الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
روحيّات --> قديسون

في البدء كان الكلمة

  بقلم: القديس باسيليوس (ترجمة: البطريرك الياس الرابع)


انقر هنا للتكبير
 
كل كلمة من كلمات الإنجيل هي أفصح بكثير من التعاليم التي أوحى بها الروح القدس إلى الأنبياء عبيده لينقلوها إلينا، لأن تعليم الإنجيل هو تعليم السيد شخصيًا، وهو الذي كلمنا بذاته. ويعتبر يوحنا الإنجيلي الجهير الصوت الملقب بابن الرعد أجَلَّ الإنجيليين جميعًا. فقد تكلَّم عن أمور تفوق كل سمع، وتسمو على كل إدراك. وقد قرأنا له في بدء إنجيله قوله: "في البدء كان الكلمة" (يوحنا 1: 1). عرفت كثيرين ممن هم خارج حقيقة تعليمنا، وممّن يفاخرون بالحكمة العالمية، أعجبوا بهذه الكلمات، ولم يتحرجوا من اقتباسها، لأن الشيطان سارق، وهو الذي يعمم تعاليمنا إلى دعاته. فإذا كانت الحكمة البشرية، حكمة اللحم والدم، قد أعجبت بهذه الكلمات، فماذا نقول نحن تلاميذ الروح القدس، ماذا نقول عن أنفسنا، إذا نحن سمعناها بغير اكتراث، ونظرنا إلى ما فيها من قوة كأنه شيء بسيط؟ ومن ترى ذلك المريض بعدم الإحساس حتى لا يندهش من جمال معانٍ في مثل هذا الجمال، ومن عمق العقائد، ولا يتمنى إدراكها إدراكًا حقيقيًا؟! ليس الإعجاب بالحسن هو الصعب، بل العسير هو الإدراك العميق لما أعجبنا به، لا بل الإدراك الواعي الصحيح هو الأمر العسير والبعيد المنال. ما من أحد إلا ويمتدح الشمس كثيرًا: عظمتها، وبهاءها، وتناسق أشعتها، والأنوار التي ترسلها وتوزعها، إلا انه إذا تجاسر أحدٌ أن يثبت نظره إلى قرص الشمس فلن يبصر شيئًا ممّا يشتهيه بل يخسر النظر الصحيح ويفسد عينيه، كذلك فان ذهن المرء يصاب بمثل هذا إذا حاول أن يدقق في فحص هذه الكلمات: "في البدء كان الكلمة" من يدرك كل الإدراك ما تعنيه كلمة "في البدء"؟ أين هي الكلمات التي تحوي من المعاني العميقة ما تحويه وما تعنيه كلمة "في البدء" وأن تعبر كما يليق عن هذه المعاني؟ لما عزم الإنجيلي أن يسلمنا التعليم عن لاهوت ابن الله لم يجد بدءًا ينسبه "للكلمة" غير بدء الكل. لقد عرف الروح القدس الذين يهينون مجد الابن الوحيد، ويعرف أيضًا المزمعين أن يدمروا نفوس السامعين في سفسطاتهم بزعمهم انه لم يكون قبل أن يولد، ومادام قد ولد فانه لم يكن قبلاً، وقد أخذ وجوده من غير الكائن. بمثل هذه تتشدق ألسنة شحذت شحذًا على حجر التخمينات كمدية ذات حدين. وإذن، ولكي يقطع المجال على هذه الأقوال، استدرك الروح القدس على لسان الإنجيلي فقال "في البدء كان الكلمة". إذا أنت حافظت على هذه القول، فلا خوف عليك من أولئك الذين يبتدعون الباطل. وإذا قال ذاك المبتدع: إذا كان قد ولد فلم يكن إذًا موجودًا، فقل أنت: في البدء كان. وقد يقول لك: كيف كان قبل أن يولد فلا تدع أنت فعل "كان" ولا تدع لفظة في البدء أي كان قبل كل بدء. لا يخدعنك أحد بالمعاني الكثيرة التي للكلمة، ولا تشوشْكَ المدلولات الكثيرة التي للكلمة. هناك الكثير من الأشياء التي لها بدايات في هذه الحياة، ولكن بداية البدايات كلها هي واحدة، وهي فوق كل البدايات وقبلها. قالت الأمثال "بداية الطريق الصالح" (أمثال 16: 7)، ولكن بداية هذه الطريق إنما هو التحرك الأول الذي نبدأ به مسيرنا الذي يمكن أن نجد استمراره. و "بدء الحكمة خوف الرب" (أمثا1: 7). ولهذه البداية شيء آخر يسبقها، لأن بداية اكتساب الفنون هي اتخاذ العناصر الأولى. فعنصر الحكمة إنما هو خوف الرب. ولكن هناك ما هو أهم من هذه البداية، أعني حالة النفس، نفس الإنسان الذي ليس حكيمًا، ولم يكتسب خوف الرب. وكذلك تسمّى بدايات: المراكز السياسية والسلطات العليا. هذه البدايات هي بدايات، الواحدة بالنسبة للأخرى، لأن بدء الخط هو النقطة، وبدء السطح هو الخط، وبدء الجسم هو السطح. والحروف هي بدء الكلمات المكتوبة.
وبدؤنا الذي نتكلم عنه ليس من هذه البدايات. انه بدء غير مرتبط بشيء، ولا يستعبد لأحد، ولا يُتصوَّر وجوده مع أحد. بل هو بدءٌ حرّ لا يسوده أحد، متحلل من كل علاقة مع أي بدء آخر، لا يبلغ إليه العقل، ولا تدركه المدارك، ولا تكشف حدوده. لأنك إذا حاولت بتصورك العقلي أن تسبق هذا البدء، ستجده قد سبقك وخلَّف تصوراتك وراءه. دَعْ عقلك يركض ركضًا، ودعه يتعالى جهده، فستجده قد ضل كثيرًا، وعاد إلى ذاته من فراغ تجواله، نتيجة عجزه عن جعل هذا البدء تحت إدراكه، ذلك لأن هذا البدء هو دائمًا خارج المدركات وفوقها. إذن "في البدء كان الكلمة". يا للعجب! كيف ترابطت الكلمتان متساويتين فعل "كان" يساوي بقوته "في البدء" أين مكان المجدف، أين اللسان المحارب للمسيح والقائل: كان زمان لم يكن الابن موجودًا. اصْغِ إلى ما يقوله الإنجيل: "في البدء كان الكلمة". فإذا كان الكلمة في البدء، ففي أي وقت لم يكن موجودًا؟ أترى أندب كفرهم أم أتقرف من جهلهم وهم يقولون: لم يكن قبل أن يولد؟ هل علمت متى ولد حتى تحدد الزمان؟ كلمة قبل تشير إلى الزمن، وترتب زمانًا بعد زمان حسب القدم. كيف يمكن أن نخضع ميلاد خالق الزمان إلى درجات زمنية؟ "ففي البدء كان" إذا أنت لم تبتعد عن قول كان، فانك لن تسمح بتسرب أي تجديف خبيث إلى نفسك. فكما أن الربابنة يهزأون بالعواصف عندما تثبت المرساة قاربهم، كذلك أنت إذا أبحرت إلى الميناء، واعتصمت بهذه الكلمات، ستسخر بالعاصفة الشريرة التي تثور أمامك بسبب الأرواح الشريرة التي تزعزع الإيمان.
يتساءل عقلنا مَنْ "كان في البدء" فيجيب في البدء كان الكلمة. أية كلمة؟ أهي من الكلام البشري أم الكلام الملائكي، وقد ألمح لنا الرسول بأن للملائكة لغة خاصة إذ قال "لو كنت أتكلم بالسنة الملائكة والبشر" (كو 13: 1) ولكن للكلمة معنًى مزدوجًا: كلمة تضيع في الهواء بعد التلفظ بها، وكلمة طبيعية داخلية موجودة في قلوبنا. هذه الكلمة معنوية أما الأخرى فلفظية تختلف عن المعنوية. انتبه لئلا يخدعك ترادف الكلمات. هل يمكن أن تكون كلمة الإنسان منذ البدء ما دام الإنسان قد أخذ بدءه هنا في الأرض؟ قبل الإنسان كانت الحيوانات المتوحشة والبهائم وكل الزحافات البرية مها والمائية، وطيور السماء والنجوم والشمس والقمر والنبات والبذور والأرض والبحر والسماء. لم تكن إذن حكمة الإنسان ولا كلمة الملائكة موجودة في البدء لأن الخليقة كلها هي أدنى من الأدهار لأنها أخذت بدء وجودها من الخالق. وأما الكلمة التي في القلب فهذه أيضًا أحدث من كل معقول من المعقولات. انتبه. من أجلك سُمي الابن الوحيد المتكلم معك كلمة، وهو الذي سيسمى نورًا وحياة وقيامة. وكما أنك عندما تسميه نورًا لا تعني النور الحسي الظاهر لعينيك، ولا تعني الحياة العادية التي تحياها العجماوات عندما تسمي الكلمة حياة، كذلك عندما تسمع لفظة الكلمة إياك أن تنحدر بسبب ضعف عقلك إلى أفكار وضيعة تافهة، بل تفحص معنى اللفظة. لماذا يسمى ابن الله كلمة؟ يسمى كلمة ليتبين أنه جاء من العقل. لماذا سمي كلمة؟ لأنه ولد بدون الم. ولماذا كلمة؟ لأنه صورة الذي ولده ولأنه يظهره كله في ذاته. وليس الكلمة قطعة من ولد، بل وجد كاملاً في ذاته. كما أن كلمتنا تمثل كل معنانا، ما نفكر به بقلوبنا وما نلفظه كلمةً يمثل معنى الموجود في ذاتنا. من فضلات القلب يتكلم اللسان. قلبنا هو نبع، والكلمة التي نلفظها هي الجدول المنساب من أعماق هذا النبع. الظاهر هو صورة للخفي. الإنجيلي يوحنا استعمل كلمة "الكلمة" لكي يصور الولادة من الآب بدون ألم، وليكلمك لاهوتيًا في الوجود الكامل للابن بالنسبة للآب، وليريك الارتباط غير الزمني بين الآب والابن. إن كلمتنا، وهي وليدة عقلنا، تولد منه بدون الم لأنها لا تُقطع من العقل قطعًا، ولا تتجزأ ولا تتبدّد. ومع بقاء العقل كليًًا في ذات كيانه يصدر الكلمة الكاملة كليًا. الكلمة التي اشتُقَّت تحوي في ذاتها كل قوة العقل الذي ولدها. يجب أن نستنتج من لفظة الكلمة كل ما هو تَقَويٌّ عبادي عن لاهوت الابن الوحيد. أما ما هو غير صحيح، وغير مناسب فلنتركه ونتخطاه. في البدء كان الكلمة. ولو أنه قال في البدء كان الابن لتسربت إلى فكرك، بسبب هذا التعبير، فكرة الألم. وبما انه في عرفنا أن ما يلد، يلد في زمن معيّن، ويلد بالألم لهذا استدرك الإنجيلي وقال "في البدء كان الكلمة" ليصحح الأفكار الغير اللائقة، ولكي يحفظ نفسك من غير سوء.
"والكلمة كان عند الله" (يو1: 1). وأيضًا يستعمل "كان" من أجل المرجفين القائلين انه لم يكن. فأين كان الكلمة؟ لم يكن في مكان لأن الذي لا يوصف لا يحتويه مكان. إذن أين كان؟ كان عند الله. فلا الآب يحتويه مكان، ولا الابن يُحتَوى في مكان معروف وموصوف. الآب غير محدود والابن غير محدود. كل ما تدركه وما تسعى إليه بروحك تجده مليئًا بالله. وفي كل مكان تجد امتداد الابن مع الاب "والكلمة كان عند الله" فأعجب بدقة كل كلمة. لم يقل كل كلمة. لم يقل أن الكلمة كان في الله، بل كان عند الله ليصور امتياز الجوهر.
لم يقل كان في الله لكي لا يعطي حجة في خلط الأقنومين وتشويشهما. رديٌ هو تجديف الخالطين بين الأقانيم والقائلين: إن الآب والابن والروح القدس هم واحد بأسماء مختلفة! انه تجديف قبيح ويمكن التحرر منه. وأشد منه وأدهى، كفر القائلين بأن الابن بجوهره لا يشبه الله. "والكلمة كان عند الله" وباستعماله لفظة الكلمة لإظهار عدم الألم في الولادة، أسرع فأبطل ما يضر بنا من جهة استعمال الكلمة. وبعد أن ينتزع الكلمة (إذا جاز القول) من تجديف المجدفين يقول: من هو الكلمة: "والهًا كان الكلمة" وبعد أن تسمع هذا لا تختلق للكلمات معاني مختلفة لئلا تربط التجديف بالتعليم عن الروح القدس بسبب نواياك وتفكيرك الرديء. أيمكنك أن تقرر من عندك؟ قرر وإلا فاخضع لما يقوله الرب: "إلهًا كان الكلمة". وهكذا يوجز أيضًا الإنجيلي بكلمات قليلة كل اللاهوت الذي سلمنا إياه الابن الوحيد. فمن هو هذا؟ هذا هو الكلمة. هذا هو الله. أي أنه بعد أن صاغ لك عن الابن الفكرة الجوهرية، كأنه يطبع في نفسك، بواسطة التعليم كل مجهول، ويسكن المسيح الكلمة في قلبك، يقول لك: "هذا هو" جوابًا على سؤالك من هذا؟ لا يخدعنك اسم الإشارة هذا ولا تحاول أن تجد في المخارج ما تعنيه هذا الكلمة "هذا" بل ادخل إلى مخدع نفسك، واعرف أن الكائن منذ الأزل الساكن في أعماقك بالتعليم ككلمة، هو الذي كان الآب في البدء، وهو الذي تمجده هذه الكلمات القليلة، يجب أن تحافظوا عليها، وتطبعوها كختم في ذاكرتكم. هذه ستكون لكم حصنًا لا ينصدع ضد هجمات المهاجمين. وإذا جاءك من يقول لك: انه ولد لأنه غير موجود، ولو كان موجودًا، فكيف ولد؟ فادفع هذا التجديف عن مجد الابن الوحيد كما تدفع قولاً شيطانيًا، وأعد كلمات الإنجيل "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والهًا كان الكلمة، وأعد رابع مرة "كان" وانك لملغٍ قولهم "لم يكن"، وستبقي أسس الإيمان غير متزعزعة، وعلى هذا الأساس سنبني بإذن الله باقي مقالنا. لأنه ليس من الممكن أن نلم بالموضوع مرة واحدة، لكي لا نعطل بزيادة الكلام ما جمعتموه بجهد. لان الفكر إذا تعب لا يستطيع أن يجمع بسرعة كل الأمور معًا، ويصيبه ما يصيب المعدة التي تعجز، بسبب التخمة، عن هضم ما أكلته. فأتمنى لكم أن تستلذوا بالطعم، وأن تستفيدوا وتنتفعوا بالهضم، وأنا متهيىء لسد حاجاتكم فيما يبقى، يسوع المسيح ربنا الذي له المجد إلى دهر الداهرين آمين.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
السِّيرَةُ النَّارِيّةُ للعَظِيمِ أنبَا أنْطُونْيوُسإعلان القداسة له شروط وتحقيق يحسم السيرة والفضائل
الإنجيل: كتاب الرحمة الإلهية.. بحسب القديسة تريز الطفل يسوعالقديس أثناسيوس الرسولي.. رسالة كونيّة
سيرة القديس إليان الحمصي وقصّة ديره في حمصأنطونيوس قدّيس الصحراء
القديس أمبروسيوسالقدّيس الشهيد يعقوب الفارسي المقطَّع (القرن الخامس)
القديس يوحنا الدمشقيالقديســة بربــارة
القدّيسون الرسُل فيليمون وأبفيّة وأرخبُس وأونيسيموس (القرن الأوّل الميلادي)تذكار القدّيس فيليبُس الرسول (القرن الأوّل الميلادي)
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى