الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مواهب وأقلام --> قصة قصيرة

المتسوّل عاشقاً

  بقلم: رشا قرقناوي

 
 
 
لم يكن يجهل أصول اللعبة،
ولكنه كان يخشى الانطلاق والمضي إلى الأمام..
فهذه المهنة لم تكن سهلة كما أخبره والده الذي أصبح ضليعاً بها، بل ومغرماً أيضاً...
لم يتجاوز السابعة عشر من عمره،
ولكنه تتلمذ بين يديّ أكبر المتسولين في منطقته، ألا وهو والده!..
ولأن الوالد قد تعب من عمله، وهو في طور التقاعد،
وكان كمن يدلي بدلوه، أخبره بحزن واضح:
"لا تظن الأمر سهلاً كما يراه البعض،
فالتسول مهنة كسائر المهن،
كما أن الكثيرين دخلوا وخرجوا منها بعد فترة قصيرة لأنهم لم يحبوها أولاً،
ولم يتعاملوا معها باحترام،
وكما أنهم لم يتحملوا أعباءها،
ولم يمنحوها صبرهم وتفانيهم..
وكما تعلم: العمل بحاجة لأن تخلص له"..
وكما يقول المثل الشعبي: "فرخ البط عوام"،
نجح الابن في إتقانه هذه المهنة،
بل تفوق على والده..
 
مكث أسبوعاً كاملاً في منزله يفكر بطريقة تخلصه من المهانة والإذلال التي يتعرض لها يومياً،
خصوصاً عندما يتعرض للشتائم التي تحرّك الكثير من حنقه على العالم،
ولكنه لا يتمكن من إظهاره بل يكتفي بكظمه داخله..
وكم أمضى الليالي وهو يبكي من شدة حنقه ورغبته بكتابة خطاب يوجهه إلى العالم كلّه يخبرهم فيه أن المتسول إنسان مثلهم،
يشعر ويحس بالمهانة..
ولكن القدر قد اختار له هذه المهنة التي بدأ يحبها من كلّ قلبه..
 
تذكر ذات الليل صديقه الذي أحبّه من كلّ قلبه عندما تعرض لضربة شمس أودت بحياته نتيجة تجواله من الصباح وحتى وقت متأخر...
"ولكنه يا والدي صغير ألم تخبرني بأن العجوز هو الذي يموت؟!...
ولكنه كان مريضاً...
ألم يمت من التعب والكد؟"...
أجابه والده بكل برود: "الموت حقّ علينا!"...
قرأ له الفاتحة وتمنّى له أن يكون في الجنّة كما أخبرته والدته....
عرف حينها أن العمل صعب مهما كانت طبيعته،
وأن الإنسان لن يحصل على لقمة العيش بسهولة..
 
اعتزم أن يطوّر عمله لأن الوقت قد حان ليعيل أسرته التي تنتهي إذا خرج يوماً ولم يعد بمردود واضح..
غيّر خطته بأكملها..
فلم يكن يقترب من الرجال كثيراً، خصوصاً أصحاب السيارات الفارهة، لأنهم في مزاج معتكّر دائماً، وقلما تجد أحدّهم سخياً.. وإن جاد عليك، نظر إليك باشمئزاز بعد أن يرمي لك قطعة نقدية من فئة الخمس أو العشرة ليرات..
ركّز على الفتيات لأنهن مرهفات الحس
ويشعرن نحوك بالألم
ومن النادر أن تكسفك امرأة، خصوصاً إذا أظهرت مهارتك بالدعاء لهن:
"الله يخليك يا قمر.. يا جميلة الجميلات.. اللهم ابعث لها عريساً يستحقها ويقدرها"..
هكذا حتى تخرج لك كلّ ما لديها، لأنك رفعت لها معنوياتها المحبطة كلياً...
كما أنه أولى اهتمامه لتلك المناطق التي يقصدها العشاق، فهذه المناطق تكاد تكون مشاعاً للجميع والكلّ يقصدها، والرزق هناك وافر للجميع، لأن الأحباء موجودون في كلّ زمان..
كان متفرداً في هذه الطريقة، وله أسلوبه الخاص..
فهو لا يقترب منهما بهمجية، وإنما يقترب بعيداً منهما من دون أن يزعج تلك الرومانسية التي تملأ المكان..
فما يكون من ذلك العاشق إلا أن يكون مستعداً لمثل هذا الموقف الذي يحدث له كثيراً، وتكون فرصة رائعة ليكبر بعين المحبوبة التي تراقبه لتكتشف مدى كرمه أو بخله..
 
لقد اقتنع فؤاد أن حياته بدأت بالتغيّر نحو الأفضل، خصوصاً بعد أن أصبح الرجل الأول في بيته، وكون ذكرى كلمات والده عالقة في عقله وقلبه.. فاستأجر محلاً لوالدته, لتبيع فيه تلك الأشياء التي يجدها الابن ملقاة في الطريق أو تلك التي يشتريها من متسولات البيوت ...
لم تكن حياته قاسية كما تخيلها، لأن الذكاء أنقذه من مآزق وقع بها، ولأن الحظ كان إلى جانبه، والشرطة لم تعد تلاحقه..
كما أنه كان يستمتع بوقته في فصل الشتاء، لأنه، على رأي والده، فصل إغلاق نوافذ السيارات، وفصل "الكنكنة" والبقاء في البيت، والابتعاد عن الشارع، والتحضير لفصل الراحة والاصطياف..
 
ذات صباح، خرج من بيته الواقع على أطراف المدينة،
انتبه لسحر الصباح وبهجته..
لم يكن يركّز على المارة،
إنما انتبه لهذا السحر المنبعث من الشمس التي تغمر الأرض بنورها..
قرّر أن يؤجل عمله قليلاً، ويشحد قليلاً من جمال الكون..
كانت روحه قد غرقت في مستنقع الوحل، وابتعدت عن تجليات الخالق على وجه هذه الأرض..
 
وسط كلّ هذا التكامل الكوني، لمحها من بعيد..
يكاد نورها يرسل أشعة تخصّه وحده..
مضى نحوها، وكأنه على موعد معها..
اقترب منها،
وكانت تبتسم له،
سألها، ببداهة استغربها: "كم هي الساعة الآن؟"..
أجابته بكلّ أنوثة: "إنها الثامنة"..
 
أحبّها منذ اللحظة الأولى..
وتمنى لو أعطته قلبها ليأخذه ويخفيه عن أعين الناس..
كانت كزهرة عبيرها يغمره بعطر لم يعتده..
ولأن روحه لم تعتد إلا الروائح الكريهة المنبعثة من نفوس الأثرياء، تعلّق بها وبرائحتها..
كانت تنتظره كل يوم في الثامنة على نفس الكرسي..
حتى من دون أن تنتبه إلى ثيابه الرثة..
تقدّم منها أخيراً،
لم يعرف كيف بدأ الحديث بينهما..
كأنه يعرفها وتعرفه منذ زمن بعيد..
حدثها عن انجذابه لها،
وأخبرته عن رغبتها بالتعرّف إليه أكثر..
أصبحا معاً، وبسرعة لم يتوقعها، صديقين..
 
كانت تجلس إلى جانبه بكامل أناقتها،
وكان ينظر إلى نفسه وهو بجانبها كما في يوم العرس..
 
كان حلماً استيقظ منه سعيداً..
 
خرج من بيته يراقب جمال الكون مجدداً..
كان الوقت مساء،
فقرّر أن يقصد ذلك الشارع الذي يكتظ بالعاشقين والمحبين..
لم يكن يجرؤ على مواعدتها خارج نطاق تلك الحديقة التي قابلها فيها لأول مرة، لذا قرّر أن يتخيل نفسه معها في شارع الغرام ..
 
كان ينتقل من عاشق إلى آخر
متسولاً..
حالماً..
 
اقترب من رجل كان يراقبه من مسافة ليست ببعيدة
مدّ يده إليه فشمّ تلك الرائحة التي سحرته..
أنها تجلس مع آخر..
لم يجرؤ على الاقتراب
شاهدته..
ضحكت بسخرية واضحة،
وأخرجت من حقيبتها ورقة من فئة المئة
ورمتها في وجهه..
التفتت إلى ذلك الرجل، وهي تخبره بأنها ضدّ التسوّل، ولكن أحياناً تجد نفسك غير مستعد للدخول في مواجهة كلامية فتتصدّق..
أما هو فالتقط الورقة بذهول..
لم يعرف لم شحّت الكلمة منه
ووجد نفسه عائداً أدراجه
كأنه لم يخلق إلا ليكون متسولاً..
واكتشف: "إن الحبّ ليس للمتسوّلين"..
الحبّ لا يُشحد!

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
موعد على هامش الهاتفعندما أنتظر الحلم كأني في عيد
لكي تكـون ملكـاً على نفسـكمراوغة
حصارصدمها الواقع فأطلّ عليها الرجاء
قصة قصيرة: إلى الأحياء الراقدين فوق الترابوهم الحبّ
الضنك يلد الحياةأمومة
نافذة الإغاثةقصة رجلٍ في الخريف وفتاة في الربيع...
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى