الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> لاهوتيّة

الكنيسة الأنطاكية وسبيلها إلى الوحدة

  بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك


انقر هنا للتكبير
 
إنّ بلاد الشام أو سورية هي مهد المسيحيّة. ففي القدس مات وقام المسيح، ومن القدس انطلقت الكنيسة يوم العنصرة، وقرب دمشق اهتدى بولس وأخذ دعوته من السماء ليكون رسولاً للأمم، وفي أنطاكية دعي التلاميذ أوّلاً مسيحيّين. ومنها انطلقت الدعوة المسيحيّة إلى بلاد الأناضول واليونان، وكانت الرها مع الأباجرة أوّل إمارة تنصّرت وأصبحت مركزاً هاماً للإشعاع المسيحي شرقي بلاد الشام.وكانت سورية نقطة التماس بين العالم المسيحي والعرب، وكانت ملتقى الحضارات والشعوب وبوتقة انصهرت فيها العقليّة السامية والعقليّة اليونانيّة. ولقيت فيها المسيحيّة تربة صالحة لازدهار الطقوس الكنسيّة والعلوم اللاهوتيّة، وازدانت بروائع الفن المعماري ولمع فيها نخبة من الرجال العظام امتازوا بعلمهم وبقداستهم.
وحافظت الكنيسة الأنطاكية على وحدتها وتماسكها برئاسة أسقف العاصمة، البطريرك الأنطاكي، طالما بقي الانسجام والتكامل بين مختلف العناصر. ثم إنّ عوامل عدّة منها دينيّة وروحيّة ومنها حضاريّة وثقافيّة ومنها سياسيّة وعنصريّة أدّت إلى انشطار البطريركيّة الأنطاكيّة إلى طوائف عدّة. فبعد المجمع الخلقيدوني الذي عقد عام 451 وحرم اوطيخا وحدّد وجود المسيح في طبيعتين متميّزتين بدون اختلاط ضمن وحدة الأقنوم، انقسمت الآراء حوله بين أساقفة البطريركيّة وشعبها. ولا يخفى أنّ البطريرك الأنطاكي، مكسيموس، الذي يتفق الجميع على شرعيّته، ومصفّه الأسقفي كانوا موافقين على قرارات المجمع. ولم تنشأ المعارضة ضدّ المجمع إلاّ بعد عشرات السنوات ابتداءً من المناطق الشرقيّة. وبعد فترة تردّد تحدّدت المواقف وانشطرت البطريركيّة إلى فئة مؤيّدة للمجمع وأخرى رافضة له. والفئة المؤيّدة للمجمع هي الممثّلة اليوم في الكنيسة المسماة ملكيّة، والفئة المعارضة ممثّلة في الكنيسة المسماة سريانيّة. وأصبح لكلّ من الفئتين بطريركها ومصفّها الأسقفي. إنّما كرسي رومة والعالم الغربي وكرسي القسطنطينيّة والعالم البيزنطي وبطريرك الأسكندريّة الملكي كانوا يعترفون فقط بالبطريرك الأنطاكي الملكي، وكذلك السلطة المدنيّة في العاصمة البيزنطيّة.
وإنّ الفتح العربي ثبّت هذا الانقسام واعترف لكلّ من الطائفتين بالحقوق نفسها. وأخذت كلّ منهما تتطوّر بنوع مستقلّ ومالت الطائفة الخلقيدونيّة نحو البيزنطيّين وسمّاها أخصامها بالملكيّة، بينما تشدّدت الطائفة اللاخلقيدونيّة في طابعها السرياني وتخلّت عن استعمال اليونانيّة ونعتها أخصامها باليعقوبيّة.
وفي القرن السابع حصل انقسام داخل صفوف الملكيّة وظهرت فئة الموارنة، والمؤرّخون السريان يميّزون آنذاك بين الملكيّين المكسيمانيّين والملكيّين الموارنة. ويعنون بالمكسمانيّين أنصار القدّيس مكسيموس المعترف المناضل عن المشيئتين في المسيح، وهو الرأي الذي أُقرّ رسميّاً في المجمع القسطنطيني الثالث سنة 681 الذي حرم المنوثيليّين أو أنصار المشيئة الواحدة في المسيح. وكان الملك هرقل قد حاول فرض هذا الرأي لتوحيد الكنيسة في شقيها الخلقيدوني واللاخلقيدوني. ولا نعثر على علاقات بين الموارنة والكراسي الرسوليّة الأخرى قبل عهد الصليبيّين.
وكان للبطريرك الأنطاكي في القرون الأولى بعض النفوذ في مناطق المملكة الفارسيّة في العراق وإيران. إلاّ أنّ كنيسة هذه المناطق أعلنت استقلالها التام عن أنطاكية في مطلع القرن الخامس، نظراً إلى العداوة المستحكمة بين الدولتين الفارسيّة والرومانيّة. ثمّ إنّ الكنيسة في بلاد فارس تمسّكت رسميّاً بالمذهب النسطوري القائل بأقنومين في المسيح بعد أن طورد أنصار هذا المذهب من المملكة الرومانيّة، ولاسيّما من الرها. إلاّ أنّ الفئات المسيحيّة التي لم تقبل بالنسطوريّة بقيت مرتبطة بالبطريركيّة الأنطاكيّة في شقّيها.
ويعرف الكتّاب العرب القدماء ثلاثة مذاهب مسيحيّة: اليعقوبيّة والنسطوريّة والملكيّة.
اليعاقبة هم القائلون بأُقنوم واحد وطبيعة واحدة في المسيح وهم يقطنون بلاد الشام ومصر والحبشة. وقد يطلق اسم اليعاقبة على أقباط مصر أنفسهم. أمّا الأرمن فمذهبهم مشابه وإن كان يمتاز بعض الشيء، ولم تكن الشركة بينهم وبين السريان والأقباط قائمة بنوع مستمر.
النساطرة هم القائلون بأُقنومين وطبيعتين في المسيح. وهم متمركزون خاصة في العراق وإيران وآسيا الوسطى والهند، وبلغت بعض رسالاتهم الصين.
أمّا كلمة سريان فلم تكن تعني مذهباً خاصاً بل تشمل اليعاقبة والنساطرة وأحياناً الملكيّين، وكانوا ينعتون أيضاً النساطرة بالسريان الشرقيّين واليعاقبة بالسريان الغربيّين. وكانوا يتميّزون، علاوة على مذهبهم، بطريقة كتابتهم السريانيّة ولفظها. 
والملكيّون هم القائلون بأقنوم واحد وطبيعتين في المسيح، وهم يقطنون البلاد العربيّة، سورية مع فلسطين ومصر. وهم أيضاً نصارى الغرب التابعين لبابا رومة ومسيحيّو المملكة البيزنطيّة وما يتبعها من بلاد المسكوب والبلغار. ويعتبر الكتّاب العرب أنّ الملكيّين العرب ومسيحيّي بلاد الروم والغرب على مذهب واحد وأنّ بابا رومة هو الرئيس الأعلى للملكيّة، وإن كان درج حصر لقب الملكيّين بقاطني البلاد العربيّة لتمييزهم عن الروم والفرنجة. وقد أُرسل أحياناً بطاركة أنطاكية الملكيّون إلى القسطنطينيّة كوسطاء بين الخلفاء والقياصرة. ولمّا احتدم الخلاف بين القسطنطينيّة ورومة لأسباب معظمها إداريّة وثقافيّة وسياسيّة ظلّ الملكيّون الأنطاكيّون في معزل عن هذا الخلاف، وإن كانوا بطبيعة الحال أقرب إلى موقف القسطنطينيّة. وقد حاول عبثاً البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث التدخّل بين كارولاريوس البطريرك القسطنطيني ولاون التاسع بابا رومة لمنع وقوع القطيعة بينهما. وهلّل الملكيّون للمصالحة التي تمّت بين الفريقين في المجمع الفلورنتيني عام 1439. ولمّا عاد الاتصال الفعلي بين بلاد المشرق والغرب ابتداءً من القرن السادس عشر والسابع عشر، أرغم الملكيّون على تحديد موقفهم. وانحازت فئة من الملكيّين في هذا النزاع إلى جانب رومة بينما لزم فريق آخر جانب القسطنطينيّة، وبعد فترة حاولوا فيها الجمع بين الطرفين انشطر الأنطاكيّون الملكيّون إلى شطرين في مطلع القرن الثامن عشر. وقد حدثت حركة مماثلة لدى السريان والنساطرة كما عند الأرمن. وتسمّت فئة النساطرة التي انضمّت إلى الكثلكة كلداناً.
أمّا بطريركيّة أنطاكيّة التي نحن بصددها بنوع خاص فقد أصبح لها خمسة بطاركة في آن واحد. فلدينا الآن بطريرك أنطاكي للروم الأرثوذكس، وبطريرك أنطاكي للروم الكاثوليك، وبطريرك أنطاكي للسريان الأرثوذكس، وبطريرك أنطاكي للسريان الكاثوليك، وبطريرك أنطاكي للموارنة. ناهيك عن سائر الفئات المسيحيّة القادمة من الخارج.
وفي الجوّ المسكوني الذي نعيش فيه اليوم يشعر الجميع بحاجة إلى الوحدة. وساد الاعتبار المتبادل عوض المنازعات العنيفة، إنّما لم ينشأ بعد حوار حقيقي، وما زالت رواسب الماضي قائمة ومفاهيم ناقصة أو مغلوطة عالقة في الأذهان. ونحن جميعاً بحاجة إلى أن نتجدّد ونوسّع مفاهيمنا لنعود إلى أصالتنا ووحدتنا فنتمكّن من القيام برسالتنا الواحدة في عالم اليوم والمجتمع الواحد الذي نعيش فيه. لا تستطيع أيّة فئة أن تدّعي أنّها تمثّل وحدها الكنيسة الأنطاكيّة الأوّلية. فهناك نواح مختلفة ركّزت كلّ من الفئات عليها. ولإعادة الوحدة لا بدّ لكلّ منّا أن يموت عن بعض ما فيه في سبيل أمانة أكمل. وها نحن نحاول بأكثر ما يمكن من موضوعيّة وحياد، أن نوضح الأمور لنتبيّن هويّة كلّ من الفئات ونبرز أسباب الخلافات لنستجلي الطريق المفتوح أمامنا لبلوغ الوحدة. ماذا يفيدنا أن يكون لنا الإيمان لننقل الجبال وليس فينا المحبّة؟ ما الفائدة من الأرثوذكسيّة إذا كنّا لا نحترم ولا نحبّ من يخالفون رأينا عن نيّة سليمة؟ لا نبغي أن نفتح جروحاً جديدة. إلاّ أنّ الجرح قائم في جسد الكنيسة ولا يمكن أن ندعه يندمل على زغل. هناك جروح لا بدّ لها أن تعصر وتدهن بمرهم لتشفى. سنحاول أن نقوم بذلك بكلّ رقّة لأنّ الجرح هو جرحنا.
 
أوّلاً: الأوضاع القديمة
العناصر القوميّة في البطريركيّة الأنطاكية
كانت سورية في فجر المسيحيّة مقاطعة من الإمبراطوريّة الرومانيّة قاعدتها أنطاكية. وكانت تمتد من جبال طوروس إلى صحراء سيناء ومن البحر المتوسّط إلى حدود المملكة الفارسيّة شرقي الفرات.
وعنى الرومان بكلمة سريان سكّان هذه المقاطعة الأصليّين وهم مزيج من الشعوب الساميّة القديمة التي استوطنت بلاد الشام عبر العصور من كنعانيّة وفينيقيّة وأمّوريّة وآراميّة وغيرها.
ومنذ فتح الإسكندر في أواخر القرن الرابع قبل المسيح أُسّست في سورية عدّة مدن يونانيّة منها أنطاكية نفسها وأفاميا واللاذقيّة والمدن العشر في أنحاء الجولان والبلقاء. وبقي عدد كبير من جنود الإسكندر واختلطوا بسكّانها، كما قدمت إليها موجات متتالية من العناصر اليونانيّة. وعلاوة على هذه الموجات القادمة من الشمال والغرب تسرّبت من الشرق والجنوب قبائل عربيّة لاسيّما يمنيّة ومن ربيعة. فما عدا الأنباط والتدمريّين الذين كانت لهم، لفترة ما، دولتهم، هناك بنو تنوخ وقضاعة وبنو كلب والغساسنة. وكان هؤلاء العرب أغلبيّة في بعض المدن مثل البتراء وتدمر وبصرى. أمّا معظمهم فكانوا يقطنون الخيام ويتواردون إلى ضواحي المدن القريبة من البادية ويمتزجون شيئاً فشيئاً بسكّانها.
وقد انتشرت المسيحيّة بين هذه العناصر كلّها التي كانت تدين أوّلاً بالوثنيّة، وبين الفئات اليهوديّة التي كانت تعيش منعزلة في كبريات المدن.     
 
اللغة والثقافة
كانت اللغة السائدة قبل الفتح اليوناني اللغة الآراميّة. وكانت اللغة الرسميّة والدبلوماسيّة المتداولة في الشرق حتى غزت الإمبراطوريّة الفارسيّة وتكلّم بها اليهود ناسين لغتهم العبريّة. وقد كُتب بها بعض المقاطع من كتب العهد القديم وإنجيل متّى الذي فُقد في أصله الآرامي ولم يبقَ لنا سوى ترجمته اليونانيّة.
وبعد فتح الإسكندر اكتسبت سوريّة طابعاً يونانيّاً فتسمّت المدن والناس بأسماء يونانيّة وانتشرت العادات القادمة من اليونان وأصبحت اللغة اليونانيّة لغّة الدولة ولغة العلوم والثقافة.ولا يخفى أنّ كتب العهد الجديد وُضعت باليونانيّة وأنّ الأغلبيّة الساحقة من آباء الكنيسة في سورية وفلسطين كتبوا باليونانيّة حتى القرن السادس، نذكر منهم القدّيسين أغناطيوس وثاوفيلوس رئيسي أساقفة أنطاكية، والقديس يوستينيوس النابلسي المدافع عن الإيمان، والمؤرّخ اوسابيوس القيصري، والقدّيس كيرلّس الأورشليمي، وابيفيانوس ويوحنّا الذهي الفم، والمفسّر ثاوذورس أسقف مصيصة والمؤرّخين ثاوذوريطوس وسوزومين ورومانس الحمصي الشاعر المرنّم. وكانت اليونانيّة اللغة الرسميّة المتداولة في المجامع المسكونيّة والإقليميّة والمراسلات الكنسيّة. وإنّ كتاب دستور الرسل الذي يحوي الطقوس والتشاريع الأنطاكيّة الأصليّة وضع باليونانيّة. وكانت الصلوات الطقسيّة والوعظ تقام في المدن باليونانيّة، وكان هناك من يترجمون إلى السريانيّة القراءات والوعظ في سبيل الشعب البسيط الذي لا يفقه اليونانيّة، ونستدلّ على ذلك من شهادة السائحة الاسبانيّة اتيريا التي زارت الأماكن المقدّسة في أواخر القرن الرابع ووصفت بالتفصيل رحلتها وكيف كانت الصلوات تقام في كنيسة القيامة باليونانيّة وتترجَم القراءات والعظة إلى السريانيّة. وهناك أيضاً شهادة طريفة من المؤرّخ ثاوذوريطوس في كتابه تاريخ الرهبان إذ يذكر أنّ بوبليوس أسّس على نهر الفرات في زوغما شمال جرابلس ديراً كانوا يقيمون فيه الصلوات باليونانيّة، ولمّا أحبّ أن ينضم إلى الدير فريق من القرويّين لا ينطقون إلاّ بالسريانيّة أسّس لهم ديراً مجاوراً، وكان الفريقان يجتمعان في الكنيسة الواحدة وينشدان المزامير بيتاً باليونانيّة وبيتاً بالسريانيّة.
فمن يدّعي أنّ اليونانيّة كانت لغة المستعمر ينمّ عن عدم معرفته لأمور التاريخ، لأنّ لغة الدولة والجيش الروماني كانت اللاتينيّة حتى زمن يوستينيانوس، واليونانيّة كانت متأصّلة في سورية إذ أصبحت لغة العلم والثقافة حتى قاومت لغة المستعمر. وقبل القرن السادس لم يكن من حفيظة لدى السريان على اليونانيّة، وكان المثقّفون منهم لا يحجمون عن الكتابة بهذه اللغة. ومن جهة أخرى يخطئ من يظن أنّ معظم سكّان سورية كانوا يوناناً لأنّ اللغة اليونانيّة كانت أكثر شيوعاً في الكتابة. فالشعب بنوع عام بقي متمسّكاً باللغة السريانيّة، وإن كان بعض الكتّاب اليونان مثل القديس يوحنّا الذهبي الفم الأنطاكي لا يعرف السريانيّة فمعظمهم يفهمون اللغتين، وكثير من الكتّاب الذين ظاهرهم يوناني هم سوريّون أقحاح مثل المؤرّخ اوسابيوس رئيس أساقفة القيصريّة في مطلع القرن الرابع الذي اطّلع على الوثائق السريانيّة المحفوظة في مدينة الرها. وإنّ المدن التي أخذت اسماً يونانيّاً بعد فتح الإسكندر عادت إلى اسمها السامي القديم عند الفتح العربي ممّا يدلّ على أنّه كان لا يزال متداولاً بين الشعب ألف سنة بعد فتح الإسكندر (عكّا = بطوليمائيس، حلب= بيريه، منبج = ايرابوليس، حماة = ابيفانيا، عمان = فيلادلفيا، جبيل = بيبلوس، بعلبك = هليوبوليس، الرها = اديسّا...). لا بدّ إذن في قضيّة اللغة والثقافة من إبداء رأي متوازن، وعدّ كلّ من الأدبين الكنسيّين اليوناني والسرياني في سورية أدبين سوريّين أصيلين.
وعلاوة على اللغتين اليونانيّة والسريانيّة كانت القبائل العربيّة تتكلّم بلغّتها العربيّة ولكن لم نعرف لها أدباً مسيحيّاً بالعربيّة قبل الفتح الإسلامي.
وبعد الفتح الإسلامي تضاءلت اللغة اليونانيّة إذ عرّب عبد الملك الدواوين وهاجر عدد كبير من الناطقين باليونانيّة إلى بلاد الروم، وأخذ الشعب ينطق بالعربيّة. وإذا كان يوحنّا الدمشقي يكتب باليونانيّة مؤلّفاته اللاهوتيّة الشهيرة في أواسط القرن الثامن، ففي القرن العاشر اضطر قسطا بن لوقا البعلبكي إلى التوجّه إلى بلاد الروم ليتمكّن من اليونانيّة. إلاّ أنّه لا بدّ من القول أنّه لغاية القرن التاسع هناك فئة من المثقّفين حتى من أبناء الكنيسة السريانيّة يتقنون اليونانيّة بالكفاية حتّى أنّهم نقلوا من هذه اللغة إلى العربيّة أهمّ الكتابات العلميّة والفلسفيّة. أمّا السريانيّة فقد ظلّت متداولة فترة أطول ومع ذلك ما عتّمت العربيّة أن أخذت مكانها كلغّة شعبيّة ولغة الثقافة، وانحصرت السريانيّة في الطقوس إلاّ في بعض المناطق المنعزلة كقرى طور عبدين وجبال الموصل ومنطقة معلولا. ونشأ أدب مسيحي عربي أسهم فيه المسيحيّون على اختلاف مذاهبهم.
 
النظام الكنسي
رغم تباين العناصر واللغات، كان المسيحيّون في بلاد الشام يشكّلون وحدة كنسيّة إداريّة برئاسة بطريرك أنطاكية. وكان المجمع النيقاوي أقرّ هذه السلطة العليا لأسقف أنطاكية كما أقرّ المركز الخاص لأسقف الإسكندريّة وأسقف رومة. وأقرّ المجمع القسطنطيني الأوّل عام 381 المركز الخاص الذي حاز عليه أسقف القسطنطينيّة عاصمة الدولة. وكانت مقاطعة الشام مقسومة إلى 15 إقليماً مدنيّاً يشكّل كلّ منها إقليماً كنسيّاً يرأسه متروبوليت أو رئيس أساقفة. وإنّ المجمع الخلقيدوني اقتطع أقاليم فلسطين الثلاثة التابعة أصلاً للبطريركيّة الأنطاكيّة ليشكّل منها بطريركيّة خامسة هي بطريركيّة القدس. إلاّ أنّ الكنيسة السريانيّة التي لم تعترف بالمجمع الخلقيدوني فلا تعرف إلاّ الكراسي البطريركيّة الأربعة.
وكان للبطريرك الأنطاكي نفوذ خارج بلاد الشام على مسيحيّي المملكة الفارسيّة في العراق وإيران. إلاّ أنّ كنيسة هذه البلاد قطعت روابطها مع الكنيسة الأنطاكيّة في مطلع القرن الخامس، ولمّا دانت أغلبيتها بالنسطوريّة بقي من عارض المذهب الرسمي فيها مرتبطاً بالبطريركيّة الأنطاكيّة. وكان يمثّل البطريرك الأنطاكي الملكي رئيس أساقفة لقبه كاثوليكوس، ويمثل البطريرك الأنطاكي السرياني رئيس أساقفة لقبه مفريان. وكان للبطريرك الملكي نفوذ أيضاً على بلاد جورجيا في القوقاز، وبقيت هذه الروابط حتى القرن السابع عشر.
وكان للبطريرك الأنطاكي روابط مع سائر البطاركة هي روابط الشركة والاعتراف المتبادل والأخوّة في الإيمان. وكان لأسقف رومة مسؤوليّة خاصة تجاه سائر البطاركة لحفظ الوحدة الكنسيّة. إلاّ أنّ سلطته لم تحدَّد بوضوح في أجيال الكنيسة الأولى. ولمّا كان يحصل خلافات جوهريّة كانت تُحلّ بالتشاور بين البطاركة والأساقفة المتنفذين أو يُعقد مجمع مسكوني يضم أساقفة العالم، والمجمع المسكوني يُلزم الجميع. وكانت الدولة البيزنطيّة تحسب نفسها مسؤولة عن تنفيذ قراراته. وإذا حصل خلاف بين سائر الكراسي فالاحتكام هو للكرسي الروماني. وهذا الدور للكرسي الأوّل ليس تطفّلاً أو حبّاً بالرئاسة بل خدمة ضروريّة للحفاظ على الوحدة في الكنيسة ولإيضاح العقيدة.
 
الطقس الأنطاكي
إنّ المناطق الخاضعة للكرسي الأنطاكي كانت تمتاز عن غيرها بالطقس الخاص الذي كانت تستعمله في المراسيم الدينيّة أو الليتورجيا، وهو الطقس المعروف بالطقس الأنطاكي. وإنّ هذا الطقس الذي كان يُستعمل في الأجيال الأولى لم تكن قد اكتملت معالمه، وقد تطوّر بمرّ العصور. وقد تفرّع عن الطقس الأنطاكي الطقس البيزنطي والطقس الأرمني والطقس الكلداني.
 ولمّا تشعّبت البطريركيّة الأنطاكيّة أخذ كلّ من فروعها الثلاثة يطوّر طقسه بطريقة مستقلّة، ومال الفرع الملكي شيئاً فشيئاً إلى الطقس البيزنطي مع الاحتفاظ ببعض الظواهر الخاصة واستعمل في صلواته اليونانيّة والسريانيّة والعربيّة، وتأثّر الفرع الماروني بعوائد الكنيسة الرومانيّة وطقوسها، أمّا الفرع السرياني فقد بقي مع ما طرأ عليه من تغيير أكثر انسجاماً مع الطقس الأنطاكي القديم، إلاّ أنه تخلّى عن استعمال اليونانيّة التي كانت سائدة في كبريات المدن السوريّة. ولم يبقَ فيه من اليونانيّة إلاّ بعض التعابير التي تنمّ عن استعمال هذه اللغة منذ القديم في الطقس الأنطاكي.
 
اللاهوت الأنطاكي
لم يكن للكنيسة الأنطاكيّة معتقد خاص بها. وقد أسهم أساقفتها ولاهوتيوها في تبلور العقيدة المسيحيّة وإيضاحها. ولمّا حدّد المجمع النيقاوي عام 325 ألوهيّة الكلمة ومساواة الابن للآب في الجوهر، قامت بعض المعارضة عليه في صفوف المصف الأسقفي إمّا لخروج بعضهم عن المعتقد الصحيح في حقيقة الثالوث الأقدس وإمّا لاعتقادهم أن التحديد النيقاوي ملتبس ويوهم بعدم التمييز بين الأقانيم. وحصل انشقاق في صفوف الكنيسة الأنطاكيّة من جراء ذلك كما في كنائس مناطق أخرى. إلاّ أنّه بفضل اعتدال الآباء الكبادوكيّين أمثال القديس باسيليوس الكبير، وبفضل توازن أسقف أنطاكية القديس ملاتيوس تمّ التوفيق بين الفئات المتنازعة وأقرّ المجمع القسطنطيني الأول عام 381 هذه الوحدة وهذه الإيضاحات العقائديّة، وقد رأس هذا المجمع لدى افتتاحه القدّيس ملاتيوس الأنطاكي.
وبعد توضيح عقيدة الثالوث الأقدس وإجماع الرأي عليها وإزالة الشقاقات حولها في الكنيسة، أُثيرت قضيّة أخرى هي حقيقة تجسّد المسيح أي علاقة الناسوت باللاهوت في السيّد المسيح. وإنّ بعض المغالين في دفاعهم عن المجمع النيقاوي وعن ألوهيّة الكلمة، أخذوا ينقصون من كمال الطابع الإنساني في المسيح. فقام ابوليناريوس أسقف اللاذقيّة في سورية برأي يقول إنّ الكلمة يشغل في المسيح مكانة النفس العاقلة. فالكلمة اتّحد بالجسد وليس بناسوت كامل. وإنّ التعبير:"واحدة طبيعة الكلمة الإله المتجسّدة"، جاء أوّلاً على لسانه. وقد أُدين ابوليناريوس ولم تلقَ آراؤه رواجاً كبيراً، إلاّ أنّ مؤيّديه روّجوا أفكاره إذ بثّوا كتاباته تحت أسماء مستعارة لكبار الآباء القدّيسين أمثال القدّيس أثناسيوس الإسكندري لاسيّما في الأوساط المصريّة.
والمعروف أنّ لاهوتيّي المدرسة الإسكندريّة كانوا يشدّدون على الوحدة في المسيح وعلى طابعه اللاهوتي وكانوا ينزعون في طريقتهم التفسيريّة للكتاب المقدّس نزعة صوفيّة رمزيّة. أمّا لاهوتيّو المدرسة الأنطاكيّة فكانوا من طبعهم ينهجون منهجاً أقرب إلى التفسير الحرفي والتاريخي ويركّزون على حقيقة ناسوت المسيح وحياته البشريّة المتّحدة باللاهوت. وبعد انحراف ابوليناريوس راحوا يشدّدون على الثنائيّة في المسيح الواحد، وعلى حقيقة طابعه الإنساني وكماله لأنّ المسيح لو لم يتّخذ طبيعة إنسانيّة كاملة لما حصل الفداء ولا تألّهنا. كان الأنطاكيّون والإسكندريّون متّفقين على جوهر السرّ أي كون المسيح الواحد إلهاً تاماً وإنساناً تاماً، إنّما كانوا مختلفين في طريقة التعبير عن هذا الاتّحاد بين العنصرين وفي تفسيره.
ولمّا اعتلى نسطوريوس سنة 428 كرسي القسطنطينيّة، وهو من أصل أنطاكي، راح يحارب البدع فيها وفلول الآريوسيّة، وارتأى أن لقب أمّ الله المنسوب إلى العذراء مريم ملتبس وقد يعطي مجالاً للتفكير أنّ لاهوت الكلمة ثانوي إذ هو معرّض للولادة، وخلف هذه المعارضة للقب يبدو ملتبساً تكمن طريقة تصوّر طبيعة التجسّد. فكان لا بدّ للكنيسة أن تحدّد رسميّاً مفهومها لهذا السرّ. وكما أن تحديد سرّ الثالوث الأقدس اقتضى مجمعين، إذ أنّ المجمع النيقاوي ركّز على وحدة الآب والابن في الجوهر في حرمه آريوس وأوضح المجمع القسطنطيني الأوّل حقيقة التمييز بين الأقانيم، كذلك اقتضى تحديد سرّ التجسّد مجمعين: فالمجمع الأفسسي المنعقد سنة 431 الذي تزعّمه القدّيس كيرلّس الإسكندري وحرم فيه نسطوريوس، ركّز على الوحدة الكيانيّة في المسيح، وأوضح المجمع الخلقيدوني المنعقد سنة 451 ضدّ اوطيخا الشقّ الثاني من السرّ وهو حقيقة الناسوت واللاهوت غير الممتزجين في وحدة المسيح.
لا مجال هنا لمناقشة هذه الأمور اللاهوتيّة الصعبة، فهذا يتطلّب تبحّراً في التعابير الفلسفيّة وفي كتابات الآباء المعاصرين ومقارنتها بمعطيات العهد الجديد. إنّما من الوجهة التاريخيّة لا بدّ من الملاحظة أنّ البطريرك الأنطاكي يوحنّا ومصفّه الأسقفي لم يكونوا مرتاحين لوجهات نظر القدّيس كيرلّس التي لم توضح الأمور إلاّ من جانب واحد. ولم يعد الوفاق بين الكرسيّين الأنطاكي والإسكندري إلاّ بعد أن قدّم القديس كيرلّس بعض الإيضاحات وقبِل جانباً من وجهات نظر الأساقفة الأنطاكيّين عام 433. ولكن كما يحدث كثيراً في مثل هذه الأحيان، لام بعض أنصار كيرلّس المغالون تنازله للأنطاكيّين، كما أنّ بعض الأساقفة السوريّين قاطعوا بطريركهم يوحنّا لمسايرته كيرلّس. وإنّ المجمع الخلقيدوني أخذ برأي الأنطاكيّين وحقّق التوازن بين النظرتين المتكاملتين الإسكندريّة والأنطاكيّة، بفضل اللاهوت الروماني الذي عرضه البابا لاون في رسالته. وخرج البطريرك الأنطاكي مكسيموس وأساقفته من المجمع الخلقيدوني مرتاحي البال.
 
ثانياً: الانقسام
كان المفروض أن يحقّق المجمع الخلقيدوني السلم في الكنيسة كما حقّقه المجمع القسطنطيني. وكان تمّ ذلك لو أُخذت الأمور برويّة وموضوعيّة. ولم تتدخّل في الأمر نواح شخصيّة ثمّ قوميّة. فقد دان المجمع البطريرك ذيوسقورس الإسكندري على تصرّفاته غير القانونيّة تجاه الأنطاكيّين وبدا التحديد المجمعي كأنّه يتخلّى عن تعابير القدّيس كيرلّس الإسكندري، فعدّ الشعب المصري هذا إهانة مضاعفة موجّهة إليه. وأخذت المعارضة للمجمع في مصر شكل ثورة مسلّحة وقتلوا البطريرك الذي نُصّب بدلاً من ذيوسقورس. وبقي أنصار المجمع الخلقيدوني قلّة في مصر.
أمّا في سورية فلم يكن القدّيس كيرلّس (المتوفّى عام 444) يخلو من معجبين ومن أنصار وعلى رأسهم رابولا أسقف الرها. وبدأت المعارضة ضدّ المجمع تتبلور شيئاً فشيئاً لاسيّما في المناطق الشرقيّة. ولمّا استلم الحكم الإمبراطوران زينون (474-490) وانسطاس (491-518) وقد تخلّيا عن الدفاع عن قرارات المجمع الخلقيدوني، نُصِّب في أنطاكية بطريركان معارضان للمجمع، بطرس القصّار (464-490، على فترات متقطّعة)، وساويروس (512-518) بعد أن عُزل أسلافهما الخلقيدونيّون. إلاّ أنّ يوستينوس عزل ساويروس سنة 518 وضيّق الخناق على معارضي المجمع. وكذلك يوستينيانوس استعمل الحوار تارة والعنف أخرى لإعادة الوحدة إلى الكنيسة وحمل المعارضين على قبول المجمع. وكاد ينجح إذ لم يبقَ في سورية إلاّ ثلاثة أساقفة من معارضي المجمع مختبئين. حينئذٍ قام يعقوب البرادعي، وهو راهب قبل السيامة، سرّاً في القسطنطينيّة بمساعدة الملكة ثيودورا السوريّة الأصل، وراح يسيم الأساقفة في مختلف أنحاء المشرق وهو تحت حماية الأمير الحارث بن جبلة الغساني. وأخذت حينئذٍ، أي في أواسط القرن السادس، حركة المعارضة للمجمع الخلقيدوني طابع التحدّي للسلطة البيزنطيّة المركزيّة التي بدأت تتفسّخ. وسمّى المعارضون للمجمع أنصاره بالملكيّين، وسمّى أنصار المجمع معارضيه باليعاقبة. ولم يقم الانقسام داخل البطريركيّة الأنطاكيّة على أساس العنصر أو اللغة أو الطقس، لأنّ الفئتين متشابهتان من هذه النواحي، بل للأسباب التي ذكرناها، أي نفوذ مصر اللاهوتي والروحي ثمّ النفور من الحكم البيزنطي.
وإنّ جنوب بلاد الشام، أي فلسطين وحوران وشرق الأردن، ظلّت بأغلبيتها الساحقة موافقة للمجمع. وإنّ الغساسنة الذين ساندوا في بادئ الأمر الأساقفة المعارضين للمجمع الخلقيدوني تخلّوا فيما بعد عن معارضتهم. ولذا لم يبقَ في حوران وشرق الأردن وفلسطين إلاّ فئات ضئيلة جداً من غير الخلقيدونيّين.
أمّا في مناطق الجزيرة فانقسمت الآراء فيها منذ البدء. إلاّ أنّ معظم المعارضين للاّهوت الإسكندري رحلوا إلى بلاد فارس، لاسيّما في عهد زينون وانسطاس اللذين تخلّيا عن المجمع الخلقيدوني، وعملوا هناك على توطيد المذهب النسطوري. وفي أثناء غزو كسرى للمناطق الشرقيّة الشماليّة من سورية طُرد الأساقفة الموالون للمجمع الخلقيدوني وعُمل على تنصيب أساقفة مخالفين لمذهب الدولة الرسمي. ولهذين السببين ولسطحية الثقافة اليونانيّة في هذه المناطق ضعف وجود الملكيّين شرقي الفرات، وإن كانوا ما زالوا يتمتّعون بمركز مرموق في حرّان والرها. وإنّ هرقل لمّا قهر الفرس واستعاد هذه المناطق سلّم الكنيسة الكبرى في الرها إلى الملكيّين وظلّت في حوزتهم حتّى بعد الفتح العربي.
أمّا في سائر مناطق سورية فتعادل الفريقان ويبدو أنّ الملكيّين ظلّوا الأكثريّة في المدن الكبرى لاسيّما في أنطاكية حيث لم يتمكّن البطاركة المعارضون للمجمع من الإقامة بعد نفي ساويروس ولم يبقَ لهم فيها من أنصار. وفي حلب ودمشق حافظ الملكيّون على الكنيسة الكبرى (لا نقول اغتصبوا)، أمّا في الريف فظلّ فريق كبير منه موالياً للمجمع، وإنّ معظم مسيحيّي الريف السوري هم الآن ملكيّون ولم يبق منهم من غير الخلقيدونيّين إلاّ قلّة شرقي جنوبي حمص. نقول هذا لأنّ البعض ينظرون إلى الكنيسة الملكيّة كأنّها غريبة ودخيلة على البلاد.
وكان الحكم البيزنطي لا يعترف بالانقسام القائم ويسعى دوماً لرأب الصدع. وبعد الفتح العربي اعترف الحكم الإسلامي بالانفصال القائم، ثمّ جعل الحكم العثماني من كلّ فئة ملّة أو شبه قوميّة تحت حكم بطريركها، وأصبح الانتماء الكنسي شبه انتماء قومي.
 
ثالثاً: الفروع الأنطاكية
إننا إذ نشعر بألم الانقسام ونسعى لإعادة الوحدة بين الفئتين الأساسيتين في الكنيسة الأنطاكيّة يجب أن نوضح بعض الأمور ونتعارف. وإنّ الأسماء التي تطلق علينا لا تدلّ على هويتنا الحقيقيّة بالضبط وفيها الكثير من الالتباس وهي بحاجة إلى توضيح.
أسماء الطائفة المعارضة للمجمع الخلقيدوني
السريان هذا الاسم ليس بجامع ولا بمانع. فالسريان ليسوا بأجمعهم من تبّاع هذه الكنيسة، وهناك النساطرة والفئة الكبيرة من الخلقيدونيّين الذين هم سريان حقيقيّون. وعندما نقول أنّ سكّان المنطقة الفلانيّة من الريف السوري أو رهبان هذا الدير كانوا سرياناً فهذا لا يعني حتماً أنهم على مذهب الكنيسة المسماة الآن بكنيسة السريان الأرثوذكس إذ قد يكونون ملكيّين أو نساطرة.
ثمّ أنّ أتباع الكنيسة السريانيّة ليسوا كلّهم سرياناً، فهناك بعض العناصر اليونانيّة من سوريّة ومن جنوب الأناضول انضمّت إليها وقد بقي المثقّفون منها يكتبون باليونانيّة في القرن السادس وأشهرهم البطريرك ساويروس. وهناك أيضاً القبائل العربيّة مثل بني تغلب وبني طيّ ولفترة ما الغساسنة. فعندما يقولون أنّ الأخطل كان سريانيّاً فهذا لا يصحّ إلاّ بمعنى خاص للكلمة.
أمّا مسيحيّو الهند من أتباع الطقس السرياني فلا يمكن أن يُقال عنهم إنّهم سريان إلاّ من باب التوسّع. والمعروف أنّهم هنود حقيقيّون من مقاطعة الملبار كانوا حتّى القرن السابع عشر تابعين للكنيسة النسطوريّة وانضمّ معظمهم إلى الكثلكة عند فتح البرتغال للبلاد. والفئة المعارضة للاتّحاد مع رومة ولنفوذ الغربيّين ارتبطت بالبطريركيّة السريانيّة الأنطاكيّة (لأنّ البطريركيّة النسطوريّة كانت في تلك الفترة اتّحدت برومة وأصبحت البطريركيّة الكلدانيّة).
فلكلمة سريان أربعة مفاهيم: عنصريّة ولغويّة وطقسيّة ومذهبيّة. وقد تنطوي على فئة من جانب أو آخر ولا تنطوي عليها من سائر الجوانب. فالملبار ليسوا سرياناً إلاّ من جهة الطقس والمذهب، والسريان الكاثوليك من جانب العنصر واللغة والطقس دون المذهب (بمفهوم السريان الأرثوذكس)، والملكيّون سريان بالعنصر واللغة ولفترة ما في الطقس وليس في المذهب، والنساطرة سريان من ناحية اللغة وقد لا يكون في العنصر إذ بينهم من هم من عنصر إيراني أو عربي ومنهم من هو من عنصر سرياني، أمّا من ناحية المذهب والطقس فليسوا بسريان. فعندما نتكلّم عن السريان وأمجاد السريان يجب أن نوضح من نعني بهذه الكلمة ولا نحصر مفهومها بفئة معيّنة. وقد عنى بعضهم بالسريان الغربيّين السريان الأرثوذكس وبالسريان الشرقيّين النساطرة، وهذا الاصطلاح الجغرافي لا يفي دوماً بالمرام.
كلمة أرثوذكس هي كلمة يونانيّة تعني المستقيم الرأي. وكلتا الفئتين تتسمّى بها لأنّها تحسب نفسها على صواب. وإذا قرأت عند مؤرّخ قديم ما وقع للأرثوذكسيّين لا تدري عن أيّة فئة يتحدّث إن لم تكن تعرف مذهب الكاتب. ولذا فتسمية سريان أرثوذكس لم تكن دارجة عند الكتّاب المحايدين لما فيها من التباس. وعند الكتّاب المسلمين ما من أحد أرثوذكسي.
كلمة يعاقبة بالنسبة إلى يعقوب البرادعي. وهو الاسم الذي عرف به العرب مذهب السريان المعارضين للمجمع الخلقيدوني والقائلين بطبيعة واحدة مركّبة في المسيح. إنّ يعقوب البرادعي ليس مؤسّس هذه الكنيسة، كما أنّ نسطور ليس مؤسّس الكنيسة المسماة بالنسطوريّة، إنّما ليعقوب البرادعي الفضل الكبير في إعادة تنظيم هذه الكنيسة وديمومتها في كيان مستقل عن الكنيسة الرسميّة في الدولة البيزنطيّة. فكلمة يعاقبة اصطلاح سهل الاستعمال ويتحاشى في كتابة التاريخ ما في كلمة سريان أرثوذكس من التباس، وقد استعملها ابن العبري نفسه وهو من كبار أئمّة هذه الكنيسة، ولا داعي للنفور من هذا اللقب إذ أنّه مجرّد اصطلاح كلقب الملكيّين أو الموارنة.
كلمة منوفيزيّين أو أنصار الطبيعة الواحدة يطلقها المؤرّخون البيزنطيّون على السريان الأرثوذكس والأقباط والأرمن الذين لم يقبلوا المجمع الخلقيدوني. وهذه الكلمة فيها بعض الالتباس لأنّها لا تميّز تعليم هذه الكنائس عن آراء أوطيخا. فإنّها، وإن كانت تقول بطبيعة واحدة للكلمة المتجسّد، تقرّ بحقيقة كون المسيح إلهاً كاملاً وإنساناً تاماً "من طبيعتين" ولو لم يكن "في طبيعتين". وقد يشير بعضهم إلى هذه الكنائس بكلمة لا خلقيدونيّة أو بالكنائس القديمة السابقة للخلقيدونيّة. وقد ارتأى مؤخّراً أنصار هذه الكنائس أنهم ليسوا منوفيزيّين"Monophysites" والأفضل تسميتهم ميافيزيّين"Miaphysites". إلاّ أنّ هذا لعب على الألفاظ. 
أسماء الفئة المقرّة بالمجمع يسمّون أنفسهم جماعة الخلقيدونيّة أو الأرثوذكسيّة الخلقيدونيّة لتمييزهم عن الفئة الأخرى.مع أنّ المجمع ليس هو الذي أوجدهم. وسمّاهم خصومهم بالملكيّة أو أنصار الملك البيزنطي. هذه التسمية ليست وافية لأنّ التحديد الذي أُقرّ في المجمع الخلقيدوني هو النصّ الذي جاء به موفدو البابا لاون الروماني وأقرّته الكراسي الكبرى بمعارضة الإسكندريّة وحدها. أمّا الملك فهو مجرّد منفّذ للقرار المجمعي الذي كان يعدّ قانوناً للدولة نظراً إلى ارتباط الكنيسة بالدولة في العهد البيزنطي. وهناك بعض الملوك تخلّوا عن الدفاع عن المجمع وناصروا معارضيه مثل زينون وانسطاس. فهل كان آنذاك "السريان الأرثوذكس" ملكيّين؟ ومع ذلك فقد درج استعمال هذا اللقب عند العرب وقبِل به الخلقيدونيّون وليس فيه من غضاضة إنما أهمل استعماله فيما بعد الروم الأرثوذكس وبقي دارجاً عند الروم الكاثوليك.
أمّا تسميتهم بالروم فهي محدثة، ولم تكن دارجة في زمن الدولة العربيّة، كما أنّها توهم أن الملكيّين هم من البيزنطيّين المتوافدين على سورية بينما هم من السكّان السوريّين الأصليّين وهم والفئة المعارضة للمجمع من نفس العنصر واللغة والقومية. غير أنّ الملكيّين كانوا في شركة مع كنيسة القسطنطينيّة ورومة وإنْ كان طقسهم في الأصل مختلفاً عنها. وبدأوا يتقرّبون إلى الطقس البيزنطي في أثناء احتلال البيزنطيّين لأنطاكية وشمال غربي سورية مع نكفور، ودام هذا الاحتلال قرناً ونيّف من عام 969 إلى 1084. وفي فترة احتلال الصليبيّين لأنطاكية اضطر البطاركة الأنطاكيّون الملكيّون إلى الإقامة في القسطنطينيّة فزاد تأثّرهم بالطقس البيزنطي في هذه الفترة. وبعد الاحتلال العثماني لسورية عام 1516، أقرّ العثمانيّون هيمنة البطريرك المسكوني على البطاركة الملكيّين إذ عُدَّ مسؤولاً أمامهم عن جميع المسيحيّين الذين على مذهبهم، وعُدَّ الملكيّون روماً (وقد أخطأ الغربيّون إذ ترجموا هذه الكلمة بـ Grecs أي يوناني. ولا يخفى أنّ كلمة روم لا تنطبق على الملكيّين إلاّ من جانب واحد هو الطقس الذي اقتبسوه في فترة متأخّرة. 
   ولمّا انشطرت الطائفة في القرن الثامن عشر إلى فئتين اتّحدت الواحدة مع رومة والثانية ظلّت مقاطعة لها واتّخذت الأولى لقب كاثوليك لتمييزها عن الفئة الأخرى التي احتفظت بلقب أرثوذكس. وكلمة "كاثوليكيّة" كلمة يونانيّة وهي من صفات الكنيسة المذكورة في قانون الإيمان وتعني أنّ الكنيسة شاملة وجامعة وليست منحصرة في قومية أو منطقة معيّنة. والكثلكة والأرثوذكسيّة (أي استقامة الرأي) من علامات الكنيسة الحقيقيّة، إنما حُصر اصطلاح "كاثوليكية" بالكنيسة الرومانيّة والكنائس الشرقيّة التي انضمت إليها، و"أرثوذكسيّة" بالكنائس الشرقيّة القديمة.
 
رابعاً: أضواء وظلال
بعد أن حدّدنا هويّة كلّ من الفروع الأنطاكيّة هل أصبح بالإمكان تقويمها؟
لا جدوى من البحث عن أيّة طائفة هي الشرعيّة أو الوريثة الحقيقيّة للكنيسة الأنطاكيّة الأولى، ولا مجال لأن نتساءل أيّة طائفة انشقّت عن الأخرى. ولا نقول هذا لأننا في مركز ضعف. فهذا البحث يقود إلى تشعّبات قانونيّة وتاريخيّة ولم يعد له من جدوى نظراً إلى مرور الزمن، وفي آخر الأمر ترتكز الشرعيّة على حقيقة الإيمان، وهو لبّ الموضوع.
كلّنا وارثو الكنيسة الأنطاكيّة الأولى وقد حافظنا على بعض قيمها وأهملنا أخرى. ويجب أن يرى كلّ منّا ما لنا وما علينا. وبالأخصّ أن ندرك القيم التي عند الآخرين والأخطاء التي لدينا. وسنحاول على هذا الضوء تقويم كلّ من الفروع الأنطاكيّة من منظر الأصالة ومن منظر صحّة العقيدة والارتباط الكنسي.
 
الملكيّون
الملكيّون لا يقلّون أصالة أنطاكيّة عن أخوانهم السريان، فهم وإيّاهم من عنصر واحد ولم يتخلّوا عن استعمال اللغة السريانيّة في الطقوس إلاّ لمّا ما عاد يفهمها الشعب. وإنّ الطقس البيزنطي الذي اقتبسوه مع الزمن ليس غريباً عنهم فهو أنطاكي الأصل، ويوحنّا الذهبي الفمّ أنطاكي. وأشهر المؤلّفين الذين أسهموا في إنشاء الطقس البيزنطي هم سوريّون من أمثال رومانوس المرنّم الحمصي، والقدّيس صفرونيوس بطريرك القدس، والقدّيس أندراوس الكريتي (وهو دمشقي الأصل)، ويوحنّا الدمشقي، وقزما المنشئ، وثاوفانوس. فالطقس البيزنطي هو طقس سوري ازداد تنميقاً في عاصمة المملكة. فاقتباسهم الطقس البيزنطي لم يفقدهم أصالتهم الأنطاكيّة ولم يجعل منهم غرباء، إنّما قد كان بوسعهم أن يحافظوا أكثر على التقاليد الأنطاكيّة وعلى أعيادها الخاصّة وتشريعها وتراثها الخاص، والكنيسة الملكيّة حافظت على إيمان المجامع الأولى وعلى تراث الآباء القديم لاسيّما الآباء اليونان الناطقين باليونانيّة وكثير منهم سوريّون، ولها ارتباطات وثيقة بسائر الكنائس البيزنطيّة.
 
السريان الأرثوذكس
إنّ الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة حافظت أكثر من سواها على التقاليد والطقوس الأنطاكيّة القديمة وعلى الأدب السرياني، إنّما يؤخذ عليها انغلاقها فيما بعد بوجه التراث اليوناني السوري وانحيازها إلى اللاهوت الإسكندري المصري دون اللاهوت الأنطاكي.
إنّ إيمان الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة هو إيمان المجامع المسكونية الثلاثة الأولى، وبخصوص الإيمان في حقيقة سرّ التجّسد لا يختلف جوهر إيمانها عن إيمان الكنيسة الخلقيدونيّة كما جاء في التصريحين اللذين أصدرهما قداسة البابا شنودا القبطي وقداسة البطريرك يعقوب الثالث السرياني في انتهاء زيارة كلّ منهما لقداسة البابا الراحل بولس السادس. فلمَ هذه المعارضة العنيفة للمجمع الخلقيدوني وهو مجمع مسكوني عقد شرعيّاً والتأم فيه عدد من الأساقفة أكبر ممّا في أي مجمع قديم وأُخذت فيه القرارات قانونيّاً بالأكثريّة الساحقة وجاءت تحديداته لسرّ التجسّد قمّة الدقّة والوضوح والتوازن؟ لا ندين القدامى إنما يبدو لي أنّ هذه الأسباب الثقافيّة والشخصيّة والقوميّة لم تعد قائمة، وأنّه لا شيء يمنع الكنيسة السريانيّة، مثل الكنيسة القبطيّة، أن تقبل بهذا المجمع الذي تجلّه الأكثريّة الساحقة من المسيحيّين وأنّها بهذا القبول لا تخون أرثوذكسيّتها ولا سريانيّتها، بل تطوي صفحة أليمة من تاريخ الكنيسة وتعود إلى أصالتها الأنطاكيّة اللاهوتيّة.
 
الكاثوليك
من المؤسف أنّ حركة التقارب مع رومة في العصر الحديث أدّت إلى انقسام داخلي جديد في الكنيسة الأنطاكيّة. والذين قاموا بحركة الاتحاد برومة هم بطاركة وأساقفة شرعيّون وأجلاء ما كانوا يريدون الانفصال عن سائر أبناء طائفتهم وكانوا يأملون أن الاتّحاد سيكون شاملاً وبموجب الأسس التي وُضعت في المجمع الفلورنتيني عام 1439. وإنّ الفئات المعارضة لإعادة العلاقات مع رومة إلى طبيعتها هي التي فصلتها عن شركتها، فانشطرت الطوائف الشرقيّة القديمة كلّ منها إلى شطرين، ولولا معارضة هذه الفئات المحافظة لكانت إعادة الوحدة شاملة. ولكن لم تكن الآراء متّفقة على طبيعة العلاقات الواجب قيامها بين رومة والشرق، وطبيعة أوّليّة الكنيسة الرومانيّة في الكنيسة الجامعة، ولذا نتفهّم جيداً هذه المعارضة.
إنّ الذين قاموا بإعادة الوحدة مع رومة كانوا مخلصين ولم يأملوا من ذلك مغنماً مادياً أو سياسيّاً بل قاسوا من جرّاء ذلك أقسى المضايقات ودفعوا الأموال الباهظة. ولم يكن ممثلو الدول الغربيّة في البلاد العثمانيّة قادرين على حمايتهم. إنّ الجماعات التي أعادت شركتها مع رومة فقدت شيئاً من استقلالها الكامل، إلاّ أنّها كسبت الكثير من الوجهة الروحيّة بإعادة الشركة مع الكنيسة الرومانيّة. إنّ الكنائس الشرقيّة التي أعادت الشركة مع رومة لم تتخلَّ عن تراثها وتقليدها الشرقي ولم ترفض من ماضيها إلاّ رفضها لرومة. وبهذا انسلخت عن ماضيها القريب لترتبط بالفترة الأقدم التي كانت فيها الكنائس متّحدة جميعها بزعامة الكنيسة "المتصدّرة في المحبّة" الكنيسة الرومانيّة.
لربّما مُورس على الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة بعض المضايقات أو محاولات الاندماج، نظراً إلى ضعفها والعقليّات السائدة في بعض الأوساط الغربيّة. ولكن يمكن بالحوار إصلاح هذا الخلل وإيجاد علاقات مرضية ومقبولة بين الكنائس الشرقيّة والكرسي الروماني، تحافظ على التراث الشرقي الأصيل وعلى ضرورات الوحدة كما أقرّ بذلك المجمع الفاتيكاني الثاني.
 
خامساً: نحو الوحدة
   لقد أخذنا نعي ألم انقساماتنا. إنّ ما يجمعنا أكثر بكثير ممّا يفرقنا. كلّنا نقرّ بجوهر العقيدة بخصوص التثليث والتجسّد ونمارس نفس الأسرار، وقد أخذنا نعي أنّ خلافاتنا ليست بالحجم الذي كنّا نظنّه وأنّنا عالجناها بأساليب عقيمة. وأخذنا ندرك أنّ انقساماتنا تقضي على نجوع رسالتنا وقد تقضي على وجودنا. لذا يجب أن نبدأ حواراً جدّياً مع الكنائس الكبرى لاسيّما بخصوص تقويم المجمع الخلقيدوني وطبيعة العلاقات الواجب إقامتها مع الكرسي الأوّل كرسي رومة.
 ليس المطلوب منّا أن نخطّئ كنيستنا بل لربّما أن نتخطّى مواقفها. الكنيسة هي دوماً في نموّ. ولأنّ هذا النموّ لم يتحقّق بنفس التوقيت في مختلف أنحاء الكنيسة، حدثت هذه التفسّخات. والمطلوب منّا أن نتفهّم الآخرين ونخرج من ذاتنا وننسى الحزازات القديمة التي لم يعد لها من مسوّغ ونغيّر ذهنيّتنا. والمحبّة هي التي تفتح القلوب والأذهان على السواء، ومع المحبّة لا بدّ من الاتّضاع ونسيان الذات ولا بدّ من القداسة وعمل الروح.   
علاوة على هذا الحوار مع الكنائس الكبرى الخارجيّة علينا أن نبذل جهداً جدّياً في الداخل لإعادة الوحدة بين الفئات المختلفة القائمة ضمن الكنيسة الأنطاكيّة. لا شكّ أنّ التفاهم مع الكنائس الكبرى سيضيّق من شقّة الخلاف بينها، ولكن هذا لا يغنينا عن ضرورة القيام بالحوار والتعاون على المستوى الداخلي.
● مطلوب منّنا أوّلاً أن نتصالح، أن ننسى الماضي ونتسامح
● مطلوب منّا ثانياً أن نخرج من عزلتنا ولا نتعصّب أي أن لا نحسب التراث القديم تراثاً خاصاً بنا وأن نعدّ تراث سائر الفروع تراثاً مشتركاً. وعلينا أن نزيل الحواجز الثقافيّة والطقسيّة ونطّلع على التراث الأنطاكي الشامل ونحييه ونعدّه ملكاً للجميع.
● مطلوب منّا ثالثاً أن نعود إلى أصالتنا. كان في مطلع القرن الخامس أربعة كراسي رئيسيّة، رومة والقسطنطينيّة والإسكندريّة وأنطاكية، ونحن الآن مذهبيّاً ثلاث فئات: الكاثوليك والروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس. ويمكن القول بشكل كاريكاتوري أنّ الكاثوليك انحازوا إلى رومة في نظامها الكنسي، والروم الأرثوذكس إلى القسطنطينيّة في طقوسها وصوفيتها، والسريان الأرثوذكس إلى الإسكندريّة في لاهوتها. والغريب أنه بقي الكرسي الأنطاكي معلّقاً. وإذا عدنا إلى أصالتنا الأنطاكيّة لربّما تلاقينا. والأصالة لا تعني الانغلاق بوجه سائر الكنائس. فعلينا أن ننفتح على سائر الكنائس ونأخذ من غناها ونبقى مع ذلك ما نحن ضمن الوحدة والشركة الكنسيّة.
هناك ملاحظة أخيرة: إنّ التراث الأنطاكي صبّ في العالم العربي فأنطاكية أصبحت دمشق. والعالم العربي هو الوريث الحالي للعالم السامي.
إنّ الكرسي الأنطاكي، رغم البطاركة الخمسة الذين ينتسبون إليه، لا يزال شاغراً وينتظر من يعتليه. لم نعد سرياناً أو يوناناً أو غير ذلك. وإنّنا لم نكن قطّ مجرّد سريان أو يونان. إنّ أصالتنا الأنطاكيّة تطلب منّا، بدون أن نتنكّر لماضينا ولتراثنا، أن نكون حاضرين لهذا العالم العربي الذي نحن منه وفيه نعيش، أن نتكلّم لغّته وأن نكون شهوداً للإنجيل في هذا المحيط الثقافي الجديد. بيد أنّ دعوة أنطاكية هي أن تبقى في الآن نفسه متأصّلة في العالم السامي الآسيوي، ومنفتحة على البحر المتوسط والغرب. وعلى المسيحيّين العرب في البطريركيّة الأنطاكيّة أن يكونوا في الآن نفسه شهوداً للإنجيل ومنفتحين على كلّ ما هو إنساني. وإنّ الأمانة للإنجيل ولواقعنا الجديد والانفتاح على سائر الكنائس هو ما ينقذنا من الضياع والضعف الذي صرنا إليه وهو ما يعيد إلينا وحدتنا ومجدنا ودورنا الرسولي في عالم اليوم وفي البقعة التي وضعنا فيها الربّ.        
 
 
ظهرت أجزاء من هذه الدراسة في نشرة أبرشيّة حلب للروم الكاثوليك عام 1980، ونُشرت بالكامل عام 1985 في سلسلة إيمان وحياة /12/ "على دروب الوحدة المسيحيّة"، وفي كتاب (للمؤلف) "العلاقات المسيحيّة المسيحيّة في سوريّة عبر التاريخ".
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
بولس والرسالة الأولى إلى أهل قورنثوسالله واحد ولكنه ليس متوحدًا ومستوحشًا.. تأمل من وحي لاهوت القديس غريغوريوس النيصصي
قيمة الإنسان.. بحث في أنثروبولوجيا الآباءالفَلْسَفَةُ المَسِيحِيَّةُ
خصائص لغة الأمثال الرمزيةالقومية أو الثقافة في الكنيسة
المسيحيّون وهاجس الأعدادتأنسنَ الإله ليؤلّه الإنسان
الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس.. معاً نحو الوحدةالمسيحيّة والمؤسّسات
الحجّ رهبانيّة المسلمينقراءة في كتاب "شرح الأمانة" للأب الدكتور بيير مصري
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى