الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> تربويّة ونفسيّة

التلفزيون رئيساً

  بقلم: رامي الأمين


انقر هنا للتكبير
 
ما الذي يمكن أن يفعله التلفزيون؟ نجيب، بلا تردد، وبثقة كاملة: كل شيء. نعم، يقدر التلفزيون على فعل أي شيء وكل شيء. التلفزيون قد يكون الكمال، والدليل على أن هذا الكمال ليس حسناً في المطلق، ولا سيئاً في المطلق. الكمال ناقص دائماً. فالتلفزيون منذ بدأ يتسلل إلى البيوت، صار في عالمنا اليوم داخل كلّ بيت، وشيئاً (ليس تماماً) يتفق عليه السواد الأعظم من البشر، على عكس الأفكار والآلات الأخرى والمعتقدات والأديان التي لا توحّد البشر بقدر ما تقسّمهم وتشظّيهم.
التلفزيون آلة تستطيع اختراق كل الثقافات بلا استثناء، وهي مصدر لا محدود للمعلومات والصور والأخبار والحوادث، لا بل يتعدى دوره إصدار هذه المعلومات والصور والأخبار والحوادث، إلى المشاركة والتأثير في إنتاجها وصناعتها. فالحروب تبدأ من الشاشات، والسياسة تُصنع في كواليس البرامج التلفزيونية، والإقتصاد يسوَّق له بواسطة التلفزيون، والمجتمع يعاد تشكّله بواسطته أيضاً، والتعليم والطب والفلسفة، وكل شيء. الله نفسه يطلّ من التلفزيون وينطق من خلاله.
التلفزيون ليس شيئاً، مع أنه جماد، وليس بشراً مع أنه ناطق وحسّاس(!؟). هذا يحيلنا على فيلم رائع من إنتاج العام 1999، تحت عنوان the bicentennial man، عن رجل آلي، أو روبوت، يتحول مع الوقت والتطور إلى بشريّ خالد، وهو يروي قصة روبوت اسمه أندرو، يحاول فهم معنى الحياة بعد تطوره البيولوجي من آلة إلى إنسان، يأكل ويشرب وينام ويشعر ويحب ويتقيأ ويتبرّز ويضاجع ويقرأ ويكتب، لكنه لا يموت... ويحاول إقناع إنسانة بأنها يحبّها، وهي حفيدة العائلة التي كانت تمتلكه، بعدما عايش ثلاثة أجيال من العائلة. التلفزيون يأخذ منحى مماثلاً، على الأقلّ من وجهة نظر خاضعة للخيال العلمي. فما الذي ينقص هذه الآلة، التي تعلّمنا كل شيء، وتشاركنا كل شيء، لتصير منا؟ أي لتصير إنساناً؟
السؤال خطير وصعب لا شك، وخصوصاً إذا انتبهنا جيداً إلى ما يمكن التلفزيون أن يفعله في حياتنا، على الأقلّ كلبنانيين. محلياً، وعلى صعيد لبناني بحت، يمكن المرء أن يعثر على نماذج تثبت النظرية القائلة بأن التلفزيون هو الذي يحكم لبنان، لا الفراغ. فالمحطات الأرضية والفضائية تتحكم بتفاصيل العيش في البلاد، من السياسة إلى الفن، الحب، العلاقات، الطب، الطب البديل، الجمال، التكنولوجيا، المجتمع، الإقتصاد، الرقص، الغناء، الرسم، الشعوذة، والكره. مجدداً وتكراراً: يتحكم التلفزيون بكل شيء.
أيّ إنسان، والحال هذه، يمكن أن يصيره التلفزيون؟ بمعنى آخر، هل يكون هذا الإنسان خيّراً أم شريراً، مفيداً أم مضراً، مهذباً أم وقحاً؟ قاتلاً أم مسالماً؟ شرطياً أم مدنياً؟ معارضاً أم موالياً؟ مع 14 آذار أم مع 8 آذار؟ كثيرة هي الأسئلة، لكن الإجابة قد تكون واضحة، إذا نظرنا إلى تأثير "مشروع الإنسان" هذا في الإنسان اللبناني عامة. ببساطة يمكن أن نكتشف، بعد الإنتباه إلى التأثيرات التي يمارسها التلفزيون علينا ..، أنها غاية في الخطورة، ولا تأخذ غالباً إلا الجانب السلبيّ من منطق الحياة الذي يحتمل السلبيات والإيجابيات على حدّ سواء.
جولة سريعة بالريموت كونترول على البرامج التلفزيونية التي تتلقاها الصحون اللاقطة وتنقلها إلى الشاشات ومنها إلى العيون والعقول، يمكن أن تبيّن مدى الخطر الذي يحمله هواء البث التلفزيوني على "الإنسان" وفكرة وجوده أولاً، وعلى لبنان واللبناني ثانياً. اللبناني إن لم يكن إنساناً فهو لن يكون، أي لن ينوجد. يبقى بشرياً، بلا هوية ولا قيد ولا حرية ولا ثقافة وبلا حب وإنتماء إلى الكون مطلقاً. التلفزيون يساهم بشكل كبير في "تحقير" قيمة الإنسان الفرد، وفي تعظيم قيم الشمولية ومعايير الأحكام العامة، وفي إرساء معايير جديدة غير خاضعة للمنطق في تمييز الجيد من السيىء، والمفيد من المضرّ. فبرامج الواقع التي تبث على مدار الساعة تستبيح الحياة الخاصة للبشر، وتجعل مجموعة صغيرة من الشباب قدوة لملايين الشباب الذي يتسمرون أمام الشاشات لمشاهدتهم.
هكذا يصنع التلفزيون النجوم، ويطلقهم إلى داخل المنازل، ليصير في كل منزل نجم أو نجمة، تقلّد نجمها المفضّل في التلفزيون، فيصير المجتمع كله نجوماً ونجمات. من هنا يظهر التشابه في المنظر الخارجي لمعظم اللبنانيين. فتسريحات الشعر لدى النساء واحدة، والأنوف المجمّلة واحدة، والملامح ذاتها تجدها في كلّ الوجوه، الماكياج ذاته تستخدمه النساء، والرجال يلبسون الموضة نفسها من الثياب، يطيلون لحاهم عندما تتطلّب الموضة ذلك، ويحلقونها عند اللزوم، وهذا كله يحدده الفنانون والفنانات، مقدمات البرامج ومقدّموها، الساسة، وكل من يطلّ على الشاشة الصغيرة.
هذا ويهزم التلفزيون في الحروب التي يخوضها مع كل المجتمع ومكوناته، يهزم الثقافة والفكر والفلسفة والنقد والأدب أولاً، وأساساً، ويهزم تالياً رموز هذه المجالات لصالح انتصار النجوم، وهذا ما يشير إليه الناقد السعودي عبدالله الغذامي في كتابه "الثقافة التلفزيونية" الصادر لدى "المركز الثقافي العربي"، حين يقول إن الثقافة "لم تعد تقدم رموزا فريدة لا في السياسة ولا في الاجتماع ولا في الفن والفكر". وكان أن تلاشت الرمزية "أهم معالم زمن الثقافة الكتابية" في زمن الصورة "لتحل محلها النجومية".
الشيء نفسه يحدث مع السياسة والحرب. التلفزيون يصنع السياسة ونجومها ويبعثها ويبعثهم مباشرة إلى عقول المواطنين في منازلهم.
التلفزيون هو الذي يقود الحروب، ويخطط لها، ويهيئ أرضها وساحتها، وهو الذي يطلق الرصاص والقذائف والصواريخ، وهو الذي يتلقاها أيضاً.
من هنا ينفي التلفزيون رمزية الحروب، ويجعل صنّاع الحروب نجوماً على غرار المغنيات والمغنين. صلافة التلفزيون تكمن في قدرته على متابعة حياته العادية في الحروب، إذ إنه مع الدماء والقتل والدمار، يبث الأغنيات والفيديو كليبات، وعري الفنانات والفنانين، العري العاري من كل رمز أو رسالة سوى التفلّت الأخلاقي. وليس العري الذي يعيد الإنسان إلى أصله الأول، إلى قيمته الحقة وعلاقته "الإنسانية" بجسده وجسد شريكه من الجنس الآخر. ..
ولا يذهب التلفزيون بكاميراته إلا قليلاً إلى داخل البيوت، ليرى تأثيره على الداخل، ومدى الإصابات البالغة التي يحصدها هناك، من حالات نفسية ومن انقسامات حادة بين الأخ والأخيه، والأب وابنه، والأم وابنتها.
لهذا لا يخضع التلفزيون للنقد التلفزيوني، ما يؤدي إلى تضخّم الخطأ وغلبته على الصواب، والخطأ لا يراه المتلقي إلا وهماً وسراباً. التلفزيون يمثّل الوهم في المعنى هذا، على ما يشير الكاتب الفرنسي كريستوف لامور في كتابه "فلسفة مبسطة للتلفزيون"، ولا يتردد في أن يعمل على نشر الأوهام باعتبار أنها حقائق معيشة، لهذا يميّز لامور بين "المعرفة" و"الاعتقاد". فحكمة الأمم تقول "إننا نعرف أن الموت لا مفرّ منه ولكننا من الصعب أن نعتقد بذلك". هذا المنطق نفسه يمكن أن نطبّقه على الدعايات التجارية والإعلانية وعلى برامج "التوك شو" وبرامج الواقع. ذلك أننا نعرف أن وعودها بالحلول السحرية للأزمات وبمباهج الحياة وبالسعادة، وهم. ما يخرج به لامور هو أن الاعتقاد لدى الإنسان أقوى من المعرفة.
ويرى أن التلفزيون يتماشى بامتياز مع الجملة التي قالها ذات يوم الفيلسوف الفرنسي الشهير باسكال وجاء فيها: "إن البشر لا يملكون ما ينجّيهم من الموت وما يبعدهم عن الشقاء... ولهذا فإن أفضل ما يرونه هو صرف أنظارهم عن هذا الشرط الإنساني الذي يتحكم بهم". هذا القول لباسكال، إذا ما اسقطناه على الحالة اللبنانية اليوم، نجد أنه يصيب في الصميم، فاللبنانيون يعرفون أنهم لا يملكون ما ينجّيهم من الأزمة السياسية التي تعصف بهم، وما يبعدهم عن التوتّر الخطابي والسياسي والأمني في البلاد، لهذا يصرفون أنظارهم عن هذه الحقيقة، لينظروا إلى التلفزيون، حيث الحرب خبر عاجل أسفل الشاشات، والموت خبر عاجل، وحيث الطبخ مباشرة على الهواء، وحيث كل شيء يمكن علاجه بالأعشاب!
من هنا، هل يستحق التلفزيون، مثل أندرو في فيلمthe bicentennial man، أن يصير إنساناً؟ وتالياً، وبناء عليه، هل يستطيع التلفزيون أن يترشح إلى منصب رئاسة ما؟..
 
نقلاً (بتصرّف) عن "النهار"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ما تود أن تعرفه عن العلاج المعرفي السلوكيالحوار لعبور المراهقة المضطربة إلى الحياة المستقرة
تركيب‏ ‏الشخصية‏ ‏الطاقة كقضية مجتمعية ... أكثر منها تقنية
اضطرابات الشخصية (أمراض الخيال)نعم لنا أجنحة...
المدرسة والتعليم... في عصر العالم الرقمي السائل والآني«تاريخ التحليل النفسي في فرنسا»: تاريخ حقبة شكسبيرية مدهشة
التحليل النفسي لظاهرة العنفاليوغا والتأمل.. تجارب لشباب يتّجهون نحو دروب روحيّة بديلة
مفهوم الهوية من منظور النظرية النفسية التحليليةالهوية والانتماء كما يتجليان في السلوك
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى