الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

الرهبانية اليسوعيّة في أمريكا اللاتينية من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر

  بقلم: نهاد فرح

 
 
 
مقدمة تاريخية:
كان العالم المسيحي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر مبنياً على سيادة المقام البابوي الذي توصَّل إلى القيام بدور الحَكم الشامل في أوروبا في عهد البابا "إينوقنطيوس الثالث". لكن هذا التوازن لم يكن ثابتاً، حتى في القرن الثالث عشر، وقد اختلَّ شبئاً فشيئاً في القرون التالية عبر عدة أزمات كان بعضها خطيراً. الملوك كانوا يرفضون تدخل البابا في المجال السياسي، بالإضافة إلى نشوء أزمات داخل الكنيسة أدت إلى انشقاقات وبالتالي إلى زعزعة السلطة البابوية الزمنية.
ومما زاد الأمور تعقيداً انتشار روح العلمنة، وتعدد المؤلفات التي تنادي باستقلال الدولة في المجال الزمني، والتشديد على تحديد الكنيسة على أنها "جماعة المؤمنين" وعلى عدم حصرها في المؤسسة الكهنوتية، وفي براءة أور “OR” سنة (1356) دليل رمزي على روح العلمنة إذ إنها تستبعد كل تدخل بابوي في تعيين إمبراطور ألمانيا.
وأدى اختراع المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر إلى حدوث ثورة في نقل الفكر، إذ تمت طباعة كتب القدماء وآباء الكنيسة والكتاب المقدس، وظهر التعطش إلى المعرفة في جميع المجالات. كان اتجاه بعض الأدباء اتجاهاً وثنياً مثل مكيافيللي (1469-1527)، أما إيرازيموس الروتردامي وهو راهب وكاهن (1469-1536) فقد طالب بالعودة إلى الجذور أي إلى نصوص الكتاب المقدس وكتب الآباء فهي التي تساعد على تفسير الكتاب المقدس تفسيراً صحيحاً، لأن هدف علم اللاهوت واحد، وهو إكتشاف المسيح، لذلك لا بد من أن يكون الإنجيل في متناول جميع الناس وفي كافة اللغات.
نشأة الدول العصرية: أدت حرب المئة سنة والتي انتهت سنة (1453) إلى تحديد أراضي كل من فرنسا وإنكلترا. فوطَّد ملوك فرنسا سلطتهم في جميع المجالات، وفي سنة (1516) نال الملك فرانسوا الأول من البابا لاون العاشر، بموجب معاهدة بولونيا، حق تعيين جميع أساقفة المملكة ورؤساء أديرتها. وفي إنكلترا قام الملك هنري الثامن (1509-1547) بدور طليعي في أوروبا، دينياً وسياسياً. وفي إسبانيا أدى زواج إيزابيل القشتالية وفرديناند الأراغوني إلى ترسيخ الوحدة الإسبانية سنة (1469)، وكان الإستيلاء على غرناطة سنة (1492)، وهي المعقل العربي الأخير، تأكيداً لوحدة كافة الأراضي الإسبانية. لقد اشتدت شوكة هذه الدول بدءاً من القرن السادس عشر وعلى أثر الإكتشافات الكبرى، خاصةً في العالم الجديد وإفريقيا، بينما أصبح تاريخ الكنيسة غالباً، وحتى في العالم الكاثوليكي، تاريخ كنائس وطنية، كما أدى التجدُّد الثقافي العميق والذي أُطلق عليه إسم "عصر النهضة" إلى ظهور ملامح جديدة لجغرافية دينية في نهاية القرن السادس عشر.
حركة الإصلاح: كانت الثقة بالمؤسسة الكنسية مفقودة لأن العديد من الكهنة كانوا دون ما بنتظره المؤمنون المتعطشون، لا لسوء سلوكهم وإنما بسبب جهلهم. وفي سنة (1512) إفتتح البابا "يوليوس الثاني" المجمع اللاتراني الخامس لإعداد برنامج إصلاحي لم يجد سبيلاً إلى التنفيذ، ففي سنة (1514) أعاد البابا "ليون العاشر" صكوك الغفران وذلك لبناء قبة كنيسة القديس بطرس في روما. وفي السنة ذاتها التي انتهى فيها المجمع سنة (1517) أصدر مارتن لوثر القضايا ال(95) التي عارض فيها الكنيسة على استعمالها السيء لهذه الصكوك، والصق هذه القضايا على باب كنيسة قصر فيتنبرغ، كحركة للمطالبة بالأصلاح.
مارتن لوثر (1483-1546) هو راهب أوغسطيني، عُهد إليه تدريس الكتاب المقدس في جامعة فيتنبرغ، كان أميناً في حفظه للقوانبن لكنه لم يتمتع بسلام النفس. وكان علم اللاهوت في ذلك الزمن يقول بأن الله يعمل ما يطيب له، فيخلِّص بعض الناس ويُهلك بعضهم الآخر. وجد لوثر جواباً على قلقه في رسالة القديس بولس إلى أهل روما "إن الإنسان يُبرَّر بالإيمان بمعزل عن أعمال الشريعة"، فالإنسان لا ينال الخلاص بفضل ما يبذل من جهد، بل الله هو الذي يجعله باراً بنعمته وحدها، فالله هو الذي يعمل أما الإنسان فلا يعمل شيئاً. وقد أعطى أهمية كبرى لكهنوت المؤمنين الشامل ووجد في صكوك الغفران فرصة لإعلان ما اكتشفه.
انقسمت ألمانيا بين الذين مع لوثر أو ضده، لكن دوافع أنصاره كانت متنوعة، فالأشراف وجدوا ضالتهم بالإستيلاء على أراضي الكنيسة، والفلاحون انتهزوا هذه الفرصة يإسم المساواة بين البشر أمام الله. وفي النهاية فإن لوثر، مع كونه رفض الإعتراف بوجود سلطة كنسية، عزّز سلطة الأمراء بوصفها أنها تأتي من الله، وبالتالي فإن الكنائس اللوثرية أصبحت كنائس "قومية" يختلف نظامها من دولة إلى أخرى. وظهر عدد كبير من رجال الإصلاح في عهد لوثر، معظمهم من الكهنة والرهبان، وافقوه بوجه عام في شأن الإيمان والكتاب المقدس، لكنهم اختلفوا معه في أمور هامة تختص بسر الإفخارستيا. في سويسرا "زفينغلي" (1484-1531) وقد اهتم بتنظيم الكنيسة بحسب روح الإنجيل وتحرير شعبه من التبعية لسلطة غريبة، وقد امتد تأثيره إلى كافة أنحاء سويسرا. وأيضاً "كالفين" (1509-1564) وهو علماني فرنسي يشبه تعليمه تعليم لوثر لكنه يشدِّد على سيادة الله المطلقة فهو يخلِّص الذين اختارهم إختياراً مسبقاً، وقد استقر كالفين في مدينة جينيف سنة (1541) وكان تنظيمه لهذه الكنيسة نموذجاً انتشر فيما بعد في أوروبا والعالم كله.
كما ظهر النزاع بين إنكلترا والكرسي البابوي بسبب مسألة فسخ زواج هنري الثامن وكاترين أراغون، والذي لم يقبل البابا فسخه، فأعلن الملك نفسه رئيس كنيسة إنكلترا سنة (1543)، ومن بعده أنشأت اليزابيت الأولى (1558-1603) المذهب الأنغليكاني في صيغته النهائية وهو عبارة عن حل وسط بين المذهب الكالفيني والصيغة التقليدية. وبذلك انقسمت ألمانيا على أساس مذهبي وتركت للأمراء وحدهم حرية إختيار مذهبهم (والقوم على دين ملكهم)، واختارت السويد والنروج المذهب اللوثري، وإنكلترا المذهب الأنغليكاني، واسكتلندا المذهب الكالفيني بالإضافة إلى سويسرا وهولندا، وتم إنشاء عدة كنائس بروتستانتية في فرنسا. وهكذا انقسم العالم المسيحي في أوروبا إلى عدة كنائس معارضة لروما.
التجديد الكاثوليكي: تزامنت الحركة البروتستانتية مع ظهور الرغبة في الإصلاح داخل الكنيسة الرومانية، وتمت المبادرات الأولى من قبل بعض الرهبان والعلمانيين الأتقياء والأساقفة، إلى أن توصّل الكرسي الرسولي وبمشقة كبيرة إلى عقد مجمع في مدينة ترنتو الذي دُعيَ بالمجمع التريدنتيني (1545-1563) وقد استمر مدة (18) سنة تخللتها وقفات طويلة. أوضح المجمع الكثير من الأمور العقائدية، وفرض قيام إصلاحات هامة في جميع مجالات العمل الرعوي، وشجب بعض التصرفات لا لشيء إلا لمقاومة مفاهيم المذهب البروتستانتي ومنها إستخدام اللغات القومية في الليتورجيا. وقد أضفى هذا المجمع على الكنيسة الرومانية الطابع الذي حافظت عليه إلى وقت قريب، وأصبحت كلمة "كاثوليك" تدل على مجموعة معينة من المسيحيين إلى جانب الأرثوذكس والبروتستانت.
كما ظهرت عدة محاولات إصلاحية داخل الكنيسة الرومانية من قبل أخويات تضم علمانيين وكهنة لخدمة المرضى والفقراء، وإقامة الصلوات والترانيم، وخاصةً ضمن الرهبانيات وهي مقياس لحيوية الكنيسة. فتولّد عن الرهبنة الفرنسيسكانية سنة (1526) الكبوشيون، وازدهرت الروحانية (تيريزيا الأفيلية) وإصلاح الرهبنة الكرملية، وانتشرت الرهبانيات في كل مكان بشكل عجيب، ومن أهم الرهبانيات التي ظهرت في هذه الفترة وأدت دوراً فعّالاً في حياة الكنيسة هي الرهبانية اليسوعية.
الرهبانية اليسوعية: تعود الانطلاقة الرائعة التي عرفتها الرهبانية اليسوعية إلى شخصية مؤسسها "إغناطيوس دي لويولا"وهو نبيل إسباني (1491-1556)، اهتدى إلى الممارسة الدينية على إثر جرح خطير في الحرب سنة (1521). وقد قادته تأملاته و"تمارينه الروحية" الني ساهمت في تكوين إرادته القوية إلى وضع كافة طاقاته في خدمة الكنيسة الكاثوليكية. في سنة (1523) سافر إلى القدس، وفي سنة (1526) ابتدأ بدراسة اللاهوت في جامعة الكالا (Alcala) تم جامعة سالامنك (Salamanque)، وبعد اصطدام مع محاكم التفتيش ذهب إلى باريس لمتابعة دروسه في جامعة السوربون سنة (1528).
في سنة (1534) أسس جمعية يسوع (Société de Jésus) في باريس – مونمارتر، وأراد مع سبعة من رفاقه الإلتزام بالحياة الرهبانية للخدمة والتبشير، فوضعوا أنفسهم تحت تصرُّف البابا، وفي سنة (1540) أعطى البابا بولس الثالث موافقته على طلبهم.
 تتميّز هذه الرهبانية بالتخلي عن اللباس التقلبدي للرهبان (لباس رهبان علمانيين)، وبالفقر الليِّن، والتركيز على التأهيل الفلسفي وااللاهوتي، كما أنه لديهم بالإضافة إلى النذور التقليدية الثلاثة، نذر رابع وهو الخضوع المطلق للبابا خاصةً في عملهم كمُرسلين. وقد تمَّ تنظيم "رفاق يسوع" (La Compagnie de Jésus)، أي الرهبنة اليسوعية، بحسب إغناطيوس دي لويولا، تنظيماً عسكرياً، رئيسهم العام جنرال (Général) منتخب مدى الحياة " البابا الأسود " ) Le (Pape Noir يدير الأديرة والمناطق العائدة لهذه الرهبانية بشدة عسكرية، وبقرارات واضحة وقاطعة، وإلى جانبه "ناصح" (Admoniteur) يقوم بانتقاده بشكل دائم، والهدف الأساسي لهذه الرهبانية هو إعادة المنشقين عن الكنيسة وتبشير الوثنيين. لقد كان اليسوعيون في الوقت ذاته معلِّمين ومُعرِّفين للأمراء والبلاط الملكي، وكذلك أساتذة وواعظين ومُرسلين.
عمل اليسوعيون في حقل التعليم فأسسوا العديد من المدارس، وأولوا التربية الدينية مكان الصدارة. من مشاهير الرهبانية اليسوعية في هذه الفنرة، الهولندي "بطرس كانيزوس" (1521-1597) الذي كان مستشاراً للأمراء والأساقفة، جال في أنحاء أوروبا ليضع أسس الإصلاح الكاثوليكي فيها، ونشر العيد من كتب التعليم المسيحي أحرزت نجاحاً كبيراً. وقد انتشر بعد المجمع التريدنتيني، أسلوب لاهوتي جديد عند الكاثوليك والبروتستانت على حد سواء وهو "المناظرة"، ومن أشهر المناظرين في هذه الفترة هو الكردينال "روبير بيللارمينو" اليسوعي الذي كان رئيس كلية المناظرة في روما، والذي تدخَّل في قضيتين تعبِّران عن الخوف من الهرطقة "قوات الظلام" وهما الحكم على "جيوردانو برونو" و"غاليليو" اللذان استأنفا القول بنظرية "كوبرنيك" في دوران الأرض حول الشمس، وقد كانت نقطة الإنطلاق هذه في سوء الفهم بين الكنيسة والعلم قد تفاقمت وازدادت يوماً بعد يوم. كما تصدّى اليسوعيون لمسألة المكانة التي تحتلها كل من النعمة والحرية في خلاص الإنسان، وكانوا يجتهدون في الحفاظ على الحرية، فيقولون بوجود نعمة كافية تصبح فعّالة بحكم حرية الإنسان. من أشهرهم في هذا المجال الإسباني اليسوعي "مولينا" (1535-1600).
عندما توفي أغناطيوس دي لويولا كان عدد اليسوعيين نحو "الألف" وفي سنة (1600) تجاوز عددهم "العشرة آلآف" وفي سنة (1650) وصل عددهم إلى خمسة عشر ألفاً. إنها الرهبانية الأكثر أهميةً في الإصلاح والتجديد الداخلي للكنيسة في نضالها ضد الهرطقات. قامت بمهمات عالمية في المجال الرسولي خاصةً في الصين "القديس فرانسوا كزافيير"، وفي أمريكا اللاتينية، وتعرَّضت دوماً للشك والإضطهاد بسبب الطرق الخاصة التي تتَّبعها، فقد بصمها أغناطيوس دي لويولا، أول جنرال لها سنة (1541-1556) بطابعه الخاص. تم طردها من البرتغال سنة (1759) ومن فرنسا سنة (1762) وسنة (1880) وسنة (1901)، ومن إسبانيا سنة (1767)، كما تم إلغاؤها من قبل البابا "إكلمنضوس الرابع عشر" سنة (1773) ثم أُعيد تأسيسها من جديد سنة (1814) من قبل البابا "بيوس السابع".
وسنستعرض في بحثنا هذا، العمل الرسولي للرهبانية اليسوعية في أمريكا اللاتينية في كلٍّ من البيرو، الشيلي، والباراغواي، من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر، ونضالهم في سبيل الحفاظ على كرامة وحرية الشعوب الأصلية بحسب روح الإنجيل، وتجربتهم الفريدة في الحفاظ على الهوية المحلية لشعوب هذه البلاد ونموِّها.
 
الحركة الإرسالية في العالم الجديد:
في أواخر القرن الخامس عشر ومطلع السادس عشر، شرعت الدول البحرية العظمى وفي طليعتها إسبانيا (مملكة قشتالة) والبرتغال، باحتلال واستعمار القارة الأميركية الحديثة الإكتشاف. وقد اعتبرت هاتين المملكتين فتح أمريكا حدثاً سياسياً ودينياً في الوقت ذاته، وكان ذلك على توافق تام مع تقاليدهما الوطنية حيث المقومات السياسية والدينية متداخلة وخاصةً ضمن إطار تاريخي وثقافي معيَّن هو إطار فكر العصر الوسيط الذي كان يجعل من السلطة البابوية المتحالفة مع المبادئ المسيحية الأداة المختارة لتحقيق ملكوت الله على الأرض. هذه النظرة بالمنظار الديني إلى التوسع الإستعماري كانت تدعمها براءات بابوية يصدرها الكرسي ارسولي نزولاً عند رغبة هذا الفريق أو ذاك، تمنح هذه الممالك قطاعات في "بلاد غير المؤمنين" مقابل إلتزام الملوك بتبشير شعوب هذه البلاد. وقد انطلقت ممالك أخرى إلى فتح العالم الجديد فكان فرانسوا الأول ملك فرنسا يقول متهكماً "أود الإطلاع في وصية آدم على البند الذي يستبعدني من تقاسم العالم".
الجدل العقائدي: كانت العلوم اللاهوتية في القرن الخامس عشر مؤسسة على التأويل الحرفي للكتاب المقدس مما أدى إلى أزمة وقعت فيها هذه العلوم عند اكتشاف "العالم الجديد" فهل الأميركيون الأصليون هم بشر حقاً؟ ومن سلالة آدم؟ موصومون بالخطيئة الأصلية وموعودون بالخلاص، أم هم وحوش بمظهر إنساني؟ وتساءل العلماء عن كيفية إدخال ظاهرة "أمريكا" في إطار الأسفار المقدسة حيث لا ذكر صريح لهذه القارة. واختلفت الآراء في ذلك مما أدى إلى مناقشات عقائدية لم تطُل، إذ اتفق علماء الطبيعة والحقوقيون واللاهوتيون في النهاية على أن سكان أمريكا هم من "الجنس البشري"، أما بالنسبة لإمكانياتهم الذهنية والأخلاقية، فقد تطرّفت الآراء بخصوص أهلية هذه الشعوب لقبول تعاليم الدين المسيحي، فهناك تقليد في الكنيسة يعود إلى أيام البابا غريغوريوس الكبير يُحرِّم بموجبه على المسيحيين إستعباد المسيحيين الآخرين، وإذا كان المرسلون يمنحون بسهولة سر العماد لأهل البلاد الأصليين، فبموجب القانون الإسباني كان هؤلاء يصبحون أُناساً أحراراً غير قابلين للإستعباد مما لا يتلاءم مع مبررات المستعمرين.
وبالرغم من البراءات التي أصدرها البابا بولس الثالث سنة (1537) بأن العماد الممنوح لأهل البلاد الأصليين هو عماد صحيح، فإنها لم تفلح في إزالة الآراء السلبية التي تعتبر بأنهم لا يستحقون إلا تقبُّل الأسرار التي تخص الخطأة أي العماد والتوبة، في حين لا يمكن منحهم سر الإفخارستيا دون إقتراف خطأ فادح والمساس بالمقدسات، مما اضطر السلطات الروحية إلى الحكم على هذه الآراء في مجمع "لاباث" سنة (1638) أي بعد حوالي مئة سنة من براءات البابا بولس الثالث مما يدل على أن الأمور لم تكن واضحة فيما يخص السكان الأصليين حتى أواسط القرن السابع عشر.
نظام المحصول ومذهب التعويض: "المحصول" هو نظام في العصر الوسيط يحق بموجبه لكل صاحب إقطاع حقوق على سكان أراضيه. في سنة (1512) صدرت قوانين عُرفت بقوانين "بوركُس" تنص على أن تفوُّق الإسبان ذهنياً وأخلاقياً على الهنود يجعل من هؤلاء خداماً للأوروبيين، ويتوجب بذلك على الهنود أن يدفعوا الضريبة وبالتالي أن يؤدوا عمل تسعة أشهر من كل سنة في الخدمة الشخصية للمملكة الإسبانية، أما الثلاثة أشهر المتبقية فيحق لهم العمل الخاص في أراضيهم. وقد تحول هذا النظام إلى إستعباد شخصي بكل ما في هذه الكلمة من معنى، مما أدى إلى موت الكثير من الهنود بسبب الإرهاق وسوء التغذية والأمراض الخطيرة الواردة من أوروبا.
وقد نقل الرهبان المُرسلون وصفوة من الموظفين المدنيين هذه المعلومات إلى البلاط الإسباني، ونشأت مناظرات حامية بين المُشرِّعين واللاهوتيين من أبرزها مناظرة "قليادوليد" سنة (1550)، لمع فيها إسم الراهب الدومينيكاني "برتلميه لاس كازاس" الذي اعتمد نظرية إقتصادية استوحاها من فكر توما الأكويني هي "مذهب التعويض"، وافق عليها الكردينال "أوترخت" الذي أصبح فيما بعد البابا أدريانوس السادس. يقول هذا المذهب بأنه يتوجَّب على إسبانيا إنصاف الهنود بأن توظِّف في أراضيهم ولحسابهم حصيلة "الحسنات التعويضية" التي يقدمها، بموافقة البابا، المستعمرون التائبون الراغبون بنوال الغفران لما ألحقوه بالهنود من سوء المعاملة. ويقول "لاس كازاس" بأن الهنود أُناس ولدوا أحراراً ولديهم مهارات عديدة، جديرون بأن يُشجَّعوا ويُساعَدوا للوصول إلى مستوى من التمدُّن بواسطة تعليمهم وإشراكهم على قدم المساواة مع جماعات أكثر تطوراً، ومن واجب الإسبانيين كشعب متطوِّر ينتمي إلى العالم المسيحي أن يعاملوا الهنود معاملتهم لبشر حقيقيين وأن يعززوا تقدمهم مما يُسهل عليهم الدخول في الدين المسيحي.
وقد تأثرت إسبانيا بفكر "لاس كازاس" ففي سنة (1556) أعطى الملك فيليب الثاني توجيهات صارمة لقيادة العمليات في هذا الإطار، وبالرغم من أن أحوال الهنود لم تتحسن إلا ببطء، فقد ظهرت مرحلة أساسية في تطور الفكر السياسي الحديث في إتجاه إعلان المساوات في الحقوق والواجبات بين البشر جميعاً بمعزل عن أجناسهم وإعلان مبدأ بأن سائر الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة، متحدين بالأخوة الشاملة، مما ألهم الكثير من أصحاب الفكر في العصور التالية.
اليسوعيون في البيرو: لم يحصل اليسوعيون بسهولة على الإذن بالعمل في البيرو، إذ كان مجلس الشؤون الهندية المنوط بإعطاء التراخيص للمرسلين متحفظاً تجاه هذه الرهبانية الحديثة النشأة، مؤثراً إسناد العمل التبشيري إلى الرهبانيات المخضرمة ذات الخبرة أي الفرنسيسكان والدومينيكان، الذين وعوا ضرورة تبشير السكان الأصليين بشكل عميق وبعيد المدى، فعمدوا على التركيز على اللغات المحلية لتكون أداة تواصل وعملوا على تنسيق قواعدها وإيجاد كتابة لها. وقد أقرَّت السلطات الكنسية في أواخر القرن السادس عشر في مجمع انعقد في مدينة "ليما" سنة (1538) هذا الإتجاه. وأدى تضافر الجهود في البلاط الإسباني ودعم عدة جهات أخرى لدى الملك فيليب الثاني إلى منح اليسوعيين رخصة العمل في البيرو سنة (1566).
وصل اليسوعيون إلى البيرو سنة (1568) وابتدأوا بتأسيس مجموعة من الأنشطة إلى جانب الأعمال التبشيرية البحتة، فأسسوا مدارس لتعليم الديانة المسيحية مع ملحقات لها لتلقين الفنون الموسيقية، وأنشأوا نظاماً لتوفير المساعدات الطبية وبناء المستشفيات، كما أسسوا مدارس خاصة لتربية أولاد السكان المحليين "الكاسيك".
 من أهم الحواضر التي أنشأوها حاضرة "خولي" تضم حوالي تسعة آلاف هندي في أربع رعايا كان اليسوعيون يشرفون، بمعاونة "الكاسيك" المحليين، على الإدارة المدنية في الحاضرة إلى جانب متابعتهم للحركة الإقتصادية التي تقوم على تربية الأسماك وزراعة الحقول، فيُمضي الهنود في تلك الأعمال الثلاثة أشهر التي تمنحها لهم الدولة المستعمِرة، في حين كانوا يعملون خلال التسعة أشهر المتبقية في المناجم الحكومية كل واحدٍ بدوره. وقد أدى ذلك إلى ازدهار الحركة الإقتصادية في "خولي" مما أتاح لليسوعيين أن يجعلوا منها "روما صغيرة" إذ أنشأوا فيها أربع كنائس بازيليكية رومانية كان بُناتها ومُزيِّنوها من الصُنّاع والمهنيين من الهنود المحليين الذين ساهموا بعد ذلك في نشر فنهم في سائر مناطق البيرو. وقد كان إثراء حاضرة "خولي" النسبي مدعاة لحسد العلمانيين والإكليركيين، إذ كانت الظروف المعيشية فيها أرفع مستوىً من باقي الجماعات الهندية الأخرى التي كانت تحت إشراف الرهبان الفرنسيسكان والذين لم يُعيروا النشاط الإقتصادي في حواضرهم إلا القليل من الإهتمام. كما أن هذه الظروف الجيدة خلقت لدى سكان حاضرة "خولي" وعياً لا يُستهان به من الناحية المدنية والأخلاقية.
اليسوعيون في الشيلي: في الوقت الذي تمت فيه الفتوحات الإسبانية، كان هناك ثلاثة شعوب رئيسية تسكن الشيلي من بينها قبيلة تُدعى "الأروكان" وهو إسم بلغة الإنكا" بعني (الشعب الحر). وقد لعبت هذه القبيلة دوراً هاماً في الماضي ضد شعوب "الإنكا" ولاحقاً ضد الإسبان، فحتى القرن السادس عشر كانت المعارك لا تزال مستمرة مع هذه القبائل.
"الأروكان" (Araucane) قبائل بدائية تعيش على الصيد، محاربون أشداء لكن بوسائل بدائية، لديهم نوع من الرئاسة المركزية تضم الجماعات التي تعيش يشكل متفرِّق خاصةً في أوقات الحروب والكوارث الطبيعية. الدين بسيط لكنهم يعتقدون بوحدة الألوهة (الروح الأكبر) سيد العالم، ويعتقدون بخلود الروح والحياة بعد الموت ومن ذلك الإهتمام بدفن الموتى، الذين يُدفنون "بوضعية الجلوس"، وفي كل عام يُعاد تنظيف القبور وتلبيس هياكل الموتى بثياب جديدة. لا بوجد لديهم معابد وإنما بعض الطقوس التي تُقام في الربيع، وتُقام الخدمة من قِبل عدد كبير من السحرة مع إعتقاد قوي بالشيطان، وقد واجه المُرسلون مشاكل كبيرة في تعامل "الأروكان" مع السحر والشيطان والكائنات الرهيبة المُجنَّحة التي تذكرها أساطيرهم الدينية. اللغة متناغمة وغنية بمفردات تحكي قصائد حب وأغاني ذات ألحان شجية.
لم تستطع الكنيسة الكاثوليكية الدخول إلى منطقة "الأروكان" لتبشيرهم، فاكتفت بإنشاء بضع نقاط على الحدود المتاخمة للغابات التي تسكنها هذه القبائل. وبالرغم من وجود الرهبان الدومينيكان في الشيلي منذ حوالي أربعون عاماً، وكذلك الفرنسيسكان، فإن الرهبانية اليسوعية والتي وصل أوائل مرسليها إلى الشيلي سنة (1593) هي التي استطاعت العمل على لقائهم وجهاً لوجه لتبشيرهم بالديانة المسيحية.
قبل وصول اليسوعيين إلى الشيلي لم يكن هناك مدارس إبتدائية، وكعادة اليسوعيين فإن أول عمل ابتدأوا يه هو إنشاء مدرسة إبتدائية مجانية، فكانوا الأوائل بتطبيق هذا العمل وقبل ثلاثة قرون من إنشاء التعليم المجاني، وخلال فترة قصيرة من وصولهم أصبح معظم الشباب الشيليين والإسبان في سانتياغو وأسونسيون من طلابهم، يقومون بإعدادهم ليكوِّنوا في المستقبل الكادر الإداري أو الرهباني للبلاط الملكي.
الأب "لويس فالديفا" اليسوعي يُعتبر بحق الرسول المبشِّر والمدافع عن "الأروكان"، درس في جامعة "سالامنك" ثم انتسب إلى الرهبانية اليسوعية حيث تم انتدابه إلى "ليما" عاصمة البيرو والتي تعود الشيلي إليها إدارياً. قام بتدريس اللاهوت في جامعة "ليما" وكان في الوقت ذاته المشرف على المبتدئين في الرهبنة. عندما تم انتدابه للعمل في الشيلي ابتدأ بدراسة اللغات المحلية وخاصة لغة "الأروكان"، ثم قرر بعد ذلك الذهاب إلى هذه القبائل برفقة راهبين فقط. وقد أعطت هذه الزيارة الأولى "للأروكان" نتائج مدهشة وآلاف المُعمَّدين. ابتدأت بعد ذلك الجولة الثانية فتم إختيار بعض الأتباع الأذكياء من المهتدين المحليين للعمل بشكل مباشر مع المرسلين وتحت إشرافهم للبدء يإنشاء نواة لتبشير عملي ومباشر. هؤلاء الأتباع كانوا من المساعدين الرئيسيين لضم أعداد كبيرة من السكان المحليين "الأروكان"، وإن كانوا دون مستوى الإيمان المطلوب، لكنهم كانوا نقطة بداية، فقد كان الهدف الأول لليسوعيين هو الحصول على "عدد معيَّن" من "الأروكان".
وفي بداية القرن السابع عشر عادت المعارك العنيفة بين الإسبان و"الأروكان" فاضطر الأب "فالديفا" إلى العودة لسنتياغو، وبطلب من نائب الملك في البيرو الذي أراد إنقاذ موقف إسبانيا من هذه الحرب، عاد الأب "فالديفا" وبكل بطولة، إلى مناطق هذه القبائل في زيارة إستطلاع، قدَّم بعدها ملف كامل عن الوضع في كلٍّ من مدن "الأروكان" إلى البلاط الملكي في إسبانيا، وعمل على إقناع الملك فيليب الثالث بأن قضية هذه القبائل سوف لن يمكن حلّها إلا بالعدل. وقد وافق الملك على إقتراحات الأب "فالديفا" وأعطي اليسوعيين كافة الصلاحيات لحل هذه المشكلة وبالطريقة التي يرونها مناسبة. وهكذا عاد "فالديفا" بكتاب التفويض الموَّقع من الملك فيليب الثالث، بعد أن قام بترجمته إلى لغة الأروكان. ويؤكد هذا الكتاب بشكل رسمي بأنه يحق "للأروكان" أن يعيشوا بسلام على أرضهم مع نسائهم وأولادهم وماشيتهم وبحماية من ملك إسبانيا. وبذلك حقق الأب "فالديفا" خلاص النفوس بنور الإيمان، واكتساب السلام، هذا السلام الذي كان قصيراً فقد أعادت أطماع المحتلين الحرب الضارية مع "الأروكان"، وعاد الأب "فالديفا" إلى إسبانيا رافضاً كل الأوسمة ومظاهر التكريم التي عرضها عليه الملك، إذ إنه بتواضعه اعتبر بأنه قد فشل في مهمته يإحلال السلام في هذه المنطقة.
إن وجود اليسوعيين بين القبائل البدائية كان نوعاً من البطولة، وفي أغلب الأحيان كان هناك مُرسَل واحد مسؤول عن رعية مؤلفة من عدة آلاف من "الأروكان"، كان يعيش معهم بكافة ظروفهم الحياتية، وبقدم لكل عائلة المعونة الروحية والأخلاقية، فهو طبيب للنفوس والأجساد في الوقت ذاته. وبالإضافة إلى عملهم مع "الأروكان"، كانوا في شهر أيلول من كل عام، يقومون بتطواف في كل الجزر الموجودة في أرخبيل "شيلويه" في قوارب تحمل أيقونة السيد المسيح، وبعض القديسين، ترافقهم الصلوات والتراتيل. كل ذلك إنما يدل على قابلية اليسوعيين للتأقلم في كل الظروف والأماكن، فهم يتصرفون بكل راحة سواءً في البلاط الملكي وغرف الأمراء، أو في خيمة للهنود أو في أبعد الجزُر، مما يدل على المرونة المدهشة التي يتمتعون بها.
خلال حوالي مئة وخمسون عاماً، أي منذ وصول اليسوعيين إلى الشيلي وحتى منتصف القرن الثامن عشر، توسعت هذه الرهبانية وازدهرت، وكان من أحد أسرار نجاحها هو دمج النظرة الواقعية للحياة بخدمة الله، وهما مفهومان يظهران بمظهر التناقض، لكن الآباء اليسوعيين لم يترددوا في فتح محلات للبقالة، والخبز، والأدوية، وحتى بناء طواحين ومعامل للجلود وورشات لتصليح السفن، واستعانوا بعمال وفنيين مختصين لصناعة الأقمشة، والبورسلين، كما كان لديهم حقول زراعية واسعة وقطعان من المواشي، ولا ننسى أن هؤلاء الرهبان كانوا من الطبقة الأرستقراطية من الناحية العائلية والفكرية، منفتحين على كافة العلوم، إلى جانب وجودهم كمربين ومُعرِّفين لأكبر العائلات في الشيلي. وقد أصبحوا خلال هذه الفترة من كبار الأسياد في الشيلي يملكون مفاتيح العلم والأخلاق بالإضافة إلى مواردهم الكبيرة والتي حصلوا عليها بفضل مواهبهم المتعددة. فمن الوعظ إلى الطب، ومن التربية إلى الصناعات المختلفة، وقد أنشأوا في الشيلي (13) مدرسة و(6) بيوت للمسنين، ومدرسة إكليركية، و(12) مدرسة داخلية إلى جانب عدة "بيوت" للرهبانية عند قبائل "الأروكان"، فالمهمة الأساسية بالنسبة لهم هي البشارة بالكلمة والعمل بروح الإنجيل.
اليسوعيون في الباراغواي: في سنة (1580) حقق فيليب الثاني الوحدة بين مملكتي إسبانيا والبرتغال، وفي سنة (1585) أُرسِل اليسوعيون إلى الباراغواي وقد أُنيطت بهم مهام دينية وإدارية. أول عمل قاموا به هو إنشاء مدرسة في "أسونسيون" ثم ابتدأوا بالإتصال بالسكان الأصليين، ولم يؤسسوا مراكز إرسالية ثابتة وإنما إرساليات متنقلة لتكييفها على وجه أفضل مع حياة قبائل "الكواراني" شبه البدوية، وليستطيعوا تبشير أكبر عدد ممكن من الهنود.
عندما احتل الإسبان الباراغواي كان يقطنها شعب "الكواراني" الذي كان منتشراً ليس فقط في الباراغواي وإنما تقريباً في كل البرازيل وجزء كيبر من الأرجنتين. عدة ملايين من البشر كانوا منتشرين على مساحة أكبر من أوروبا، وهذا الشعب الأكبر عدداً بين الشعوب التي كانت تقطن أمريكا الجنوبية كان أقلّهم تحضُّراً، فهم منتشرون على آلاف الكيلومترات ولا يوجد ما يوحِّدهم كالتقاليد والعادات أو المعتقدات الدينية. وفي الواقع كان لا يجمعهم إلا اللغة والعرق، فهم يعيشون على الصيد والقنص، ويمارسون زراعة بدائية، ويقطنون أكواخ من القش والطين، أما بالنسبة للتنظيم الإجتماعي فهو غير موجود، الأب له حق الحياة والموت على الزوجة والأولاد، ويحكم القبيلة رئيس قوي "كاسيك". الدين بسيط جداً، يوجد إله (Tupa) ولكن لا تكريم له، وهناك تقديس خاص للقمر بسبب ظاهرة الخسوف. وبشكل عام فإن شعب الكواراني غير متوحِّش أو آكل للحوم البشر ولا يحارب إلا في حالة الدفاع عن النفس.
قاوم المرسَلون اليسوعيون إستغلال الهنود في الباراغواي، وأصرّوا على تطبيق قوانين الحماية بدون مواربة، وسرعان ما وصل التوتر إلى حد خطير بين اليسوعيين والإسبان في "أسونسيون" حيث أصبحوا من غير المرغوب فيهم. ولأسباب خاصة بالرهبانية اليسوعية، فقد ارتأى رئيسهم العام في ذلك الوقت، الأب "كلاوديو أكوافيفا" تأسيس إقليم الباراغواي اليسوعي، مستقلاً عن كل من إقليمي البيرو والبرازيل، وتم تعيين أول رئيس إقليمي للباراغواي سنة (1604) الأب "دييغو دي تورِّس بوليو" وكان قبل ذلك رئيساً لحاضرة "خولي" في البيرو. وتضافرت الأسباب السياسية لإعطاء البسوعيين وعداً رسمياً بإناطة الإرساليات في الباراغواي بشكلٍ مباشر بالسلطة الملكية، وبالتالي الدعم المالي، وبذلك فإن إرتباط الهنود الساكنون في "الحواضر" المستقبلية سيكون إرتباطاً مباشراً بالملك من حيث تأدية "المحصول". وتم الإتفاق بأن ينعم الهنود بكل ما يستفيد منه المسيحيين الجدد، كالإعفاء من الضريبة لفترة أولى مقدارها عشر سنوات. وغني عن البيان بأن البلاط الإسباني نفسه، كان يأمل من تعاونه مع الرهبانية اليسوعية، الحصول على مكاسب ملموسة أولها إتساع المناطق المستعمرة دون اللجوء إلى أعمال عسكرية مكلفة وغير مضمونة، وبالتالي الحصول على مكاسب من الضرائب التي ستُدفَع من "الكواراني" إلى صندوق المملكة بعد الإعفاء لقاء هذه الحماية، وازدياد عدد المهتدين إلى المسيحية مما يفي بالوعد الذي قطعه الملك للبابا في روما.
وهكذا حصل اليسوعيون على براءة ملكية، ليس فقط للتبشير والتعليم، وإنما أيضاً الحكم على "الكواراني". وللمرة الأولى في تاريخ المجتمعات البشرية، نرى حاكماً يفوِّض سلطاته إلى مؤسسة خاصة، كذلك وللمرة الأولى منذ أن أنشأ القديس بطرس الكنيسة الكاثوليكية، تحصل مؤسسة رهبانية على الترخيص بإنشاء جمهورية مسيحية يقوم نظامها على مبادئ الإنجيل. وبمعنى آخر فقد كان على الرهبانية اليسوعية أن تُلائم أنظمة القديس أغناطيوس، ليس على مجموعة رهبانية وإنما على دولة. وإذا كان من الصحيح أن مهمتهم الأولى والأهم كانت إنجيلية لكنها كانت تحمل في طياتها الطابع السياسي. وإذا كان اليسوعيون يستعملون لهجة الإقناع، وبنيّة صادقة، لإدخال حقائق الكنيسة إل عقول "الكواراني"، فإنهم كانوا أيضاً يستعملون لغة الواقع بإعلامهم أن الحماية اليسوعية لهم هي لصالحهم إذ إنها ستنقذهم في الوقت ذاته من الإسبان والبرتغاليين معاً.
الحواضر الأولى: في نهاية سنة (1609) ولغاية (1627) أسس اليسوعيون أربعة عشر "حاضرة" لعدد من السكان يقارب الثلاثين ألفاً، برزت من بينها حاضرتي "لوريتو" و"سانت إنياثيو مِنّي" إذ ضمت كل منهما على ما يربو الألفي أسرة، وظهرتا بمظهر المدن المنظمة مع كنائس تنم على الإبداع الفني، وتوصلت هذه "الحواضر" بفضل جهود اليسوعيين إلى نوع من الإكتفاء الذاتي على الصعيد الإقتصادي. وقد كان التوسع نحو الشمال الشرقي وأقصى الشمال يهدف إلى ضرورة استرتيجية من الناحية السياسية وهي حماية تخوم الباراغواي الشرقية من أي توسع برتغالي، وشق أول الطرق التي تصل "أسونسيون" عاصمة الباراغواي بشمال شرق البلاد. بالإضافة إلى أن اليسوعيين كانوا يريدون إبعاد جماعة "الكواراني" عن مراكز الإسبانيين الكبرى قدر المستطاع ليتحاشوا النزاع معهم بخصوص "المحصول".
وهكذا، وخلال ما يزيد عن خمسة عشر سنة تشكَّلت مجموعة "الحواضر" والتي سُميَّت "بدولة اليسوعيين"، تم فيها تحويل حياة قبائل بدوية إلى حياة المجتمعات المنظمة، لكن هذه الجمهورية الفتية لم تكتفِ بماء المعمودية، وإنما تعمَّدت أيضاً بالدم، ففي سنة (1620) ابتدأ "البولسيونْ" يساندهم أعوان من قبائل "التوبي" في البرازيل، بالهجوم على "حواضر" اليسوعيين في "الكوايرا" بعد أن تبيَّن لهم أنها منجم ثمين للعبيد، إذ أصبح "الكواراني" المتحضِّرين في الإرساليات متجمِّعين في بقع محدودة الأطراف يسهل الإستيلاء عليهم فيها بالجملة ونقلهم إلى البرازيل لبيعهم هناك. وقد كلَّفت هذه المعارك خسائر كبيرة، وبات اليسوعيون يستجدون السلطات الإسبانية لنجدتهم دون جدوى. واضطر اليسوعيون إلى تحميع ال(15) ألف "كواراني" الباقين في هذه الحواضر للرحيل بهم بعيداً ودون النظر إلى الخلف، باتجاه الجنوب الشرقي من الباراغواي. هذا العبور (كعبور العبرانيين من مصر) لم يكن ممكناً لولا القدرة العجيبة لليسوعيين لتجميع وتنظيم هذه الشرزمات الخائفة لاجتياز طرق جبلية وعرة، وممرات مائية صعبة، للوصول بما يعادل نصف هذا العدد إلى المكان المنشود.
التنظيم العسكري: عندما تعددت هجمات "البولسيونْ" ونهبهم للحواضر التي أسسها اليسوعيون حتى سنة (1638(، ابتدأ هؤلاء يستخلصون العِبر، فقد نهب البرازيليون ودمَّروا أكثر من ثلاثين "حاضرة" في عدة مناطق، بالإضافة إلى قتل عشرات الألوف من "الكواراني" وتعرضهم للسبي، والباقي منهم يهدِّد بالعودة إلى حياة البداوة في الغابات حيث يشعرون بالأمان. ولما كان الشرع الإسباني يمنع الهنود من إستعمال الأسلحة النارية، كان لا بد من إعادة النظر في ذلك. في البداية كان في نية اليسوعيين أن يبقى "الكواراني" جاهلين لمعنى "الحرب" إذ لا معنى للقتال في جمهورية تقوم على أساس "أحبّوا بعضكم بعضاً"، ولكن بعد هذه التجربة القاسية طلب اليسوعيون من ملك إسبانيا السماح بتسليح "الكواراني" بالبنادق والمدافع وتم لهم تحقيق ذلك. وأمر الأب "بوروا" الرئيس الإقليمي لليسوعيين بإنشاء فصائل مسلحة بالبنادق، وأعطى الأوامر لمعاونيه بشراء "سائر ما يرونه ضرورياً لمواجهة الحرب".
كان التدريب العسكري يتم بشكل دوري خلال الأسبوع بتوجيه "أخوة" مساعدين خبروا حياة الجندية قبل انخراطهم في سلك الرهبانية، أما التنظيم العسكري فكان رئيس كل حاضرة هو الذي يرأس الجيش "الكواراني" يساعده عدة ضباط، وكان التسلسل الإداري على نمط الجيش الإسباني من حيث اللباس والرتبة. أما الذي أعطى لهذا الجيش، الذي كان بربرياً منذ فترة قصيرة، الإحساس بالشرف العسكري والشعور بالنظام والإخلاص فهم "رفاق يسوع" الذين لم يكن لهم أية صفة رسمية إذ كان دورهم في هذا المجال كمستشارين ومنسقين بين هذه الفصائل. وتأتي الأوامر الفعلية من الرئيس الإقليمي فتُنقَل تفاصيلها بشكل أوامر منظَّمة إلى الضباط "الكواراني" الذين يقومون بتنفيذها بالحرف الواحد.
الحواضر ونظامها: عاشت "الحواضر" بين منتصف القرن السابع عشر والربع الأول من القرن الثامن عشر فترة سلام نسبي أتاحت لها أن تتقدم فتصبح هيئة إجتماعية وإقتصادية متكاملة قائمة بذاتها. وأصبحت "الدولة اليسوعية" في أوج إزدهارها تضم ثلاثين قرية متوزعة في أربع مناطق جغرافية محصورة في حوض نهر اليرنا الأعلى ونهر الأوروغواي، عدد سكانها يقارب ال(150) ألفاً، أما المُرسَلون الحاضرون في كل قرية فكانوا إثنين أو ثلاثة. وبدت "الحواضر" في مظهرها أقرب إلى المدن بوجود المنشآت الثابتة، وحجم الكنائس التي طوَّر بناؤها الحرفيون "الكواراني"، ودخل إليها فن "الباروك" الكثير الزخرفة القادم من أوروبا فازدانت بالتماثيل، كما اتصفت هذه "الحواضر" بنظام مدروس للخدمات العامة وشبكة من الطرق تربط سائر حواضر "الكواراني" بعضها ببعض.
وقد أولى اليسوعيون المنازل قسطاً كبيراً من إهتمامهم لأسباب صحية وإجتماعية من جهة، ولاعتبارات دينية وأخلاقية من جهة أخرى، ودفعوا الهنود بالتدريج إلى السكن في بيوت تتسع لعائلة واحدة فحسب، لاستئصال تعدد الزوجات واللواط.
أما بالنسبة لتأثير اليسوعيين على صعيد الإدارة المدنية، فقد اختلفت الآراء حول تأثيرهم فيها. فمنهم من أدّعى أنهم كانوا متعطشين للسلطة وأن الإداريون الهنود كانوا أدوات غير فاعلة بين أيدي كهنة الرعايا، ومنهم من قال بأن تأثيرهم لم يكن له فاعلية كبرى إذ إن رائدهم كان التركيز على النظام الإقتصادي الإجتماعي دون سواه.، فبالرغم من الإنتقاء الدقيق لأعضاء هذه الرهبانية وتنشئتهم خلال سنوات طويلة من الدراسة ليكونوا خير قوة منظَّمة للكنيسة، فقد كانت تعوزهم المفاهيم الأساسية في علم الإجتماع، وهو من العلوم الحديثة. وبما أن هدفهم الأساسي هو تكوين جماعات مسيحية لاوثنية، فإنهم لم ينسوا قط هذه الغاية، ولو أنهم في نظر الشرعية الإسبانية كانوا المسؤولون الحقيقيون عن إدارة "الحواضر" بمساعدة معاونيهم الهنود.
الحياة الإقتصادية: كان النشاط الزراعي من أهم ركائز الحياة الإقتصادية في الحواضر، وعلى نتاجها قامت حياة الإرساليات، كالذرة والبطاطا الحلوة وقصب السكر والخضار والقطن، وبنوع خاص نبتة "اليرباماته"، أي شاي الباراغواي (Yerba Maté)، وتنبت بشكل تلقائي في المنطقة. قام اليسوعيون بعدة تجارب لزراعتها في حقول الحواضر التي كانت تستهلك جزءاً منها، وتقوم بتصديرها بكميات كبيرة، يستعمل "الكواراني" حصيلة بيعها لدفع الضريبة التي فرضتها المملكة ولشراء الأدوات الضرورية لتنمية الإقتصاد. هذه العمليات كانت تتم بإشراف اليسوعيين فالأرباح الصافية التي كانت تجنيها "الحواضر" تعود لها حصراً بهدف إزدهار المجتمع.
والحقيقة أنه لا وجود للربح الشخصي، فالأرض كانت خاصة بالجماعة ومحصولها لا يعود إلى الأشخاص من الذين يعملون بها ولكنه يوضَع في مخزن عام لسد حاجات اجماعة، وكذلك الأمر بالنسبة للمواشي وأدوات الزراعة، ولا يستطيع "الكواراني" أن يقول (أرضي) أو (محراثي) فقد كان هذا الكلام غير لائق، إذ أنها كلها ملك الجماعة أي الدولة. بالنتيجة لم يكن هناك نظام وراثي، ولا يحق "للكواراني" أن يملك إلا (قن الدجاج) الخاص بكل بيت. أضف إلى ذلك أن "الدولة اليسوعية" لم تعرف السيولة النقدية فقد كانت المبادلات تتم عن طريق المقايضة مما يُبرز عدم إمكانية بيع أو شراء الأراضي وبالتالي أي نوع من حق الإستعمال يدوم مدى الحياة. وهكذا فقد كان "الكواراني" يجهل المشاكل التي تعترض الإنسان المعاصر أي الصراع من أجل الحياة، المنافسة، البطالة، ولكن كان عليه التزامات لا بد من تنفيذها وهي العمل والخدمة العسكرية.
أما الصناعة فقد ازدهرت صناعة الغزل والنسيج اليدوي من القطن والصوف للإستهلاك الشخصي والتصدير، وقد أدخل الرهبان اليسوعيون زراعة القطن وعلّموا الهنود الحياكة والخياطة لصنع الألبسة إذ كان "الكواراني" لا يرتدون أي لباس قبل مجيئهم. واكتشف الأب (Sepp) سنة (1700) منجم للحديد وعلَّم "الكواراني" كيفية إستخراج هذا المعدن لتصنيعه ولكن يشكل بدائي. كما أُنشئت مؤسسات حرفية لإنتاج القبعات، والآلات الموسيقية وغيرها، كل ذلك تم بإشراف وتدريب المُرسلين بالتعاون من مسؤولين محليين من "الكواراني"، أما الرواتب المدفوعة فقد كانت عبارة عن قيَم عينية لهؤلاء العاملين.
التعليم والأخلاق: لم تكن الحواضر دوماً ذلك الفردوس الأرضي الآهل "بالمتوحشين الطيبين" وخاصةً في البدايات، إذ كانت تحصل الكثير من الأعمال المستهجنة والسكر والقتل، وكان على المرسلين التحلّي بالكثير من اللبغقة والصبر والحيلة للوصول إلى أهدافخم. وكانت عداوة السَحَرة والقُدامى المتمسكين بالتقاليد الموروثة تهدد حياة المُرسلين، لذا أُعطيَت الأهمية الأولى للتنشئة الدينية للشبيبة للتأثير بشكل غير مباشر على البالغين، فكان المُرسلون ينظمون في كل الأعياد إحتفالات مهيبة يقوم خلالها صغار "الكواراني" بدور أساسي في الترتيل وخدمة الطقوس، مما أعطى أعظم الأثر على والديهم وسمح للمُرسلبن بشق الطريق من خلالهم إلى قلوب الهنود. ويمكن القول بأن إنتصار مخلّص العالم لم بكُن في أي مكان آخر، أكثر كمالاً منه في هذه البلاد المتوحشة والتي لم يكن إسمه معروفاً فيها قبل ما يقارب القرن، فقد أصبح لكل رجل وإمرأة وطفل واجبات دينية يقومون بإكمالها بالإضافة إلى أعمالهم اليومية.
عندما أنشأ البسوعيون المدارس لتعليم الأولاد، ركّزوا أيضاً على الأمور العملية من فنون وصنائع، ولم يهملوا القراءة والكتابة بلغة "الكواراني"، بالإضافة إلى الإسبانية واللاتينية (خاصةً لإنشاد التراتبل في الكنائس). وقد اهتم المُرسلون بالمحافظة على لغة "الكواراني" وتطويرها، إذ أدركوا بأنهم لن يستطيعوا إيصال الرسالة المسيحية إلى الهنود إلا يإتقانهم اللغات المحلية، مما يعني الدخول إلى روح الثقافة الهندية قبل الشروع بعمل التبشير، ومن ثم إدخال التعابير والمفردات المسيحية إليها، ولم ينطلق ذلك عملياً إلا سنة (1575). ونتج عن التعليم المنظَّم الذي وفّره اليسوعيون باللسان "الكواراني" ولادة طبقة مثقفة بين الهنود، فازدهر نشر الكتب في الحواضر خاصةً يعد إدخال المطبعة إليها سنة (1695)، بينما دخات إلى مدينة بوينُس آيرِس سنة (1780).
كان الغناء والرقص هو أفضل ما يُمضي به "الكواراني" أوقات راحتهم ويدخل في صميم تقاليدهم، وقد اتخذ اليسوعيون في بادئ الأمر موقف الحذر الشديد من الرقص (أي نوع من الرقص) لربطهم إياه بالطقوس والممارسات السحرية التي شرعوا باستئصالها منذ مجيئهم إلى الباراغواي، لكنهم سرعان ما أدركوا صعوبة القضاء على تلك الهواية، فحولوها بكل مهارة ولباقة إلى ما يخدم قضيتهم أي "الدين"، واستحالت حفلات الرقص شيئاً فشيئاً إلى مسرحيات إيمائية وتمثيليات رمزية تعالج مواضيع تقوية كزيارة المجوس لمغارة الطفل يسوع، وصراع الملاك ميخائيل مع التنين... وأدخل اليسوعيون إلى جانب الموسيقى المحلية، الموسيقى الأوروبية، وأنشأوا معمل لصنع آلات العزف الثمينة كالأرغن، ومعهد للموسيقى تخرّج منه أمهر الموسيقيين والفنانين "الكواراني".
زوال دولة "الكواراني": لم ينظر الجميع بعين الرضا إلى تجربة "الكواراني"، فبالنسبة "للأساقفة" كانت من أكبر الأبرشيات الغنية في أمريكا والتي لا يمكنهم الإستفادة من مواردها لكونها تعود إلى التاج الإسباني، وبالنسبة للحكام فقد كانت منطقة تقع خارج نفوذهم ولا يمكن الإستفادة من جيشها المنظَّم... وفي سنة (1750) حيث وصلت دولة "الكواراني" إلى أوجها من حيث القوة والغنى والنظام وظهرت وكأنها ستبقى إلى الأبد، تم توقيع "معاهدة الحدود" في مدريد بين إسبانيا والبرتغال بحيث تتخلى البرتغال عن مستعمرة "سان ساكرمنتو" مقابل منطقة من الأوروغواي الأعلى، أي "سبعة من الحواضر اليسوعية" المتواجدة على الضفة الشرقية للنهر، وبذلك انسلخت سبع حواضر عن ال(33) حاضرة "للكواراني"، وابتدأ التساؤل فيما إذا كانت هذه المعادلة تخبئ وراءها سبباً أعمق لإصابة ما بناه اليسوعيون خلال حوالي (150) سنة.
وتوجهت كل الأنظار إلى الباراغواي، الملك، البابا، كل أوروبا، وحتى فرنسا مع فلاسفة عصر الأنوار. وكان اليسوعيون في تلك الفترة يمرون بصعوبات وأخطار، فعصر الأنوار كان يشق طريقه سريعاً في أوروبا في الأوساط الثقافية والحكومية، وازداد الملوك غيرةً على إستقلالهم عن تدخلات البابا، وراحوا يشددون الرقابة على الرهبانية اليسوعية المعروف عنها أنها في أساس دعوتها تأخذ أوامرها مباشرةً من الحبر الأعظم، وبات من الخطر عليهم في تلك الأحوال إرتكاب أية هفوة. وهكذا تلقى اليسوعيون التعليمات من رئيسهم الإقليمي "بإخلاء المنطقة بحسب الأوامر الملكية". وتلكأ الآباء وطلبوا إعطاءهم مهلة، لكنها دامت أربعة أعوام. وبالرغم من زيارة المندوب العام للرهبانية اليسوعية "للكواراني" مع الأوامر بإخلاء المنطقة، فقد رفض هؤلاء إخلاء حواضرهم. واندلعت الحرب بين الجيش البرتغالي/الإسباني المتحالف، وبين "الكواراني"، وكانت مواقف المُرسلين اليسوعيين تختلف من حاضرة إلى أخرى، لكن أغلب الآباء وبالرغم من تعليمات رؤسائهم، أخذوا على عاتقهم قضية "الكواراني"، حتى إن بعضهم حاربوا إلى جانب رعاياهم، وقد كان القرار الذي اتخذوه قراراً بطولياً، إذ إنهم باشتراكهم في المعارك يصبحون متهمين بعدم الطاعة للكنيسة من جهة، وبالخيانة العظمى للملك من جهة أخرى.
وفي سنة (1759) اعتلى عرش إسبانيا شارل الثالث، وكان أحد أول أعماله، رفضه لمعاهدة مدريد وبالتالي خروج البرتغاليين من الحواضر المستعمَرة وعودة "الكواراني" إليها لإعادة تعميرها ولإنعاش إقتصادها من جديد. لكن في 27 آذار سنة (1767) أتت الضربة القاضية، هذه المرة أيضاً من مدريد، إذ وقَّع الملك شارل الثالث قرار طرد الرهبانية اليسوعية على إثر وشاية من الكونت "أراندا" رئيس مستشاري الملك، ومن أتباع المذاهب الفلسفية والموسوعية، والذي أقنعه بأن اليسوعيين يتآمرون ضده، وأنهم يطمحون بالسيطرة على العالم وعقول الناس، وقدَّم إثباتاً على ذلك "رسائل مزورة تمس شخص الملك". وخلال ثلاثة أيام لم يبقَ أي راهب يسوعي في إسبانيا، كما عُمِّم هذا القرار إلى كافة المستعمرات في ما وراء البحار، وتم تنفيذه بالسرعة ذاتها، فقد تم توقيف كافة المُرسلين اليسوعيين وإرغامهم على الإبحار إلى أوروبا، وكان عددهم حوالي أريعمئة راهب في إقليم الباراغواي، منهم ما يقارب المئة في "الحواضر".
ومضى حوالي نصف قرن قبل أن تُعاد الرهبانية اليسوعية إلى إسبانيا سنة (1815) على إثر قرار أصدره الملك فرناندو السابع، إلا أنه في هذه الأثناء حصلت عدة حركات وثورات دفعت أمريكا الجنوبية للإستقلال عن إسبانيا، فقد استقلت الباراغواي في أيار سنة (1811) عن إسبانيا، وكذلك الأرجنتين. لقد زالت دولة "الكواراني" كوحدة إدارية لكن سكانها لم يزولوا، فإن حماية اليسوعيين الحازمة لهم قد حفظتهم كجماعة عرقية، وقد استطاع بعضهم ممن نجح في التكيُّف مع تغيُّرات المجتمع الوصول إلى مناصب هامة في الإدارة والحكومة.
 
خاتمة:
تعددت الآراء حول تجربة اليسوعيين في "حواضر الكواراني"، وتم نقدها من كافة النواحي الإجتماعية، والثقافية، والسياسية، وحتى الدينية، ولكن النقطة الهامة في هذه التجربة هي أن اليسوعيين لم ينظروا إلى التراث الثقافي المحلي نظرة سلبية، ففي حين كانوا ينشرون بين "الكواراني" ديانتهم المسيحية، لم يحاولوا أن يفرضوا عليهم الثقافة الإسبانية وهي ثمرة تطوُّر حصل في بيئة وظروف تختلف كل الإختلاف عن بيئة أمريكا الجنوبية وظروفها، وبذلك حقق اليسوعيون نحو قرنين قبل سواهم، المبدأ المُعلن حديثاً والقائل بأن نشر يشارة الإنجيل، وعلى صعيد آخر نقل الخبرات والتقدم التكنولوحي، لا ينبغي أن يرتبط بفرض أية ثقافة وطنية على حساب ثقافة أخرى، فاحترام اليسوعيون لثقافة "الكواراني" ولغتهم ساعدهم على الصمود في وجه الإبادة الجسدية والثقافية التي استهدفتهم، فاستطاعوا الإندماج في عالم أمريكا الجنوبية الجديد وتثبيت ذواتهم حتى على الصعيد الثقافي وبالتالي إنقاذ هويتهم.
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ثاوذوروس أبو قرةمقارنة بين سند السحب وسند الأمانة
البطريركيّة المسكونيّة في العصر الحديث.. من سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى اليومالاغتراب.. بحث في فلسفة التموضع عند برديائيف
المؤسسات الدينية وصرخة في وجه الرأسماليةحان الوقت لإعادة النظر... بالمقدسات الحديثة
مقارنة الإرث والوصية بين قانون السريان والروم الارثوذكس و قانون الطوائف الكاثوليكيةحنا الفاخوري مع الخالدين
الشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاًبولس الخوري: العلمانية تصون التنوّع الإنساني
الوشـاحقراءة في كتاب "اختلال العالم" مهداة إلى مؤلفه أمين معلوف لمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسية
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى