الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

كتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس

  بقلم: عاصم بدر الدين


انقر هنا للتكبير
 
منذ إرهاصاتها الأولى انشغلت السوسيولوجيا في تحديد مجالات بحثها وموضوعاتها وتحديث بنيانها النظري من مناهج ومفاهيم ومصطلحات، وتفعيل أدواتها التحقيقية، الكمية والنوعية. والحال أن كتاب عالمة الاجتماع الفرنسية ناتالي إينيك، "سوسيولوجيا الفن" (المنظمة العربية للترجمة، 2011، ترجمة حسين جواد قبيسي) يندرج في سياق هذا التحديد الإبتكاري المنشغل في توسيع نطاق السوسيولوجيا وإمكاناتها من إطار التفسير التعليلي إلى الفهم الادراكي. على أن هذا التغير في وجهة الرؤية دونه عقبات لا ترجع فحسب إلى الطبيعة الدينامية للاجتماع بل، وفي ما يتعلق بمحور اشتغال الكاتبة، إلى خصوصية سوسيولوجيا الفن في حداثتها وتداخلها مع تخصصات أخرى، بالإضافة إلى سحر موضوعها والتباساته.
تسعى الباحثة بجهد توليفي لتتبع البدايات الأولى للإهتمام "الاجتماعي" بالفن فتلحظ أن مؤسسي السوسيولوجيا لم يولوا سوى حيز هامشي للمسألة الجمالية، كحال إميل دوركهايم وماكس فيبر. على أن جورج سيمل وحده من جيل الأولين أعطى أهمية "لتبيان التكييف الاجتماعي للفن وأثر النظرة إلى العالم على الأعمال الفنية"، في كتاباته عن الفن التشكيلي. والحال أن انشغال سيمل دون غيره في الفن يرجع، بحسب الباحثة، إلى تقربه من تيار "التاريخ الثقافي" الذي ظهر في القرن التاسع عشر، وشكّل مع علم الجماليات وتاريخ الفن، التمهيد الأولي لظهور سوسيولوجيا الفن.
تقسم الباحثة مراحل نشوء سوسيولوجيا الفن ثلاثة أجيال؛ أولها جيل الجمالية السوسيولوجية الذي درس علاقة "الفن بالمجتمع" مستبدلاً التفسيرات والتأويلات الروحانية والجمالية التقليدية (الشعور الديني والذوق) بتفسيرات تُرجع الفن لأسباب خارجة عنه (مادية ودنيوية) تفقده استقلاليته ومثاليته. لعل التراث الماركسي أبرز ممثل لهذا الجيل، إذ طُبقت النظريات المادية في دراسة المسألة الفنية كما في مقاربة بليخانوف لتبعية البنية الفوقية للبنية التحتية أو لوكاش الذي قرر أن نمط العيش هو الذي يحدد العلاقة بين الظروف الاقتصادية والإنتاج الفني. من ممثلي هذا الجيل أيضاً مدرسة فرانكفورت المتمثلة في كتابات أدورنو وفالتر بنيامين المتفقة مع الماركسية من حيث خضوع الفن لقوانين برانية، والمتمايزة عنها لجهة تمجيد الثقافة والفرد.
ظهر الجيل الثاني في الخمسينات واهتم بدراسة "الفن في المجتمع"، أي دراسته ضمن السياق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمؤسسي، بالاعتماد على مناهج البحث في التاريخ والتحقيقات الميدانية. تشي المقارنة التي تجريها الباحثة بين الكتابات التأريخية لهذا الجيل، في دراسة الرعاية والمؤسسات والسياقات الاجتماعية المنتجة للأعمال الفنية، بتقديم السياق الثقافي على السياق المادي، أي أنهم كانوا أكثر التزاماً لاستقلالية الفن. والحال أن اعتمادهم على الأبحاث "الميكرو-اجتماعية" أتاح لهم دراسة ظواهر محددة وتوصيفها وتحليلها بدقة، فدرسوا هواة جمع الأعمال الفنية والعلاقة المعقدة القائمة بين الناس والأعمال ("التبعية التبادلية" بحسب نوربير الياس) والتداخل في العلاقة بين الحكم الجمالي وأبعاد الحياة الجماعية الأخرى (فرنسيس هاسكل). بالإضافة إلى دراسة المنتجين، أي الخلاّقين وظروف الإنتاج الفني مما عنى، في رأي الباحثة، مساهمة فعلية في القطيعة مع الفكرة البدائية حول برانية "الاجتماعي" بالنسبة إلى "الفن".
اعتمد الجيل الثالث على الأبحاث الميدانية وسوسيولوجيا التحقيق في دراسة "الفن كمجتمع"، مركزاً على الوظيفة التي يؤديها الوسط المحيط بالفن والناس وبنيته الداخلية وتفاعلاته. لذا تعتبره الباحثة جيلاً سوسيولوجياً محضاً، إذ سعى إلى البحث "عن القواعد المنضبطة التي تحكم تعدد الأفعال والأشخاص والمواضيع والمؤسسات والتصورات التي يتكون منها جميعاً وجود جمعي لظاهرات تندرج تحت اسم الفن".
تستند إينيك في القسم الثاني من الكتاب إلى ثلاثة مفاهيم لإبراز خصوصية المقاربة السوسيولوجية: التلقي، الوساطة والإنتاج.
بيّنت الأبحاث الميدانية (التحريات الإحصائية والمقابلات المباشرة المعمقة) التي تناولت الجمهور، خاصيتين أصبحتا من البديهيات. أولاهما: أنه ما عاد من الممكن الحديث عن الجماهير بشكل عام بل عن "جماهير" متباينة اجتماعياً. ثانيتهما: أن هذا التباين في المرتبة الاجتماعية الذي يؤثر على "الرأسمال الثقافي" والـ"هابيتوس" بقدر تأثيره على "الرأسمال الاقتصادي"، بحسب بيار بورديو، يفسر علاقة الارتباط القائمة بين الممارسات والعادات الجمالية والانتماء الاجتماعي. أضحى هدف سوسيولوجيا التلقي والذوق تفسير شروط الحكم على عمل بالقبح أو الجمال، أي فهم أسباب التصورات والأفعال بالاستناد إلى الخصائص الموضوعية للأعمال الفنية والبنى العقلية للمتلقين وسياقات التلقي.
يشير مفهوم الوساطة إلى كل ما يدخل بين العمل الفني ومتلقيه من أشخاص ومؤسسات وكلمات وأرقام وصور. ينحل مفهوم الوساطة عند استخدامه من تلقائه إذا ارتضينا التعامل مع "الفن كمجتمع"، وهذه ميزته في رأي الباحثة. ذلك أن ما يقوم بين الأعمال الفنية ومتلقيها من علاقات، يعني تغييب الحواجز الفاصلة بينهما والقضاء على التصورات التي سادت قبل السوسيولوجيا حول صراع الطرفين. والحال أن مفهوم الحقل الاجتماعي الذي صاغه بورديو يوافق إشكالية الوساطة لجهة تأكيده "الاستقلالية النسبية" للحقول الاجتماعية وحتمية تداخلها.
أما مفهوم الإنتاج فيشير إلى عمل الخلاّق الذي يجب أن يُنظر إليه بوصفه يشغل موقعاً في "حقل إنتاج مصغر" ينتمي إليه إنتاجه، بحسب سوسيولوجيا الهيمنة. أما السوسيولوجيا التفاعلية فترى أن دراسة الإنتاج الفني تُعنى بتوصيف الأفعال والتفاعلات الناشئة عن هوية الخلاّقين والتي تأتي الأعمال الفنية نتيجة لها.
في "الخلاصة" تعرض الباحثة اتجاهها النظري الخاص بدراسة الفن سوسيولوجياً فتشدد على استقلالية هذا الاختصاص عن باقي الفروع التي تدرس الفن بالركون إلى الدراسة الميدانية الكمية والنوعية والتحليل التجريبي. بالإضافة إلى ضرورة التخلص من السوسيولوجيا الشكلية واطلاق أحكام القيمة نحو الاتجاه الوصفي التحليلي الذي يستعيد مبدأ "الحياد تجاه القيم" الفيبري بحيث تصير القيم نفسها موضوعاً للبحث، والانتقال من التفسير إلى الفهم، ذلك أن النظرة الإدراكية تضع الواقع والتصورات على المستوى نفسه، وتعتبرهما بعدين للواقع المعيش. فليست مهمة السوسيولوجيا شرح حقيقة الواقع وتفسيرها بل انها تضطلع أيضاً بمهمة تفسير تصورات الناس حول واقعهم. يشير ما سبق إلى إمكان ظهور جيل رابع، في اعتقاد الكاتبة، يكون ذا اتجاه عملي واقعي وأنثروبولوجي يهتم بدراسة سوسيولوجيا الفن بوصفها إنتاجاً للناس.
 

نقلا عن "النهار"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق
«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟
«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيريةباخ كان هنا
«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرينفتاة بيتهوفن..
«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)
السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم«الناي المسحور» لموتسارت: انتصار النور على الظلام
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى