الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
روحيّات --> عظات محليّة

"لست أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ".. عظة القدّاس الأول

  بقلم: الأب فادي نجّار


انقر هنا للتكبير
 
عظة قدّاس الشكر الأول للأب فادي نجّار
في كنيسة القدّيسة تيريزيا بحلب بتاريخ: 19 – 9 – 2010
 
اضطر القدّيس بولس إلى توبيخ الغلاطيين توبيخًا شديدًا، وذلك لعدم أمانتهم على حقيقة العلاقة القائمة مع شخص يسوع المسيح المصلوب الذي بذل نفسه في سبيل البشر. فمنهم من راح يتحدّث عن الخلاص مبرزاً أهميّة أعمال الناموس فقط متمّماً ما تقتضيه الشريعة من فرائض؛ وآخرون راحوا يطلبون البرّ انطلاقًا من إيمانهم بالمسيح دون الاهتمام بالأعمال. في هذا السياق، يتحدّث بولس عن الحياة البشريّة الممزوجة بحياة الربّ يسوع المسيح ابن الله الذي أحبهم وجاد بنفسه من أجلهم ليحيا في قلوبهم. هو الذي بادر أولاً، ومزج ألوهيته في قلوبهم. لذلك يقول لهم: اعلموا بأنّنا "لسنا نحن نحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فينا".
لا يوجد كتابٌ دينيٌّ على وجه الأرض، أو مبدأ أكان أخلاقيًّا أم اجتماعيًّا، أو أفكار فلاسفة وعلماء كسقراط وأفلاطون، أو حتى مبادئ شخصيات دينيّة كبوذا.. إلاّ والأساس فيها هو التقيّد التام بتعاليم كلٍّ منها لبلوغ درجات كمال هدف كلِّ منها.. "اعرف نفسك" يقول سقراط.. "حقائق سامية" في البوذية.. شريعة ووصايا في بعض الأديان.. وحدها المسيحية استطاعت أن تبرز ذاتها من خلال "علاقة وثيقة مع إله تجسّد"، هو "الله معنا" (عمانوئيل)، يسوع (الله يخلّص). من خلال هذه العلاقة نبحث ونستلهم التعاليم والإرشادات التي بدورها تجعلنا على رباط وثيق مع هذا الإله المتجسّد الذي أخذ هيئة إنسان بشريّ مثلنا، وأقام معنا علاقة حبّ.
 
        "المسيح يحيا فيّ " يعني التحرّر من طاغية الأنا
      أن نقول: "المسيح يحيا فينا"، أي نؤمن بأنّ الشخص الذي مات وقام من أجلنا هو حيٌّ قبل كلّ شيء فينا، يتصل بنا ويهبنا أن نحيا من حياته. الشركة مع المسيح، في صلبه وموته وقيامته، تمنحنا أن نموت كأشخاص عن إنسانيتنا القديمة، فنتحرّر من طاغية الأنا التي تكمن فينا:
-      الأفكار المتحجّرة التي يصعب علينا الكثير من المرّات التخلّي عنها،
-      طاغية الأنا التي تجعل من إرادتنا ومشيئتنا الخاصة فوق إرادة ومشيئة الله.
-      الأنا التي تصمّ آذاننا عن سماع آهات المعذّبين ونداءات المحتاجين.
هذه جميعها تصدّ عقلنا البشري عن تقبّل السموّ الإلهيّ، وتدافع دفاعًا مفرطًا عن الذاتيّة التي تجعلنا عاجزين في كثير من الأحيان عن إقامة العلاقات السليمة مع أبناء الرعيّة.
لذلك الشركة مع المسيح في صلبه وموته تُستَتبَع بالحياة بقيامته، تلك التي تمنحنا التحرّر من عبوديّة الأنا، والالتزام من أجل ممارسة الحياة الرعويّة واستقبال طاعة الخدمة بشكر. هذه هي الحياة الحقّة التي يجب أن يعيشها كاهن اليوم.. أن يزهد بنفسه، ويلبس المسيح ويلقي ذاته جانبًا، وذلك لكي يسكن المسيح فيه بكونه البرّ والحكمة والتقديس والسلام (1 كو 30:1؛ أف 14:2). المسيح هو قوّة الله، الذي يعمل كل شيء فينا. 
نقرأ في إنجيل لوقا كيف أنّ يسوع بقوّة الروح القدس، الذي اقتاده ليدخل المجمع ويقوم ليقرأ في سفر النبيِّ أشعيا يُعلن مخطّطه الرسوليّ، وكانت عيون أهل المجمع كلّها شاخصة إليه: "روحُ الربِّ عليَّ لأنّه مسحني لأبشِّر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرِّج عن المظلومين" (لو 4 : 18). يسوع يعلن ذاته في بدء رسالته مملوءًا من الروح القدس ليبشّر الفقراء، إنّه المسيح "الكاهن والنبي والملك". وعلى الكاهن أن يظلَّ شاخصًا، بأعين الإيمان، إلى وجه المسيح هذا.
إنّ روح الربّ يُسقط طاغية الأنا جانبًا. لم تكن أفكار المسيح الشخصيّة هي المبادِرة لتصل به إلى خشبة الصليب، بل كانت مشيئة أبيه الذي في السموات هي التي تسيّر حياته. لا يمكننا أن نفصل في رسالة يسوع بين إنسانيته وألوهيته، كأن نقول: هنا، في هذا الموقف أو ذاك التصرف، كان يسوع إنسانًا؛ وهناك، في موقف أو تصرف آخر، كان إلهًا.. هذا قولٌ إنسانيّ، وذاك إلهيّ. فقد شاهدنا مجد الألوهيّة في التجلّي؛ ولاحظنا الإنسانيّة في الجوع والعطش والتعب والفرح والتأثر.. ولكننا حين ننظر إلى يسوع كشخص، علينا أن ندركه دائمًا على أنّه واحد لا يتجزأ. هنا يكمن سرّ كهنوتنا، العيش بقدرةٍ إلهيّة مستمدّة من ألوهيّة يسوع في قلب إنسانيّةٍ متألمة على مثال يسوع الإنسان المتألم والمتضامن.
رغم صعوبة العمل في تحقيق هذا الاتحاد، يأخذ سرّ الكهنوت على عاتقه هكذا نوع من الحياة. الكاهن كائنٌ بشريٌّ من لحم ودم، والرسالة إلى العبرانيين تؤكد بصراحة بشريّة خادم الله، فهو من الناس ولخدمة الناس على مثال يسوع المسيح الذي امتُحن في كلِّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة ( عب 4 : 15). إلا أنّنا يجب ألاّ ننسى أنّ هذا الكاهن ممسوح بنعمة إلهيّة، فالله هو الذي دعاه قبل كل شيء، وهو الذي مسحه ليكون خادمًا للناس. وبين الإنسانيّ والإلهيّ يعيش الكاهن اختياره الحرّ. المشكلة عند الكثير، وبعض كهنة اليوم متأثرون بذلك، تكمن في عدم التوفيق بين الإلهي والإنساني: فمنهم من صار عبدًا للمال، يطلبون أن يُخدَمون، يصمّون قلوبهم وآذانهم عن احتياجات الشعب؛ ومنهم من راح يحلّق في اللاهوت والليتورجيّات محصّلاً أعلى الشهادات غير أنّ صورة المسيح متوارية عن أنظاره. الكاهن كما يقول القدّيس بطرس، هو من يرعى قطيع الله الذي وُكِلَ إليه ليحرسه طوعًا لا كرهًا، كما يريد الله، لا رغبة في مكسب خسيس ( 1 بط 5 : 1- 4). رسالة الكاهن ليست منه بل من الله، والذي يدعوه ويرسله باق معه كل أيام حياته.
 
كاهن اليوم بين ثقافة الموت وكرامة الإنسان
      إنّ ثقافة الموت هذه تنبع من نظرةٍ إلى الحريّة مغرقةٍ في الأنانيّة، فيها تسيطر أنانيّة الأقوياء على الضعفاء الرازحين تحت نير أعباء الحياة المختلفة. ينسى إنسان اليوم أنّ الحرية التي يمتلكها هي هبة من الله، وهي في خدمة الإنسان ليبلغ إلى الكمال. فالمطالبة بحقّ الإجهاض وقتل الجنين والقتل الرحيم.. أعطى للحريّة البشريّة معنىً فاسدًا وجائرًا، معنى سلطة مطلقة على الآخرين وضدّ الآخرين. بالرّغم من كلِّ الادعاءات التي تنادي بكرامة الإنسان إلا أنّها مزيفة لأنّ المأساة التي يعيشها الإنسان المعاصر هي في غروب مستمر لمعنى الله عن حياته. وعندما يفقد الإنسان معنى الله يفقد في الوقت ذاته معنى الإنسان أيضًا. وعندما يغرّب معنى الله عنه يمسي معنى الإنسان أيضًا مهددًا ومشوّهاً. موت الله يستتبع بصورة شبه حتميّة موت الإنسان. إنّ الكنيسة ما زالت تعلّم أنّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله لينعم بحياة زاخرة وكاملة ( تك 2 : 7 ). وإنّ حياة الإنسان ليست ملكه أو ملك غيره من البشر وإنما هي ملك الذي خلقه أي الله. لذا فكل من يتعدّى على حياة الإنسان فكأنّه يتعدّى على الله نفسه ( إنجيل الحياة فقرة 4)
            في هذا السياق، يكمن دور الكاهن الذي يحيا فيه المسيح، إنّه يقدّم رؤية جديدة للإنسان ولعلاقته الخاصة بالله. إنّ مشروع الحياة الذي وكّله الله إلى الكاهن يندمج في كهنوت ورسالة المسيح. الكاهن يتبع المسيح ويعطي كمالاً للحياة. من خلاله تُرمَّم الصورة الإلهية للإنسان التي شوهتها "ثقافة الموت". وهذا هو قصد الله في الخلائق البشرية أن يصبحوا على مثال صورته. عندها فقط يستطيع الإنسان أن يعود إلى بناء الأخوّة المصدّعة، واسترداد هويّته. فدعوة المسيح لنا ككهنة هي إشراكنا في نشر الحياة الإلهيّة، وقوامها أن يكون الإنسان مولودًا من جديد من الله، وأن يشترك في كمال حبّه ( يو 1 : 12 ـ 13 ). إنّ حضارة الموت أفرغت الإنسانية من كرامتها، وعلى الكاهن أن يسعى جاهدًا، ممتلئًا من الروح القدس، ليستبدل حضارة الموت بثقافة الحب والحياة، فيعي دوره كراع في هذه الحياة، ويميّز وسط صخبها وضجيجها نداءات الروح القدس كي لا ينجرف مع تيارات العلمنة والمادية الخطرة، والسلطة الخادعة، فالخطر كل الخطر عيش الازدواجية في حياتنا ما بين تعاليم الكنيسة وما بين الواقع الحياتي.
 
الكاهن هو إنسان كرّس نفسه للحبّ
     الكاهن الذي يؤمن بأنّ المسيح يحيا في حياته، هو المكرّس الذي ينشر جوهر حياة المسيح "الكاهن الأعظم" الذي كرّس نفسه للحبّ. الكاهن يحب الله لأنه سيحيا من الآن فصاعدًا من ينبوع حبّه. هذا الينبوع هو حجر الزاوية في الدعوة الكهنوتية كما يقول الأب يوحنا جاموس في كتابه "إنسان كرّس نفسه للحب". ومحبة الكاهن لله تستتبع بمحبة خالصة لأبناء الرعيّة. إنّ جوهر كهنوتنا يكمن في الحبّ، والحبّ لا يتجلّى فقط في إبراز العواطف والأحاسيس أمام الآخر، بل في الانتقال من الموت إلى الحياة (1 يو 3 : 14)، وهذا العبور يكمن في التضامن مع المحتاج والفقير، والتضحية في سبيلهم كما فعل يسوع المسيح على خشبة الصليب. وهذا لا يتمّ إلا باختيار حرّ من طرف الكاهن ؛ فيسوع المسيح لم يجبره أحد على تقديم ذاته ذبيحة عنّا لخلاصنا، بل بملء إرادته أحب فجاء بذاته على الصليب.
     لم يُخلَق الإنسان لتدوسه الأحذية، ويهان في الطرقات، ويصير عبداً ورهينة للآخر، الإنسان خُلق ليُحِبّ وليُحَبّ. والكاهن هو إنسان يسعى بكلّ مكوّناته إلى أن يكون وفيّاً لهذه الدعوة التي دعي إليها. إنّه مدعو للتحرر من قيود التسلّط والانغلاق على الذّات، وحب التملّك وسيطرة الرأي على أبناء رعيته، فيتصالح مع ذاته، ومع الآخر، ومع الله، وتصبح حياته نشيد حبٍّ لا ينتهي أبدا بواسطة الرّوح الساكن فيه والصارخ فيه "أحبب وافعل ما تشاء" كما يقول القديس أوغسطينوس، إنّه مدعو لأن يعيش الحبّ وينشر رسالة الحب بين الناس. إنّ قوة الكاهن تكمن في الصليب الذي اختبر الحبّ، ورجاؤه يكمن في الإنجيل الذي يبشّر بالحبّ. وأخيراً، يكمن ثباته في قوّة القربان الذي هو الحبّ عينه.
      أخيرًا، نشعر جميعًا بالدعوة إلى العيش بعاطفةٍ وحبٍّ على مثال أمّنا مريم العذراء، معربين عن هذا الشعور بالاقتداء بها في فضائلها، هي التي من بين الكثيرات من النساء، لبّت الدعوة فقدّمت للبشريّة الكاهن الأعظم ربَّنا يسوع المسيح الذي بنوره نستنير إلى أبد الدهور.
 آمين
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
بطرس يخون وبيلاطس يحرّر.. يا للسخريةيسوع يصوم ويصلّي ويقهر إبليس
يوسف.. أنموذجُ العبور نحو الأبوّةقراءة في أيقونة القيامة ونص تلميذي عمّاوس لأبوين بمناسبة المناولة الأولى لابنهما
من الشيخوخة إلى الطفولة.. إنه عيد الميلادارفعوا الحجر.. رتبة تهيئة عيد الفصح
قراءة للميلاد بعيون التجلّيالراهبة.. تكريس من أجل الحبّ
خدمة الكلمةالأب الحنون
الفريسي والعشّارمخلّع كفر ناحوم
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى