الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> كتب

«العقل والتجربة في الفلسفة العربية» لعلي زيعور.. إبن رشد في تحليل نفساني

  بقلم: محمد رضوان حسن


انقر هنا للتكبير
 
كتاب الدكتور علي زيعور بعنوان: «العقل والتجربة في الفلسفة العربية» (دار النهضة العربية. بيروت سنة 2011) يقدم تحليلاً علم نفسي للفلسفة العربية من أجل كشف مطموراتها او مدفوناتها او أيضاً خلفياتها العميقة، وذلك بغية فهمها بشكل أفضل وأوضح، ومن بين أهل الفلسفة الذين يخصهم بدراسة واسعة مسهبة نجد الفيلسوف أبا الوليد ابن رشد.
الكتاب يظهر هذا الفيلسوف كقمة شاهقة في الفلسفة، ولكنه في الوقت نفسه يظهره قلقاً ومضطرباً ويظهره في حالات نفسية جمة يركز عليها الدكتور زيعور وكأنها عقد نفسية حقيقية لا نجدها إلا عند ابن رشد، مع ان هذه الحالات، بصورة عامة هي عامة بدرجات مختلفة عند كل إنسان سوي. وبصورة مجملة، ابن رشد يظهر في كتاب الدكتور زيعور بصفات ومميزات وسلوكات مختلفة بالإمكان جمعها في ثلاث مسائل أساسية، هي شخصية ابن رشد ثم مدفونات الطفولة والهوامات الجنسية وأخيراً النزعة إلى الإنسان او ما يسميه الدكتور زيعور بإنسانوية ابن رشد.
 
سمات ابن رشد
1ـ فمن ناحية شخصية ابن رشد التي تحتل حيزاً كبيراً في الدراسة تحت عناوين مختلفة وفي فقرات متعددة ومتفرقة، نجد بأن هذه الشخصية تتسم بسمات متنوعة مختلفة يمكن إيجازها بما يلي:
1) ابن رشد كما تظهره السير التي تناولته والتي يعتمد عليها الدكتور زيعور كان رث الثياب. أي ان الظاهرة «الزيّاوية» هي ظاهرة اهمال الاعتناء بالثوب. هنا يجد الدكتور زيعور فضيلة نكران الذات او بعبارة نفسية «عيادية» التماهي مع لاوعي الجماعة والذوبان المصلحي في العام والنافع للجميع، ويرى الدكتور زيعور ان الثوب لغة ورسالة تعبير غير لفظي وتواصل. والدكتور زيعور يقول إنه لا يتخيل ان ابن رشد أهمل ذلك قسرياً او مرضياً، دفاعاً او إهمالاً ينبغي، تحويله إلى حالة نفسية اعتلالية، او إلى رد فعل حيال المحنة، حيال اكتئاب شيخوخة او ما شابه (ص 154ـ155).
2) الدكتور زيعور يبين من جهة اخرى أن ابن رشد كان لا يقيم كبير اعتبار لرأي الناس فيه. فهو كان غير خاضع او محكوم بالمظاهر والبذخ، وكان منصرفاً عن مجالس الأنس والطرب، وهذا الواقع يعني بالنسبة للدكتور زيعور ان ابن رشد كان سلوكه سلوكاً ينكفئ فيه الإنسان على ذاته ويتميز بالرضى عن الذات والانشغال بالأمور الفكرية، أي ان ابن رشد كان انطوائياً (ص 128).
3) إلى جانب ذلك، كان ابن رشد ـ كما يذهب الدكتور زيعورـ نقلا عن المؤرخين يتصف بالتواضع. والتواضع ليس بالصفة التي يمتدحها الدكتور زيعور، المتواضع هو بنظره منجرح او محكوم في اللاوعي بعكس ما يظهر او ما يريد ان يظهر (ص 120). ولكن هل كان هذا التواضع تواضعاً مصطنعاً ام هو في الجبلة والفطرة؟.
4) ابن رشد يظهر في صفة اخرى، وهي ان شخصيته حذرة، خجولة وهلعة، الدكتور زيعور يرى ان هذه الشخصية تكون مرتبكة، لأن الحياء والخوف تعبير عن شخصية ارتباكية (ص 120). ولكن ابن رشد يظهر أيضاً وفي الوقت نفسه حاداً وقاطعاً ويظهر صلباً ونرجسياً. أي هو يتصف بفقدان المرونة او بالتصلب في العلائقية، وهذا الأمر ـ كما يشرح الدكتور زيعور ـ مفاده ان الأنا الاجتماعية من الشخصية ضعيفة غير كافية النمو، او دون مستوى الأنا الفكرية الذهنية نضجاً ومرونة وسهولة تكيف (ص 124).
 
مدفونات الطفولة
2ـ مدفونات الطفولة والهوامات الجنسية تحتل بدورها حيزاً كبيراً عند الدكتور علي زيعور. ذلك ان ابن رشد كان يتصف بالجنوح في سلوكه. والجنوح ـ كما يشرح الدكتور زيعور ـ هو خروج عن المألوف او مخالفة الرأي السائد، او مخالفة الوظيفة وواجباتها. وهذا الجنوح يرجع عند الدكتور زيعور إلى جذور دفينة، إلى تجربة صادمة عائدة إلى ذكريات وخبرات الطفولة. ودليل الدكتور زيعور هو ان ابن رشد نفسه عبر زلات قلمه ولسانه وحركاته أنشد شعراً غزليا في شبابه، تغنى بالمرأة. ولكنه فيما بعد ذلك تراجع وأحرق غزله. فكان هذا السلوك يلخص برأي الدكتور زيعور مشكلته مع الزوجة ومع المرأة ومع الطعام والجنس. الدكتور زيعور يرى في رسالة ابن رشد إلى أهل بيته: «اصنعوا لي قطاً وفراخ حمام»، وكان قد خرج لتوه من مقابلة الخليفة الذي كان قد ازمع على قتله، الدكتور زيعور يرى ههنا الجنس والطعام بلسماً ورداً دفاعياً واستعادة ريثماوية للاستقرار والاطمئنان. كل ذلك ليس عند الدكتور زيعور سوى أوالية اسماء نفسي دفاعي للغريزي والشهوي (ص 182).
هنا التساؤل يفرض نفسه ما إذا كان مثل هذا الأمر خاصاً بابن رشد من دون غيره. نحن هنا مع قضية إنسانية عامة، أي مع شرط من شروط وجودنا الإنساني، كإنسان يتألم متى نزلت به ضائقة، ثم هو يفرح ويعود إلى أهله متى انفرج الضيق وذهب الغم، وبعبارة اخرى، الجنس ليس فيه ههنا ما هو خاص بابن رشد بشكل خاص، إننا كلنا نتحرك بالجنس لان الجنس شرط من شروط كينونتنا.
3ـ هذه الإشكالات التي يثيرها الدكتور زيعور والتي مهم الاطلاع عليها بالتفصيل في كتابه، لم يكن من شأنها ان لا تجعل ابن رشد قمة فلسفية في العصر الوسيط، وما يدرينا، فلعلها هي السبب او الوسيلة في دفعه إلى الصعود إلى القمة، انطوائيته جعلته لا ينقطع عن المطالعة إلا في ليلة بنائه على أهله وفي يوم وفاة أبيه. نكران الذات وتواضعه وخجله وفي الوقت نفسه صلابته وتصلبه ورفضه المرونة التي قد تكون نفاقاً او تملقاً، هذه الأمور كلها قد تكـــون هي التي سددت خطاه ليجعل منه الفيلسوف الأكبر في عصره، وفيلسوفاً إنسانوياً في مفهوم عصرنا الحاضر.
إننا نجد الدكتور زيعور يركز في كتابه على هذه الصفة الإنسانوية التي هي ـ كما سبق وأشرنا ـ نزعة إلى الإنسان والتي نجدها في صور وأشكال مختلفة.
نجد هذه النزعة حين يعطي ابن رشد للإنسان الأولوية واضعاً العقل فوق كل اعتبار. وهنا يظهر ابن رشد ـ كما يشرح الدكتور زيعور ـ متصفاً بالفكر العملي النزعة ومستبعداً عن التوفيقانية.
المفهوم الذي يعطيه ابن رشد لعلاقة الله بالإنسان يوضح أكثر فأكثر هذه الصفة الإنسانوية، وهذا المفهوم نجده في تصوره للعناية الإلهية التي هي ـ كما يوضح الدكتور زيعور تكون بالنوع البشري وليس بالأفراد. وكذلك أيضاً الحرية، فهي للنوع وليس للأشخاص، ويبين الدكتور زيعور ان كل ذلك قائم على ان علم الله بالجزئيات فيه ظلم للعالم وقضاء على الحرية وعلى استقلال الإرادة (ص 217).
 
إنسانوية
وكذلك تظهر انسانوية ابن رشد من خلال مفهومه للسببية، فهذه السببية ـ كما يوضح الدكتور زيعور هي ضرورية ولا بدية من أجل استمرار الحياة واستقرار التعامل وانتظام التعاطي مع الواقع والوقائع وتفسير العالم. ابن رشد ـ كما يشرح الدكتور زيعورـ يرفض مقولة الأشعري في السببية، لأن السببية ليست بنظره كما ذهب الأشعري اقتراناً، بل هي استمرار بلا فجوات او تقطع وبلا انفصال. هي ليست تجاورية، إنها التحام ومتصلة، وهذا الموقف بنظر الدكتور زيعور هو برغماتي وهو انحياز ضد اللاهوتي والسببية اللاهوتية، وبذلك ـ كما يشرح الدكتور زيعور ـ يستطيع الإنسان ان يقف على قدميه ويتحرك في الواقع بحرية، بحثا عن النافع والناجح (ص 218ـ219).
ولكن الدكتور زيعور يظهر من جهة اخرى وقد تراجع عن تأييد هذا الموقف عند ابن رشد، حين ينتقد هذا المفهوم للسببية ويذهب إلى انه غير دقيق. هذه السببية هي بنظره غير جدلية وهي تجهل الصيرورة والتغير، بل ويذهب الدكتور زيعور إلى اعتبار ان هذا المفهوم بدائي وبسيط، ساذج وغير عملي، الدكتور زيعور يرى ان ابن رشد في مجال السببية ومقولات اخرى تقود إلى فطريات المعرفة، قد يبدو دون مستوى الغزالي أصالة وابتكاراً (ص 220).
النزعة إلى الإنسان أو إنسانوية ابن رشد تظهر أيضاً ـ بالنسبة للدكتور زيعور ـ من خلال المفاهيم التي قدمها ابن رشد للمعجز والمشهورات والتواترات وما يتحدر من هذه المفاهيم من مفاهيم اخرى تتعـــلق بالنبـــوة الإلهية والنبوة البشرية او الفلسفية والما بعد دينية، وتتعلق أيضاً بأهل الكتاب وبالمعاد ووحدة النفس او العقل. كل ذلك يفصح برأي الدكتور زيعور عن إنسانوية او نزعة إلى الإنسان عند ابن رشد نظراً لما في هذه المفاهيم من تفسير للإنسان بالإنسان ومن شمولانية وانحياز للعقل، ومن تفضـــيل للعقل على الشرع، الدكتــور زيعـــور يبين بأنه في حالة ابن رشد الذي لا يظلم ان قرأنا رجرجات كثيرة في تصوره عن النبوة الإلهية. لا يستحيل ان نلتقط في نصوصه مرارة حيال النبوة الإلهية او حسداً لها، بل رفضا مقموعاً مطموراً (ص220ـ225).
 
تلك هي بصورة عامة مواقف من ابن رشد مستقاة من سيرته ومن فلسفته. فهل هذه المواقف هي مواقف مسؤولة او ضاغطة على ابن رشد بشكل جعلته يقول ما لم يكن يريد قوله قطعاً، ام هي مواقف ناطقة بحقيقة واقع ابن رشد؟. الدكتور زيعور هو ـ حسبما أعرف ـ الوحيد الذي اقدم على هذا التحليل العلم نفسي لسبرغور الفلسفة الرشدية خـــاصة والعربية عامة. ولكن هذا التحليل، بالأخص فيما يتعلق بابن رشد، لم يكشف قضـــية نفـــسية خاصة تميز بها ابن رشد، بل طبق أفكاراً ومبادئ علم نفسية على ابن رشد، طبق قوانين عامة على حالة إنسانية لا تختلف كثيراً عن حالة كل إنسان بشكل عام.
 

نقلاً عن "السفير"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
صدور أوّل كتابٍ عربيٍّ عن لاهوت البيئة وروحانيّة الطبيعةكامو الرجل الذي كان دائماً على حق
جوزيف معلوف: لاهوت الحوار مع الحداثة"العلاقات المسيحيّة المسيحيّة في سوريّة عبر التاريخ".. دراسات مسكونيّة.. كتاب جديد للأب ديك
عرض كتاب "اختلال العالم" لأمين معلوفالحلاج.. رحلة البحث عن المعنى.. «الديوان» و«الطواسين»... حسب شوقي عبد الأمير وفيليب دولاربر
«بحر الحقائق» في تصوّف ابن عربي«تأويل الثقافات»
كتاب "الثقافة العربية في عصر العولمة" لتركي الحمدمعجم للمؤلفين العرب المسيحيين وآثارهم..
قراءات في فكر علي حرب وفلسفته: هدم المتعاليات وخلخلة الأسس«وجوه غابت» كتاب المطران جورج خضر: هو القلب.. قلبك الذي يرى
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى