الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> دينية

الهوية الدينية في الأدب رحلة البحث عن الإشراق وتأويل العلامات

  بقلم: جينا سلطان

 
تكمن الهوية الدينية ضمن حدود التباس الشهوات وحيوية الآمال، توطين المخاوف وغواية الخلود، وتتخذ علاقتها بتاريخ الأشياء وقوة حيازتها، فعل المراوحة بين مواربة التحريك إلى انتحارية التفجير. فالناموس المفروض لعصبة متمكنة هو هجرة متنحية لشرائع من سبقها باتجاه التلحف بضبابية الفنون وسهام الإلهام الخلاق. مما يجعل الأدب الحق ورطة لا تكتمل إلا في مغافلة المعنى المحتجب وراء الأستار، لإجلاء نوع جديد من تكهنات الحقيقة الكلية.. فكيف تطوف الهوية الدينية في جنبات الأدب، وما هو حجم المواساة التي تقدمها كجواب على غموض الوجود؟ الثالوث في مقام العالم القديم في روايته "أسرار" يتورط الروائي الصومالي "نور الدين فارح" في غواية الثالوث ويسبغ عليه صفة الأسرار وكمونها المرهون باختمار النضج الفردي وبلوغه عتبة التقبل. وقد بدأ ثالوث الأسرار عند رجل دين شاب، نونو، باع روحه للشيطان، واستطال ليلف ابنه ياقوت التقي المعتزل وزوجته داماك المنتهكة، وبالنتيجة ُصلب حفيده كالامان في ضلال الغرائز البدائية لشولونغو وأطيافها، فعجز عن الوصول إلى قمة ذاته. وبالتالي حمل كل منهم جزءا من صومال مصلوبة على أعمدة التاريخ المعاصر، وراودتهم الأسرار في ثنايا دورتهم الحياتية لتوسوس بأزمات المصير وغايته. ثمة سؤال يلح عليه "فارح" ويبرر من خلاله إعادة حرث الأسرار في مقام العالم القديم: لماذا يوجد الكثير من القبح؟ هل لأن المعرفة الحقيقية تكتسب عن طريق نوع من الموت؟ أم لأن تعريف الذات الحقيقية يتحقق من خلال إصلاح كلي لهوية المرء؟ أراد "فارح" أن يسخر بقوة من مفهوم الولاء العشائري فانتقى بطله كالامان نتاجا لاغتصاب جماعي، ووسع مفهوم الأمومة عند ياقوت ليجعل نهر إنسانيته يتدفق في دم كالامان، فتحمل رقته للأشياء كينونة تغسل القهر في ضياء التقوى. أما نونو فقد منح كالامان كل ثروته، في اعتراف فطري حكيم ببنوة العقل والقلب.. في الفصل الأخير يعرف نونو الموت بأنه "تحول في التركيز"، وهذا ينطبق على الأفراد والأمم على حد سواء، فالعمى يصيب نونو لأنه غفل عن رؤية الإشارات والتحذيرات، والبلاد التي جاهدت أجيال كثيرة في أن تجعلها هامة، تتدمر شيئا فشيئا أمام عيونهم الغافلة تماما. أعطى"فارح" الكاهنة شولونغو، صفة الطيف الكامل للإمكانيات الإنسانية والحيوانية، وجعلها محركا مهيجا للاستفسار عن معنى الحقيقة وكيف التميز بين أصناف الحقائق الأخرى. وبالتالي فالكاهنة لا تمثل الشفاء، بل تحريضا استفزازيا قاسيا لطرد النيات السرية السيئة للمصلوبين على أخشاب ظلماتهم. التخفي بحثا عن إشراق الوجد كرس الروائي التركي "أورهان باموق" روايتيه الأهم لمحاولة التعلق بأذيال العالم الصوفي وحجبه بنفس الوقت؛ ففي الكتاب الأسود تختفي رؤيا وريثة ربة الإلهام، ويتوغل عاشقها غالب في متاهات الحياة بحثا عن قبس منير يخفف أشواقه، فماذا يجد؟ يكتشف غالب أن معرفة الحروف تقهر الذاكرة، وأن الرسوم تتكاثر عبر تداخل كل واحدة في الأخرى، ليتحول الوجود في بلد المهزومين والمسحوقين إلى الكينونة المسروقة التي تترجم بمقولة: أنا آخر إذا أنا موجود، مما يجعل من الكتاب الأسود ما تبقى لغالب من رؤيا. حين يتعرف غالب على أتباع الصوفيين القدماء وطرقهم المتعددة في تكريس الإشراق، يتبعثر في أطياف المجالدين وسبلهم في تخليد الذكرى المادية كوهم للبقاء. ويؤطر "باموق" حجم التحدي الذي يفرضه مأزق النسيان، بين تيه الصور وحروب الكلمات المهجنة! في الحياة الجديدة يغدو "باموق" أكثر جرأة وتهورا، فينضو عن كتابه الأسود ما علق به من غموض وتشويش، لتعود رؤيا مرة أخرى تحت اسم جانان/الجنة إلى الاختفاء ويسعى مجددا للبحث عن آثارها ويكون اسمه عثمان، أما حبيب جانان فهو محمد ناسخ الكتاب المتخفي تحت اسم عثمان. أي أن "باموق" يعود إلى مقولته "الطريق ليكون الإنسان نفسه هو أن يكون آخر"! يغرقنا "باموق" في ترحال توصيفي مُبَلبل عن كتاب يختزل العالم بوجهيه الظاهري والباطني، فيندفع محمد لنسخ الكتاب بحثا عن الإشراق، بينما يبحث قرينه عثمان عن نفس الغاية من خلال السعي إلى تجاوز العتبات المقدسة عبر ثغرة في جدار الزمان المكان، تحمل سمات الحادث/التصادم.. وبالنتيجة كليهما نشدا العشق باعتباره التوق لإيجاد ملجأ آمن لروح الإنسان، وبالتالي جسدا امتداد متأخرا للصوفيين القدماء. أما الدكتور نارين، الذي آمن بالأشياء معتقدا أنه سيحمي الروح بتخبئتها، فقد عبر إلى الضفة الظاهرية وأراد تعميم عبادة المادة، وحين أدرك أنه لن يستطيع حماية الروح الضائعة بواسطة الأشياء حول الأمر إلى إرهاب وإلغاء تكفيري. ومع أن "باموق" يفترض مسبقا أن محاولة عثمان محكومة بالفشل بسبب عدم أهليته لتلقي العرفان، لكن الارتحال بحثا عن الإشراق المفاجئ، يسمح بتفسير الضياع الذي يغرق فيه الحالمون باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية القديمة وسقفها العازل عن شذرات الحضارة الغربية! قيامة النفس النبيلة استفاد الروائي المغربي "الطاهر بن جلون" من مهلة البرزخ، ليمنح بطلته "يمنى"/صلاة الغائب/ مسوح الشهداء، إذ يعيد جسدها إلى الحياة بعد الموت ويدفعها للسعي نحو التطهر من ماضيها الآثم ضمن مهلة الأيام الثلاث، وبذلك يكون قد حرر قرينتها السابقة بطلة "ليلة القدر" من ظلام المتواطئين الذين خسفت نفوسهم ودانت أرواحهم نحو مغيبها. وتمثل شخصية يمنى صقلا حساسا لفكرة قيامة الإنسان النبيل، الذي يفترض به أن يمحص أوجه التاريخ ويفضح عمق الزيف والكذب الذي يطوق إيمان الأحرار، ما يوصلنا إلى رمزية "صلاة الغائب" التي يجب أن تحق على كل من لمسه قبس من الحق فتجاهله! ذات الفكرة نجدها عند الباحث المصري "يوسف زيدان" في روايته "عزازيل" والذي أسس لزلزاله من خلال مقولة: "الله محتجب في ذواتنا، والإنسان عاجز عن الغوص لإدراكه"، وذهب إلى اعتبار العالم الحقيقي قائما داخل النفس الأمارة بالسوء، وليس في الوقائع التي تثور وتهدأ، وتنتهي لتبدأ غيرها،مما يجعل الشهداء أمثال هيباتيا وامتدادها النبطي أشقاء للمسيح، وحجة على بؤس التردي والانحطاط الإنساني. وللأديب الليبي "إبراهيم الكوني" في روايته التبر رؤية خاصة حول التطهر الديني تقترن بالتحذير من تجاهل الرسائل الكونية التي تحيط بنا وتتخلل كياننا، فالتوغل في قلب الصحراء هو امتياز برأيه يعلم صاحبه بلوغ غاية الصبر والتي تعني غسل النفس من شوائبها، لكنه يتحول إلى قيد عندما يساء تفسير علامات القدر وإشاراته الملغزة. يتمثل إنقاذ جمل أثير وبلوغ الطهارة في هذه الرواية دعوة ضمنية لإذكاء اليقين الداخلي الذي يتوارى عادة تحت طبقات العادات والرغبات، حتى إذا انجلى الصبر في رحلة الحج الغامضة إلى مجاهل الصحراء عن انتكاس النفس، وأخلت الرحلة مكاسبها أمام العقاب الذي تلقاه البطل كجزاء عن خيانة النفس للحق الذي جُبلت عليه، مرر "الكوني" مقولته عن قيامة الروح وسبب احتجابها! أصداء مدينة الحروف يعين الأديب العراقي "عبد الخالق الركابي" في روايته سابع أيام الخلق دورا آخر للكلمات، يخالف التبعثر الموجود عند "باموق"، إذ يجعل منها دافعا لإيقاف تسرب الزمن، من خلال التدوين والتعليق على هوامش الكتب المحظورة، والذي يجد فيه تبريرا لمقاومة اليأس والخوف من العدم أملا في النفاذ إلى ما وراء زوال المادة وطقوس عبوديتها. وبذلك يحقق "الركابي" الانعطاف الأهم في رحلته القائمة على رسائل الإلغاز، حين يؤكد على حقيقة الوجود القائم على الحب، الذي هو السر والعلة الأولى، والذي يمنح العشق المبرر للنطق بالمحظور المحجوب! تجمع الحروف والكلمات عند "الركابي" هو ما يعيد إحياء مدينة الأقدمين المتوارية، ويفعل ساحة الموالفة الوحيدة الممكنة بين حدي الكون نور ومطلق، بطلي العمل الأدبي، لتشتعل دعوة إذكاء الحدس العرفاني للحقيقة. استدراج العقل والشعور إلى المحاكمة جرب الأديب اللبناني "أمين معلوف" في روايته "بلداسار"مقاربة أحقية الكسب المعرفي من خلال فضول يبرره هلع الخوف من الموت عند تاجر كتب يدعى بالداسار. رحلة البحث الشاقة عن كتاب "الاسم المئة" للمازندراني، تتوج بالحصول عليه، لكن الرجل يعجز عن فتحه إذ تداهمه ظلمة تمنعه من القراءة. منذ بداية الرواية يورط "معلوف" قارئه في مقولة حكيم تعلن صراحة: "كي تعرف العالم يكفي أن ُتصغي إليه، ما نراه في الأسفار ليس سوى خدعة بصر، ظلال إثر ظلال، فالدروب والبلدان لا تعلمنا شيئا لا نعرفه مسبقا، أو شيئا لا يمكننا سماعه في داخلنا في سكون الليل"، وبذلك فالكاتب يفترض سلفا عبثية الجهود التي لا يستحق صاحبها نيل الحظوة. ذات الفكرة نجدها بشكل أكثف وأعمق عند الروائي الألماني "باتريك زوسكند" الذي اختبر في رواية العطر أقصى ما تصل إليه الكينونة غير المؤهلة أثناء اقتحامها العتبات المقدسة. فعبر مفهوم الرائحة كوسيلة مباشرة لتحييد تذبذبات الوجود التي قد تعيق انغلاق دائرة التجربة، دفع "زوسكند" بطله إلى وهم احتواء القدرة المطلقة من خلال تقطير رائحة الفضيلة والجمال والتعطر بها، ليغرقه بقسوة في التيه والاختناق الذاتي. وبالتالي فالعجز الذي أبدته تلك الكينونة غير المستعدة لتلقي هبة الإشراق يثبت أن كهف الظلال الأفلاطوني لم ُيخلق عبثا، فاستدراج العقل والشعور إلى متاهة الاستقراءات المتحدية العميقة، شرط أساسي لولوج ُحجب الأسرار ولكن للمستعدين المبكرين فقط.. إذا كان الوعي الناقص للعدم وجهلنا المطلق به، كما ذهب فيثاغورث، هو الذي يبقي جذوة الحياة فينا، ويحملنا على الرغبة في الانبعاث والسعي لإدراك الخلود من خلال عمل عظيم، فإن كمون الهوية الدينية هو باعث محرك على التفجر فنيا وجماليا عبر استعارات ملغزة تهمس لنا بأشكال الحقيقة الواحدة وتسول التواصل عبر احتمالاتها المتراكبة.
 
نقلاً عن "السفير"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
الحوار المسيحي الإسلامي ليس خياراً موسمياً أو عابراً بل حاجة حيويةالعلمانية وإحباطاتها: السياسة والدين في العالم الحديث
ثقافة الضميرالطاوية والكونفوشية والبوذية .. لقاء المفترقات
الأديان والإنسان.. إشكالية وسائل الاتصالات الاجتماعية الحديثةمهمته "التبشير" بحوار الأديان و"التفكير النقدي".. سويدلر: نحتاج إلى إعلام الناس بالمشترك بينهم
النصرانيون الأفاضلهــــــل مــــــار مــــــارون مــــــاروني؟
العلمانيّة فسحةً للمسيحيّة والإسلامالكنيسة المريمية من أقدم كنائس الشرق
"نجاوى" المطران جورج خضرمعاً حول سيدتنا مريم ليست مجاملة إسلامية ولا اختصاصاً مسيحياً
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى