الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

باخ كان هنا

  بقلم: فاروق يوسف


انقر هنا للتكبير
 
 
 
"ستجد باخ شخصياً. نعم يوهان سيباستيان باخ. ابن لايبزيغ. هو نفسه الذي تعرفه. أعرف أن هناك أكثر من باخ. غير أن الذي سنذهب إليه هو باخ الذي تود لقاءه"، قال لي حسن حداد وهو ينحرف بي جانبياً من الشارع المركزي في مدينته لايبزيغ إلى ساحة جانبية.
قبل ثلاثين عاماً، كنت في بيت فاغنر، غير أنني لم أر فاغنر. كانت هناك خراف ترعى في السهوب المجاورة. حدث ذلك في زيوريخ، على ما أذكر. سويسرا بلاد يسأم فيها الوقت من نفسه. تذكرت أن باخ كان قد توفى في لايبزيغ فعلاً. حدث ذلك عام 1750. غير ذلك كانت موسيقاه تنسف كل ثقة بالمعلومات. الباروك كله. عصر بأكمله يمكنه أن يخفّ إليك من خلال جملة واحدة من باخ. اتوهم لشدة شغفي به بأن الباروك نفسه كان قد تشبّه بموسيقاه. عناقيد من الضوء تهبط لترتفع أخرى شبيهة، غير أنها مختلفة. كل هذا التعقيد الزخرفي يلج الأذن في طريقه إلى الروح ممهِّداً لأثر يتبعه: فكرة الخلق التي تحدث عنها نيتشه. تعيدنا موسيقى باخ إلى اللحظة التي فكّر فيها الله في الخلق. استغربت أنيا أن يقول نيتشه جملة من هذا النوع. يبدو أنها ترى باخ أقلّ من ذلك بكثير. قبل أن اعترض، تذكرت أن ابنة لايبزيغ لها الحق في أن تقول ما تراه مناسباً عن قريبها البعيد. في اليوم التالي قلت لحسن وهو زوجها: "لأنها ترى إلى باخ كما ننظر نحن إلى رضا علي (ملحّن ومطرب بغدادي). في متناول اليد وليس نوعاً من اله". التفت إليَّ وقال بما يشبه اليأس: "مع ذلك فهو بالنسبة إليهم الماني. أحبّوا موسيقاه أم لم يحبّوها يظل مقدساً".
 
المتاهة السموية
يوهان سيباستيان باخ، أخيراً أقف أمامك. وراءه تقع كنيسة توماس وأمامه بيت أرشيفه. في العشرة الأمتار هذه تقع خطوات باخ. مثل ملك أبدي لا مثل ملاك محلّق. أحصي الأقدام على حجارة الساحة. كان الفضاء يومها أكثر سعة. كانت المدينة تعجّ بالنبلاء والامراء والفاتنات بفساتينهن البيضاء والرهبان المنهمكين بتقطيع الخبز الإلهي والفرسان العابرين من أجل الصلاة. غير أن قارعي الأجراس كانوا هناك أيضاً. في الظل أبحث عنهم وأشعر أن ظلالهم تقع على أرغن باخ، فتلهم موسيقاه شيئاً من جملها. أنا في حضرتك. أنظر إليَّ. أرفع رأسي وأنظر إلى ذلك الارغن الذي صار وحيداً. هناك. في الأعلى كان يقف. ما من شيء في كنيسة توماس يوحي بالاختلاف، سوى أن باخ كان هنا بدءاً من عام 1723 حتى وفاته. كان يشجع المصلّين على الركض بأقدام وهمية. ربما صنع ذريعة. علينا أن نفكر في نسكه وطهره وحسن سيرته. لا تزال موسيقاه في الاعالي ولم تهبط إلى الأرض. باخ سيّد الحكاية. "استمع إلى باخ وستكون قديساً"، كان الأب فيليب يقول لنا. حدث ذلك في إحدى كنائس بغداد في العام 1975. خرجنا، أنا وصديقتي من الكنيسة يومذاك ونحن على يقين من أننا تحوّلنا كائنين غير مرئيين. كنا نردّد الجملة ذاتها. أصفرها وقبل أن تقع على الأرض تصفرها صديقتي. لكن الصلاة في ظل موسيقى باخ لها طعم مختلف. أن يشعر المرء أن هناك باخاً في الأعالي كمن تُفتَح أمامه أبواب السماء. أقيس المسافة بنظري بين مخبئه والأرض. تتسلق نظرتي زخارف يمتزج فيها العياني بالمتخيل. لهفتي تنسى أن تفرّق بين ما أراه وما أتوهمه عالقاً في الهواء على هيئة صور. سأصل إلى باخ ولا أجده. في القفص وقد وضعه الآباء، في جملته وقد اختطفتها الملائكة. إذاً كنت سأصبح قديساً إذا أنصتُّ إلى موسيقى باخ، بحسب الأب فيليب، فكيف بي إذا رأيته شخصياً؟ المئات من حولي، ربما ينظرون وينتظرون بالطريقة نفسها. لقد ورّطتني يا أبي. هل أنا في النهار الصحيح؟
 
في انتظار هاينه
"لن أخرج قبل أن أصعد إليه"، يصلني صوت المرأة المسنّة. بعد ذلك ضحكتها الخافتة بخجل. أفكر في نغمات البيانو الراكضة. الأرانب في الغابة السوداء. كنت قد وقفت في ساحة هاينريش هاينه في برلين مثل ديك محنّط وانا أفكر في الأشجار التي تنفّس هاينه هواءها. "بحسب الخريطة، علينا أن نمشي يميناً لنصل إلى ساحة الكسندر. وهي مركز شرق برلين. الشيوعيون كانوا هناك". وحين رأتني زوجتي أتلفت تساءلت بغبطة: "كأنك تبحث عن مقهى لنرتاح فيه قليلاً بعد أربعة كيلومترات من المشي؟". في الحقيقة كنت أبحث عنه. عن هاينه الذي ترك أثراً لا ينسى في حياتي حين قرأتُ يومياته. لقد علّمني هاينه المشي. كان واحداً من أكبر المشّائين. بعد ذلك يأتي الشعر. من المؤلم أن يجلس المرء وهو يتذكر هاينه. امش وامش وامش لتكون آخر. لا ينفع أن تكون مع باخ لمرة واحدة. ربما مرة واحدة في العمر كله. "يمكنك أن تعود لترى باخ الذي تحبه وحدك"، يقول حسن. عبارة هادئة لا تستفز أحداً. لكن العمر أقصر من المسافات بين المدن. كان باخ سيد المسافة التي تمشي عمودياً، إلى السماء مباشرة. تتقاطع جمله لتفتح ثغرة يغلب عليها النور. من هنا نمر أو من هناك. لا فرق. للمتاهة دروب عدة غير أنها كلها، وهذا هو الأهم، لا تؤدي. سيكون علينا أن نؤمن بأن هذه المتاهة كانت هدفنا. لقد صنع باخ متاهة باروكية هي مرآة لجنّة ارتبكت الأديان في وصفها. سلالم من موسيقى هي أصوات تتسلى باستحضار شغب الملائكة حول العرش. كان نيتشه محقاً إذاً. "سأراه هائماً على وجهه"، كنت أتوقع أن يمر هاينه في كل لحظة فيما كنت أشرب الأكسبرسو الثقيلة.
هناك في انتظار باخ سنصلّي معا. "هل ستكون مسيحياً أكثر منهم؟"، تسألني زوجتي، فأجيبها متسائلاً: "وهل هم مسيحيون أكثر مني؟". باخ يجمعنا في صلاة واحدة. يجمعنا الخشوع ليضع كل واحد منا في ثنية سطر فالت من النص. أتلصص على جارتي. في يدها كتاب. شيء منه. أثر لا أفهمه. اللغة التي لا تقوله وهي لغة العامة. كان باخ ملهماً. هل كان ينزل من عليائه ليمشي في الأسواق ويشتري بنفسه الفواكه والخضروات واللحوم؟ لا يكفي الوقت. ومن أين له تلكما القدمان؟ ملائكته ستنام في الطريق.
 
بين جملتين
قريباً منه أجلس. لن أتركه وحيداً وهو محاط بالسائحين. ينظرون إليه باعتباره الرجل الذي دلّهم إلى المكان. "كان باخ هنا"، يقول الدليل السياحي بتهذيب. لا أحد يبحث عن باخ من بينهم سواي. لا ينظر الدليل السياحي إليَّ باهتمام، ذلك لأنه يعرف اني لست من فريقه. لقد غاظه أن أندسّ بين أفراد قبيلته. لكنني كنت من قبيلة باخ المتشظية مثل جملة نافرة. لذلك ابتعدت عن فريقه لكي لا أحرجه أكثر. خرجت من الكنيسة. "أنت لا تفهم ما الذي يحدث لي؟".
لم أقل تلك الجملة لأنها لم تكن موجهة إلى أحد في عينه. كان باخ معنياً بها أكثر من سواه. تذكرت من المتنبي بيته الذي يقول: "كم سألنا ونحن أدرى بنجد/ أطويل طريقنا أم يطول". كان باخ قريباً مني. غير أنني كنت مسحورا بتمثاله أسعى لاقتناص شيء من أبّهته. لا أريد القصور بل الحدائق. لا افكر في فساتين الأميرات بل في لفتات خيولهن. لا ألمس حجراً بل زهرة شقّت طريقها بين حجرين. مع ذلك سأترك تمثال باخ في مكانه وأجلس في مقهى قريب ولا أفكر فيه. سيكون منسياً في مدينته. إنها فكرة بلهاء. باخ يشبه مدينته. في الليل تسللنا، حسن حداد وأنا إلى شوارع لايبزيغ، وكنا نتعثر بجمل باخ. مرّ الفاشيون ومن بعدهم الشيوعيون. زخارف باخ لم تفارق المدينة. تنام المدينة وتصحو بين جملتين من جمله. كنت أتخيّله مثلي وقد خرج من الكنيسة واختار مقعداً ليرتاح في مقهى قريب. لن يكون شعره المستعار ممكناً في عصرنا. لذلك لم أعثر عليه إلا متنكراً. وهو الشخص الوحيد الذي لا يعنيه ما يقوله الدليل السياحي، غير أنه كان يغمز لي بعينه كلما سمع ذلك الدليل وهو يقول: "كان باخ هنا".
 

نقلاً عن: "النهار"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق
«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟
«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيريةكتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس
«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرينفتاة بيتهوفن..
«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)
السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم«الناي المسحور» لموتسارت: انتصار النور على الظلام
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى