الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> علوم

من أجل استدامة الطيور

  بقلم: حبيب معلوف


انقر هنا للتكبير
 
يروى ان رجلا «مشكلجيا» تشاجر مع مجموعة من الشباب في ساحة القرية، وسرعان ما تطور الشجار الى عراك بالايدي، فسارع الى سيارته واستحضر رشاشه واطلق النار على الجموع في القرية فقتل منهم ثلاثة! تم اعتقال القاتل ومن ثم محاكمته... ليحكم عليه بالإعدام. استدعى القاتل محاميه على وجه السرعة واخذ يؤنبه قائلا: الم تستطع ان تجد لي اسبابا تخفيفية؟ فقال له محاميه متعجبا: اية أسباب تخفيفية وقد قتلت ثلاثة أشخاص بريئين عمدا بينهم اناس «معيولون» وعن سابق تصور وتصميم... وانت بكامل قواك العقلية؟! فرد القاتل: قل كنت استطيع ان اقتل عشرة على الاقل ولم اقتل الا ثلاثة.
تعبر هذه الحكاية الشعبية تماما عن بدعة ما بات يسمى في لغة بعض الخبراء «الصيد المستدام»، بدلا من مقولة «الصيد العشوائي». أي تحديد الاوقات والطيور المسموح بصيدها. وبدلا من ان يحضر الصياد معه مئات الطيور يمكن ان يحضر العشرات ومن انواع محددة. وبرأي المنظرين لهذا المفهوم الجديد ان تنظيم الصيد البري افضل من حالة الفلتان الحالية.
لكن تنظيم الصيد، اذا نجح، يعني تنظيم حالة القتل وليس وقفه. وقد يعني التنظيم، اذا نجح، تقنين حالة قتل الطيور البرية والتقليل من عدد القتلى، بلغة المثل السابق.
لا شك في ان الذين ابتدعوا مفهوم «الصيد المستدام»، لا يعرفون تاريخ الصيد، ولا تاريخ الإنسان، ولم يتطلعوا على علوم الانتروبولوجيا. فمرحلة الانسان الصياد لم تكن مرحلة أصلية في تاريخ الإنسان. اي ان الإنسان كان جماعا وقطافا، يعيش على قطف الثمار وعلى جمع بعض الأعشاب والبقوليات والعيش عليها، قبل ان يستعين بالأدوات، وقبل ان يبدأ مرحلة الصيد. ثم عرف الزراعة وتدجين بعض الحيوانات، لينتقل بعدها الى عصر الصناعة ومن ثم المعلوماتية...الخ
تجدر الإشارة الى ان الصيد الانساني في المرحلة الأولى، لم يكن «هواية» بالطبع، بل ضرورة وجودية من اجل البقاء. فهل هذه الحاجة الوجودية لا تزال قائمة لكي نضع من اجلها القوانين التنظيمية؟ اي هل ما زلنا بعصر يعتمد الإنسان في عيشه على ما يصطاد من البرية لكي يعيش؟! ولا سيما بعد ان اختل التوازن بين تطور الأدوات في مواجهة غريزة الطيور التي بقيت هي نفسها. فبعد ان طور الإنسان أدوات الصيد، من استخدام القوس والنشاب الى استخدام البنادق المتعددة الطلقات الى الأدوات والآلات المقلدة والمضللة للطيور... الخ، تحول فعل الصيد الى فعل القتل ثم الإبادة الجماعية، فانقرضت انواع كثيرة من الطيور، لم نعرف بعد ما سيكون حجم فداحة خسارتها على النظم الايكولوجية وعلى تلك الاقتصادية والصحية للإنسان نفسه. في هذه الحالة غير المتكافئة من «التقدم» غير العادل في آلة وطرق القتل، مع بقاء تقنيات العيش والحماية للطيور هي نفسها، وفي وقت انتفت الحاجة الوجودية للصيد... اي معنى لمفهوم «الصيد المستدام»؟
من جهة اخرى، يتحمس بعض الخبراء المتابعين لحركة الطيور المهاجرة والمنتقدين لهمجية اللبنانيين الذين لا يزالون يمارسون هواية قتل تلك الطيور التي تعبر فوق سماء لبنان او تلك التي تحاول ان تستريح عندنا بعض قطع مسافات طويلة بين اوروبا وافريقيا، بحسب مسار هجرتها، يتحمسون للمقارنة بين الأوروبيين الذين يبنون الأعشاش لتلك الطيور لكي تستوطن عندهم وبين اللبنانيين الذين يقتلونها، الا انهم لا يذكرون ان هذه الحالة ليست هي نفسها بالنسبة الى الصيد البحري، اذا اخترع الاوروبيون بواخر ضخمة لصيد الأسماك بالجاروفة التي تتسبب في تدمير الحياة والكائنات البحرية وفي انقراض الكثير من الانواع البحرية، والذين يرسلون غلالها في معلبات، بشكل حضاري ظاهرا وهمجي ضمنا! فما الذي يفسر ان يكون الغرب حضاريا في البر وهمجيا في البحر! اي فلسفة بيئية فصلت بين الانواع البرية وتلك البحرية؟ واية اخلاق؟ وماذا ينقصنا نحن لنكون النموذج في التعامل مع الكائنات الطبيعية التي تشترك معنا في الحياة والمصير؟
من هنا العودة الى السؤال عن خلفية وضع القوانين، او عما يسمى باللغة القانونية «الأسباب الموجبة». فبأية خلفية وضع مفهوم «الصيد المستدام» او «قانون تنظيم الصيد البري» وانطلاقا من أية فلسفة وأية علوم؟ ولماذا نتجاهل فلسفتنا الطبيعية ونلحق دائما ببدع وأفكار الغرب التي لا تخلو من همجية ما، من حب السيطرة والتفوق الى تمجيد الكثير من النزعات والهوايات الإنسانية العدائية والقاتلة؟
فلو انطلقت موجبات القانون من علمنا بوضع التنوع البيولوجي في لبنان والعالم، لاختلف الأمر كثيرا، ولكانت تمت المحافظة على المواد التي تمنع الاتجار بالطيور حية او ميتة والسماح بالصيد بالأدوات البدائية فقط . اما ان تكون موجبات القانون متأثرة بضغوطات تجار أسلحة الصيد وذخيرتها ومن بعض المستفيدين من متطلبات التنظيم... فلن نحصد منه غير بعض الإفادة المادية للبعض وانقراض المزيد من الأنواع التي قد تكون مقدمة لانقراض النوع الانساني نفسه. فلتكن الاستدامة للطيور كأولوية وليس للصيد كهواية قاتلة. وقد تكون ثقافتنا الشعبية خير معبر عن العلم الحديث حين تؤكد: «اذا ما في طير، ما في خير».
 
نقلاً عن "السفير"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
العِلم حضارة وليس مجرد تقنياتفي أكبر ضربة للطاقات المتجددة والنظيفة.. دول كبرى تعتمد خيار الاستثمار في الغاز والنفط الصخري الملوث
إنقاذ الجنس البشري، وليس فقط الكرة الأرضية.. قضيّة بيئيّة وقضيّة إناسيّةفي المنطقة العربية إمكانات شمسية أكبر من 72 ضعف القدرات النفطية..
ستيف جوبز: الفتى الذي غيّر حياتنا - جوبز يبقيه العالم الافتراضي بالموسيقى والتطبيقات الذكيّةهل يمكن للطاقات المتجددة أن تشكل بديلاً حقيقياً في الفترة القادمة؟.. «جزيرة الحديد» الإسبانية نموذج
فاكهة الصيف دواء ولكن... الأفضل تناولها قبل الطعام وليس بعدهتأمّل في أسئلة لا تنتهي عن إينشتاين والزمن والضوء والطاقة
الاحترار الكوني.. هل يدمر القطب الجنوبي؟أعداء التكنولوجيا
داروين يقلق العلم مُجدداً عبر دراسة "تسانده"!تجلي نظرية داروين في الفيزياء والفلسفة
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى