الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

قراءة في كتاب "اختلال العالم" مهداة إلى مؤلفه أمين معلوف لمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسية

  بقلم: د. حليم أسمر


انقر هنا للتكبير

 هذه الدراسة مهداة للمؤلف بمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسية "دار الخالدين"

[ الزمن ليس حليفنا، وإنما هو القاضي الذي يحاكمنا، ونحن منذ الآن محكومون مع وقف التنفيذ] . (P.13)
 
« لقد اختل العالم »
   يحاول المفكر- الروائي أن يتقصى هذا الاختلال عبر عدة معابر ومسارات (ميادين) منها:
1-   الاختلال الفكري.
2-   الاختلال المالي.
3-   الاختلال المناخي.
4-   الاختلال الجيوسياسي.
5-   الاختلال الأخلاقي!!
وأعتقد أن هذه الاختلالات ليست ناجزة النهايات إنما مفتوحة على دوائر علائقية مفتوحة على اختلالات تتجدد جداً، ويغدو الاختلال مصطلح العصر، وقد يُدخل المصطلح العصر الحاضر بمرحلة "وجودية جديدة"، وهذا المستوى من الإنتاج الفكري ينبأ عن عودة لدورة جديدة من علاقة "الذات بالواقع" انطلاقاً من بنية عالمية جديدة ويكاد رسم معالمها صعب الآن!! والتساؤل الحقيقي الآن: ما المصير الأخلاقي العالم؟
وهل نحن بالفعل ارتدينا عن مقولات "التهذيب واللطف" تدينا باتجاه عالم العنف وأشكال من العداء المرضي للجسد الإنساني ولكينونته المقدسة!، هل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين يكفي للحكم على هذا القرن من خلال ما يحدث في مختلف بقاع العالم، وبهذا يعبر أ. المعلوف عن قلقه المُبرر (المُسوغ): ( ص12) إن قلق المعلوف "قلق عاشق للحياة"، هذا القلق لا يُعاش في رغد الحياة السعيدة، إنما يصدر عن حياة يتهددها كل المخطر وبهذا يتبلور ويتجدد ويقاربه أهل الفكر والنقاد! ومركب الحياة هذا الذي نحن على متنه كما يعبر المعلوف: "بات بعد الآن هائماً على وجهه، بلا طريق، ولا مقصد، ولا رؤية، ولا بوصله، في بحر هائج، وأنه لابد من صحوة، ومن حالة طوارئ تفادياً للغرق" (ص13).
- إلى أين تذهب أوربا؟ ما مصير أوربا بالذات؟ سؤال يطرحه المعلوف انطلاقاً من وضع أوربا الحالي بغض النظر عن التكونات الجديدة أو الهيئات التي انتظمت بعد تغيرات الربع الأخير من القرن العشرين!! والاتحاد الأوربي أحد مظاهر حالة الضياع، حالة فقدان التوجه، حالة الاختلال (ص19)، ويقلق المعلوف على أوربا، لكن هذا القلق لايضاهي قلقه على "العالم العربي- الإسلامي" لأن هذا القلق الأخير يعيشه أو يعاني منه المعلوف انطلاقاً، من أن هذا العالم "يغوص أكثر فأكثر في "بُئرٍ" تاريخية يبدو عاجزاً عن الصعود منها؛ وهو حاقد على الأرض كلها... وعلى ذاته بالدرجة الأولى" (p.19).
وينوه لأفريقيا وروسيا والولايات المتحدة التي بدأت من بداية القرن الواحد والعشرين تحاول أن تروض بمفردها، أو تقريباً بمفردها، كوكباً يستحيل ترويضه" (p.20) ولا يستبعد المعلوف من لوحة العالم "صعود الصين والمهام الملقاة عليها" ويقرر في النهاية: "إن جميع شعوب الأرض في مهب العاصفة... نحن جميعاً على متن زورق هزيل، سائرين إلى الغرق معاً. لكننا مع ذلك لانكفّ عن تبادل الشتائم والمشاحنة غير آبهين لتعاظم أمواج البحر" (p.22)
تخطى العالم الانشطار الايديولوجي ووصل إلى الانشطار الهوياتي (الضيق)! (p.23)
"راح كل واحد ينادي بانتماءاته في وجه الآخرين، ويطلق لعناته، ويحشد أهله، ويؤبلس أعداءه- هل لديه مايقول غير هذا؟ " (p.23).
شعار القرن 20 "الصداقة بين الشعوب"
شعار القرن 21 "التعارف والقبول بين الشعوب" (تربيع الدائرة)!!
وبهذا التحول العالمي في الربع الأخير من القرن العشرين بات من المؤكد إعادة الاعتبار والتفكير لوضع عالمي دخل في مخاض عسير الولادة وإذا كانت هذه الولادة "مرجُو" لا تكون إلا من خلال حد "الهاوية" والمعالم غير المكتملة بعد سقوط معالم القرن المعني وانبثاق انتماء إلى لا انتماءات استمرت في رقادها قرن كامل!! وبدأ التساؤل حول الديمقراطية المتجددة عبر القرون وهل اصبحت "تحت رحمة المزايدات الهووية على الدوام". (p. 24).
ينوه المعلوف للبديل المفترض منه أن تخطى كل ماورثناه عن نهاية القرن العشرين، وعلى حد قوله: «...فإما أننا سنعرف كيف نبني في هذا القرن حضارة مشتركة يقدر كل فرد أن يتماهى معها، حضارة راسخة بقيمها المسكونية، يرشدها الإيمان القوي بالمغامرة البشرية، وتزيد من ثراها كل تنوعاتنا الثقافية، وإما أن نغرق جميعاً في بربرية مشتركة» (p.32).
من المآخذ التي يصرح بها المعلوف عن العالم العربي (فقر وعيه الخلقي) أما الغرب يميل إلى تحويل وعيه الخلقي إلى أداة للسيطرة... لذلك، "فإن الغرب لا يكف عن فقدان صدقيته الخلقية، فيما لا يجوز مناوئوه أية صدقية من هذا النوع" (p.33).
يُحمل المعلوف ما يجري في العراق وبصراحة واضحة للمحتل الأمريكي وسلوكه الخاطئ، هذا السلوك "أغرق البلاد في العنف الطائفي"، ويتوجه المعلوف إلى العالم العربي بأن يقوم "بفحص ضمير" وعلى هذا العالم أن يتسائل: أي كفاح هو يخوض؟ عن أية قيم يزود؟ أي معنى يعطيه لمعتقداته؟
يُنقل عن النبي قوله: "خير الناس أنفعهم للناس".. هذا شعار سام ينبغي له اليوم أن يثير أسئلة مؤلمة، عند الأفراد، والقادة، والشعوب: ماذا نجلب الآن للآخرين ولنا نحن؟ بأي شيء نحن "نافعون للناس"؟ هل هناك من مرشد لنا غير اليأس الانتحاري، الذي هو أدهى من الكفر؟ (p.35).
ويتردد الغرب بين الصعود والهبوط وحتى لو أعلن نهاية التاريخ لكن أي تاريخ انتهى: "التاريخ ليس العذراء الطيعة والعاقلة التي يحلم بها الإيديولوجيون"، لذلك هذه النهاية هي نهاية مرحلة أو دور أو مستوى ما حضاري أراده الغرب ثم تخلى عنه وهذا الصعود والهبوط يجعل هيرقليط اليوناني يتبوأ مكانه جدلية هامة في هذا المقام "الطريق الصاعد هو الطريق الهابط".
وفوز الغرب يعني خسارته بالوقت نفسه، يعني التأرجح من جديد فوق الهاوية!! وبهذا لابد من صعود الصين والهند وهذا الصعود له مقدمات حضارية ليست بالقليلة، وبالرغم من ممانعة الغرب ثقافياً وعرفياً: "
كلما ازداد شعور نساء ورجال الجنوب ثقةً بأنفسهم، بأنهم أكثر حرية، وأقل تقييداً من جانب التراتبيات والامتثاليات الفكرية؛ حينذاك سيكون بالإمكان الانتقال، مدى جيل أو جيلين، من التقليد إلى التكييف، ثم إلى الإبداع" (p.41).
والمواجهة لابدّ واقعة بين رموز حضارية غربية أو شرقية، أوربية أو آسيوية "والآخر تبنى حضارة الغرب، فحرم الغرب من هذا الذي كان يشكل نوعيته وتفوقه". لذلك لا يحق لنا أن نبعد الشعوب قاطبة عن أن تمتلك ماتمتلكه الدول التي سميت متقدمة من أدوات استعمالية مثل "الثلاجة، الغسالة، غسالة أدوات المائدة، السيارة العائلية، الحساب الفردي ... الخ".
ولا يحق أخلاقياً لأحد اليوم ولا غداً أن يحرم الشعوب من كل هذا وغيره، وحتى أدق الآلات ووسائل الاعلام المتطور والمتقدمة المنظومات الالكترونية! لا يستطيع أي مستعمر أن يرجعنا للوراء... لذا النضال ضد التخلف غدا استكمالاً لاستقلال الشعوب: "وكان النضال من أجل الاستقلال يبدو حتى يسيراً بالمقارنة مع النضال ضد التخلف". (p.44)
ويحاول المعلوف متابعة الإمساك بخيوط الشبكة انطلاقاً من:
"غير أنه ستكون هناك حتماً هزات وانقلابات، ستخرج منها البشرية غير ما كانت من قبل، ستكون بلا ريب منهكة، مكدومة، مثخنة بالجراح، ولكن ربما أكثر نضجاً، أكثر رشداً، وأكثر وعياً من ذي قبل لكونها تحيا مغامرة انطلاقاً من معادلات عالمية وفكرية مشتركة على متن زورق هزيل» (p.46).
 
(2)
يتجدد العمل العالمي بعد "أيلول، انطلاقاً من معادلات عالمية وفكرية جديدة، وبدأت الثنائيات العالمية تتجدد إما "مع" أو "ضد" لكن على من يكون "مع" تجلت مسؤولية جديدة غير مسبوقة ومن يكون "ضد" أيضاً مسؤولية كبيرة وجسيمة تصل لحد الحروب الفتاكة!! وانطلاقاً من حروب أوائل القرن في مناطق مختلفة من العالم، ومن هذه الأرض بدأ يفكر بأن "الحقيقة قد تكون أشد قتاماً أيضاً».
وتبقى العلاقة بين الدول الغربية وباقي العالم، غير سلمية، ولا سلميتها هذه "تسهم اليوم في جعل البشر عاجزين عن معالجة تنوعهم، من صياغة قيم مشتركة، عن مواجهة المستقبل معاً، وبالتالي عاجزين عن مجابهة الأخطار المتزايدة" لابد من الإشارة لمشكلة الثقة الموجودة بين المركز والأطراف!! (p. 53)
ويتابع من خلال العنوان الكبير "الانتصارات الكاذبة" بعض الأفكار الاستراتيجية وعلى كثير من الموضوعية، من أهمها:
1- أن النصر والهزيمة لا يتوقفان على الفرق المدرعة، وأطنان القنابل، وعدد الرؤوس الحاملة.
2- الإشارة إلى العلاقة غير السليمة التي قامت مابين الدول الغربية وباقي العالم.. وتساهم اليوم في جعل البشر عاجزين عن معالجة التنوع وصياغة قيم مشتركة، ومواجهة المستقبل معاً.
3- اعتقاد المعلوف بأن الحضارة الغربية كانت أكثر الحضارات إبداعاً لقيم مسكونية، ولكنها عجزت عن نقلها إلى الآخرين كما يليق. هذا تقصير تدفع البشرية بكاملها ثمنه اليوم. p.56. وأقرب شاهد إلينا مافعلته الولايات المتحدة في العراق في أنها لم تعرف كيف تجلب الديموقراطية إلى شعب كان يحلم بها. لا ننسى عظمة الشعب العراقي وما يحمله من رسالة حضارية جداً.
4- شهد المعلوف أن الطائفية لا تشجع تفتح الديموقراطية إطلاقاً... الطائفية إنكاراً لفكرة لمواطنيه بالذات، ولا يمكن بناء نظام سياسي متمدن على أساس كهذا.
5- والديموقراطية الأمريكية وما قدمته إلى الشعب العراقي من هدايا مسمومة "تكريس الطائفية" هو ببساطة خزي وعار. وإذا كانت قد فعلت هذا عن جهل، فتلك مصيبة، وإذا هي فعلته عن قصد وقح، فتلك جريمة!!:
زعيمة مجموعة الديموقراطيات الغربية تتساءل، في مطلع القرن الواحد والعشرين، عما إذا لم يكن في الأمر فكرة جيدة، بعد كل شيء، إذا شجعنا قيام أنظمة ديموقراطية في كل من مصر والسعودية وباكستان، وفي سائر بلدان العالم الإسلامي! وذلك بعد أن شجعنا، في كل مكان تقريباً، أنظمة كانت ميزتها الأولى "الاستقرار"، ودون أن نتطلع عن كثب إلى ماهية الطرائق التي كانت تؤمن لها استقرارها؛ وبعد أن ساندنا القادة الأكثر محافظة، دون التفات إلى الإيديولوجيا التي ترتكز عليها محافظتهم؛ وبعد أن دربنا، خصوصاً في آسيا وفي أميركا اللاتينية، الأجهزة البوليسية والأمنية الأشد قمعاً؛ هاهي الديموقراطية الأميركية العظيمة تتساءل الآن عما إذا لم تكن فكرة المراهنة على ورقة الديموقراطية فكرة طيبة. (p.59)
6- "إن كسرته دفعت ثمنه، ومثلته!" والشعوب تحسن التمييز بن المحررين وبين المحتلين. والدول الأوربية دائماً تتخلى عن احترامها لقيمها في علاقاتها مع الشعوب المغلوبة... (p.63) والشعوب التي تتدبر أمرها تلك التي تفلح في الخلاص من الفقر، والمذلة، والتهميش (p.65).
وتتجلى مأساة الغرب الدائمة في أنه دائماً يتراوح مابين "رغبته في تمدين العالم وإرادته السيطرة عليه، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما ". p.67
8- نظرة متميزة "للأقليات" :وأي أقليات يعتبر المعلوف "أن مصير الأقليات، بالنسبة إلى كل مجتمع، وبالنسبة للإنسانية جمعاء، ... هو أصدق المؤشرات على التقدم الخلقي أو على التقهقر!! (p. 70), والعالم الذي يتقدم ويرتفع هو العالم الذي يحترم التنوع البشري، وكل شخص يتكلم لغته الخاصة به ويمارس معتقداته ويؤكد أصوله بهدوء ودون ذلك فإن العالم سيتقهقر ويتقهقر جداً. ويقدم المعلوف مثال على ذلك جماعة المانديين (الصابئة)، وهذه النِحلة (الشيعة، الطائفة) هي: متكتمة، متواضعة، قليلاً من يعرفها إلا من جاورها بالسكن أو عرف التاريخ ويقر المؤلف (المعلوف) بأنه سمع بهذه الطائفة [ لكنه تأخر بالسمع ]، لأن هذه الطائفة معروفة وقديمة في العراق حتى في الكتب المقدسة، لكن ماعلينا، سمع المؤلف (المعرفة نسبية) واللامعرفة تعطي للعالم معنى!!... والمؤلف بحث في المانوية وبالأخص بـ [ماني] وماني شخصية مدهشة في بلاد مابين النهرين في القرن 3 الميلادي... عاش ماني على ضفاف دجلة مع جماعة من الغنوصيين تكرم القديس يوحنا المعمدان [الذي مهّد الطريق ليسوع المسيح] وتطهرت هذه المجموعة بالماء أسوة بيوحنا المعمدان!!.. وترتبط أو تلاصق بفكرة "المعمودية بالماء"... واجتازت أربع عشر قرناً متكتمة ومتمسكة باسم "الصابئة" والمانديين وهذه التسمية الأخيرة تشير إلى فكرة "المعرفة" المقابلة للغنوص اليوناني (P.72) وحافظوا على اللغة الماندية التي هي إحدى أشكال الآرامية... وهي لغة ذات آداب غير معروفة (p.72).
9- يذكر المعلوف وبالسياق نفسه (طائفة الكاتار) في جنوب فرنسا ونجت من الحروب المقدسة، بالإضافة لطائفة "البوغوميل في (بلغاريا) والبوسنة، والباتاران (إيطاليا) وكله يعود إلى منبعها الأول بلاد مابين النهرين...
والذي جعل المعلوف يتحدث عن هؤلاء، هو الخطر الذي بدأ يواجههم بعد موجة التزمت الديني الذي طال هؤلاء وحتى الوازع القرآني لم يستطيع حمايتهم!! ... ففي الفلوجة أجبروا على اعتناق الإسلام وفي بغداد طردوا من وظائفهم وهجروا من بيوتهم، ونهبت متاجرهم!! وها ما كتبه أحد ممثليهم يخاطب المعلوف قائلاً: "سبق لنا أن مررنا بألف محنة، لكن هذه قد تكون وبيلة، نحن مهددون بالزوال في وقت قريب" (P.73) ومن 30 ألفاً في 2002 أي قبيل الاحتلال الأمريكي باتوا 6000 آلاف بعد أن تشتتوا وطوردوا... حتى الموتى لم يعد يعرفون أين يدفنون!! نعم، نعم!! هذه هي ديموقراطية قبائل اللويزيانا!! (P.73) لكن تنادى البعض للمساعدة لكن هذه المساعدة أتت متأخرة! .. هذه المأساة تكشف عن ضلال الحضارة المعاصرة، ضلال وقع الدعاوى الديموقراطية... وتفضح بربرية العصر الذي نعيشه!.
10- قوام البربرية في الغرب الغطرسة وقساوة القلب... الجيش الأميركي تدفق على بلاد مابين النهرين العريقة في القدم كفرس ماء يسرح ويمرح وسط حقل من الخزامى! وباسم الحرية والديموقراطية، راح يهدم ويقتل. (P.77).
11- يعول المعلوف على التضامن عبر الكروي (الكرة الأرضية)، وهذه الحركة التضامنية العظيمة لايوجد شيء منها!!... والمطلوب على حد تعبير المعلوف: كيف نحو دون انزلاق مجتمعاتنا نحو العنف، والتعصب، والفوضى. (P.88).
12- الخطير إعلامياً اليوم: إن الإدلاء بتصريح أرعن عند الظهر قد يكون ذريعة لحصول مذبحة مساء اليوم ذاته وعلى بعد عشرة آلاف كيلومتر من هناك. وفي بعض الأحيان، تكون شائعة باطلة تنشر عن سوء نية أو بسبب سوء فهم، سبباً لنشوب نزاعات؛ وعندما تعرف الحقيقة يكون قد فات الأوان وتكون الجثث تملأ الشوارع، وهذا ما حدث والكلام للمعلوف في عدة بلدان في العالم وحتى حين كتابة الكتاب.
13- المفارقة مابين أن التقدم التكنولوجي والوعي الذي يجب أن يرافقه، ويعول على هذا الوعي تأمين حماية لاناس اللذين زج بهم مكرهين في معمعة التاريخ. (P.81) والمفارقة أيضاً مابين التقدم التقني والتقدم الخلقي البطيء (السلحفاتي) أو أستطيع وأتجاوز المعلوف وأقول لا يوجد تقدم خلقي إنما هو حضور لاخلقي لاوجداني!! وحتى يتوازن التقني مع الخُلقي نحن نحتاج لثورة حقيقية في السلوكيات... فكل حكومة تعتبر أن ما هو صالح لها صالح لغيرها (P.83).
14 - يقوم التوازن الجديد للرعب بالأخص بين الصينيين والأمريكيين "إذا حاولت أن تهدمني سأجرك معي في سقوطي"... المهمة ضخمة وتتطلب درجة عالية من التضامن النشيط بين الأمم... والقضية الهامة وغير المتوقعة هو أنه ما أن تحاول أو نحاول حل مشكلة نجدها مرتبطة بمئات من المشاكل الأخرى!! [الأرض أضحت واحدة افتراضياً وتخطى الإنسان عوالمه التقليدية ويبدو بلا عودة إلى آفاق جديدة اجتمعت بها كل هذا الذي يصرح أو يلمّح إليه المعلوف.
وبهذا عادت من جديد آفاق من التفاوت المذهلة الاستطالات، حتى مرضى هذا العصر يختلفون حتى بأنواع أمراضهم التي لا تاريخ لها!!.
15- ظاهرة "تسارع التاريخ" أو (الفورية)، والقرن الواحد والعشرين ابتدأ في بيئة ذهنية مختلفة اختلافاً مسوساً عن كل ما عرفته الإنسانية من قبل. لهذا يتبوأ الإنترنت المكانة المذهلة الإمكانيات في قرننا الحالي، وهو "أداة عصرية عظيمة، يراد لها أن تشجع التداخل والتبادل المتناغم بين الثقافات، وغدا مكان تجمع وتعبئة لـ"قبائلنا العالمية"... ولأن الإنترنيت ازدهر في لحظة من التاريخ تفلت فيه الهويات عن عقالها (P.93-94) وينتشر "صراع الحضارات" وتتهافت المسكونية، وتفسد طبيعة المناقشات، ويزداد العنف في الكلام كما في الأفعال، وتضيع فيه المعالم المشتركة (P.94)... بعد أن بات العالم بكامله اليوم فضاء سياسياً موحداً. ولا بد من الحكومة الكروية أن تظهر شرعيتها.. وبهذا تذوب الهويات الخاصة بهويات أوسع ولكي تغدو الحضارة: حضارة كروية... وهذا لايتم إلا من خلال:
1- الإنصاف. 2- الاحترام المتبادل. 3- الكرامة المتماثلة. (P.97).
 
الفصل الثاني
الشرعيات الضالة
1- يبقى أوباما (بالرغم من أصوله الإثنية) أمريكي بامتياز ولولا ذلك لما وصل لهذه المرتبة الاجتماعية- التنظيمية، وعلينا جميعاً الابتعاد عن وهم الديموقراطية الأمريكية لغير الأمريكيين، "وقبائل اللويزيانا تقطع الشجرة لتأكل الثمرة" والتمثيل الأمريكي كله يصب في (هوليود).
2- أن أمراً ما قد تغير بصورة جذرية في نسيج العالم، وأفسد بشكل عميق العلاقات بين البشر، وحط من قدر الديمقراطية فشوه سبل التقدم (P.107)
3- الشرعية هي ما يتيح للشعوب وللأفراد أن يقبلوا، دون مبالغة في الإكراه، سلطة مؤسسة ما، يجسدها أشخاص وتعتبر حاملة لقيم مشتركة (P.107)... ليست الشرعية غير قابلة للتبدل إلا ظاهرياً... ينبغي لمعظم الشعوب أن يكون على رأسها قادة شرعيون، وأن "تتوج" هؤلاء القادة لأن هذا واجب سلطة عالمية ينظر إليها أيضاً على أنها شرعية. (P.108)
4- من يعيد للشعب كرامته يقدر أن يحمله على قبول كثير من الأمور (تضحيات، تضييقات، طاغية...) (P.113)... والشرعية لا تُعطى للأكثر إيماناً بل للذي ينضم كفاحه إلى كفاح الشعب... الشرعية لا تعطى لمن يعتدى في حماية الدول المعادية، وكل ما يفعله يكون عرضة للجرسة... حتى لو حاول تحديث البلاد أو حاول تحرر المرأة!! (P.115)
5- ينتقل من تجربة أتاتورك إلى تجربة الرئيس جمال عبدالناصر وشرح ووضّح تجربة هذا الأخير وعلى مدى صفحات طويلة من (125- 187)، وذكر الإيجابيات والسلبيات:
كان عبدالناصر قدوة بالنسبة إلى العالم العربي، والعالم الإسلامي، ومئات الملايين من الناس في كل البلدان ومن كل الفئات الاجتماعية...
6- حالة عبدالناصر، من حالات الشرق الهامة، كاريزما هذا الرجل أرعبت الكثير من الرؤساء في عصره حتى أن رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد نصح نظيره البريطاني أ. إيدن قائلاً: "اضربوه! اضربوه فوراً. واضربوه بقساوة!" " (P.135) وضربوه بقساوة وما زالوا يضربوننا بكل قسوة!!
7- يقرّر المعلوف: في وجدان كل عربي بكل عاثر، وشهوة انتقام من جميع من داسوا كرامته.
8- إن هذا الحقد -على العالم وعلى الذات- يفسر بقدر واسع السلوكيات التدميرية والانتحارية التي تطبع بداية القرن الواحد والعشرين.
9- إن حضور عبدالناصر هو سيرورة تاريخ شعب عرف المجد، ثم السقوط، تعاقبت عليه الهزائم، الخذلانات، الإهانات...
10- إن الشعوب تعترف بجميل من يهديها الملحمة، والحلم، وإعجاب الآخرين، وشيئاً من العنفوان.
11- لم يبق من فكر الوحدة العربية سوى أشكال طقوسية يمارسها بعض السياسيين...
12- من أراد أن يرتفع بشعبه ويرتقي به كان صادقاً في تحديث مجتمعه وأراد أن: يعمم المعرفة، يعلم البنات، تكافؤ الفرص، تحرير النفوس، إضعاف العشائرية، الغاء الامتيازات الاقطاعية،... لكن هذا لم يصل لنهايته!! بتصرف
13- من يريد أن يعارض أمريكا عليه أن يبقى في الظل، وبعد 11 أيلول تجلى عالمين الأول وممثليه والآخر خارج على القانون، وهذا الخارج هم أهل القضية.
14- إن غياب الشرعية، بالنسبة إلى كل مجتمع بشري، هو شكل من أشكال انعدام الوزن الذي يخلخل كل السلوكيات.
15- المشكلة الحقيقية: كيف سيحكم 5% من سكان العالم (الأمريكيين) الـ 95% (بقية سكان العالم). ومن هنا الخلل، والاختلال.
16- الحكمة هي الإصغاء إلى كل الأصوات، أصوات الخصوم قبل أصوات الحلفاء.
 
الفصل الثالث
التيقنات الخيالية
يحاول المعلوف أن يركز على العصر الحاضر انطلاقاً من هذا الحاضر والدخول في مستوياته كافة ومحاولة إبداع واختراع منظومات تفيدنا بمعانيه العلاقات بين الأشخاص ونوعية الوسائل والتحديات عبر عدة نقاط هامة منها:
1- استنباط سلم قيم جديد يتيح لنا أن نتعامل تعاملاً أفضل مما فعلنا حتى الآن مع تنوعنا، وبيئتنا، ومواردنا، ومعارفنا، وأدواتنا، وقدرتنا، وتوازناتنا... (مع حياتنا المشتركة) (P.200).
2- مانسب لـ أندريه مالرو قوله: إن القرن الواحد والعشرين "سيكون دينياً أو لن يكون" تعني أننا لن نتمكن من الاهتداء إلى الطريق الصحيح في متاهة الحياة العصرية دون بوصلة روحية ما.
3- التركيز على الثقافة، من حيث أ الثقافة اليوم هو تزويد معاصرينا بالأدوات الفكرية والخُلقية التي ستسمح لهم بالبقاء (P.203). وتساعدنا الثقافة على التعامل مع التنوع البشري(P.205) .
« أكيد أنه ليس في إمكان أي منا أن يعرف كل مايود معرفته عن أولئك الآخرين، نظراً إلى كثرة عدد الشعوب، والثقافات، واللغات، والتقاليد التصويرية، والموسيقية، والرقصية، والمسرحية، والحرفية، الخ. لكن إذا شجعنا كل فرد من طفولته وطوال الحياة كلها، على أن يهوى ثقافة غير ثقافته، ولغة يتبناها بحرية تبعاً لميوله الشخصية- وأن يتعمق في درسها أكثر من تعمقه في درسا اللغة الانكليزية التي لاغنى عنها- فسينتج عن ذلك نسيج ثقافي مرصوص يشمل الكرة بكاملها، ويطمئن الهويات الخائفة، ويقلل من مشاعر الكراهية، ويعزز شيئاً فشيئاً الإيمان بوحدة المغامرة الإنسانية، فاسحاً في المجال بذلك لحصول صحوة إنقاذية.
لست أرى هدفاً أكثر محورية في هذا القرن، وواضح أنه للحصول على وسائل بلوغه، علينا أن نولي الثقافة والتعليم المرتبة الأولى العائدة لهما » (P. 206).
4- من الحياة إلى تعديل السلوك، وعلينا أن نبحث عن متع جديد قد تكون أطيب هماً.
5- الإقبال على طلب المعرفة في كل مراحل الحياة، بتشجيع كل معاصرينا على تعليم اللغات، على هواية كل أنواع الفنون، على الإلمام بمختلف العلوم، ... المعرفة عالم بلا حدود، وفي وسعنا جميعاً أن ننهل منه، طوال حياتنا، ...
6- معرفة الآخر معرفة دقيقة، لصيقة، ... وحميمية... والعمق الحميم لكل شعب هو آدابه...
7- أن القرن الواحد والعشرين، سيُنقذ بواسطة الثقافة، أو يغرق.
8- أحاديث عن رسول الله حول العلماء والعلم:
- " حبر العالم خير من دم الشهيد ".
- " العلماء هم ورثة الأنبياء ".
 - " اطلبوا العلم ولو في الصين ".
- " تعلموا من المهد إلى اللحد".
- التلمود:
- " العالم لا يحافظ على وجوده إلا بنفس الأولاد الذين يدرسون" (P.208).
9- الغدوية: الكفاح من أجل "محافظة العالم على وجوده" سيكون شاقاً، لكن "الطوفان" ليس قدراً، والغد ليس مكتوباً وإنما علينا نحن أن نكتبه، أن نتصوره، أن نبنيه؛ وأن نبنيه بشجاعة، ... وأن نبنيه بسخاء... وأن نبنيه بحكمة، قبل كل شيء.
10- الرئيس الاندونيسي(سوكارنو) أتى بمبدأ "نازاكوم" أي: القومية، الإسلام، الشيوعية.
11- لم تنجح القومية في أي مكان في العالم الإسلامي في استيعاب الدين كما نجح الدين في استيعاب القومية لاحقاً.
12- الحكاية اليهودية القديمة:
« هذه مفارقة تؤكدها حكاية يهودية قديمة، حكاية أب ملحد حريص على تحصيل ابنه أفضل تعليم ممكن، فأرسله إلى مدرسة يسوعية؛ كان على الولد، رغم كونه غير مسيحي، أن يحضر دروس التعليم المسيحي التي تتضمن عقيدة الثالوث؛ عندما عاد الولد إلى البيت سأل أباه عما إذا كان صحيحاً أنه يوجد "ثلاثة آلهة" فقطب الوالد جبينه وأجاب: "اسمع يا بني! لا يوجد إلا إله واحد، ونحن لا نؤمن به! » (P.215).
13- أن الايديولوجيات تعبر والديانات تبقى.... وتفور الديانات لأتباعها تجذراً هووياً مديداً...
لابد من كلمة: من الانتماء إلى الاعتقاد... يذهب اعتقاد ويبقى الانتماء، ويتجدد اعتقاد جديد وهكذا...!!
14- قناعة المعلوف (الراسخة) العميقة: هي أن جميع العقائد، الدينية أو الدنيوية، تحمل في ذاتها بذور التحجر والتعصب، وهذه البذور تنتشي وتنمو عند بعض الناس وتبقى عند غيرهم في حالة كمون.
 
15- أمثلة من الآداب المسيحية: « ...
زمن طفولتي (الكلام للمعلوف)، كان لا يجوز لامرأة كاثوليكية أن تحضر القداس مكشوفة الرأس والكتفين، كانت الحال هكذا منذ القدم، ولم يكن مسموحاً لأية مؤمنة- خادمة كانت أم ملكة- بأن تخالف هذه القاعدة، التي كان الكهنة يحرصون على تطبيقها بكل تفان، وأحياناً بشيء من الفكاهة. أقول هذا متذكراً ذاك الكاهن الذي توجه إلى إحدى نساء رعيته ليقدم لها تفاحة؛ وحينما أبدت المرأة دهشتها، قال لها الكاهن إن حواء لم تعرف أنها كانت عارية إلا بعد أن قضمت التفاحة.
المسكينة لم تكن عارية، لكنها كانت قد تركت شعرها الطويل منفلشاً، إلا أنه لم يكن يجوز مخالفة قاعدة الهندام. ظلت هذه القاعدة سارية المفعول إلى أن قرر الفاتيكان، في بداية ستينات القرن المنصرم، أنه بات يمكن للنساء أن يدخلن الكنيسة دون حجاب. أظن أن بعض الناس استاؤوا وحتى غضبوا من جراء قرار يخالف تقليداً قديماً جداً يرجع إلى القديس بولس؛ ألم يكتب بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "ليس على الرجل أن يغطي رأسه لأنه صورة لمجد الله، فيما أن المرأة مجد الرجل. فالرجل لم يخرج من المرأة بل المرأة خرجت من الرجل؛ والرجل لم يخلق لأجل المرأة، بل المرأة خلقت لأجل الرجل. لذلك من واجب المرأة، بسبب الملائكة، أن تضع على رأسها علامة الخضوع"؟ ومع ذلك، اعتبرت هذه الكلمات الآتية من زمان آخر، بين ليلة وضحايا، باطلة بفعل مرور الزمن، ولم يحاول أحد أن يفرض على النساء الكاثوليكيات تغطية رأسهن، ومن المعقول أن نفترض أن الخطوة لن تعود موضع بحث بعد الآن.
أعود وأكرر - هذا ما أود الوصول إليه- أن البابوات قد كبحوا طوال تسعة عشر قرناً، بلا ريب، كل تليين لقاعدة اللباس؛ لكنهم، حين رأوا أنه لم يعد يوجد سبب لبقائهما، وحين أخذوا تطور الذهنيات بعين الاعتبار، أقدموا، بشكل ما، على "تصديق" هذا التغير، وجعله غير قابل للانقلاب » (P.218).
16- إن روح التمييز العنصري كلية الحضور في عالم اليوم، وآخذة في الانتشار،... حادثة المرأة الشابة الجزائرية التي حاولت أن تؤسس نادي للنساء المغتربات- وبعد فترة عادت كي يُقال لها: "لقد استشرنا إمام حيكن فقال إن هذه ليست فكرة جيدة، نحن آسفون!" هذا يحتاج لِـ (قهقه)!!
17- إن احترام رجل أو امرأة هو التحدث إليه ككائن بشري كامل الحقوق، كائن حر وناضج، وليس ككائن تابع ينتمي إلى طائفة انتماء القن إلى أرضه. المطلوب وعلى مستوى العالم "تكبيل" النساء والرجل بسلاسل طائفتهم الدينية... وهذا ما يقوم به الغرب دائم في علاقاته مع بقية الشعوب.
يقول المعلوف: هذا خطأ الغرب الدائم، لكن أنا أقول "إن الغرب يقوم بهذا الأمر انطلاقاً من استراتيجياته الواعية والخطرة ".
18- لا يطبق الغرب على الشعوب الأخرى، المبادئ التي يطبقها على شعوبه هو، والتي صنعت له عظمته: « إن عصرنا يتيح للغرب فرصة ترميم صدقيته المعنوية؛ ليس بقرع الصدر ندماً، ولا بالانفتاح أمام "كل بؤس العالم"، ولا بالمساومة مع قيم وافدة، وإنما عكس ذلك، بأن يبين أخيراً أنه وفي نعيمه هو - يحترم الديموقراطية، وحقوق الإنسان، ويحرص على الإنصاف، وعلى الحرية الفردية، والعلمانية، وذلك في علاقاته مع باقي الكرة، وبالدرجة الأولى في علاقاته مع النساء والرجال الذين اختاروا العيش تحت سقفه» (P.228).
19- يشعر العرب بأنهم منفيون في عالم اليوم، غرباء في كل مكان، غرباء في بلدانهم أقل بقليل منهم في الشتات. يحسون بالقهر، بالجرَّسة، بالمهانة... ويتساءلون: كيف لنا أن نعكس حركة التاريخ!!
20- لا يبتعد المعلوف عن السؤال الكلاسيكي: "ماذا يجب علينا أن نحتفظ من ماضينا، وماذا يجب أن ننبذ منه كي نتمكن من الاندماج في العالم الحديث دون أن نفقد كرامتنا".
هذا السؤال شغلنا كثيراً، لماذا؟ الجواب لا نستطيع أن نعثر عليه بسهولة والدليل على ذلك هو إعادته إلى الواجهة بين الحين والآخر!!
21- المسألة الكبرى -بحسب المعلوف- والمطروحة أمام المجتمعات الإسلامية في زمن الألم هذا ليست العلاقة بين الدين والسياسة بقدر ما هي العلاقة بين الدين والتاريخ، بين الدين والهوية، بين الدين والكرامة.
23- ينوه المعلوف لمسألة الاغتراب المزدوج:
وهكذا، فلكي يطيب للمغتربين أن يصبحوا رسل التجربة الأوروبية، يجب إشراكهم بصورة كاملة في هذه التجربة، وأن لا يتعرضوا لضروب التمييز، والإهانات، والأبوية، والتعالي، كلما بينوا وجوههم "الغريبة الملامح" أو ذكروا أسماءهم، أو تكلموا بلكنة لغتهم، بل أن يستطيعوا، على العكس، أن يتماهوا عفوياً مع المجتمع الذي يعيشون فيه، وأن يحسوا بأنهم مدعوون للانصهار فيه قلباً وقالباً.
غير أنه لا يكفي أن يتماهى المغترب مع المجتمع الذي يعيش فيه، فلكي يتوصل إلى التأثير في مجتمعه الأصلي، يجب أيضاً أن يستمر هذا المجتمع على الاعتراف به، وعلى التعرف على نفسه فيه، الأمر الذي يفترض أنه قادر تماماً، وبأكثر ما يمكن من الصفاء، على الاضطلاع بانتمائه المزدوج. هذا غير موجود اليوم، لافي المقاربة الفرنسية للمسألة، ولا في المقاربة البريطانية- نستعيد هنا هذين النموذجين الرمزيين.
فالفكرة التي تسوس معالجة مسألة المغتربين في فرنسا لا تزال، كما كانت في الماضي مع شعوب المستعمرات، تقول بأن في وسع كل كائن بشري أن يصير فرنسياً، وأن من الواجب مساعدته لأجل ذلك. هذه فكرة كريمة، ولدت في عصر الأنوار ولكانت على الأرجح غيرت وجه العالم لو أنها طبقت باستقامة في أراض شديدة التنوع كالهند الصينية أو الجزائر أو مدغشقر. إنها فكرة لا تزال جديرة بالاحترام من حيث جوهرها، وحتى لابد منها، أكثر من أي وقت مضى. فعندما يقرر شخص ما أن يقطن بلداً غير بلده الأصلي، يكون من المهم أن يعلم أنه وأولاده سيكونون قادرين بعد فترة قصيرة أن ينتموا بصورة كاملة إلى الأمة التي استقبلتهم. إن هذا الوجه في المقاربة الفرنسية يبدو لي، والحالة هذه، ذا قيمة عالمية. على كل حال، أنا أفضل هذه الرسالة على الرسالة المضادة، التي تجعل المغترب يفهم أن بإمكانه أن يحتفظ بثقافته، وتقاليده، وأنه سيحظى بحماية القانون، لكنه سيظل خارج الأمة التي استقبلته.
على أنه في الحقل العملي، لا تبدو لي أية واحدة من هاتين المقاربتين مناسبة للقرن الذي نحن فيه، ولا قادرة على تأمين تعايش متناغم لأمد طويل. ذلك أن هاتين السياستين، رغم تباعدهما، تنطلقان من افتراض مسبق وهو أنه لا يمكن لأحد أن يكون منتمياً بشكل كامل إلى ثقافتين معاً.
لكن المغترب يحتاج إلى سماع خطاب آخر في هذا القرن الجديد؛ يحتاج إلى أن يقال له، بالكلام، والمواقف، والقرارات السياسية: "في وسعك أن تغدو واحداً منا، بشكل كامل، دون أن تكف عن أن تكون أنت ذاتك".
24- من عواقب العولمة التي يشير إليها المعلوف وأعتقد أنه محق بها، هي عولمة الطائفية. فإن صعود الانتماءات الدينية لحظة كانت الاتصالات تتعولم قد ساعد على تجمع البشر في "قبائل عالمية"- هذه عبارة تناقضية في الظاهر لكنها تعكس حقيقة الأمور؛ يصح هذا خصوصاً بالنسبة إلى العالم الإسمي. حيث يلاحظ انفلات غير مسبوق لتوكيد الخصوصيات المذهبية تجلى بأكثر أشكاله دموية في النزاع بين السنة والشيعة في العراق، كما يلاحظ نوع من الأممية يجعل الجزائري يمضي ليقاتل ويموت في أفغانستان، أو التونسي في البوسنة، أو المصري في باكستان، أو الأردني في الشيشان، أو الأندونيسي في الصومال. إن حركة الانغلاق والانفلات المزدوجة هذه ليست أصغر مفارقات عصرنا.
25- حرب العراق وما ولدته من مجابهة بين الحضارات:
وحتى في عصرنا، الذي يبدو ذلك خاضعاً للرسم التخطيطي المدرسي المتعلق بمجابهة بين الحضارات، فإن حدثاً كحرب العراق يبدو راحة حدثاً متعدد الوجوه: وجه نزاع دموي بين الغرب والإسلام، وجه نزاع أشد دموية داخل العالم الإسلامي بالذات، بين الشيعة والسنة والأكراد؛ وجه منازلة بين الدولة حول مسألة الهيمنة العالمية، الخ.
26- وصلنا إلى غسق الحضارات المتمايزة وليس قيامها، ولا ظفرها.
ما معنى احترام ثقافة ما هو في نظري..
وما نشهده اليوم هو غسق الحضارات المتمايزة وليس قيامها، ولا ظفرها. فقد ولى زمانها، وأزفت ساعة التسامي عليها جميعاً، ساعة ترويض تقديماتها، وإشاعة نِعم كل منها في العالم قاطبة، وتقليص قدرتها على الإيذاء، وذلك لكي نبني شيئاً فشيئاً حضارة مشتركة، مبنية على المبدأين اللذين لايمكن المس بهما ولا الفصل بينهما، ألا وهما مبدأ مسكونية القيم الأساسية وتنوع التعابير الثقافية.
منعاً لأي التباس، أوضح: احترام ثقافة ما هو في نظري تشجيع تعليم اللغة الحاملة لها، تشجيع التعرف على آدابها، على تعابيرها المسرحية، والسينمائية، والموسيقية، والتصويرية، والمعمارية، والحرفية، والمطبخية، الخ.
27- أن أقدس شيء على وجه الأرض [يقرر المعلوف] هو احترام الكائن البشري، وصون شخصه الجسدي والمعنوي، صون قدرته على التفكير والتعبير عن ذاته، وصون الكرة الأرضية التي تحمله.
... وسيكون علينا في هذا القرن أن نختار بين رؤيتين للمستقبل:
الأولى رؤية بشرية موزعة بين قبائل عالمية تتقاتل وتتبادل البغضاء، لكنها، بفعل العولمة، تتغذى أكثر فأكثر يومياً بحساءٍ ثقافي واحد غير متمايز.
والثانية هي رؤية بشرية مدركة لمصيرها المشترك، ومجتمعة بالتالي حول قيم أساسية واحدة، إلا أنها تثابر أكثر منها في أي وقت مضى، على تنمية التعابير الثقافية الأكثر تنوعاً، والأكثر غزارة، محافظة على كل لغاتها وكل تقاليدها الفنية، وتقنياتها، وحساسيتها، وذاكرتها، ومعرفتها.
28- علينا وضع الإنسانية جمعاء في حالة طوارئ، مدى عشرات من السنين، وأن تفرض عليها تضحيات مؤلمة، عسيرة التحمل، دون أن نكون واثقين بأننا مازلنا قادرين على تدارك النزول إلى الجحيم.
29- عالم اليوم يتميز بعدم تكافؤ خطير في العلاقات الدولية؛ هذا العالم الذي يتخبط في قبلية هووية وفي أنانية مقدسة، حيث لا تزال الصدقية الخلقية مادة نادرة.
 
في النهاية
ما يأمله المعلوف بعد هذه الرحلة الصعبة في آفاق عالم مختل وفاقد لتوازنه، الأمور التالية:
1- قبول الآخر بآخريته!
2- المصالحة.
3- الجمع.
4- التبني.
5- التأليف.
6- إشاعة السلام.
7- لا يخفِ حبه للمغامرة البشرية.
وكل هذا هو "أعمال إرادية، أعمال حضارية، تتطلب صفاء الذهن والمثابرة، وهي أعمال تكتسب، وتُتعلَّم، ويتربى الإنسان عليها. تعليم البشر أن يعيشوا معاً هو معركة طويلة ليس الانتصار فيها كاملاً أبداً ". ويتطلب هذا الأمر: "تفكراً صافياً، وتربية ماهرة، وتشريعاً مناسباً، ومؤسسات ملائمة".
ومن السلبيات الساخنة التي لاحظها المعلوف:
1- القطيعة بين الغرب والعالم العربي- الإسلامي.
2- الإرهاب: مقتل الشاب البرازيلي في أرض إحدى محطات مترو لندن، بريء لكن (مشكلته) أن بشرته سمراء...(!؟)
3- نردّ على اضطرابات عصرنا بـ: تجربة الهاوية، تجربة الجدار، تجربة القمة.
"تجربة الهاوية" هي تلك التي يتميز بها عصرنا. ففي كل يوم، يقفز أشخاص في الفراغ حالمين بأن يسحبوا الفريق كله في أثرهم - ظاهرة لا سابقة حقيقية لها في التاريخ. إن هؤلاء الأشخاص، رغم قلة عددهم، لا يمثلون سوى الفتيل المتأجج لبرميل ضخم من القنوط. إن مئات الملايين من معاصرينا، في العالم الإسلامي وغيره، يحسون بهذا الإغراء، الذي تحجم الأكثرية الساحقة عن السقوط فيه، لحسن الطالع.
إن ما يسبب قنوط هؤلاء الأشخاص ليس عضة الجوع قدر ما هو الهوان والتفاهة، ذلك الشعور بعدم وجود مكان لهم في العالم الذي يعيشون فيه، وبعدم كونهم إلا خاسرين، مظلومين، منبوذين؛ لذا فإنهم يحلمون بتخريب هذا العيد الذي ليسوا مدعوين إليه.
"تجربة الجدار" هي تلك التي لا يتميز بها عصرنا إلا أقل من ذلك بكثير. إلا أنها ترتدي فيه معنى جديداً. ما أطلق عليه هذه الصفة هو الموقف الذي قوامه الانحناء، والاحتماء، بانتظار مرور العاصفة. لعل هذا هو الموقف الأكثر احتراساً في ظروف أخرى. لكن مأساة جيلنا والأجيال الآتية هي أن هذه العاصفة لن تمر. وستظل ريح التاريخ تهب بقوة متزايدة، وسرعة متزايدة، ولن يقوى أحد أو شيء على تهدئتها أو تبطيئها...
أما "تجربة القمة" فإنها مبنية على فكرة معاكسة، أي على أن البشرية بلغت في مسيرتها طوراً مأساوياً في جدته، حيث أمست الوصفات القديمة معه بلا فائدة، هذا ليس نهاية التاريخ، كما قيل قبل الأوان عند سقوط الشيوعية، إلا أنه يرجح أن يكون غسق تاريخ ما، وهو أيضاً -كما أجرؤ على الاعتقاد والأمل- فجر تاريخ آخر...
4- إن المعارك الحقيقية التي تستحق أن يخوضها الجنس البشري خلال القرون القادمة ستكون معارك علمية أخلاقية. من أهمها: التغلب على كل الأمراض، نؤجل الشيخوخة، تأخير أوان الموت الطبيعي، تحرير البشرية من الحاجة كما ومن الجهل، الاتجاه إلى داخل الإنسان وإغنائه،... الخ.
وهذا الخيار الواقعي الوحيد هو ضرورة البقاء!! ... أمام الإنسانية أمرين لا ثالث لهما: أو الإندماج الكروي أو الانفجار... لكن ما المعالم بعد هذا الانفجار غير واضحة وسديمية و...!!
لابد من التأكيد مع المعلوف على أمر لا مفرّ منه هو أن "الإنسانية اليوم بحاجة لتضامن وتضافر فعلي من كافة القوميات (بغض النظر) عن درجة التطور أو النمو!! وهنا لابد من البوح أكثر: " فإما أن يكون هذا القرن بالنسبة إلى الإنسان قرن التقهقر، وإما أن يكون قرن الصحوة، قرن تحول ناجع..." وبعد أن بدأ كتابه بالقلق يحاول أن ينهي هذا الكتاب بـ انتظار قلق، ويحايث هذا القلق الأمل. ومن أسباب الأمل: 1- تسارع وتواصل التقدم العلمي. 2- معظم الأمم تتجه إلى الخروج من التخلف. 3- تجربة أوربا المعاصرة. 4- باراك أوباما: ويصفه المعلوف بالرجل والرمز، أمريكا إبراهام لنكولن، ت. جيفرسون، ب. فرانكلين... أي الصحوة الفجائية لأمة كبيرة، في أعقاب أزمتها الاقتصادية وتخبطاتها العسكرية.
هذا كلام المعلوف قد يكون محقاً لنسبة كبيرة، لكن مارأيناه وما نشاهده أن هذا الأوباما أحمق وانفعالي، لكنه أمريكي، ويبدو يخفق على المستوى الدولي، والعدالة الدولية، وستبقى أمريكا أمريكا حتى تثبت العكس!!
5- أن التخلف ليس قدراً مكتوباً، وأن استئصال القروح القديمة التي هي الفقر والجوع والجهل والأوبئة لم يعد ضرباً من الأحلام الساذجة!؟
وتكاد تخفق الولايات المتحدة بمعظم مسؤولياتها تجاه العالم، ومكان الاستقرار العالمي فيختل العالم ويهتز بعنف: استراتيجياً ومالياً وأخلاقياً ومناخياً، وتكاد تفقد شرعيتها على المستوى العالمي... ولا أعتقد أن الشعب العربي يجد بأمريكا من يحقق له مصالحه، وكي تنال الولايات المتحدة هذه الحظوة لابد لها من عدة أمور منها:
1- الدقة والإنصاف تجاه الأمم.
2- استشارة الأمم الأخرى باحترام.
3- أن تطبق على نفسها ما تطبقه على الآخرين.
4- إقلاعها عن الممارسات اللاأخلاقية.
وغير ذلك ستبقى الولايات المتحدة!! هي هي. ولا بد من مشروع إنقاذ على المستوى العالمي بحكمة، وصفاء ذهن، لكن بحمية، وبغضب بعض الأحيان أيضاً، أجل، بالغضب الموهج، غضب الأبرار!
وبهذا نكون قد ولجنا إلى نقطة العبور التي أستطيع أن أكملها بالقول التالي: من الاختلال إلى الغضب الإيجابي، البنّاء!!
 
حلب
16/7/2011

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ثاوذوروس أبو قرةمقارنة بين سند السحب وسند الأمانة
البطريركيّة المسكونيّة في العصر الحديث.. من سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى اليومالاغتراب.. بحث في فلسفة التموضع عند برديائيف
المؤسسات الدينية وصرخة في وجه الرأسماليةحان الوقت لإعادة النظر... بالمقدسات الحديثة
مقارنة الإرث والوصية بين قانون السريان والروم الارثوذكس و قانون الطوائف الكاثوليكيةحنا الفاخوري مع الخالدين
الشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاًبولس الخوري: العلمانية تصون التنوّع الإنساني
الوشـاحالمسيحيّون في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى