرسول "عهد الناموس" و"عهد النعمة"، وينقلها هنا بلغة جديدة تخلو من أي مصطلح عقائدي تقليدي. يناجي يسوع وينتقل من المناجاة إلى التأمل: "ما من شاعر في العالم يقدر على أن ينظم قصيدة حب كهذه التي قلتها بأوجاعك وبدمك. قيل للإنسانية التي كانت تعيش قبل الميلاد إلى جنوبنا أنها مودودة ربّها. غير أن الناس لم يصدّقوا أو ما استطاعوا أن يصدّقوا... كل البشر كانوا يعلمون أن الله قادر على أن يزلزل الدنيا وأن يبسط الإنسان على الوحوش الكاسرة، لكن أحدا لم يكن يعرف حقا وبدقة أنه حبيب الله وأنه مؤهل بهذه المحبوبية أن يكون أعظم من الكون وأفعل من كل عناصره... يا يسوع الناصري إذا سمحت لحظة من لحظات الرياضة العقلية أن أفكر فيك مستقلاً عن إيماني بك لقلت للناس العارفين بحضارات الشعوب إن أحدا قبلك ومن بعدك وعلى جنباتك لم يتكلم على المحبة كما تكلمت أنت. كلماتهم كانت توصيات خلقية لطيفة أقرب ما تكون إلى الشعر. قد نجمع من حوارات أفلاطون ودماثة أفلوطين شيئا يشبه المحبة. وقد يجد المرء ما يشير إليها في أساطير الشرق القديم. ولكني لا أعرف في الأدب القديم الديني منه أو الأدبي من تكلم بهذا الزخم وهذه الشمولية اللذين أتيا على لسانك... هناك صفحات في الفكر الديني من قبلك ومن بعدك أجمل تعبيرا وأعمق ذكاء من الذي قلته أنت. ففي الدنيا التماعات وجدانية أخاذة لا نجد في إنجيلك على قوة نشوتها. والناس يسكرون بسحر اللغة وباللقطات النازلة عليهم كالنيازك. ولكن ليس هكذا يُقرأ إنجيلك. كلّه من ألفه إلى يائه مرتبط بالدم الذي سكبته على الخشبة".
يختم الكاتب تأمله بالدعاء: "امسح يا سيد كل دمعة عن عيوننا حتى يزول البكاء عن وجه الأرض ويكون الفرح مثل قيامة". يتكرر في هذه الدعوة صدى كلمات وردت في "سفر الرؤيا" حيث يسكن الله مع الناس و"يمسح كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد".
 
الداخل والخارج
يحوي الباب الثاني سبع نجاوى، أولاها "دعاء ميلاد" يعود إلى عام 1976، وفيه يواصل جورج خضر مناجاته للمسيح ويقول: "أنت مديد البهاء وكل منتشر للبهاء كنيستك. ما عدا ذلك ركام طوائف، إخراج قيد. ونحن لسنا رهن الطوائف بل رهن كل كلمة من فيك. ألم يقل تابع من أتباعك: كثيرون يظنون أنهم في الداخل وهم في الخارج، وكثيرون يظنون أنهم في الخارج وهم في الداخل". يتخطّى الأسقف حدود "حظيرته"، ويضيف: "أعطني يا سيدي أن أسمّي الله إذا ذُكر إنسان حتى أثقله بالألوهة فتأخذني به، أعطني أن أدرك السرّ الذي يحوط به وقوة حبك له فإنك رسمته مشروع خلق من بداءة إلى بدايات حتى لا ينطوي فيختنق. هب أيها المخلص أن أتقبل الآخرين إشراقات تقيمني في وجود محصون، وإذا عظم سحرهم في عينيك أنّى لعينيّ أن تقفا عند قباحة... خذني إلى الناس لا إلى ما يقولون، لا إلى ما قرئ عليهم فقد تنفع الكتب إذا صار بها الإنسان كتابا. أنا حرّ منهم ومني. مما يشعرون نحوي ومما يشعر ذويّ نحوهم. أنا لا أعامل نصوصا، أتعاطى بشرا قيل إن لهم كتبا، أقابلهم هم أيا كان رأيي في آيات يتلون. البشر ليست أسطرا تتراص. الإنسان وجه". تتجلّى هذه الرؤية التي تربط بين الإلهي والإنساني في النص الثاني، وهو "تأمل ميلادي" كُتب في عام 1986، وفيه يتوجه مرة أخرى إلى المسيح متضرعا: "يا صورة الله التي بها عرفنا الله للمرة الأولى ذوقا وإيلافا، يا من أسكنت الألوهة في ثنايا لحمنا ومجاري الدم، يا من جعلتنا نقرأ الله في عيون الأطفال وكلما اهتزّ قلب حنينا وصارت الكلمة لهبا، تعال إلينا محبة دفوقا لنبرأ من الحقد ومن محدودية العقل وانتفاخه وباطله، تعال وساكن ليصبح تواضعك تخاذلا للمستكبرين وإشرافا على دنيا سادة جدد، يجيئون من تربعك فيهم ليردّوا إلى صدرك من كان متسكعا على عتبات الجحيم".
تلي هذا الدعاء قصيدة بعنوان "ينابيع الضوء" كُتبت في عام 1985 لمناسبة بعيد الغطاس، وفيها: "أبصرتك المياه يا ألله أبصرتك المياه/ فاستضاء القمر/ هربت كلماتي/ قرأت أسرار الحبيب/ انه الزمان الجديد/ وأرحل فيه إلى وجهه على مركبة من نار". من معمودية السيد، ننتقل إلى الآلام والفصح في ثلاثة نصوص، أولها "دعاء في الجمعة العظيم" يعود إلى عام 1984، يقارب بلغته ومعانيه نجاوى الباب الأول. في هذا الدعاء المتواصل، يناجي الكاتب ابن الإنسان ويقول: يا من، بعد بوحه، يبطل كل حديث، يا من حكى بدمه الصدق وبانمحائه الكبر، يا عريس الروح في وحدتها... أنت عرّفتنا أن كل ما يستطيعه الإنسان أن يصبح ينبوع ماء ينبع من حياة الأزل إلى حياة الأبد، وليس من مبتغى إلا أن يستقي البشر مما يفيض منك. هكذا سيكونون بعضهم إلى بعض. وهذه هي الدنيا التي تريدها لهم... أنت ما حكيت أجمل قصة حب فحسب. كنتها. جمالها حقيقتها". تلي هذه المناجاة "صلاة أمام المصلوب" من إنتاج عام 1970، يتبعها "دعاء فصحي" يعود إلى عام 1996 يتميّز بجرأة غير معهودة في التعبير المباشر، ويمكن القول إنه غريب تماما عن قاموس رجال الدين على اختلاف مللهم. مرة أخرى، يتطرّق المفكّر إلى المسافة التي تفصل بين العهدين، "القديم" و"الجديد"، ويبقى المسيح "نقطة التقاء الخطوط" كما كتب أحد آباء الكنيسة في القرن السابع. 
كعادته، يتوجه الكاتب في تأمله إلى المسيح، ويقول: "كنا نحسب قبلك أن الله بعيد، أنه فوق، أنه رعد أو قوة أو فتح مدن وسلطان على الأبرياء... وأنه يحصي كل شاردة ويحسب على الناس خطاياهم، وأنه هو الذي يقاصّ الأطفال ويعاقب المجرمين. وكان الصبية يخشونه كما يخشون الغول لأنه الغول الكبير وأقّله أنه الشرطي الكبير وأنه هو الذي يشرّع سيادة بشر وعبودية بشر. وإذا كان الله على هذه الهيمنة، فهو محرّك خيوط الدمى، وأن هذه الدنيا مسرح دمى يتسلّى بها الله ويقهقه. وهذا الإله تحكمه شهوة سلطته. فمن كان كبيرا مثله يكون بالضرورة أغنى منا نحن الفقراء. وكنا نظن أنه يسلبنا الفرح وأن كل فرح يغيظه لئلا نختلس شيئا من هنائه حتى جئت أنت وقلت إن الله ليس فوق، وأن هذا الذي يسكن سماء مغلقة لا علاقة لنا به. وهب أنه على جنباتنا، فنحن لسنا إلى جنباتنا. نحن في هذه النفس الحزينة إن تعالى عنها فلا شأن لنا به. ثم قيل لنا إن له كلمات. إذ ذاك الكلمات سيف مصلت ولن ندرك الكلمات فنبقى في صمم مقيم. وإذا فهمنا بعضاً مما أرسل نحسّ أننا نعجز عن الطاعة، شيئا واحدا ندركه أن ما يقوله يكشف لنا شقاءنا ويُظهر لنا حياتنا سجنا كبيرا. نحن في وادي البكاء وليس من يمسح لنا دموعنا عن أعيننا لأنها إن مُسحت فسنبكي أيضا... إلى أن جئت. جئت إلى رحم امرأة ففهمنا أن هذا الجسد على كل حزنه قادر أن يصير هيكلا لك وأن الإنسان غدا بيتك وقلبه عرشك. أنت إذا هنا معنا لا على جنباتنا. كانت قبلك كلمات وكانت كتب. أما أنت فكنت الكلمة الوحيد وانصبّت فيك كل الكلمات التي كانت قبلك ومنك جاءت وتلك التي قيلت بعدك... وصارت بك المرأة والرجل على كرامة واحدة، والأمي والمثقف في معرفة واحدة، والغريب كالقريب. واستطابك الفقراء وعرفوا أنهم هم الأحبة... وأما الذين سقطوا في جهالة قلوبهم فكشفت لهم أنهم إذا استطاعوا أن يحبّوا فيصيرون في عينيك أطهر من الثلج وأن لهم بغفرانك ما يقرّبهم إلى أبيك. فإنك أعطيت الله اسما فوق كل اسم وهو أنه أب. ومنذئذ بان لنا أننا لسنا عبيدا ولسنا بأجراء وأن لنا، ككل ابن، دالة. ومن كان له دالة يكون له جسارة. ومن كان له جسارة يجلس هو أيضا على عرش الله. فأمسى الإنسان بك- إن أحب – عديل الله".
ختام الباب الثاني نصّ شعري جميل يحتفي بعيد "التجلي" في عام 1985، وأحلى ما فيه: ""هل أرجأت، ربّ تجلياتنا، حتى تسفك آخر قطرات الدم أم أنك آتٍ وفينا بعض النفحات؟ نحن همنا روحك في النفحات".
 
النور في التراب
يأتي الباب الثالث، وفيه يناجي جورج خضر تباعا مريم العذراء والنبي إيليا والقديس يوحنا الذهبي الفم. يكسر الأسقف القوالب الجاهزة، كأنه يذكرنا كل مرة بما قاله اللاهوتي غريغوريوس النيصصي في القرن الرابع: "المفاهيم تنشئ أصناما عوض الله، الذهول وحده يدرك شيئاً". أول نصوص هذه المجموعة نجوى مريمية من عام 1986 يخاطب بها الكاتب مريم بقوله: "يا من بها اتخذ الله وجها، يا من أضافت النور في التراب، آتيكِ أنكِ حنين الدنيا إلى الطهر، إلى إيلاد الله في عتماتنا". تلي هذه المناجاة قصيدة مريمية من عام 1982 تتغنّى بصمت العذراء، وأبلغ ما فيها: "ما كان الصمت يوما إلا ثنايا حديث. انه العودة الكبرى عن لغط الزمان". "إذا تقبل الإنسان الكلمة من فوق يلده". من جديد، يجمع الكاهن بين أهل "الداخل" وأهل "الخارج"، ويسأل: "إذا كان الآب يُطلع شمسه على الأشرار والصالحين ألا يعني ذلك أن ليس لهم رؤية للشمس واحدة أو أن بعضا منهم ظنّ أنه قادر أن يحتوي الدفء كله؟ أول الحقيقة في الأصغرين والأذلة. كل الحقيقة أن يُرفع القهر عن البشر. إذ ذاك يبدأ العيد". من العالم المريمي ننتقل إلى عالم النبوة في قصيدة "من وحي مار إلياس" كُتبت عام 1981، وفيها يمتزج صوت الأسقف بصوت النبي في دعاء واحد: "ربّ ردّني إليك قبل أن تردّني إلى التراب/ فلا يحجب وجهَك اللحدُ/ أنا جبلة ونور وأرض/ قبل أن أفرّ بالنور من وطأة الأرض". أيضا وأيضا، يتوجه جورج خضر إلى المسيح، ويختم قصيدته بقوله: "يتداعى الإيمان يوما بعد يوم في الخيانة/ وتصبح أنت حديثا عنك لا أنت/ إذ ذاك تجيء لتُسكت كلمات كل البشر/ فتغني شفاهنا نشيدا جديدا/ وتعدّ لنا مركبات نارية/ وخيلا من نار".
النص الرابع يعود إلى عام 1992، عنوانه "تقاسيم على عود من ذهب"، وفيه يستعيد الكاتب بلغة شعرية بديعة سيرة القديس يوحنا الذهبي الفم. تلي هذه القصة الشعرية قصة أخرى يناجي فيها جورج خضر مريم المصرية، أشهر التائبات القديسات، وهي في البدء مومس من الإسكندرية اهتدت عند باب كنيسة القيامة في القدس فاتجهت إلى البرية حيث عاشت في تجرد مطلق سبعاً وأربعين سنة. ناجاها المطران مرارا، وهو هنا يناجيها من جديد في نص غير منشور يعود إلى عام 2007، وهي فيه "الملتهبة بالعشق اللابسة النسك عذرية جديدة". ختام هذا الباب نص من عام 1979 عنوانه "تقاسيم على يا نورا بهيا"، وهو تنويع على "صلاة الغروب" التي مطلعها: "يا نورا بهيا لقدس مجد الآب الذي لا يموت، السماوي القدوس المغبوط". في هذه التقاسيم الجديدة، يخاطب الأسقف المخلّص مسبّحا: "يا ندى الكون إذا جف الكون/ يا لوعة الدعاء إذا احتدم الدعاء". وهو في تسبيحه هذا يرجو الله البقاء على الترتيل، "وما خلا الترتيل إنما هو صبر حتى يعود الترتيل".
 
بين صحراء وحضر
يضم الباب الرابع صلاتين، أولاهما تعود إلى عام 1952، وهي أقدم نصوص هذه المختارات. وثانيتهما تعود إلى عام 2007، أي إلى زمن الحاضر. في الأولى يقول جورج خضر: "أعطنا يا رب أن نحتقر قصورهم وأن نذهب إلى المناهل، إلى حيث يدعوننا خياليين، مجانين، أعطنا أن نحمل على أكتافنا خشبة العار وديانة الحماقة، ديانة قلوب لا تعبث بها الوحوش والتنانين. اجعل من كل لسان تسبيحا ومن كل قلم سيفا لحقك حتى نخوض الحرب التي جئت من أجلها إلى دنيانا، حتى نخوضها على الشيطان والتنين لإبادة ذكرهم من الأرض". يتكرر الدعاء بعد خمس وخمسين سنة: "أعطنا أن نطرد تجار الهيكل. إنهم لقد عبثوا. يستخلفون بعضهم بعضا محتسبين انه لن يبقى لك شاهد. غير أن المنائر التي أضأتها لن تنطفئ... أنت أنهضتنا وجدّدتنا لعلمك بأنّنا لن نرضى بكنيسة باهتة، حسدونا بسبب الوهج، ذلك لأنهم لم يكونوا هم النور".
نصل إلى الباب الخامس، وهو من ستة نصوص شعرية كُتبت بين 1982 و1992. "لا عرس بلا خمر والرب سكر"، يقول الشاعر في "الكنيسة العروس"، متنقلا بين "بصرى والرصافة"، و"بين البتراء وتدمر"، حيث "المشرق دائما يروح/ بين صحراء وحضر/ الله جامعهما، لا الزمان". يتغنى جورج خضر في هذه القصائد الحرة بإرث المسيحيين العرب، وهم بحسب تعبيره "برابرة النصارى" الذين لهم "السجود بين الشام والعراق"، "فاللحن من سوريا على صفاء الأمانة/ حتى تقرع أبواب دمشق/ ويحسب الأعرابي أنه دخل الجنة/ فلا يشتهي أن يراها مرتين". في هذا القول إشارة إلى رواية إسلامية شهيرة تقول إن النبي محمد وصل في صباه إلى أعتاب دمشق، لكنه أبى أن يدخلها لأن المرء لا يدخل الجنة مرتين. هكذا "مرّت الأعراب على يقظة المسيح/ وبوركت بما التقطت من فتات". وبقي النخيل وحده "يغني في صحارانا/ والكلمات وحدها الفراديس". يشكل الباب السادس تكملة للخامس، وفيه تباعا "التراب والضوء"، "وطن الروح"، "الفجر المطل على الصحارى"، و"بين الصحراء والوجه". يتحول المشرق هيكلاً كونياً كاهنه الشاعر، و"المشرق وحده النخيل/ يمتشق، يغتنج/ عند مداعبة القمر/ إذا انتهت بادية العراق". "ونحن من فينيقية/ حتى مشارق دمشق/ والمروج التي على النيل/ يعبرنا الذهول". يستعيد خضر صورة النخلة القرآنية التي لجأت إليها مريم. يقول إن "النخيل كاتدرائيات الصحارى"، ويرى "في كل بادية نخلة وبئر ماء". ثم يستعير قول "نشيد الأناشيد": "تعالي معي يا عروس لبنان"، ويدعو هذه العروس إلى "فردوس المشرق".  
تكتمل الصورة وتتجلى في الباب السابع، وهو مخصّص للوجه، وعناوينه أربعة: "وجه الله في الهجيرة"، "ذاك الوجه"، "دعاء من الجسد إلى الوجه"، و"حينما يصير الجسد وجها". أحد هذه النصوص يعود إلى عام 2001، وهو في الترتيب الثاني، وفيه ينسج الشاعر كلامه حول رواية شهيرة بطلتها تائبة أخرى، هي رابعة العدوية. تقول هذه الرواية إن شهيدة الحب الإلهي حملت النار بيد والماء بيد، وذلك لتحرق الجنة وتغرق جهنم فلا يبقى بينها وبين الله حاجز. يراها جورج خضر هنا "بعد أن أصيبت بدوار الله حاملة ماء لتطفئ الجحيم حتى لا يلقى فيها احد لأن الأشرار والأبرار يتنزل عليهم حب واحد". ويراها ثانية وهي "تصعد إلى الجنة لتقطع أشجارها لئلا يشتهي أحد الجنّات. هذه لا تريح. وجهه وحده يريح". مسك الختام الباب الأخير، ونصوصه أربعة يتكرر فيها صدى الحروب اللبنانية. أول هذه النصوص يعود إلى عام 1985، عنوانه "الإله الجديد"، وفيه: "كثر المسوخ في بلدي/ ما صورة بلدي؟ طلع الشياطين من النار على مسرح أرضي/ ليؤبلسوا أهل أرضي". تستكين الصورة في النص الرابع، وخاتمته: تعالوا من البحر إلى الجبل ومن الجبل إلى البحر يا أضواء بلدي/ يا آلهة شامخة كالأرز، مترنّحة كالنخيل/ تعالوا إلى سكرات المجد في يوم لبنان"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
الحوار المسيحي الإسلامي ليس خياراً موسمياً أو عابراً بل حاجة حيويةالعلمانية وإحباطاتها: السياسة والدين في العالم الحديث
ثقافة الضميرالطاوية والكونفوشية والبوذية .. لقاء المفترقات
الأديان والإنسان.. إشكالية وسائل الاتصالات الاجتماعية الحديثةمهمته "التبشير" بحوار الأديان و"التفكير النقدي".. سويدلر: نحتاج إلى إعلام الناس بالمشترك بينهم
النصرانيون الأفاضلالهوية الدينية في الأدب رحلة البحث عن الإشراق وتأويل العلامات
هــــــل مــــــار مــــــارون مــــــاروني؟العلمانيّة فسحةً للمسيحيّة والإسلام
الكنيسة المريمية من أقدم كنائس الشرقمعاً حول سيدتنا مريم ليست مجاملة إسلامية ولا اختصاصاً مسيحياً
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى