الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> ثقافة عامّة

القول الشعري والقول الفلسفي

  بقلم: المصطفى مراد

 
علاقة العربي بالفلسفة تستدعي تأملات متأنية، ففجر انفتاحنا على التراث اليوناني، حاربنا الفلسفة باللاهوت، المنطق الصوري بالنحو الطبيعي، البرهان والقياس بالتمثيل والمثال، الجدل بالمناظرة، والمقولات بالأسماء والصفات، وعقب صدمة الحداثة؛ وجدنا العقل ذاته الذي حارب على هذه الأصعدة أمس، يفتخر بماضيه الذهبي ويمن على الغرب نهضته كونه ساهم فيها، بأن كان خير وسيط لعلوم اليونان، والمفارقة هي أنه يؤكد على هذا "المعتقد" ليستمر في محاربتها، وعندما انتقلت هذه الفلسفة إلى مرحلة قوضت وتجاوزت وفككت مقولاتها التي حاربناها، تبنينا كل أسس هذه المرحلة الجديدة، وهي المرحلة المعاصرة، ووجدنا في تكسير الحواجز بين الشعر والفلسفة، العقل والخيال، الفرضية والواقع، الذات والموضوع، الله والعالم، الفيزيقا والميتافيزيقا، وجدنا في ذلك ضالتنا، فقد انتصر "سكوننا" على "ديناميتهم"، وانتصرت "دائرية" فكرنا على "تقدمية" فكرهم، وانتصرت أساطيرنا على عقلانيتهم، فظهر منا من يبارك اهتمام العقل الغربي اليوم بابن عربي والحلاج والسهروردي وعمر الخيام والنفري وابن الفارض، وهم الذين عانوا من اضطهادنا أمس، وغدا عندما سيكمل العقل الغربي سفره وترحاله إلى جزيرة فكرية أخرى لا قِبل لنا بها، سنطفق مرة أخرى في البحث عما يجعل "سكوننا" أكثر "ذكاءا" من "سفرهم"، ولن تُتاح لنا فرصة، والحال هذه، أن نجرب مرة أن نتخلى عن "ذهنية" المناظرة في التعامل مع فكر الآخر… وأن نجرب متعة الطريق لنرى الوهم الكامن في الوصول.
قد يتساءل القارئ عن العلاقة بين هذه المقدمة وموضوع العلاقة بين الشعر والفلسفة المشار إليه في العنوان، والجواب هو أنه إن كان أغلب الباحثين يتطرقون لهذا الموضوع باعتباره مخرجا لتفادي إحراجات العقلانية الحديثة، فيبحثون في موضوع شعرية الفلسفة وفلسفية الشعر باعتباره من لواحق القول عن هيدغر، تمام كما من لواحقه أيضا الحديث عن ميتافيزيقا التقنية والعلم والعقل الغربي، ويتم تجزيء هيدغر عن البراديغم الذي أنتجه، فأسلافنا شرحوا ولخصوا وفسروا ووضعوا حواشي لأرسطو، بل وعمدوا على إفراغ مقولاته من مضمونها العلمي وملئوها بالتيولوجيا، واليوم يتكرر "التكرار" نفسه مع هيدغر، وكأن قدر المتفلسف العربي هو أن يتفلسف من خلال الشرح والتلخيص والتفسير.
هذه المقاربة الخاطئة يمكن تفاديها إذا اعتبرنا أن كل قول عن الفلاسفة ينبغي أن يكون فقط مدخل للقول في المفهوم، ففي البدء كان المفهوم، فليس من الفلسفة في شيء أن نغوص في سيرة هايدغر ونمارس "التحقيق" الاستخباراتي عن علاقة هيدغر مثلا بالحزب النازي وموقفه من المحرقة وعلاقته بحنا أرندت وكيف كانت زوجته تعبر له عن انزعاجه منها، وسر خلواته في البادية الألمانية وكيف كان يستمتع بلقاء القرويين…فلا يمكن بناء أطروحة على سيكولوجيات من هذا القبيل، ولكن الذي يهمنا هو تتبع عملية بناءه لمفاهيمه، مفهوم الدازاين مثلا، والكشف عن مختلف أبعاد هذا المفهوم، أنطولوجيا ووجدانيا ومعرفيا، وعلاقة هذا المفهوم بالفلسفة ذاتها، الفلسفة بما هي عبء وفعل خلاق وماهوي لكونها تتأسس على وضعية وجدانية هي وضعية la mélancolie، يقول هيدغر "الفلسفة هي سلوك خلاق وماهوي للدازاين البشري في الحالة الوجدانية للغم"، "la philosophie est une action essentielle créative du Dasain humain dans l’affectivité fondamentale de la mélancolie "فاعتماد مقاربة من هذا القبيل من شأنه أن نحمي الفلسفة كقول مخصوص من أعباء أقوال أخرى كالقول التاريخي والسيكولوجي والسوسيولوجي وغيرهم، نفس الوقت الانفتاح على إشكالات واعدة، منها التي سنسعى لملامستها ولو لماما والمتعلقة بالفلسفة بما هي شغف وحدس وحماس "enthousiasme" وبالتالي الحاجة لإعادة ترتيب العلاقة بين الخيال والعقل، الفلسفة والشعر، النفس والجسد على ضوء فكر هايدغر، من خلال الوقوف في المرحلة أولى على البعد الوجداني للدازاين ثم مبرر هايدغر في جعل الشعر فكرا أصيلا للوجود.
وفق هذه الرؤية التي تجعل المفهوم أولى من الفيلسوف، والنسق أهم من الذات، والبراديغم أهم من صناعه، تصبح المحبة متعلقة بالحكمة، والحكمة متعلقة بمحبة النظر في المفاهيم وهي تكون وتفسد، تولد وتكبر، تثور وتخبو…أما البحث في سير الفلاسفة فيسقطنا في تفاضلية نجدها عند بعض المتفلسفين العرب، عندما نجعل هايدغر أهم من هيغل، وهيغل أهم من كانط، وكانط أهم ديكارت "انحدارا" إلى حكماء ما قبل أفلاطون، والفلسفة بما هي شغف ومحبة تتحقق مهما كان الزمن الفلسفي الذي ننظر فيه لمفهوم ما، هكذا يصبح المتفلسف من خلال مفهوم الشعر في علاقته بمفهوم الفلسفة قادرا على عيش هذا الشغف وهذه المحبة في "الجمهورية" بالقوة ذاتها في "التأملات" وبالقوة ذاتها في "الزمن الوجود"، أما أن نخرج الهيدغرية من براديغم لم ينزل وحيا من السماء، بل هو نتاج قرون من عمليات مفهمة، ونحولها إلى إيديولوجيا لتصفية حسابات جهلنا بتراث في حجم التراث اليوناني، فإننا نعيد إنتاج الخطأ نفسه الذي قمنا به مع الماركسية والوجودية والبنيوية، عندما أصبحنا ماركسيين أكثر من ماركس، ووجوديين أكثر من سارتر وبنيويين أكثر من رولان بارث.
 
الفلسفة والشعر، العقل والخيال:
1)الاشتقاق الإيتمولوجي في اللغة اليونانية لكلمة "شعر" poiézis تعني الإبداع création، وهو ينتمي إلى muthos بينما الفلسفة والتي تعرف كمحبة للحكمة تنتج خطابا عقلانيا ينتمي ل logos من ثمة ساد اعتقاد سيطر على تاريخ الفلسفة وهو أن logos و muthos نقيضان، لذلك فهما ينتجان معا خطابان مختلفان في الطبيعة والأسس، وهذا الاختلاف استمر في منظور البراديغم اليوناني، ليصبح غيرية altérite ، فأصبح الشاعري والشعوري والأسطوري والحسي والخيالي أسماء تقال ب"تشكيك الإسم"، أي أسماء مختلفة دالة على جوهر واحد هو التغير واللاتناهي، ونفس التجانس في الدلالة يوجد بين الفلسفي والعقلي والمنطقي والحقيقي لكونها دالة على شيء واحد هو الثبات والتناهي، لكن إلى أي حد يصمد القول بكون الشعر هو "آخر" الفلسفة؟ وإذا افترضنا وجود غيرية، فهل هذا يشمل الموضوعات ومستويات تلقي دلالاتهما؟
لمقاربة الموضوع سيتعين علينا أن نقف عند مختلف الروابط الممكنة بين الشعر والفلسفة، والبدء بالوقوف على فعاليتان بشريتان، تنتميان معا إلى ما يسميه القدماء بالنفس،هما الخيال والعقل، لكونهما مصدرا هذين الخطابين، مع إشارة إلى أن البراديغم اليوناني والبراديغم الوسطوي كانا يؤسسان معا لعلاقة غير ندية بينهما، إذ كان العقل دوما يتهم الخيال، وأسس "لترسيم" الاتهام مبادئ تحمي الطابع العقلي للحقيقة، وهي الهوية والثالث المرفوع وعدم التناقض، وأسس معايير مضبوطة لعملية إنتاج القول الحقيقي، وهي معايير البرهان، وحتى لا يسمح بأية إمكانية لتسرب الخيالي والحسي لعملية إنتاج الخطاب، عمل على صورنة، من الصورية، كل أنواع الاستدلال البرهاني، مع ما رافق هذه العملية الأخيرة من مشكلات لاتزال قائمة إلى الآن، وذلك حتى لا "يندس" وراء اللغة الطبيعية متعلقات تُذهِب عن الخطاب برهانيته، وتحوله لقول دون مرتبة اليقين كالجدل.
فأرسطو، لم يكتف بأن وضع أسس العقل ومن خلاله الحقيقة الفلسفية، بل أيضا وضع أسسا لنقائض العقل حتى يتميز عنها ويضمن طبيعته الثابتة والواحد والأزلية، فوزع هذه المهمة على ثلاث مباحث، لكل منها منهجها الخاص تبعا لطبيعة موضوعها، هي مبحث الطبيعيات، مبحث ما وراء الطبيعيات وأخيرا مبحث الرياضيات، وتبعا لهذا التقسيم، أدخل النظر في العلاقة بين العقل والخيال ضمن مبحث الطبيعيات، وتحديدا مبحث النفس، وجعل الخيال كمالا أول للحيوان، وجعل العقل أو ما يسميه بالقوة النطقية، كمالا أولا للإنسان، فالخيال يربطه بالحس والانطباعات الحسية، لكونه نتاج طبيعي للحواس، بينما العقل يرتبط بالمجرد والحقيقي، الأول غايته هو الفعل، والثاني غايته هو الحقيقة، ويترتب على هذا الفصل ترتيب في الأفضلية الأنطولوجية، فالعقل أفضل لذلك كان الإنسان أفضل، والخيال أرذل لذلك كان الحيوان أرذل.
ويترتب على هذا الترتيب ترتيبا آخر على مستوى أنواع الخطاب، فكان القياس أولا والشعر أخيرا، وبينهما كل انواع الاستدلالات الأخرى، هي البرهان والخطابة والجدل والسفسطة، وقد عمل أرسطو جاهدا لتخصيص قول مفصل لكل نوع على حدة، وما يثير الانتباه فيه هو حرصه على أن يبين إمكانات المعقولية في الاستدلالات التي تلي القياس في الترتيب.
موقف أرسطو من الخيال جعله يساوي بين موقفه من الشعر وموقفه من التاريخ،(1) لأن الشعر بالنسبة إليه هو لغة المؤرخين، وما يجمع الشعر والتاريخ هو المحاكاة، الأمر الذي يرد عند هيرودوت بقوة ووضوح، الأول مغالط والثاني متعلق بالجزئي والزمني، في حين أنه "لا علم إلا بالكلي".
الفلسفة المشائية لم تخرج عن هذا النسق، وما يضيفه ابن رشد مثلا هو جعل الخيال قوة نفسية خاصة بالحيوان وعامة الناس أيضا، لذلك فقد خصهم بالشريعة، لكون أقوالها ظنية وجدلية وخطابية، وامتلاكهم لقوة الخيال يؤهلهم للانفعال بصورها والتي هي مثالات للحقيقة البرهانية، ثم جعل القوة النطقية مجسدة في خاصة الناس من الحكماء، وحرص هو أيضا على غرار المعلم الأول على بقاء الحدود صارمة بين الخيال والعقل، الفلسفة والشعر، العامة والخاصة، بل واستعان بآلية التفكير لتحقيق ذلك، فكفر العامة الذين يتطاولون على الحكمة، بحجة الردة، وكفر الخاصة الذين يفشون حقائق العقل لمن هم غير مؤهلين بالفطرة لذلك، بحجة "الدعوة إلى الكفر"، أما أقواله في أصناف الخطاب فلم يخرج عن النسق اليوناني.
ولم يخرج ابن باجة في حديثه عن الفيلسوف "المتوحد" عن النسق، وكذلك في حديث الفارابي عن أهل المدن، الفاسقة والضالة والسعيدة.
2) فإذا كنا اليوم نؤمن باضمحلال الحدود بين الخيالي والعقلي، الشعري والفلسفي، البرهاني والحجاجي، الروحي والجسدي، الفردي والنوعي، وكنا أيضا ونحن نتتبع مفهوم الشعر ومختلف لواحقه، على بينة بحجم الانقلاب الذي أحدثته فلسفة اليوم في أهمية هذا المفهوم، فإن هذا الانقلاب لم يكن عملا فجائيا مقطوع الأواصر عما سبقه، بل هو نتاج عمل مفاهيمي لقرون طويلة، فإذا كان مفهوم الدازاين الهيدغري قد استطاع خلخلة بداهات النسق الحديث بالعودة إلى "صباح" الفكر الإنساني في أصالته قبل "الانحراف الأفلاطوني"، فإننا نتساءل لماذا لم تحدث تصورات هيراقليط وبارمنيد وغيرهما من الحكماء الأوائل الخلخلة ذاتها في النسق اليوناني؟
إننا لا يمكن فهم البراديغم الذي أنتج فيه هيدغر قوله في أهمية الشعر، وأيضا اهتمامه، أو احتفاؤه، بالشعراء جورج تراكل وهولدرلين وغيرهما، دون فهم النظرية اليونانية في المرحلة الأولى، ثم رومانسية القرن التاسع عشر في ألمانيا، وهذا التصور نجده في مقاربة هايدغر نفسه للموضوع، فهو حينما يطرح السؤال عن أصل الشعر، فإنه يطرحه مستبعدا الإجابات التقليدية والتأملات العقيمة فى التفكير والتي كانت تدور حول عبقرية الشاعر والإلهام ، ويعلمنا ألا نفكر بهذه المصطلحات ، وأن نفكر فى الشعر بدلاً من ذلك بوصفه أصلاً يعلن ويحفظ الحقيقة الماهوية لحقبة تاريخية، ولهذا ، اتجه هيدجر مباشرة لدراسة العمل الشعري باعتباره ظاهرة معاشة باحثاً عن أصله، والأصل هنا يعنى ذلك الذي منه ، ومن خلاله ، يكون شئ ما ما يكونه وعلى نحو ما يكون، فما يكونه شئ ما-على النحو الذى يكون عليه –نسميه ماهيته، فأصل شئ ما هو مصدر طبيعته ، ومن ثم فإن السؤال عن أصل العمل الشعري ، هو سؤال عن مصدر طبيعته، ففي كتابه عن هولدرلين (2)، نجد يتساءل لماذا اختيار هولدرلين وليس هوميروس أو سوفوكليس وليس اختيار دونتي أو شكسبير أو غوتيه؟ فيجيب: "لا نجد في أشعار هؤلاء ماهية الشعر بالعمق والغنى والسمو كما نجدها في إبداعات هولدرلين"، وهذه الإبداعات "كافية لتحديد ماهية الشعر"، لذلك فهو "شاعر الشعراء"(3).
فعندما نقرأ "كتاب النفس" وكتاب "السماع الطبيعي"، نجد أن المقالة الثانية وجزء من الثالثة من كتاب النفس مخصصتين للرد على مذاهب النفس عند الحكماء، والمقالة الأولى من كتاب "السماع الطبيعي" والمكونة من تسع فصول،هي تفرغ كامل للرد وتخطئي مذاهب هؤلاء في الطبيعيات لأرسطو، حيث نجده يصفي حساباته مع الحكماء الإغريق، فيظهرهم بمظهر المخطئين، إذن ما الذي جعل من حكماء الإغريق الأوائل مخطئين في نظر أرسطو و"أصيلين" في نظر هيدغر؟ إنها سلطة البراديغم، وعندما يتناول كما سبقت الإشارة شاعرا نموذجيا فهو يأخذ مؤرخا يكتب بلغة شعرية، بينما عندما يعتمد هيدغر على هولدرلين فلأن أشعاره تكشف لنا حقيقة الوجود وماهيته، وهذا فرق كبير بين الفيلسوفين.
أفلاطون أيضا فصل بين الفلسفة والشعر، ففي "الجمهورية/ الكتاب العاشر" نجده يؤكد أن الشعر لا يهمه البحث عن الحقيقة، فهو يرتبط بالظاهر وما يبدو " ce qui apparait"، بمعنى أنه يتأسس على الاحتمالي، بينما الفلسفة تتوجه إلى الحقيقي "ce qui est" واليقيني، وفي الوقت الذي نجد فيه الفيلسوف يفكر من خلال حجج وبراهين فإن الشاعر ينتج خطابا تقريريا ولكن غير مبرهن عليه،فالشاعر يمارس الخداع tromperie والتقليد والمحاكاة une imitation ، ويصف في "الكتاب العاشر من الجمهورية" الشاعر بصانع الأشباح "«un créateur de fantômes» ،لذلك فهو خارج المدينة الفاضلة، وعمله يوجد تحت سلطة مؤسسوا المدينة وهم الفلاسفة طبعا، وتصبح الفلسفة سيدة المدينة(4).
فما بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، قرني أفلاطون وأرسطو، والقرن العشرين، قرن هيدغر، هناك عمل فلسفي مفاهيمي جبار، فرغم التباين الموجود بين الشعر والفلسفة في نظر الفيلسوفين اليونانيين فإن فلسفتهما لم يحسما في جملة قضايا ظلت عالقة، خصوصا في نظريتهما حول الخطابة والجدل، فرغم التقعيد المنطقي الأرسطي فإن جملة هذه القضايا العالقة أعطت مساحة للعمل الفلسفي في العصور ما بعد أرسطو، عصور الفلاسفة المشائيين وفلاسفة النهضة ثم فلاسفة العصر الحديث، سمحت ببلورة مفاهيم جعلت القول بأهمية الخيال أمرا ممكنا وقولا مقبولا داخل البراديغم(5).
 
3) أعتقد أن الانتقال من العقل الهيغلي إلى الخيال النتشوي والشعر الهيدغري، يفرض ضرورة أن تكون هناك حلقة مهمة هي حلقة هي ظهور الرومانسية في بداية القرن التاسع عشر بألمانيا، وتأثيرها الكبير على الثقافة الألمانية حتى الآن، منهم كتاب وشعراء وفلاسفة وفنانين اجتمعوا لتكوين جماعة تؤسس للرومانسية الألمانية، باسم " le Cercle d’Iéna " وتزعمها Frédéric Schlegel ، وهي جماعة أسست لشيء لم يكن معترفا به في الأوساط الثقافية الألمانية، وهو تحرير الشعر من السلطة التقليدية للفلسفة، فلم يعد الشعر محاكاة imitation كما كان الأمر عند أرسطو وأفلاطون، بل بجعله مفكر ومُنظرا، وهذا يعني نظرة جديدة لماهيته، تجعله مستقلا عن الفلسفة، فهو لم يعد في حاجة إليها لتقول له ما هو، مادامت له القدرة على التفكير، يقول نوفاليس "الشعر هو عماد الفلسفة، إنه غاياتها ودلالتها(6)، فبالنسبة للرومانسيين الألمان الشعر هو الشرط اللازم لكل فلسفة عظيمة، فهو يوحد الأنواع في العالم، وهو ليس محصورا في موضوع معين كما نجد عند أرسطو والذي ربطه بالملاحم التاريخية، بل يفكر في العالم في كليته ولاتناهيه.
إذن فحلقة الرومانسية الألمانية هذه حلقة أساسية أثرت بشكل كبير فيمن سيأتي من فلاسفة ألمانيا، نتشه وهيدغر أساسا، ولا يمكن أيضا أن ننسى حلقة هيغل، فهو كما يعلم الجميع يقسم تطور الروح L’Esprit إلى ثلاث مراحل ولحظات، الروح الذاتي والروح الموضوعي ثم الروح المطلق، والروح المطلق هي لحظة مقسمة أيضا إلى ثلاث مراحل هي الفن والدين والفلسفة، والفن مقسم هو أيضا إلى ثلاث الفن الرمزي والفن الكلاسيكي واخيرا الفن الرومانسي، والفن الرومانسي مقسم إلى ثلاث أيضا، الفنون البصرية والفنون الموسيقية ثم الشعر، فالشعر إذن هو آخر مراحل تطور الفن، وهو تتويج لمساره، صحيح أن هيغل يؤكد على تجاوز الفلسفة للشعر في سياق تطور الروح، ولكن إدخاله للشعر في النسق علا خلاف أفلاطون هو حلقة أساسية لفهم هيدغر.
لذلك فالشعر دخل نسق تطور العقل، فلم نعد أمام حدود بين الفلسفة والشعر بل أمام ماهية واحدة مقولة بطريقتين، بل إن هذا التصور هو تصحيح لتراث فلسفي همش الشعر، ولتراث شعري اقتصر في موضوعات محدودة ورتيبة، وفعل التصحيح هذا سيدشنه نتشه وسيتمه هيدغر بوضوح، فبالنسبة لهيدغر تصحيح مسار الفلسفة عليه أن يبدأ من ما قبل أفلاطون، وتصحيح مسار الشعر ينبغي أن يبدأ من هولدرلين، كما تمت الإشارة سابقا.
إن شعرية الفكر المعاصر لم تكن ممكنة بدون عمل فكري سابق، عمل فكري انصب بالأساس على المفاهيم، ففكرية الشعر أو شعرية الفكر هي نتاج لعمل انصب أساسا على مفهوم الفكر ذاته، أو ما ندعوه فكرا، فالتفكير إيداع للفكر، فكر الوجود، والإبداع لا يوجد إلا حيث يوجد تأمل حر، والشعر لا يوجد إلا حيث يوجد فكر شعري مؤسس على هذا التأمل الحر، أي تحويل الذات إلى موضوع بواسطة الفكر نفسه، وعملية الانصات للذات وللعالم لا تتم حقيقة إلا من خلال شاعرية في التفكير، و" لكي نفهم هذا بطريقة كافية علينا أن نكون على ألفة مع القصيدة، ووحده الشاعر على ألفة حقيقية مع القصيدة"، فهو لا يتكلم عن الشعر وإنما يجعل الشعر يحدد هو طبيعته بطريقة شعرية، لأنه بهذا يعطي للقصيدة صوتها الحقيقي اللائق بها، وهذا الشاعر يسمى هولدرلين "il se nomme Holderlin" (7).
في المقال المقبل سنقف عند البعد الوجداني لمفهوم الدازاين، وخاصة الوجدان بما هو affect و affectivité و affection لأن هذا البعد الأساسي هو ما يبرر من جهة كون الشعر هو الفكر الحقيقي للوجود وكون الشعراء هم المفكرون الحقيقيون، وكون هولدرلين هو شاعر الشعراء، ثم لكون هذا البعد،قليلا ما يتم الانتباه إليه مع أن تأثيره على الفكر الألماني المعاصر كان كبيرا، صحيح أن هذا التأثير قد بدأ مع كيرغارد، فيلسوف الوجدان بامتياز، لكن الأبعاد الوجدانية للدازاين البشري جعلت الفكر الألماني المعاصر ينظر للكائن البشري على أنه ليس شيئا بل هو كينونة تنتج أول علاقة لها بالعالم من خلال الوجدان(8).
 
الهامش :
1- Aristote ;La Poétique ;traduction, notes par Roselyne Dupont-Roc et Jean Lallot, Paris, Éditions du Seuil, coll. «Poétique», 1980. des chapitres 9 et 23
2- Martin Heidegger ;approche de holderlin ;Galimard ;édi 1996 p 42
3- Ibid ; Heidegger ; p 43
4- Platon; La République, Livre II, 379a
5- في إطار المقاربة التي نتبناها في هذا المقال وغيره من المقالات السابقة، يصعب أحيانا أن نتفهم مجموعة من الأعمال التي تشتغل على موضوعات فلسفية من خارج عملية المفهمة، حيث نجد من يربط القول الهيدغري في الشعر بفشل الحداثة، وآخر يربطها بنتائج الحرب العالمية الأولى، بل هناك من ربطها بكون هيدغر فضل التعبير عن عدم رضاه عن الدولة النازية من خلال الفرار إلى الخيال، وهذا القول في اعتقادي قد ينتمي في أحسن الأحوال للتاريخ أو سوسيولوجيا المعرفة، بينما العمل الفلسفي اليوم ينبغي أن يزاوج بين المَفْهَمَة "من المفهوم" والنظر في المفاهيم من خلال البراديغم، فليس هناك شيء اسمه عبقرية فيلسوف أو الظروف التاريخية للفيلسوف، هناك فقط عمل مفهومي في تاريخ الفلسفة ولا سلطة فوق سلطة البراديغم.
6- Novalis, Le monde doit être romantisé (fragment 31)
7- Martin Heidegger ;approche de holderlin p 241-242 paragraphe 4 et 1
8- هذا التصور الذي ندافع عنه في المقال من شأنه أن يصحح تصورات الكثير من المتفلسفين الذين ينظرون بغرابة لاهتمام الفلسفة بالوجدان والعواطف مع العلم أن الفلسفة بما هي محبة للحكمة تبقى شغفا وتعلقا بمحبة الآلهة للاتصال بها، كما تشير اللفظة اليونانية ل philo ،وهذا الغرابة مردها في تقديري إلى اعتقاد خاطئ وهو أن الوجدان هو مجال حصري لعلم النفس، أو أنه يدخل في مجال اللاعقل، بينما عندما نقرأ كيرغارد وهايدغر وياسبرز وسارتر نكتشف أن علم النفس قاصر جدا عن فهم الوجدان.
 
نقلا عن "الجمل" - المصدر: الأوان

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
إيقاظ الفلاسفة من سباتهمأن تعتبر الكارثة فرصة
«ديالكتيك» المطران أنطوان حميد مورانيحقول الممكن وأناشيد الإمكانات
بوذي جديد ومسيحي جديد وماركسي جديدالفلسفة دونما جهد
طريق العلمانيّة تمرّ في ابن رشدإريــك شــوفيار: الإنســان، ذلــك القــرد الإلهــي
حلب أول مدينة في الشرق تعرف الطباعة بالحروف العربيةلاقيني ولا تطعميني
أزمة الغذاء العالمية بين هدر الطعام وزيادة السكانالعالم بين كارثتي الطاقة النووية وتغير المناخ
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى