الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مواهب وأقلام --> قصة قصيرة

قصة قصيرة: إلى الأحياء الراقدين فوق التراب

  بقلم: خليل زياد

 
 
 
ما قيمة الفرح وأنت مدرك زواله،
تُمنّي نفسك بغبطة ومسرّة هنيهات فقط
وبعدها تغرق العمر كله في ويلات الوحشة والفقد والانكسار..
لا .. لا يا صديقي، لست بحاجة لفرح يحقّق توازني النفسي، أو وصفة تبدّد عقدتي،
سعيد أنا باختلالي ولو وسم بالأزلي،
فرب مخلص لألم من غير تذبذب.. هو مات..
خرع السقم جسده فودع الأحباب والأصحاب بلا إرادة،
أتنتصر على قدر اغتباطك، أم أجلو صدأ أوتاري وأحتج: لماذا تركتني يا أبي؟
حتما سيرجع الصدى صمتا يلهطني والمكان!
آه يا وجع الرأس!
يا غور الجرح وظلم السنين!
يا انفلات الحلم وكل شيء جميل!
يا قبحا، حسرة، تيها، تورما، قنوطا،
لعنة توشي خيبتي بهروب إلى الأنين! 
الصمت ذاته يلهطني وسري الدفين..
 
يستبدّ بي الحنين إلى صوت والدي، وملامحه المتخشبة الصارمة، فأهرع مستنجدا بألبوم الصور.
انهيار حتمي أهف إليه من توجسي وطأة الزمن ورحاه التي لا ترحم كلما أمعنت في صورة.
الشعور بوقتيّة الأشياء ينخرني، لكن ما أعذبه احتراق، فقد صرت والعوز وجهين لحزن واحد.
الأبيض والأسود والبذلة العسكرية تبعث الحياة في الذاكرة الخامدة، أبي بوقفته الرسمية يضارع مومياء في نظراته الجامدة أو الضائعة..
صديق بجانبه يمنح الأرض حياءه وارتباكه، أتملاه متجاهلا أقرب وجه..
إنه عبد السلام أو بالأحرى "عبد السلام البكاي"، هكذا يناديه الزملاء في المعسكر،
فلا يغضب أو يتجهم بل يعترف مستسلما وبدون مركب نقص.
أبي كان يتفكه بعبد السلام الخجول، المرتبك خلال مسامراتنا العائلية..
تتفرقع الضحكات ملء الأشداق وهو يسرد كيف كان الصديق يودع زوجته البدينة، والدمع يتدفق من مآقيهما بكل وهن وتخرق من غير اكتراث بالمتحلقين..
يومها سألت والدي وأنا أمتطي ظهره في شقاوة: وعلاش تايبكي صاحبك واش مازال صغير؟!
يُعدم سؤالي بكركرات مجنونة، فأكتفي بدهشة وصمت واستفهام آخر يداهمني: علاش هما إيضحكوا وعبد السلام يبكي؟!!
 
أضيع بين الصور الناضجة إطاراتها بفعل الزمن، انهيار حتمي أهف إليه وأنا أبحث عن الوجه الغائب إلى الأبد..
الموت تيمة تسرق مني كل رغبة في الحياة وأخواتها.. الأمل.. الحب.. الرجاء.. البهجة.. الطموح.. الابتسام..
لا أجد لها مستقرا في ذاتي حتى لتكاد تتبخر أو تنعدم ..
أبي واسطة العقد في هذه الصورة، تنفرج شفتاه عن أسنان ناصعة المرارة.. رشيد، لطيفة، حسناء، جميعهم حملقوا في آلة التصوير إلا أنا، أنا فقط.. غرست أظافري الصغيرة بين إيقاعات جلباب والدي.. ودفنت هامتي بين ركبتيه مدبرا نسخ الذكرى..
ما زلت أذكر ذلك اليوم الربيعي.. كان الوقت عصرا حين خرجنا في نزهة مع الوالد.. يفعل ذلك ليعوضنا عن الأشهر التي يقضيها مرابطا عند الحدود.. يبتاع لنا أغلى الملابس وألذ الحلويات.. رشيد، لطيفة، حسناء، جميعهم كانوا يركضون فرحين مغتبطين، وحدي فقط لا أبرح ظل والدي نظير راحته الضخمة التي تعبث بشعري دون أن تبرحه، فأحس لذلك شعورا غريبا، تترجمه زفرة عميقة من صدري الصغير.. وفي النهاية، نؤرخ للنزهة الحلم بصورة، أدبرها أنا فقط، اغتيالا للذكرى.. ساعة عودتنا أحتفظ بنفس صمت وهدوء أبي، ولولا تعليقات إخوتي بين الفينة والأخرى لخلتنا عائدين من جنازة.
 
- فوقاش غادي تسارينا أبا عاودتني؟ (متى ستأخذنا في نزهة أخرى يا أبي؟)
- حين نرجع مرة أخرى من الصحراء.
- عنداك أبا تنسى الفرماج ودانون وديك الحلوة المزوقة..
   (لا تنسى أن تحضر لي الجبن و الحلوى الملونة.....)
- اللي بغتوه نجيبو ليكم.. غير قراو مزيان.. (كل ما تطلبونه سأجلبه لكم لكن واظبوا على المذاكرة..)
 
جميعهم يطلبون إلا أنا.. فقط أطبع قبلة على خدّ والدي.. تخزني لحيته الصغيرة.. أتأوه فيضحك الجميع إلا أنا.. أنا فقط.. تصفعني رياح الحدود، الرمال تكمّم فمي.. تبتلعني الصحراء..
 
الذكرى مهما كانت جميلة، إن تلج معمعة الماضي، تغدو صريرا حادا، لا يغري بالإبحار ساعة الخلوة، وقتية هي، أنى لها الصمود وقد سُرقت منا كل الأزهار، وتاقت الأعناق لنهاية الأحرار..
آه يا قلمي الذي ما عادت تطاوعه العبارات والشعارات، حذار من الاجترار!!
ألبوم الصور يترنح بين أصابعي، تقلب صفحاته البلاستيكية بعصبية، ما يصطخب في داخلي تترجمه الأصابع، أما قسمات وجهي فقد استنفذت كل التعبيرات، عيناي فقط تلتقطان عجلة الزمن التي ما فتئت تدهسني مع كل تلوينات الصور..
هذه المرة، أعاني التشتت، مالي طاقة على لمّ هذا التشظي.. زغاريد يُهدهدها الأثير.. عطور ورائحة شواء.. موسيقى، رقص وانتشاء.. باهتة تفاصيل ذاك العرس البهيج، لكن لا مندوحة من الوجه الغائب حتى الأجيج.. ما كان الفرح فرحنا، ولا العرس عرسنا.. نحن نشارك الآخرين مسراتهم، ونمنّي غصّتنا بحبور مستقبلي، مسكين يا أبي، ما حسبت الثرى يطوي أقدس أحلامك.. كم زفافا عائليا انتظرت وانتظرت.. ووعدا بالراحة بعد التقاعد صدّقت وصدّقت!!
إيه متاع الغرور، لو تعلمين كم وهما عاشه والدي..
كم سلّما ارتقى بخياله ليعانق أقواس قزح، لوضعت له أولى لبنات " مزار الأحلام المؤجلة". 
جلبابك الأبيض أبتاه يخرم رهافة حسي..
عمامتك باستدارتها المُحكمة تطوّق عنقي حد الاختناق، تحرقني اللحظة..
الجلباب يصير إزارا، والبنية القوية تستحيل قشة شاحبة، أما العمامة فعصابة شُدّت بها رأس على وشك الإنفجار..
مؤكد رأسك يا ذات القلب الكبير!
كل شيء ينقلب حقيقة مطلقة، لا الفرح فرحنا ولا العرس عرسنا، احتفالية الصمت والكفن قدرنا،
إن المسرّة تخدر الوجدان!
الحزن استوى على الزقاق فامتلأ صياحا وعويلا ..
هي ذي الفرصة المتكررة، فلتقفر العيون من البكاء، ولتخرج الصدور زفرات متعبة لعشق وهمي، عطالة مُمضّة، طموحات مجهضة، قهر يومي، حرمان وبؤس مخفي، فنحن نهيئ الجنازة!
 
أوهنتني الذكرى وحرقة الموكب، الصداع شق رأسي، ما احتملت أصابعي هول اللحظة، فانفلت الألبوم ليخرّ تحت قدمي مجندلا، شاهدا على السقوط.. خلّفته حيث تهاوى واستنجدت بالنافذة، بحاضر كله تنميقات..
لا ترقصي يا نفسي فانا أعيش الزيف فقط حتى أمنح للشّرخ فرصة الالتئام!!!
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
موعد على هامش الهاتفعندما أنتظر الحلم كأني في عيد
لكي تكـون ملكـاً على نفسـكمراوغة
حصارصدمها الواقع فأطلّ عليها الرجاء
وهم الحبّالضنك يلد الحياة
أمومةنافذة الإغاثة
قصة رجلٍ في الخريف وفتاة في الربيع...المتسوّل عاشقاً
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى