الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات تربويّة ونفسيّة

قراءة تحليلية لنص معجزة الخبز والسمكتين بحسب إنجيل يوحنا للأب رامي الياس اليسوعي

  بقلم: جورج برنوطي

 
قرأ الأب رامي الياس اليسوعي النص (يو6/1-15) في بداية المحاضرة (7/2/2012- صالة الكنيسة) ثم طلب من الحضور إعادة قراءته بصمت وقد وضع نسخاً منه بين أيديهم، ومن ثم فتح المجال لمشاركة الحضور بأفكار لفتت انتباههم من النص.
بدأت المحاضرة بتوضيح هام، أن ما سيلي ذكره ليس قراءة، لا هي لاهوتية ولا كتابية، إنما هي قراءة تحليلية نفسية للنص..
عادة عندما يتدارس هذا النص في اللقاءات المسيحية يسأل السؤال التالي: ما هي الرسالة الكتابية اللاهوتية التي يحملها النص لي؟ يأتي الجواب أن المسيح قادر على إطعام كل البشر من لا شيء. فإن كان المسيح قادر على ذلك وهو حتماً قادر.
يأتينا سؤالٌ ملحٌ آخر مهم وواقعي: أين هو المسيح القادر على إطعام كل الناس من الملايين الذين يموتون جوعاً في العالم .. وهنا يأتي جواب واضح وجاهز: المسيح يطعم ملايين الناس من خلال الناس وهذا الجواب يتوافق وتفكير الكتاب المقدس أن الله لا يأتينا بشكل مباشر بل من خلال آخرين كالأنبياء وحوادث التاريخ والأشخاص المختارين والكنيسة أي من خلال الوساطات، والوساطة الحقيقة ومن دون شك هي في يسوع المسيح الوحيد القادر على قول: "من رآني فقد رأى الآب".
هنا في هذا النص يسوع يكثر الخبز من خلال مشاركة الناس. إن جل ما فعله يسوع هو أنه أخذ الخبزات والسمكتين ووزعهم على الناس وجعل الناس تتشارك مع بعضها البعض.. ولكن حتى تجعل الناس يتشاركون هنا تكمن المعجزة.
اليوم في ظل الأزمة الحالية هل من الممكن أن يتشارك الناس الخبز أو المازوت أوالبنزين ؟..
حتى تستطيع أن تشارك تحتاج إلى معجزة وهنا يسوع يصنع المعجزة الحقيقية بأن جعل الناس يتشاركون دون المساس بالفكرة الكتابية اللاهوتية أن المسيح قادر على تكثير الخبز والسمك واشباع الناس.
إن الإنجيلي يوحنا هو الوحيد الذي يرفض استخدام كلمة معجزة بل هو يستخدم كلمة "آية" بمعنى أنه مهما كان العمل خارقاً ليس المهم كم هو خارق إنما المهم والجوهري ما هي الرسالة التي سيوصلها المسيح من خلال هذا العمل. إن سؤال يسوع للتلاميذ: "من أين نشتري خبزاً ليأكل هؤلاء" يدل على أنه واقعي على عكس ما نريد نحن وما نسقط عليه, وتقييمه لمدى فهم التلاميذ لرسالته التي هي العيش في الواقع ولكن بطريقة أخرى، بطريقة جديدة مع الآخرين.
من الواضح أن التلاميذ مرتبكين لا يدرون ماذا ينبغي عليهم فعله بل إنهم لم يبذلوا أي جهد بالتفكير بأي حل فهم بالحقيقة متنصلون من مسؤوليتهم تجاه هذا الجمع الجائع. مع فيليبس كانت المشكلة مالية... كما لو أن المال وحده هو القادر على إيجاد الحل المناسب لمشاكل الحياة... في الأناجيل الأخرى التلاميذ يقترحون حلاً أبسط أصرف الجموع, فبعدم وجود الجمهور فلا وجود للمشاكل.. اندراوس يلفت انتباه يسوع أن هنالك طفلاً معه خمسة أرغفة وسمكتين... ماذا قال يسوع للجموع بعد أن جلسوا على العشب لا أحد يعلم لكن لابد أنه قال لهم شيئاً جديداً من قبيل تعالوا لنتشارك تعالوا لنتقاسم. جوهر الموضوع ليس التكثير السحري للخبز والسمك بل إن غير الطبيعي أن هؤلاء الرجال والنساء قبلوا أن يشاركوا ويتخلوا عن بعض ممتلكاتهم وحقيقتاً تشاركوا الطعام على الرغم من التضور جوعاً. لو أنهم كانوا شباعى لقلنا أنهم أعطوا مما يفضل عنهم لكن كما تعودنا أن نفسر نص فلسي الأرملة، أن العطاء هو من الذي تحتاجه وليس من الذي يفضل عندك. بهذه الطريقة أكل الجميع ولو كسرة خبز بسيطة واستطاعوا الاستمرار مع يسوع حتى المساء. الذي أريد قوله هنا أن المشاركة هي التي أطعمت الجموع التي أتت لسمع ليسوع والأكيد أنهم أكلوا أقل مما كانوا ينتظرون لكنهم عاشوا واقع مختلف وهو واقع أخوة ومشاركة. هذا الواقع حدث في حياتهم حولهم كلياً وبما أنهم اختبروا الممكن فقد صاروا قادرين على ممارسته مع الآخرين.
إن المشاركة من أصعب الأمور خصوصاً عندما تشارك أناساً لا تعرفهم ولا تنتظر بالمقابل أن يشاركوك بما لديهم أو بعضه وأن كل واحد من هؤلاء الناس أتى من بيئة مختلفة, وفي النهاية إن كل واحد منهم سيعود إلى بيته وبيئته وبالتالي لا أحد ينتظر مقابل ما يقدمه ويشارك به الآخرين.
التخلي عما أملك من أجل الآخر أو عن شيء مما أملك من أجل الآخر هو الحدث الخارق هو الحدث المعجزي (الآية). إن غير الممكن أي أن أشارك الآخرين أصبح ممكناً.. المعارضة بين موقف التلاميذ المتشائم وبين موقف يسوع الملفت للنظر يفهمنا أن التلاميذ لم يكونوا جاهزين للمشاركة والتي كانت تبدوا لهم مستحيلة, بالمقابل يسوع عنده ثقة بهؤلاء الذين جاؤوا ليسمعوه.. والكتاب المقدس يبين لنا دائماً أن الله يثق بالإنسان أما العكس هو الذي يخلق النقص أي عدم ثقة الإنسان بالله.
هؤلاء الذين أتوا ليروه ويسمعوه كانوا ينتظرون منه شيئاً عندهم نقص ولكن نقصهم ليس للخبز فقط, وعندما سمعوه يطلب منهم أن يوجدوا كإنسان من خلال المشاركة زادة ثقتهم فيه وتصرفوا على أنهم إنسان وما يميز الإنسان الحقيقي هو المشاركة وهنا تكمن حقيقةً المعجزة.
في هذه المعجزة أيضاً تظهر الناحية السياسية والاقتصادية, أي لا يوجد علاقة بين شخصين ولا يوجد علاقة بين بلدين خارجاً عن المشاركة, أي أن المشاركة هي التي تؤسس العلاقة, وبما أنه لا يمكن الاستمرارية بالحياة بدون علاقة. فالمشاركة هي التي تؤمن الحياة.
المختصون في علم الأعراق، وعند دراسة القبائل البدائية, يرون أنه لابد من وجود شرطين رئيسيين لكي تستمر القبيلة وتستمر الحياة. الأول، هو أنه لا يمكن أن تكون القبيلتين قريبتين جداً من بعضهما وإلا كانت الحرب بينهما على الموارد، وألا تكونا بعيدتين جداً فيقعوا في عدم المبالاة والتجاهل فيما بينهم. الشرط الثاني، هو أن تملك القبيلة ما لا تمتلكه الأخرى.., وما الاحتفال لمناسبة الزواج بين القبائل ليس فقط احتفالاً بتبادل البشر إنما بتبادل الخيرات ومستقبل كل قبيلة منها يصبح ممكناً عند مشاركة القبيلة بعملية المشاركة، بمعنى آخر: خارج عن المشاركة يحكم على القبيلة بالزوال.
المشاركة اليوم هو موضوع الساعة سواء على الصعيد التجاري بين الشركات الكبرى أو على الصعيد الدولي بين الدول أو ضمن الدولة الواحدة, وما للعولمة من تأثير على صعيد المشاركة.
بالعودة إلى النص نجد أن الصعيد السياسي كان حاضراً عند الجموع الذين كانوا يهمون باختطاف يسوع لينصبوه ملكاً، لكنه ينصرف ويعود وحده إلى الجبل. الشعبية لابد أن تثير القلق لدى السلطات الدينية اليهودية.. يسوع لم يكتفي أن ساوى نفسه بالله, عندما هاجم الشريعة وخصوصاً فيما يتعلق بيوم السبت الذي اكسبه نجاح وشعبية كبيرة وكانت تزداد باستمرار وهو ما يهدد السلطة الدينية ومكانتهم الاجتماعية، فأسباب الحكم على يسوع بالموت لا يمكن إلا أن تنمو تصاعدياً.
إحدى الأفكار التي تجتاز الكتاب المقدس بمجمله هي أن العالم مشروع بناء وأنه في خلقٍ مستمر, وعندما نقول أننا نشارك في عملية الخلق: "انموا وأكثروا وتسلطوا".. فعندما يأخذ الإنسان مسؤوليته ويمارس حريته يحقق إنسانيته. فمن خلال الاختيارات والقرارات التي يأخذها الإنسان يخلق المعنى لوجوده ويحدد أي إنسان يريد أن يكون. فالموضوع هنا هو بناء عالم يسمح للبشر أن يعيشوا معاً من أجل خير الجميع, ولكن ومع الأسف نجد أن الخير العام وخير الجميع هذه المصطلحات مسحت من قواميسنا وبكل اللغات وحل محلها المثل القائل: "أنا ومن بعدي الطوفان".. هذا هو الشعار السائد اليوم ويأتي المسيح وبكل بساطة وبرودة أعصاب ويدعونا للمشاركة من أجل بناء عالم يحقق الخير العام، وإلا فالحرب والخراب هو مصيرنا وهذا ما نشهده اليوم. فالكتاب المقدس بهذا المعنى هو سياسي يدعو الإنسان للمشاركة بمائدة البشرية وأن يحول مائدة البشرية إلى احتفال من أجل التعايش.
يبقى السؤال الأساسي من أي نبيذ ومن أي خبز سنتغذى ويسوع يجيب على هذا السؤال بأنه يكشف عن ذاته بأنه الله الحاضر والحي والفعال بيننا. في هذه المعجزة يوضع يسوع في موقف يزداد صعوبة من جهة الفريسيين الذين بدأوا يحضرون لمحاكمته والحكم عليه بالموت، ومن جهة أخرى الشعب يريده ملكاً قادراً على تحريره من استعمار روما، لكن يسوع يبقى مصراً على التعبير عما يريده هو ولا يمكن أن يستسلم لرغبات وأحلام الشعب بكونه ملك عسكري محرر من طغيان روما.
ملكوت الله الذي يتكلم عنه الكتاب كثيراً يمكن أن يعاش منذ الآن شرط أن يعيشه الناس بطريقة مختلفة وأن يتحرروا من مركزيتهم وجمودهم, ويسوع لا يريد أن يقع في فخ القائد. هدف يسوع مختلف لأنه يريد الكشف عن الله المختلف عن تصورات البشر والذي يحرر الإنسان نهائياً حتى يكون مسؤول كليةً عما يحدث في العالم. إن كلمة يسوع في مكان آخر "الفقراء معكم في كل حين" لم يقلها لهم بمعنى أنه سيلغي الفقر من العالم.. بل مسؤولية إلغاء الفقر هي على عاتق البشر.
المسيح لم يأتي ليبني عالماً مثالياً طوباوياً. فوهم من ظن أن الله يطعم ويكسي الناس.. الله لا يطعم ولا يكسي الناس إلا من خلال الناس. وفي قصة الخلق نفهم معنى أن الله ارتاح في اليوم السابع أنه يعمل من خلالنا وليس مكاننا. ويسوع عندما نام والمركب يغرق انتهر تلاميذه لماذا شككتم، أنتم من عليكم مواجهة العاصفة وليس أنا، ولتتغلبوا على العاصفة ضعوا يدكم بيدي، أما أنا لن آخذ مسؤوليتكم فلا.. بهذا المعنى الله هو أول معالج نفساني في العالم يضعنا أمام حقيقتنا ومسؤوليتنا.. وهذا هو السؤال الذي طرحه على التلاميذ انتم من ينبغي عليكم أن تطعموا الجموع.
هذه هي المعجزة التي عملها يسوع أنه جعل الناس تطعم بعضها البعض أما إن فهمنا المعجزة أن يسوع بطريقة سحرية كثر الخبز فهذا يعاكس كليةً رسالة الكتاب المقدس ويعاكس مفهوم الله كما يقدم نفسه لا كما يتمنى البشر أن يتصوروه.
يسوع لا يريد السلطة بل يريد إعطاء للبشر السلطة لتكثير الخبز ولإلغاء الفقر ولتحقيق عالم إنساني حيث كل إنسان يجد مكانه. وهدفه تحرير الإنسان من جنون السلطة بدأً من السلطة التي تجعل من الله الكلي القدرة والتي تسحق الإنسان باستعبادها له. فالإنسان يخترع الله على صورته هو ويسقطها عليه, بينما يسوع يريد أن يفهم البشر أن العلاقة مع الله لا تبنى على الخوف والرعب منه بل على علاقة الحب المتبادل بين البشر والله. يسوع يكشف عن إله مختلف عن تصور البشر إنه إله في خروج مستمر من ذاته كلي العطاء مما أدى بيسوع إلى الموت.
معجزة اليوم ليست موضوعها نقص الطعام بل سؤالها الأساسي من هو الإنسان وكيف يصبح الإنسان إنساناً يسوع يجيب على ذلك بالعطاء والمشاركة هي التي تغذي البعد الإنساني عند الإنسان وتتيح له أن يصبح إنساناً.
قوة هذه الرواية مهمة إذ أنها تبين مسيرة الإنسانية في ثلاث مستويات: المستوى الأول هو مستوى مادي المشاركة بالخبز والمال والأفكار والحياة.. المستوى الثاني هو الروحي، لم يشترك الناس فقط بالخبز إنما اشتركوا بالنقص: ففي قبول النقص والنقص لحضور الآخر كفرد والذي يعيش النقص مثلي يمكن الاعتراف به على أنه إنسان آخر غيريّ مختلف كلياً عني لكن يمكننا العيش معاً. هذا القبول هو الذي يجعل الإنسان حر ويسمح له بالوصول إلى المجانية. هذا هو الفقر الإنجيلي أن أكون حراً تجاه ما أملك وأستطيع أن أشارك بحرية الآخرين والمستفيد من هذه المشاركة يبقى أيضاً حراً فلا يشعر أني أمن عليه بالعطاء. من يقوم بالعطاء هو صاحب قرار هو من ألزم نفسه بالمشاركة بمنتهى الحرية وبمعرفة تامة أن الخطر يحيق به بوجوده وشخصيته لكنه يدرك أنه لا يملك ما يملك بل أن كل ما لديه هو عطية مجانية فيستطيع وبكل بساطة أن يشارك الآخر مجاناً بما فيه وعلى رأسه حياته. المستوى الثالث هو المستوى اللاهوتي أي أن المشاركة هي التي تضع الإنسان بعلاقة مع الله من خلال الإيمان فلا أحد من الجمع شارك إلا من خلال الإيمان والثقة بيسوع المبادر بفكرة المشاركة وله ثقة بالإنسان ويعطيه إمكانية المشاركة بالعطاء وهنا يلتقي الإنسان بالله ويحقق حلمه بأن يكون إنسان ولا إمكانية للقاء الله إلا بالمشاركة مع الآخر بالعطاء باستخدام مسؤوليته وحريته.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
غياث سلامة   الدولة : syria - aleppo2012-02-09
سحب البساط:
لقد عودنا الآباء اليسوعيين دائما وفي كل لقاء أن يسحبوا بساط الأفكار القديمة من تحتنا ليستعيضوا عنه ببساط عصري لقراءة الانجيل والحوار حوله وطبعا هذا جميل جدا لابل رائع ... ولكن أتساءل أحيانا ألايسبب هذا الغوص العميق جدا عثرة عند البعض... شكرا جزيلا للأب رامي لقد أغنانا وللأب بسام على أهتمامه
 
معرفة الذات والثقة فيهامفهوم الحرية من وجهة نظر الآباء والأبناء
قراءة تحليلية لنص يسوع يشفي طفلاً في كفرناحوم.. محاضرة للأب رامي الياس اليسوعي"الحقد" محاضرة للأب فرانس فاندرلخت اليسوعي
"الإنسان قيد التكوُّن المستمر".. ملخّص محاضرة للأب رامي الياس اليسوعيكيف نعيش مع الخوف والقلق.. محاضرة للأب فرانس فاندرلخت
فعاليّة الألم في العلاقة مع الآخر.. ملخّص محاضرة الأب فرانس فاندرلختكيف يعمل عقل المرأة
كيف يعمل عقل المرأة؟..الشباب والانترنت
"العلاقة الحقيقة مع الآخر".. محاضرة للأب فرانس فاندرلخت اليسوعيالطب وعلم النفس
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى