الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> كتب

قراءات في فكر علي حرب وفلسفته: هدم المتعاليات وخلخلة الأسس

  بقلم: احمد زين الدين


انقر هنا للتكبير
 
خلع الفلاسفة الحداثيون عن الفلسفة رداءها الأرستقراطي الإستعلائي، وأنزلوها من برجها العاجي وملكوتها العقلي، ليدفعوها إلى مسارات الحياة المعقّدة، والمضطرمة والمتوتّرة والمتحوّلة. واقتحموا هوامش التاريخ ومناطق الفكر المعتمة والمرذولة لاستنطاقها ومساءلتها.
لم تعد الفلسفة تُختزل بالماهيات والمفاهيم المجردة، والثوابت والبداهات والمطلقات، بل باتت منفتحةً على الوجود، بما هو إمكانات واحتمالات وتأويلات، وعلى فضاء الجسد وتجلّياته ومكبوتاته ونزواته، وعلى الرغبة وسيلانها وانتشارها. وفرضت عملية التحوّل هذه في الميدان الفلسفي آليات تأويلية وأدوات تفكيكية، واستدعت كشوفات وسياقات عدة للإحاطة بالنصوص قديمها وحديثها، واجترحت استراتيجيات في القراءة تتيح إقامة علاقات جديدة مع الأشياء والأفكار والكلمات. وتمثّل نشاطاً لغوياً فكرياً، يعيد تشكيل معنى الحقيقة كطاقة، أو إمكانية تتجاوز المطابقة مع الواقع والأصول المؤسسة، والبدايات الراسخة لتتحوّل إلى عملية واعية متوسّعة ومنفتحة ومتجددة.
وكثمرة من ثمار الفكر الغربي الحداثي، طبّق الغربيون هذه الاستراتيجيات على موروثاتهم الدينية وغير الدينية، كما على متونهم الفلسفية والأدبية والفنية. بيد أنّ مفكرين عرباً معاصرين، مثل نصر حامد أبو زيد، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وعلي حرب، وحسن حنفي، وجورج طرابيشي، أعادوا استثمار هذه الأشكال المختلفة من المقاربات المنهجية، والمفاهيم المستولَدة، في كتاباتهم واطروحاتهم. كلّ على طريقته، ووفق رؤيته وتصوره ومرجعيته. وجلّ هؤلاء من أصحاب المشاريع النقدية الذين رموا باحتكامهم إلى هذه المنظورات أو الآليات المنهجية، إلى وضع النص الفلسفي العربي والإسلامي تحت مجهر الحداثة، كنصٍ معاصر حي وحاضرٍ في زماننا هذا، وكمقوّم من المقوّمات الفاعلة في الذات العربية الحضارية.
وعلي حرب من أولئك الذين أسهموا برفع مداميك العمارة الفلسفية العربية الحديثة، وتميّز بإشكاليته التي تتناول قراءة النص الفلسفي، بوصفه خطاباً لغوياً. وبنقده للعبة المعنى، وأوهام الحقيقة، ومأزق الهوّية، وغيرها من موضوعات انتظمت في مسيرته الفكرية التي تُوجَّت بكتابٍ أكاديمي جماعي، هو «قراءات في فكر وفلسفة علي حرب» (منشورات الإختلاف ـ ناشرون) تطرّق فيه الباحثون، وهم جميعاً من جامعات جزائرية، إلى بعض مرتكزات فكره، وإلى طريقة بناء مقولاته ومفاهيمه. وبالجملة ناقشوا مشروع علي حرب بما له وما عليه، من زوايا متعددة ومختلفة، بإشراف محمد شوقي الزين، من جامعة بروفونس في فرنسا، وهو من بين الذين يتابعون حرب عن كثب. وكنت أود لو أنه تدارك ما وقع فيه بعض زملائه، من أخطاء وهفوات لغوية فادحة أحياناً، لا تليق بهم. ومع ذلك لا تقدح هذه الثغرات في جدية مقارباتهم، أوعمق أبحاثهم.
 
خواطر أدبية
تبدو الباحثة نورة بوحناش في مقاربتها حريصة على سد الذرائع والأبواب في وجه رياح الحداثة العاتية، وتقف ازاء مشروع علي حرب وأقرانه من فلاسفة العرب المحدثين موقف ارتياب من مرجعياتهم الغربية. من هذا الاستجلاب لفكر الآخر. ومن جدوى البحث عن الحقيقة داخل زمن آخر مختلف، وفضاء حضارة أخرى مختلفة تمتلك بداياتها التأسيسية ومساراتها التاريخية، ووصلت إلى مرحلة التفكيك، واعادة النظر في هذه البدايات. في حين يمارس المفكرون العرب تفكيك نصوصهم وهدمها، بينما هم في حاجة إلى البناء والتأسيس. وترى نورة بوحناش في هذا المقام، أن التيار الحداثي العربي نموذج من نماذج الاحتذاء والتفنن في التقليد. وتسأل إن كان المثقف العربي سيتخلى يوماً عن هذا المسار الحداثوي، إذا ما تحوّل الغرب عنه، وسلك سبيلاً آخر، كما تخلّى سابقاً عن المنهج الماركسي. وإذ تنتقد اكتفاء علي حرب بالحدّ السلبي، أي التفكيك والشك والهدم. فإنها تضع كتاباته في خانة الخواطر الأدبية.
ومع ان حمادي هواري يقرّظ استراتيجية القراءة عند علي حرب التي ترفض التطابق مع الأصول. وتعتبر القراءة إمكانية تأويلية منتجة للإختلاف والتباين، ولا تنفصل عن أحوال الذات القارئة وهمومها، اوعن مخاتلة المعاني المختبئة خلف السطور، أو المسكوت عنه، أو الممنوع والمتخفي، إلا أن حمادي هواري يباغتنا، حين يضع حداً لصلاحية هذا النوع من القراءة، أوعلى الأصح، يضع خطاً أحمر، يحظر بموجبه على المفكر علي حرب تجاوزه، وهو النص القرآني الذي لا يمكن إزاحة القداسة والتعالي عنه لحساب حقيقة نسبية يدّعيها حرب. فللقرآن في نظر هواري حقائقه المطلقة خارج الزمان والمكان، وله مؤلّف هو الله. وهو دون ريب يختلف عن المؤلف الانساني. فلا يحجب مثله الحقائق، ولا يمارس التضليل والمواربة والمخادعة، لأن مثل هذا المكر من خصال البشر وطبائعهم. ويضرب مثلاً على ذلك، هو الإعجاز العلمي الذي بيّن حقائق مشتركة بين العلم والقرآن، وقد حُجبت عن الناس إلى حين، وليس إلى الأبد. ويخلص إلى رؤية ينسخ فيها دلباني مقدماته هو بالذات، ويقلب علاقة النص بمنهج القراءة، على خلاف ما يذهب إليه حرب، فيرى أن طبيعة النص هي من يحدّد طبيعة المنهج، وليس العكس.
 
هدم المتعاليات
ويتوافق أحمد دلباني والعديد من زملائه، على أن مشروع المفكر اللبناني مغامرة فكرية ترسي علاقات جديدة مع العالم. ويفترض صحة ما يطرحه حرب من ضرورة هدم المتعاليات، وخلخلة الأسس التي تقوم عليها المرجعيات الإيديولوجية والعقائدية المركزية التي تتحكّم في عملية إنتاج المعنى، واحتكار الحقيقة النهائية المسبقة والجاهزة، المتعالية. وعلى خلاف زميلته بوحناش، يعدّ دلباني مشروع حرب الحداثي مساراً طبيعياً وحتمياً لنشاط الفكر البشري وعالميته، ولا يتناقض مع الأصول العربية الإسلامية. ولا يتحرّج في أن يكون حرب وسواه من المثقفين والمفكرين العرب تلامذةً لنيتشه وفوكو ودولوز، وأن نتواطأ مع فلسفة الحداثة التي ترى إلى العلاقة بالحقيقة فناً، قبل أن تكون مبدأ ومقولة ثابتة، فناً مبتكراً لانهائياً يبحث عن «المعنى في سديم الغبار التاريخي» بحسب عبارته. ومثل هذا المشروع الحداثي يُخرج العربي من سُباته الإيديولوجي، ومن استلابه الفكري، وانعزاله داخل أسوار العقائديات. ويدعو إلى اضطلاع المثقف العربي بمهمة تعرية وجوه التقديس والتنزيه وأسطرة الأفعال البشرية. ويموضع دلباني بروز فكر علي حرب النقدي، في لحظة تاريخية سانحة، زامنت تصدّع العقائد الشمولية، وانتكاس مشاريع الوحدة العربية والاشتراكية والتقدّم، وانفجار الأصوليات الجديدة. وكان بديهياً أن يقوم مثقف، مثل علي حرب بمراجعة شاملة لعلاقة الفكر بالواقع، وضرورة تبديل الأدوات النقدية السابقة، والتحرر من منظور العالم السائد عهدذاك.
 
مقارنات
وفي الكتاب نسج البعض عُرى وثيقة، بين حرب ومفكرين أجانب، وأقام آخرون موازنات ومقارنات. فعقد عبد الرزاق بلعقروز مقارنة معرفية ومنهجية بين علي حرب وفريدريك نيتشة، كاشفاً عن فضاءات التشارك والحوار بين الإثنين. ومن المفارقات أن علي حرب من أشد الناقدين للفيلسوف الألماني، لا سيما دعوته الشهيرة إلى الإنسان «السوبرمان» . ومع ذلك يجد بلعقروز أنّ في نص علي حرب استثماراً لمقولات نيتشه وإشكاليته الفكرية، أعاد تخريجها ومقاربتها والتعاطي معها، بما يتلاءم مع تصوره لمقولة نقد الحقيقة بمعناها الكلياني الشمولي، وحسبانها إشكالية تتعلق بوجودنا، على نحو تكون فيه الحقيقة ممارسة تنتجها الخطابات والروايات والتأويلات. ولأن المنطق الفلسفي التحويلي الذي يمارسه حرب لا يقبض على الحقيقة النهائية، ولا يعمل إلا على تفكيك الأصول والماهيات، والإضاءة على الأزمات والعوائق، فإنّ القارئ لا محالة، سيجد في نص حرب مركبات من مصادر نيتشوية، كما من عناصر وجودية هيدغرية، وحفريات فوكوية، وتفكيكات دريدية. بيد أن ثمّة فارقاً لا يمكن ردمه بين إنسان نيتشة، الأعلى، الأقوى، المصطفى، المتألّه. وإنسان حرب الأدنى المحاور، الخلاق، المتحوّل، الزائل.
ومن جهته، يعقد نابي بو علي مقارنة بين علي حرب ونعوم تشومسكي. ولحرب رأي نقدي في نحوه التوليدي، لأن تشومسكي يولي المبادئ والمفاهيم والأنظمة أهميةً، ويجعلها حكماً على الواقع، وينظر إلى اللغة كطبيعةٍ إنسانيةٍ فطريةٍ مكتملةٍ وثابتةٍ ومحدودةٍ مسبقاً. كما يأخذ بما هو نموذجي، ويُهمل ما هو غريب وشاذ وخاص. ويلفت نابي بو علي إلى التماثل بين أطروحة حرب وأطروحة جيفري سامسون حول تشومسكي. ثم يستفيض في استعراض آراء تشومسكي السياسية، ولا سيما موقفه من السياسة الأميركية، دون أن تكون لهذا الأمر علاقة منهجية متينة، بما قدّمه عن رأي تشومسكي اللغوي.
ويشير محمد جديدي في بحثه إلى التناظر بين فكر علي حرب وفكر الفيسلوف المعاصر ريتشارد رورتي. وجديدي مطّلع جيد على رورتي، وله كتابان عنه باللــغة العربية، وكنت أحبّذ، بدلا مــن هذه المقــارنة السريعة بين الاثنين، لو تبحّر اكثر، وتبسّط في شرح العناصر المتماثلة بين المفكِّرين، وأضاء على المساحات المشــتركة عند كليهما.
وعموماً، تعبّر هذه المقالات والدراسات على اختلاف منحاها وجودتها وموقفها من حرب، عن تقديرٍ لهذا المفكر اللبناني الدائب على إغناء هذا الحقل الفلسفي الذي يتردد الكثيرون في ولوجه، لما يتطلب من عمق ومجالدة وطول أناة.
 
نقلاً عن "السفير"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
صدور أوّل كتابٍ عربيٍّ عن لاهوت البيئة وروحانيّة الطبيعةكامو الرجل الذي كان دائماً على حق
جوزيف معلوف: لاهوت الحوار مع الحداثة"العلاقات المسيحيّة المسيحيّة في سوريّة عبر التاريخ".. دراسات مسكونيّة.. كتاب جديد للأب ديك
«العقل والتجربة في الفلسفة العربية» لعلي زيعور.. إبن رشد في تحليل نفسانيعرض كتاب "اختلال العالم" لأمين معلوف
الحلاج.. رحلة البحث عن المعنى.. «الديوان» و«الطواسين»... حسب شوقي عبد الأمير وفيليب دولاربر«بحر الحقائق» في تصوّف ابن عربي
«تأويل الثقافات»كتاب "الثقافة العربية في عصر العولمة" لتركي الحمد
معجم للمؤلفين العرب المسيحيين وآثارهم..«وجوه غابت» كتاب المطران جورج خضر: هو القلب.. قلبك الذي يرى
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى