الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مواهب وأقلام --> قصة قصيرة

قصة رجلٍ في الخريف وفتاة في الربيع...

  بقلم: رياض جَرمق

 
 
 
هو، يمسكُ بفرح عكازه،
يحاول أن يركض بمشيته نحو يوم يتفاءل بقدومه؛
فرغم أنه تقاعد مِن عمله، لكنّه بقي على نشاطه!
 
أمّا هي، فتمسكُ حقيبة يدها بفخر..
تنتظر سيارة الأجرة؛ لتذهب إلى عملها اليومي بفرح..
تبحث عنه كلّ يومٍ بنهم...
لكن تحسّها خاملة بمشيتها!
 
يلتقيان في الحديقة المجاورة لبيتيهما..
هي عائدةٌ مِن عملها،
وهو عائدٌ إلى منزله،
 
تعبة هي، تتخلّع بضيق...
وهو فرِحٌ يمشي الهوينى بتفاؤله!
فعملها ليس مضنياً البتة،
 
عبقَت الحديقة برائحة عطورها الزكيّة ...
ومِن حولها الدبابير تئزّ ...
تبسَّمت له...
ردّ التحية بوقار، إنه رجلٌ وقور..
 
تتأبط حقيبتها الفضيّة اللامعة،
كلّ شيء عندها يلمع ويصجّ ...
حذاؤها الفضة المنسجم،
عيناها...
جبهتها...
ساعتها من الفضة ذات قيمة كبيرة..
 
تنتظره زوجته على الشرفة
وهي، فتنتظرها نظرات شبان الحارة مِن خلف ستائر الشرفات ...
الكُلّ ينتظر قدومها وعطرها المميز،
أمّا هو فينتظر رائحة طبخة زوجته..
الكلّ احترقتْ طبختهم! إلاّ هو أكلها بنهمٍ كعادته وذهب ليأخذ راحته قيلولة..
 
هي أخذت تقلّم أظافرها،
تلونها بألوان الموضة ...
تجهّز نفسها لعملها، بنشاط منقطع النظير!
 
تأتي الساعة...
تهبط الأميرة ماسكةً بيدها جهازها الخلوي وكأن ساحرة تدخّلت ...
سيارة فخمة وصلت ...
وطارت، ومعها قلوب شبان الحارة ... كأنّها نحلة تستجدي العسل.
 
يُطفئ تلفازه ...
انتهى المسلسل
يستعد للنوم...
انتهت سهرته..
خيّم على الحارة الهدوء 
نوماً هنيئاً لكِ، وأحلاماً سعيدة لكَ.
وتصبحون كُلّكم ... على خير !
 
صباح اليوم التالي،
صدفةً اصطدَمتُ بها...
"عفوكِ" قُلت...
ردّت بابتسامة!..
صدفةٌ، ربما، خيرٌ مِن ميعاد،
أعطتني بعينيها ألف ميعاد،
أخذتُ واحداً فقط!
يكفي واحدٌ..
 
كان الوقت متأخراً
صعدتُ الدرج المؤدي إلى مسكنها بهدوء الخائف مِن المجهول،
متردد وسعيد أنا...
تُرى هل اصطدتُ طريدة، أَم أنا الطريدة؟!
 
أأدق الباب؟!
تردّدت لحظة أفكّر،
ثم رتبتُ ملابسي..
شَعري..
ونقَرت كالواثق..
هل يُفتح الباب؟
كثيرة الأسئلة تراودني؛
تصطدم بفكري وتهرب!..
 
أصوات ضحكات،
أقدام تقترب وتبتعد...
فُتح الباب...
رائحة عطرها العنبري أخذتني،
أمسكتْ يدي...
أدخلتني...
أجلستني بعد أن أخذتْ سترتي
وأنا كالمصعوق، أنظر بدهشة الطفل!
 
"أتشرب شيئاً؟"..
أجبتُ محركاً رأسي لليسار كأني أقول لها: "ربما"!
لمْ تنتظر الرد...
فكلّ شيء جاهز
وبلحظة وضعتْ الشراب أمامي...
وجلستْ ترمقني بعينيها... 
فاحصة..
متقدة ...
هادئة..
تنتظر منّي حرفاً... كلمة،
لِم لا ترحمني وتبدأ بالحوار؟
ضحكَتْ ضحكةً رنّانة وكأنّها ترغب في كسر الجليد...
-       "خطوة عزيزة... أنا سعيدة بكَ"!..
-       "وأنا بالأكثر"... وقدمتُ لها وردة..
-       "هذه أول مرة يزورني صديق يحمل وردة حمراء... وجميلة"!
سألتُ في نفسي: "لِم تنعتني هكذا؟"
وأكملَتْ: "أنا فتاة عاديّة"!...
قلت في نفسي: "لماذا أنا بالذّات تكلمني هكذا؟".. -بدت عليَّ علامات الاستغراب-
أكّدت:
- "أحببت الحياة في المدينة؛
الدراسة فيها..
وحتى جَوّها العام
تفوقتُ وحصلتُ على شهادة جامعيّة وأعمل اليوم كطبيبة في شركة طبيّة"...
- "ماذا ... أوَ تسرد قصة حياتها"؟
 
اقتربتْ منّي
دمعة واحدة فقط رطّبتْ فؤادي وطحنتْ برحى صدرها قلبي...
- "آه لو تعلم"؟!...
كفكفتْ دمعتها؛
- "كم مِن العذاب قاسيت: الوحدة.. الغربة.. الضياع"..
- ما عهدتك هكذا تعيسة! أين ضحكتكِ الرنّانة؛ قوّتك .. تفاؤلك .. عنفوانك؟.. الكلّ يبكي على صدركِ.. الكلّ يتراكض نحوك باكياً.. شاكياً.. متألماً.. منكسراً،
هل انقلبتْ اليوم الأدوار!؟
- "لا.. لا .. أنا بحاجة فقط لصديق، أوَ ترغب فقط بصداقتي"؟..
دهشتُ وعلا الاحمرار وجهي، وأنا مَن ذهبت أفكاره بعيداً! أنا مَن ظن أفكاراً أخرى ...
- "أنتِ بعظمتكِ تطلبين صداقتي، وأنا لا أملك ما يرضي غرورك فأنا رجل عادي جداً؟!"..
- "أعلم... هذا تماماً ما أريد!"..
- "ولفيف البشر مِن حواليكِ! أين ذهبوا فجأة كلّهم؟"
- "لا.. لا أريدهم... لا أريد أحداً منهم، ما أنا إلا طريدة وصيدٌ بالنسبة لهم"!...
 
الحقيقة: المفاجأة صعقتني!
- "لقد تـأخر الوقت ... أنا ذاهب"..
- "أهكذا تتركني؟!.. لن أدعكَ تذهب ... أنت!.. أنتَ لي هدية من عَلُ ... ابقَ..
- "أبقى؟.. أنا؟"...
- "نتسامر ونحكي حتى الثمالة...
 
 بَعد أيّام...
أومأ إليّ بيده...
- "تفضل"..
- لكَ زمان ما شربنا القهوة معاً!
صعدتُ لنجلس على الشرفة، تلك التي عليها تنتظره زوجته.
جلسنا وطاولة النرد أمامنا تنتظر لاعباً.. بلا شك هو أنا! وأخذ صدى صوت النرد يلعلع.
هفّت رائحة القهوة ... ووصلتْ
- "أهلاً وسهلاً.. خطوة عزيزة... تفضل"..
كأن كلَّ شيء... كان جاهزاً بانتظاري!
- "دعِ الحجر مكانه، محبوسٌ بأحجاري أنت"!..
-  "يبدو أنكَ تحسنتَ... بلعبكَ للطاولة"..
- "طبعاً تريد أن تغلبني غشاً... يا محتال"!
- (هامساً) "أوَ تعلم أنّها ليست زوجتي"... أُم أولادي تُوفّيت... فتزوجتها لنمضي ما تبقّى مِن عُمرينا معاً، نعيش كصديقين...
- "كصديقين؟!..
- طلبتْ منّي أن نكون صديقين... أنت لا تصدقني؟"
- "ما أنت إلاّ عجوزٌ محتال"!
 
- "إنها صديقتي"...
 
هنا وقفتُ حائراً أفكّر في نفسي: "كيف حوّلتْ صديقتي الطبّ مِن علاج للجسد إلى علاج للنفس".. 
إنّه طبّ حديث.. ربما يشفي أكثر من مريض ومرض..
لكن هل يُبرئ فعلاً أم يخدّر النفس والجسد، إلى أن يهرم الجسد؟
 
أجلس بقرب نفسي
أهرمَها الزمن، وأكل وشرب عليها الدهر..
ويأتي الخريف ويُسقط أوراق الشجر..
والشتاء يمحو لها كلَّ الأثر..
فلا حاجة لاجتياح الضجر..
ولتبقَ هي الربيع وافر العمر..
وأنا الغريب العجوز نهاية السفر.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
موعد على هامش الهاتفعندما أنتظر الحلم كأني في عيد
لكي تكـون ملكـاً على نفسـكمراوغة
حصارصدمها الواقع فأطلّ عليها الرجاء
قصة قصيرة: إلى الأحياء الراقدين فوق الترابوهم الحبّ
الضنك يلد الحياةأمومة
نافذة الإغاثةالمتسوّل عاشقاً
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى