الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)

  بقلم: أنسي الحاج وبشير صفير وطلال حيدر


انقر هنا للتكبير
 
 
 
ذكرى عاصي الرحباني
بقلم: أنسي الحاج
 
لو بقي عاصي الرحباني في صحّته حتى انطفائه في حزيران 1986، ماذا كان سيكتب ويلحّن..
لقد بدا الخط البياني لمواقف الأخوين رحباني يتّجه من التصالح الطوباوي («جسر القمر») نحو مرارة الخيبة في مطلع السبعينات من القرن العشرين: «الشخص»، «يعيش يعيش»، «ناطورة المفاتيح»...
فهل نستطيع الاستنتاج من هذا التطوّر أنه كان سيفضي إلى واقعيّة أبعد عرياً؟ إلى مسرح غنائي أقل «غنائيّة» بالمعنى الرومانسي أو الانطباعي وأشدّ مواجهةً «والتزاماً»؟ ربّما. إذا أخذنا منصور لوجدنا تطوّره واضحاً في مسرحيّاته الانفراديّة، من سقراط إلى المتنبّي: إعادة إنتاج قصص من التاريخ. موسيقيّاً: انطلاق الإيقاع الذي عُرف لدى منصور، وهو الإيقاع المتنقّل غالباً بين شجن «شرقي» وسرعة أنفاس «غربيّة»، متقاطعاً مع موهبةٍ مرموقة في انتقاء اللفظة، وقوّة إيحاء، وحسّ وجداني إنساني موشّح بالفكاهة.
لا يحقّ لنا التمييز بين عاصي ومنصور الرحباني في مرحلة «الأخوين رحباني»، لكنّها ذكرى غياب الأوّل، لذلك أردنا، من باب لياقة المناسبة ومن قبيل الاجتهاد، أن نميّز ونحصر السؤال الافتراضي بعاصي والآفاق التي كان «يمكن» أن يرودها.
وبما أن الأجوبة مستحيلة فلنتخيّل:
ثمّة رأي يقول إنه لو أتيح لعاصي المجال لأكمل التلحين على نَسَق أغنية «طريق النحل» (في مسرحيّة «ناطورة المفاتيح»، 1972). الشرقي المطوّر. ليست أوّل ما لحَّن ضمن هذا الخطّ. هناك أيضاً، مثلاً، «يا حلو»، «يا طير»، «حبّيتك بالصيف»، «سنرجع يوماً». شرقي أكثر صهراً للمؤالفة بين جذور الفولكلور ولقاحات الغربي والشخصيّة المحض رحبانيّة. (نجد مثل هذا الشرقي، لدى زياد الرحباني: «كيفك إنت»، وفالس «إيه فيه أمل»). والواقع أن الشرقي الرحباني كان دوماً ومنذ فجر البدايات مميّزاً عن الشرقي المتداول، ومَن يذكر «إلى راعية» و«مغرور قلبي» و«جلنار» و«وقّف يا أسمر» و«راجعة» و«عتاب» لا شكّ يعرف ذلك. أطلّ الرحبانيّان فوراً بزادٍ معاكس للأغنية السائدة في الأربعينات والخمسينات: أغنية الوصال والبكاء وتقليد العثماني والمصري. الأغنية الرحبانيّة قد تُبكي ولكنْ من جمالها.
الثورة كانت في الموضوع أيضاً وفي الكلام خاصةً. هل مَن كان سيضع أغنية محورها الباب والشبّاك مثل «أمي نامت ع بكير»؟ أو غنائيّة كـ«نورا» على غيرة سببها تنّورة؟ أو «قلّلي حلو مبروك هالفستان»؟ أو «نحن ودياب الغابات رْبينا»؟ الغناء الرحباني طافح بجوّ الجبل عافيةً وألفةً وإيقاعاً ورقصاً. لقد «استضاف» الرحبانيّان أجواءً بدويّة وأخرى أندلسيّة، ولهما ألحان «عربيّة» مسترخية، ولكنْ على سبيل التنويع ولإرضاء أكبر عدد ممكن من المستمعين. ورغم «تشديد عروقها» كانت هذه التشكيلات تبدو غالباً أضعف أوقات العرض الرحباني. لعلّنا لا نجافي الحقيقة إن قلنا إن عاصي الرحباني الأهمّ موجود على قمّتين هما شفافية منتهى الرقّة وعاصفة القوّة الجارفة.
وقبل أن ننهي هذا المقطع نضيف أن الرحبنة سمة ملازمة للأخوين حتّى في شطرهما الغربي. وبالغربي نقصد، مثلاً، الأغاني التي على إيقاع التانغو: «يا زنبق»، «مشوار»، «شال»، وسواها. وحتّى الأغاني المترجمة لحنيّاً في مرحلة سابقة كانت كلمات الأغنية تقيم لها توازناً هنيئاً مع اللحن. والتوازن الأكبر هو على الدوام صوت فيروز.
اختلفت الأغنية الرحبانيّة اختلافاً رئيسيّاً عمّا قبلها شكلاً ومضموناً، لا بفضل التوزيع وحده بل بسبب روحها كلّها: تقطيعها وتركيبتها، قِصَرها، لغتها، موضوعها، نمط الحكاية الذي اشتهر به عاصي. حتّى القصيدة الفصحى لا تشبه ما قبلها. قصيدتهما حميمة دافئة لا أثر فيها لتقليديّة القصيدة العربيّة المسهبة و«الكاسرة» على المستمع. ولعلّ أغنية «سائليني» تظلّ نجمةَ هذا النوع. ولكنْ حتّى القصائد التي اختاراها لسائر الشعراء اختاراها أقرب ما تكون إلى عالمهما الجديد. كل أغنية رحبانيّة هي مختلفة عن سلالاتها السابقة. وأغنيتهما الفرديّة، وهي لا تتجاوز بضع دقائق، تتلألأ بين الأغاني العربيّة كلحظة المعجزة. الجوقة ذاتها عندهما تُحسّها، من فرط عنايتهما بتمييزها والاعتماد عليها عنصراً جوهريّاً، كأنها مطرب فَرْد لا جوقة.
 
لا أحد يعرف ماذا كان كتب لو بقي، لكنّنا نُقدّر أنه ما كان لينكث بعهده في النطق بأحوال محيطه وإعانة هذا المحيط والحلم له بمخارج. كان من جنس الآباء الأنبياء. لم يكن مفكّراً محترفاً لكن الفكر كان، كما يحصل لدى عظماء الفنّانين، عنصراً أساسيّاً في مشروعه. كان عاصي الرحباني فنّاناً شموليّاً يمتلك رؤيا متكاملة من أعلى الهَرَم إلى أدنى حجارة القاعدة. لم يكن يحتاج إلى أكثر من معاونين ومنفّذين وبالأكثر متواطئين مشاركين في النظر والتطبيق، باستثناء فيروز التي تَحقَّق له معها، صوتاً وحضوراً عاماً وخاصّاً، أكثر ممّا يحلم شاعر وملحّن ومعمّر عوالم جماليّة بأن يَنْعم به. لقد حظي معها بكمنجته الفضلى، كمنجته الوحيدة من نوعها، الكمنجة والبُزُق والقانون والناي والمزهر والبيانو وسائر ما يُرى وما لا يُرى من أوتار التعبير، فأشبعت فيه كلّ جوع إلى الإفصاح، من الإيحاء إلى الهتاف، من الظليل إلى الساطع، من أنعم الهدهدة إلى أشدّ التجييش.
إن استحضار عاصي ومحاولة اعتصار مواقف محتملة له في أوقات الشدّة ليس ظلماً له بل هو تعبيرٌ عن خواءِ واقعنا الفنّي واعترافٌ بضخامة دور ذلك العملاق الذي لم يعادل عبقريّته سوى تواضعه.
 
تتبادر إلى الذهن لدى الإشارة إلى شموليّة عاصي الرحباني شموليّة فنّان آخر هو فاغنر، طبعاً دون ادّعاء المشابهة على صعيد آخر. المقارنة جائزة لأن الاثنين توتاليتاريّان في المفهوم الكلّي للعمل الفني: كلاهما لديه تصوّر مُتمَّم للمسرح والموسيقى والتمثيل والموقف الحضاري. هنا تنتهي المقارنة. وتعود سطحيّاً لدى تذكُّر أوبريت «رحيل الآلهة» للرحبانيّين (بعلبك 1960): هنا يناشد الآلهةُ الصبيّةَ (فيروز) الرحيل معهم فيما يناشدها البشر البقاء بينهم وتختار البقاء. وفي أوبرا لفاغنر ينتزع البطل سيغفريد نصف الإلهة برونهيلد من حالها نصف الإلهيّة ويعيدها إلى البشر منقذاً هؤلاء ونفسه والمرأة بالحبّ. في «جسر القمر» (1962) تعود الصبيّة المسحورة إلى طلب الخلاص بالحبّ. الحب الرحباني هو بالأكثر الحنان. هو الخوف على الآخر. «معقول يا قرنفل اقتلِك؟ معقول حدا يقتل حدا خاف عليه؟» يقول الوالي في ختام «صحّ النوم» لفيروز. وفي «ناطورة المفاتيح» يتطهّر الملك من جرائمه بالندم ويعقد مع الشعب عهد المحبّة. أين نحن من فاغنر: بدأ بالتفاؤل وانتهى بالتشاؤم. عاصي شاعر وفنّان معدنه الطيبة والسخاء وفاغنر رائد القوّة الساحقة والدم. مع فاغنر نواجه غربةَ صقيعٍ تام. محيي أساطير التفوّق الجرماني والهيمنة العنصريّة. فنّان يتألّه وفنّان يؤاخي الرعاة والصيّادين والعشّاق ودبّيكة الساحات ويأخذهم ويأخذ معهم سائر الحالمين والبسطاء إلى حقول الفرح المفتوح على الفرح. فنّانٌ يتشامخ ويتشاوف بميلوديّات لا تبدأ ولا تنتهي، مثقلة ثقيلة، تضيع أحياناً في تلافيف ذاتها دون ختام، وآخر لا يتدفّق منه سوى الشَغَف والحبور، رَقْص الروح وكل المسام، نعمةً فوق نعمة. واحدٌ يسحرك ويخيفك، وآخر يسحرك ويغمرك بالطمأنينة. ثمَّة من يَنْبش الأساطير ليبني عليها وثمّة من تتحوّل حكاياته البسيطة الى أساطير. عاصي هو الثاني. إنّه الذاكرة الثانية. لم يوجِد فولكلوراً في قلب الفولكلور فحسب بل أقام منائر للأمل في غابة الوحشة. دعك من عظمة الكلاسيك. دعك من مشاعر النقص. شعبيٌّ مبارَك الأثر، ذو مناخ مَطهريّ فردوسيّ ومفاعيل مرتقية بأفضل ما في الإنسان، هو أخو الكلاسيكي العظيم المُفعم روحك بالجمال. تسقط الجدران تحت شلّالات النور.
 
«لم يكن عنده مستحيل» تقول فيروز. وكان أمهر خبير في استخراج أفضل ما في الأصوات.
حتماً كان سيجد أماكن التلاقي بين الجسور التي نراها اليوم مقطوعة. تلك كانت إحدى مواهبه. حتماً كان سيخلق الأعمال التي تعلو فوق الانقسامات. لا نستطيع أن نتكهّن بما كان سيفعل، ونستطيع أن نجزم بأنه كان سينفخ فينا الهواء الناقص ويشعل القناديل المطفأة. هناك كلمة حقّ كانت له وحده وكان، لو بقي، سيدفئنا بها، ونفحةُ عذوبة وجمال كانت له وحده وكان، لو بقي، سيعطينا إيّاها. كان منصور يتطلّع إلى وقت ينصرف فيه لتأليف الموسيقى الصافية، والأرجح أن عاصي لو دامت له العافية والحياة لما لحّن إلّا للغناء وللحّن أوّلاً ودائماً لفيروزه الرائعة.
يقول، وتغنّي فيروز في نهاية «صحّ النوم»:
«رميتْ السعاده للناسْ
زَهّرِتْ بإيدي»
صحيح يا عاصي؟ تقول إن حقّك وصلك بإسعاد الآخرين، هل نصدّق؟ خلناك، خصوصاً منذ «جبال الصوّان»، قد داخلتك الأسئلة ذات الغصّة. وفي مرضك وصل القلق إلى حدّ «الهدير الدائم». لم يسعفه هدير عطائك. لم تمسحه محبّة الناس. ومن إيمانك بالحبّ، إيمان العقود الأولى، رحتَ تجاهر بإيمانٍ بديل هو الإيمانُ بالفنّ وحده. نسيت شيئاً، وهو أن إيمانك ذا الوجهين كان منذ البدء هو نفسه: لا حبّك كان لحظة واحدة بدون فنّ ولا فنّك لحظة واحدة بدون حبّ.
أنت هو جسر القمر، رفعتَ الجسر، وأضأتَ القمر، وسوف يظلّ يضيء.
 
بحثاً عن «سرّ» عـاصي الرحباني
بقلم: بشير صفير
 
ربع قرن على رحيل عبقري «جسر القمر»
في مثل هذا اليوم قبل 25 سنة، توقّف الهدير في رأسه، ولمّا تزل قامته ترخي بظلّها على الذين جاؤوا بعده. آمن بأن الأغنية تسهم في بناء النفس البشريّة، وترك بصماته على ذائقة معاصريه... لأنّه «عبّر عن نفسه بإخلاص»
مثّل عاصي ومنصور شخصية فنية معنوية واحدة هي «الأخوين رحباني»، لكن هذا لا يمنعنا من القول إنّ لكل منهما ميّزات خاصّة، أثّرت على نحو متفاعل بعضها في البعض الآخر (وربما على نحو مستقلّ)، في العمل الفنّي. حتى منصور تكلم عن صفات عاصي باعتبارها خاصّة بالأخير. خصائص النتاج الفنّي العام شيء (الأخوين رحباني)، وفرادة المرء، مستقلاً أو ضمن شراكة، شيء آخر (عاصي ومنصور وفيروز). في ذكرى عاصي، نتناول ما رسمته لنا الشهادات به مِن ملامح عنه، بُغية تبيان علاقة عضوية محتمَلة بين شخصية هذا العملاق وطبيعة مساهمته الأساسية في المشروع الفنّي الكبير للأخوين رحباني وفيروز. ما همنا في الحديث عن قدرات عاصي التقنية في العزف والتلحين والتوزيع وكتابة الشعر والمسرح؟ كل هذا يبقى أدوات بين يدي المبدِع.
 
الأهم هو السبب الكامن وراء حسْن استخدام هذه العناصر. التعب ضروري، وكذلك المهنية والدقة والسعي نحو الأفضل في التنفيذ، لكن، مرةً جديدة، ما هو السبب وراء ذلك؟ سبق أن تكلّمنا عن «السرّ»، فلنحاول أن نجد هذا السرّ.
هناك ميزة عند عاصي، لعلّها قاسم مشترك بين كل ما قيل عنه وكُتب، رغم الاختلاف في التعبير عنها، نسبةً إلى زاوية مقاربتها: القلق، والشكّ والإيمان، وكذلك الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية (إلى أين؟ ماذا بعد؟). الفنّ (والشعر منه) والحساب (الخاصّة الأساسية، لكن المخفيّة، في الموسيقى) والميتافيزيقيا. هكذا لخّص عاصي ثالوث الكون الذي لا ينفصم على حدّ تعبيره.
يروي مَن عرفوه أنه كان منخطفاً على نحو شبه دائم. موجود وغير موجود. غائب. يدقّ على صدره إيقاع لحنٍ يعذّبه. لحنٌ في مرحلة المخاض المؤلم الذي يسبق الولادة مباشرةً. «مسلوب»، يقول زياد في وصفه المعبِّر لهذه الحالة، لكن مسلوب إلى أين؟ إلى الماورائيات؟ إلى الفنّ شعراً وموسيقى؟ في الحالتين، ما زلنا ضمن ثالوث الكون. أو ربما هذا هو مصير مَن يبدِع للقريب مستلهماً البعيد. جسده يبقى قريباً، هنا، ونفسه تحلق بعيداً، هناك. هو جسر القمر، كما وصفه أنسي الحاج.
معروف عند الأخوين رحباني البساطة. الناس البسطاء. الحياة البسيطة. معظم ما صنعوه شعبيّ. يفهمه كل الناس ويمس أبسط البسطاء. إذاً هناك ازدواجية بين المصدر العالي، المنفصل ولو شكلياً عن الحياة اليومية، والنتيجة النهائية التي لا علاقة لها إلّا بالحياة اليومية. ربما التصادم الدائم بين هذين الهمّيْن المتباعدَيْن، في نفْس عاصي الفنان، هو السبب وراء هذه الانفجارات واللهيب الذي ولّده إبداعه. هذه قاعدة مسلّم بها في العلوم. وقد يكون الأمر كذلك في الخلق الفنّي. فالخلق بمعناه الكوني هو نتيجة أعلى «حادثة» تصادم في الوجود، صحيح، لكن تبع القاعدة نفسها الكون آخذٌ في التمدّد، وكذلك «كون» الأخوين.
الشك والإيمان يعملان أيضاً في هذا الاتجاه. والأصح أن الشك والإيمان هما الشك فقط. فالشك هو الحد الفاصل. أو النقطة التي يتصارع عندها الإيمان وعدم الإيمان، وتتكثف فيها الأسئلة بسؤال واحد: إلى أين؟ إلى اليمين أم إلى الشمال؟ إلى الإيمان، وننتهي من هذا الصراع، أم العكس؟ لم يغلب أيّ منهما الآخر عند عاصي. ربما لم يقتنع، بصدق، بأيٍّ مِن الجوابيْن لكي يجاهر بهذا الخيار أو ذاك، فترَك الأمور معلّقة عند نقطتيْ التعجّب والاستفهام، أي الشك. أما قلق عاصي، فلا يخرج عن المساهمة في هذه اللعبة المدمّرة/ البنّاءة. قلق عاصي قلقان. كل منّا يعاني أحدهما، لكنهما اجتمعا في عاصي و«مرجحاه» بين البشر، والـ «كبير» كما كان يسمّي الخالق. قد تكون كل هذه الأسباب وراء عشق عاصي للطبيعة.
 
قبضاي... ورئيس بلديّة
تتكوّن شخصية عاصي الرحباني الفنان من عدّة شخصيات: فهو الملحن والشاعر والمسرحي والمخرج و... الممثل أيضاً. هذه الصفة الفنية الأخيرة، هي الأقلّ تداولاً عند الحديث عن عاصي. ولذلك عدّة أسباب، أبرزها طغيان مهماته الفنية الأخرى على التمثيل، المجال الذي لم يكن له تجربة كبيرة فيه. نستثني في هذه الإضاءة مساهمته التمثيلية صوتاً (أبرزها في الاسكتشات الإذاعية)، لنركّز على إطلالاته ممثلاً بالصوت والصورة.
عاصي هو أبو أحمد القبضاي في «سفر برلك» (1967)، الفيلم الثاني في ثلاثية «الأخوين رحباني» السينمائية، بعد «بياع الخواتم» (لم يظهر فيه عاصي/ 1965) وقبل «بنت الحارس» (1968) الذي مثّل فيه عاصي دور رئيس البلدية.
قد تلهينا القصة، وحضور فيروز والموسيقى أثناء المشاهدة. لكنّ عاصي أدى الدوريْن المذكوريْن بحرفيّة نادرة. تقمّص عاصي شخصيّة أبو أحمد، فأعطاها كل ما يتطلبه دور القبضاي الذي نسمع عنه في الحكايات الشعبيّة. أما في دور رئيس البلدية، فقد أجاد عاصي في التعبير الخفيّ من خلال ملامح الوجه ونبرة الصوت.
 
سيرة «الانفجار الكبير» من أنطلياس إلى العالم
منذ ربع قرن، رحل عاصي الرحباني. من الطفولة إلى المحاولات الفنية الأولى، ومن «الأخوين رحباني» مع شقيقه منصور، إلى اللقاء مع فيروز الفنانة، والمرأة، ثمّ «الانفجار الكبير» الذي أحدثته أعماله في فضاء الفن اللبناني والعربي... يصعب اختصار سيرة عاصي. ولد عاصي حنا الرحباني عام 1923. أحَبّ الشعر والموسيقى منذ صغره، وعشق الألوان الفولكلورية اللبنانية. أصدر عام 1937 مجلةً سمّاها «الحرشاية»، وكان يكتب كلّ موادها بخط يده، ويوقّعها بأسماء مستعارة. عام 1938، حقّق حلمه بشراء آلة كمان، وبدأ يتعلم العزف عليها. في تلك الفترة، جاء الأب بولس الأشقر إلى أنطلياس، وتولى تلقين عاصي ومنصور دروسهما الموسيقية الأولى، قبل أن يتابعا مع أستاذهما الفرنسي برتران روبيّار.
في عام 1942، توظّف عاصي كبوليس في بلدية أنطلياس. ثم بدأ نشاطه الموسيقي والمسرحي مع منصور من بلدتهما. عام 1947دخل عاصي الإذاعة اللبنانية وتبعه منصور. هناك التقيا فيروز، وبدأ التعاون الفنيّ. ثمّ تزوّج عاصي وفيروز عام 1954، وأنجبا زياد وهلي وليال وريما. عام 1957 بدأ مشوار الأخوين رحباني وفيروز في «مهرجانات بعلبك»، وقدّموا فيها، وفي مهرجانات محلية وعربية، عشرات الأعمال المسرحية الغنائية والحفلات. عام 1972 أصيب عاصي بجلطة دماغية حادّة، لازمته عوارض «الحادثة» حتى رحيله في مثل هذا اليوم من عام 1986.
 
عن الأغنية وفيروز وزياد: الفنان ابن الوعي
قال عاصي لزياد يوجد فرق نوتة واحدة، قبل أو بعد، صعوداً أو نزولاً، بين الأغنية السخيفة والأغنية البسيطة. هذه القاعدة ـــــ البسيطة هي الأخرى ـــــ اتّبعها عاصي لمعالجة أعمق المسائل بما ما قلّ من الكلمات ودلّ. في الفنّ، والفنّان، والعمل الفني أو الأغنية، قال عاصي الكثير. كان يردّد دائماً: «الفنّ ابن الوعي»، هو الذي لم يحتجْ يوماً إلى الكحول لكي يبدِع، كما يُروى عنه. ولم يكن عاصي يؤمن بوجود الكمال في الإبداع: «المبدع محكومٌ بالعجز عن خلق الكمال».
أما عن آلية العمل في هذا المجال، فكان يقول: «لم أكن معتاداً أنصاف الحلول في الفن. الكفاءة عندي أهم من كل شيء. كنت قاسياً حتى على نفسي». في السياق ذاته، سُئل عاصي عن التطور في الفن، فكان جوابه (بالعاميّة): «التطور الفني صعب التكهن فيه، وما بيحْدُث متل التطور العلمي لأنو الجمال صعب تبْني عليه كتير [...] ولهالسبب ما بعرف كيف بدها تتطوّر الغنيّة». غير أنه كان يرى أن للأغنية وظيفة واضحة في المجتمع: «تدخل الأغنية إلى بيوت الناس كالنسمة، والضوء، والشمس، وهي تساهم إلى حدٍ كبير في بناء نفوس الناس. من هنا كان واجب الذين يضعونها أن يسهروا عليها لتكون نسمة خير».
وفي ما خصّ الإنسان الفنان، كان عاصي مؤمناً بثابتةٍ لا جدل حولها: «الفنان الحقيقي هو اللي بيعبّر عن نفسه بإخلاص».
من ناحية أخرى، عُرِفَ عن عاصي الرحباني قلقه الدائم. توأمه في المشروع الفني، منصور، قال إنّ عاصي كان يعيش القلق الميتافيزيقي، القلق الماورائي، وإنّه كان يفتّش عن الحقيقة. يقول عاصي: «القلق يصاحبني أينما ذهبت. إنه يجلس معي، ويجب أن أكمل الطريق لأصل إلى السعادة». وربما في الاتجاه ذاته، أتى كلامه عن الهدير الذي كان يضجّ في رأسه فيقول: «هذا الهدير يسمّيه جبران (خليل جبران) هدير السكون. هو هدير في العمق يرافقني منذ زمن طويل قبل الحادثة (أي إصابته بجلطة دماغية في 1972)، ويضايقني إلى حد كبير. أمنيتي الوحيدة اليوم أن يتقدّم الطبّ ويخلّصني من الهدير الذي يرافقني، لأنّني لا أستطيع أن أعيش دقيقة واحدة بلا تلحين وعطاء» (1982).
بعيداً عن الفن، كان عاصي «بيتوتياً» كما وصفه منصور. أحبّ الأولاد وعَنَت له الطفولة كثيراً. قال (بالعامية): «الإنسان اللي بيجيب ولاد ع الأرض، مجبور ينتظرهن ويشوفهن عم يكبروا ويحبن أكثر. لأنو الولاد هنّي الحياة». وأيضاً: «دايماً في أجيال بدّها تجي، وولاد يلعبوا بالشمس». لكن للطفولة بعداً آخر عند عاصي: «...أحب الطفولة كثيراً ولم أزل واقفاً على عتبتها. أنا خادم الطفولة».
وعن فيروز الفنانة، قال: «وجود فيروز، بقدْر ما هو مساعد على إضفاء الجمال، بقدْر ما هو متعب، لأنّه يفرض على الأغنية أن تظلّ في مستواها. إنه يضايقني بقدْر ما يريحني. لأنه، بنسبةِ ما تؤدي لحناً ممتازاً، فهي تتطلب لحناً ممتازاً». وعن فيروز المرأة و«ست البيت»: «أحب في فيروز المرأة، صراحتها. إنها صريحة جداً... وتحب البيت أيضاً. عندما تنهي حفلاتها، تعود امرأة الداخل الطيّبة التي تهتمّ بأطفالها كأي أم أخرى، وتدير شؤونها البيتية بنفسها».
ختاماً، يرى بعضهم أن زياد لا علاقة له فنياً بالأخوين رحباني، البعض الآخر يرى فيه امتداداً لهذه المدرسة. وهذا رأي عاصي: «زياد هو فعلاً ابن العائلة الرحبانية وقد انطلق منها. زياد لا يكون رحبانياً إذا لم يكوِّن عوالمه الخاصة وشخصيته المميّزة».
 
رفيقا الدرب يرويان صاحب الحزن الكبير
يعرف الجميع أنّ أقرب شخصيْن إلى عاصي هما فيروز ومنصور. فيروز كانت الملهمة والصوت الجميل والشريكة في بناء العائلة الصغيرة والفنانة المساهِمة في إيصال الإبداعات. أما منصور، فكان شقيق عاصي، ورفيق دربه في كل مراحل حياته وشريكه في المشروع الفني الكبير الذي بناه الأخوان رحباني. لكلٍّ منهما علاقته الخاصة بعاصي، ولكلٍّ منها كلامٌ يوضّح لنا جوانب من شخصيته الاستثنائية.
قُبيْل رحيل عاصي، وفي فترة العجز الجزئي الذي سببه له المرض، قالت فيروز (بالعامية): «حزن عاصي أكبر من مرضو وأخطر. الإنسان لمّا بيشوف حلم عمّ يتحقق، وفجأة بينكسر هالحلم، بيحزن، وشي بداخلو بينزف، وما بيوقف... عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية، الفرح فيها شي موقّت، والحزن والألم هنّي الأساس. وفرحنا الموقّت كان الحلم، والحزن كان الحقيقة».
وأضافت: «بس ما كنت أعرف هالشي! ما كنت أعرف إنو الإنسان إذا ضحك، راح يبكي ألف دمعة مقابل هالضحكة». وبعد رحيله بست سنوات، قالت: «كان دائماً مشدوداً إلى عالم آخر، إلى وطن يرسمه أجمل من كل الأوطان. كان كثير الأسئلة، يصيب الجميع بإرهاق وهو يناقشهم وكان يلقب نفسه بـ«المشارعجي». كان يحاول أن يجد جواباً على كلّ شيء [...]، جاء ليعرف، كما كان يردِّد دائماً: «جينا تنعرف». لذلك كان كثير الشك، والقلق، ومأخوذاً بأشياء لا يعرف ما هي. يتطلع دائماً إلى مكان غير موجود».
ثم اختصرت فيروز في شريط «كانت حكاية» (إخراج ريما الرحباني/ 2009)، التحوّل الكبير الذي أحدثه عاصي في حياتها، فقالت (بالعامية): «حبّيت صوَر عاصي، ومطارحو، ودخلت عليها، وما عاد فيّي إطلع منا، وصارت هيّي عالمي».
أما الراحل منصور الرحباني، فقد أضاء على ميّزات عاصي الفنان والإنسان، في أكثر من لقاء إعلامي. في عام 1987، أوضح منصور أمراً مهماً في شخصية عاصي الفنية المسرحية: «لم يكن عاصي يؤمن أن الكاتب «ينزل عليه الوحي». النبوغ والتقنية هما الأساس في نظره. ويكفي الكاتب الجو الهادئ ليكتب، وفي أي مكان. كان عاصي أحياناً يقفل مكتبه ثلاثة أو أربعة أيام ويكتب مسرحية كاملة. مسرحية تحتاج طبعاً إلى إعادة كتابة وتنقيح وتعديل. لكن المهم كان سريعاً. ولا أذكر أن الوقت سبقنا مرة في عملنا». وعن تأثره بالأنماط الموسيقية، قال منصور: «لم يتأثر عاصي بأحد، غير أنه اختزن الفولكلور، والموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، والموسيقى الشرقية، والبيزنطية، والسريانية المارونية، والتواشيح. لكنه لم يكن ينبع إلا من ذاته، فأعطى الفن المميّز». وأيضاً في تناوله محور المسرح الرحباني، قال منصور: «الإنسان هو الأهم في المسرح الرحباني عند عاصي. هذا الكائن البشري، المقهور والمعذّب في الوجود، كان كل همّه».
عام 1995، كتب منصور في كتيِّب ألبوم «إلى عاصي» (تكريم عاصي الذي أنجزه زياد الرحباني من خلال إعادة توزيع مختارات من أعمال الأخوين رحباني): «... كان دائم القلق، لا يرتاح إلا حين يستغرق في التأليف أو في جلسات الجدل، لينسى، ولو مؤقتاً، ذلك الهدير الداخلي المتصاعد سؤالاً، إلى أين؟».
 
عاصي
بقلم: طلال حيدر
 
إذا بدا لكم أن الصوت بعيد
فاحذروا
أن يؤذن له بالدخول
وأنتم غياب
كان جميلاً ككنيسة شرقية
مزيّنة بصياح الديك.
حكموا بالنفي على جميع الأحزان
فطارت يمامة من القلب
وتزيّنت الأيام بنهار الجمعة..
كان صافياً كجميعكم
 
لم يعد أحد يضع بين يديه صينية الفصول
يا حزيناً كغربة إلى الأبد
الأرض تدور مرة واحدة.
ذَهَبُ الوقت الأول
 
لا أحد سوف يكشف السرّ.
الزمن السعيد
الحاضر المزيّن بمجيئك فجأة
الماضي الداخل إلينا منذ لحظة
في طريقه إلى المستقبل
 
الضعفاء يضعفون لأنهم لا يعلمون
كم ستكون جميلاً طيلة أيام الصيف.
 
يداه مطبقتان على نجمة
والنجمة فرحانة كنقطة تفرّ عن السطر.
الانتظار يسرق الإيمان
لكن إيمانه سبق الفاجعة..
 
الذي لا يموت
لا يمكن إلا أن يكون وحيداً.
طوبى للذين يموتون
 
البزق يقيم لك قداساً في ساحة القلب
الريح وحلفاؤها يناولونك القربان المقدّس
وأنتِ
وحيدةٌ بين النساء.
من أين نأتي لكِ بهذه الأحزان مرة ثانية...
(1987 ــــ مهداة إلى زياد)
نقلاً بتصرّف عن "الأخبار"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق
«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟
«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيريةباخ كان هنا
كتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرين
فتاة بيتهوفن..«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة
السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم«الناي المسحور» لموتسارت: انتصار النور على الظلام
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى