الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> لاهوتيّة

القومية أو الثقافة في الكنيسة

  بقلم: المطران جورج خضر


انقر هنا للتكبير
 
منذ العهد الرسولي نشأت الفتنة القومية في الكنيسة فجاء في سفر أعمال الرسل: "وفي تلك الأيام اذ تكاثر التلاميذ حدث تذمر من اليونانيين (أي اليهود المتحدثين باليونانية في فلسطين) على العبرانيين ان أراملهم كنّ يغفل عنهن في الخدمة اليومية" أي الإعاشة (1:6). انصهار المؤمنين بالإيمان الواحد والقرابين الواحدة لم يؤتِ ثمرا اجتماعيا. وتماسّت القوميات وطعنت بالكيان المسيحي فقد قال كثيرون من المؤرخين ان الخلاف الذي نشأ في السنة الـ451 في المجمع الخلقيدوني بين أصحاب الطبيعة وأصحاب الطبيعتين يخفي خلافا بين اليونانيين وأهل سوريا ومصر وأرمينيا. وما من شك ان الانقسام الكبير في السنة الـ1054 بين رومية والقسطنطينية لم يغب عنه اختلاف الحضارتين اللاتينية والإغريقية. ولا ريب أيضاً ان القومية هي الداء الوحيد الذي يؤثر على العلاقات اليوم بين القسطنطينية وموسكو وبين الرئاسة الروحية اليونانية في القدس وشعبها العربي.
غير ان الكنيسة الارثوذكسية أبسلت (حرمت) في المجمع القسطنطيني المنعقد السنة الـ1871 الذين "أحبوا العرق وفرقوا بين الأجناس البشرية وأثاروا الفتن القومية". العنصرية اذاً منبوذة. وما سمي اليوم كنيسة موسكو أو كنيسة بلغاريا أو صربيا لا تغطي مفاهيم قومية. تشير فقط الى كيانات جغرافية من حيث انك ان عشت في موسكو مثلا، كائنة ما كانت قوميتك، تنتسب اليها كأي روسي. ولذلك لا معنى لقول القائلين ان الكنائس الارثوذكسسية قومية. هذا محظر بقرار مجمع السنة الـ1871 الذي أشرنا اليه. على هذا الأساس اذا سميت كنيسة هذه المنطقة انطاكية فلا يشير ذلك الى اية جنسية اذ يقيم بيننا في كل الأبرشيات ارثوذكسيون أجانب يتمتعون بكل حقوقهم كمؤمنين في هذه الرعية أو تلك.
المسيحي يعيش في وطن ويحبه ويندمج به ولكن هذا انطلاقا من هذه الأرض وتاريخها وايمانه حافز لخدمة الوطن ولكن الوطن قد يكون تعدديا وحتى اذا كان من لون واحد أو شبه واحد يبقى للكنيسة كيانها المستقل عن كل وطن وعن كل تغزل بالاوطان. فأنا لست لبنانياً لكوني مسيحياً أو انطلاقا من ايماني بالإنجيل. انا مسيحي لكوني مؤمنا بالمسيح ومعمداً وواحداً في المسيح مع كل الذين يؤمنون به وقد أكون مع الارثوذكسيين الأجانب على اختلاف أو خلاف.
* * *
يبقى التراث الثقافي الذي ورثناه من التاريخ. فهذا يصلي بالسريانية وذاك بالعربية. الا ان هذا لا يعني ان ثمة ماهية سريانية أو عربية ولا يعني كذلك ان السريانية أو العربية تدخل في التعريف عن مسيحيتي. اللغات أدوات ثقافة. والثقافة ليست جزءاً من الكيان الكنيسي. انا لا اعترض على تكتل سرياني قائم على لغة مذاهب مختلفة حتى النفور العقائدي اذا كان المراد من ذلك احياء تراث عظيم والإحسان به الى من يجهله. والاعتزاز مقبول. الاعتداد غير مقبول. غير ان التوضيح يقضي ان نقول ان الإنجيل في جوهره مستقل عن الأرض وازمنتها ومستقل تالياً عن اللباس التاريخي الذي ارتدته الكلمة.
الفاصل القطعي بين ما هو للكنيسة وما هو ليس لها هو الفاصل بين ما هو خالق وما هو مخلوق. فالمسيح وحده ومن اليه من الأبرار هم الذين ننتسب اليهم. أما الثوب التاريخي الذي ارتضى السيد راعياً تاريخياً ان يرتديه فليس بشيء. هكذا كانت الثقافات اليونانية والآرامية والعربية واللاتينية مخلوقة. فقد تكون العبادات في هذه الكنيسة أو تلك متصلة بالفلسفة أو كانت الفلسفة نوعاً من النفخة أو اطاراً للعبادات. فلك ان تتبين مثلاً ان جماليات الليتورجيا البيزنطية لا تخلو من اتصال بالحكمة الإغريقية. ولكنا لسنا اغريقاً اذ نأتي من الإنجيل وحده ومن تأملات القديسين في الإنجيل. نحن ندرس الميراثات البشرية لا لنتبناها ولكن لنحب يسوع المسيح. من لا يكفيه يسوع المعلق عاريا على خشبة الصليب هذا يريد ان يفتخر بالخلائق. لذلك يبتدع نظريات تتعلق بعظمة هي من هذا العالم. على سبيل المثال التساؤل عن الروم الارثوذكس وما قد يتباهون به قوما من هنا الى بطرسبرج والى أقاصي الدنيا ما هو الا سؤال عن "زينة الحياة الدنيا". أما القديسون من بلدنا واليونان ورومانيا وما اليها فلم يكن لهم أي انتساب في نفوسهم الى غير حوض المعمودية وما أثارته الكأس المقدسة من فكر. فلا تهمنا الأقوام التي قال سفر الأعمال انها سمعت بشارة بطرس بعد حلول الروح القدس يوم العنصرة (بعضها لم يبق مسيحياً) ولكن ما أراد الكتاب ايحاءه ان هذه جمعها الروح الإلهي في فهم واحد للرسالة. اما من افتخر منها ان اجداده كانوا هناك فهذه خلاصة التفه "ليكون الفضل لله لا منا".
ان الكنيسة حافظة للوحي وليست حافظة لبلاغة العرب أو لحكمة اليونان. ولكن قد نتعرف جمالات الله في تراثات الشعوب لنتعزى ونتمكن من مد الجسور بين الإنجيل وهذه الشعوب. وهكذا رأى غير أب من آبائنا أثر المسيح قبل ظهوره في الفلسفة الإغريقية. غير ان المسيحية ليست مبنية على اية فلسفة ولا مختلطة بما عداها أي لم تأت العقيدة تلفيقاً بين الإنجيل والفلسفة. وعلى هذا المنوال ما كانت الكنيسة مزجاً تاريخياً بين مقدساتها واية امة من الأمم. فأنا لبناني وشرقي مثلا بجسدي أي ترابيتي.
ويحلو لي ذلك ومرتبط ذوقي بهذا. غير ان هويتي الكنسية لا علاقة لها بجسد هذا العالم وذاكرته وعصبياته. واذا ووريت في التراب فيوارى الوطن فيك ويحفظ الروح القدس عظامك ليبعثها في اليوم الأخير ويسألك الله عما فعلته بمعموديتك.
* * *
لنا في كنيستي في الأحد الاول من الصوم نص كبير يحتوي على تبريكات وعلى إبسالات يخرج بها الهراقطة باسمائهم من الكنيسة. ومن الأشياء التي نتنكر لها بعض "التعاليم اليونانية" ويراد بها أجزاء من الفلسفة. هذا كله لنذكر ان الله لا يؤبد الا الأبدي. وهذا ينطبق على ما نرفضه في الحضارة الحديثة وفي ما شذّ عن الإلهام الإلهي أو ناقضه.
أجل لك ان تستخدم عبارات قديمة أو تستغني عنها وفق حاجتك التربوية. القالب لا يهم. المهم ان تبقى أمينا وان تخيط ثوبا جديدا للحقيقة الأبدية التي استُودعت وهذا ما يعلل تغييراً في الطقوس أحياناً أو في التنظيم. ان جسد المسيح ليس له ثوب واحد. فقد مزق الأثمة ثوبه قديما. ولك انت بالحب ان تبدله ولكن الجسد الإلهي العاري يبقى معبودا. ويسوس الكون والتاريخ. والكلمة الإلهي الذي هو المسيح ينشىء الكلمات التي يريد ليبلغ العقول اليوم فلا يتراكم عندنا ما ينبغي زواله. وهذا يتم في كل تيار نهضوي حقيقي.
اذا كان ما قلته هو الرؤية التي نزلت على الكنائس فلا يفرقنها تاريخ أو اعتزاز بتاريخ ولا تفرقنها لغة. فنحن في هذا المشرق واحد أكنا سريانا أم بيزنطيين أم أرمن لكون الإنجيل واحداً. والتراثات التي انوجدت لحفظ الإنجيل نتبادلها ويستغني كل فريق بالفريق الآخر. وهذا يكون له ترتيب اذا ارتضى لنا ان نكون كنيسة واحدة. وليس لنا ان نتفق على الأمور الزائلة اذ يحتفظ كل منا بجذوره التاريخية والثقافية ونتشاور في حركية التلاقي الدائم لتأتي تعابيرنا وتجسيداتنا موافقة للعصر الحديث وموافقة أولا لأداء البشارة بالإنجيل الواحد لأن ما يريده الله منا ان نخلص للكلمة كما حلت في بركات الروح. فلا تعزل أحدا ذاكرته التاريخية اذ يكون قد وضعها في خدمة التلاقي وتسرب الإنجيل الحي في الأقوام جميعا.
وبفضل هذه الحرية التي نكون قد اكتسبناها من المسيح تقوى طاقتنا على ملاقاة الذين ليسوا من الإنجيل اذ يرون آنذاك ان لغتنا لغتهم وثوبنا ثوبهم وآلامنا آلامهم. نكون من البلد الواحد والمنطقة الواحدة بانتسابنا الى كل بهائها الانساني لأننا واياهم نكون نوراً طلعنا من أرض واحدة وذاكرة من الأرض واحدة. لا بد من انصهار للمسيحيين بالروح الإلهي الواحد ليكتمل الانصهار الحضاري بيننا وبين هذا المشرق العظيم.
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
بولس والرسالة الأولى إلى أهل قورنثوسالله واحد ولكنه ليس متوحدًا ومستوحشًا.. تأمل من وحي لاهوت القديس غريغوريوس النيصصي
قيمة الإنسان.. بحث في أنثروبولوجيا الآباءالفَلْسَفَةُ المَسِيحِيَّةُ
خصائص لغة الأمثال الرمزيةالمسيحيّون وهاجس الأعداد
تأنسنَ الإله ليؤلّه الإنسانالروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس.. معاً نحو الوحدة
المسيحيّة والمؤسّساتالحجّ رهبانيّة المسلمين
قراءة في كتاب "شرح الأمانة" للأب الدكتور بيير مصريالمسيحيون السوريون في الوطن السوري
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى