الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

الاغتراب.. بحث في فلسفة التموضع عند برديائيف

  بقلم: الدكتور حليم حنا أسمر


انقر هنا للتكبير
 
مدخل:
يحاول هذا البحث الإحاطة بالمقولات الأساسية العاملة في الفلسفة البرديائيفية؛ التموضع والحرية، انطلاقاً من نصوص برديائيف وتأمله الإبداعي في عالم الصيرورة والتموضع آخذاً بعين الاعتبار مفردات بنائية لإقامة بنائه الفلسفي، ومنها: التعالي، المعرفة، الداخل والخارج، أسبقية الحرية على الوجود، الثنائية، الديناميكية، الشخصية والمجتمع، الفردي والعام… الخ.
وتأسيساً على هذه المفردات يقدم برديائيف صفات وسمات التموضع والأطوار التي يمر بها ومن ثم للوصول لمرحلة حل وإلغاء التموضع السلبي من خلال الدخول في هذا العالم من موقع الفعل الأصيل الذي يحوّل التشوه والسلبية إلى الروضة والصحة والإيجابية ليبقى فعل الإنسان المبدع (المنتج) على الصعيد التقني ينحو منحى البناء المجتمعي المبتغى (المراد)، لكن يبقى السؤال المؤرق: ما مصير الإنسان في هذا العالم مشروعاً!
تنبع أهمية هذا البحث من خلال توضيح القاعدة (نقطة البدء) الأولى الإشكالية التي يحاول ن. برديائيف أن يضعها بين أيدينا كي نمشي بدروب فلسفته بكل أمان ووضوح، وهذا الوضوح لايجد نفسه إلا من خلال هذه الأرضية، أرضية مقولات "الحرية الأولية" الميتافيزيقية والتموضع" وتتكشف صلابة نقطة الانطلاق هذه من خلال مقولة "الزمن الوجودي" "الوجود"، "التراتب"، "الوحدة"… وهذه الحرية من العناصر الأساسية المكونة لموجودية العالم عبر آفاق تراتبيته وصياغاته وصوره.
تتمحور أهداف البحث حول سؤالٍ رئيسي هو: كيف و(لماذا) تتكوّن ميتافيزيقا الوجود الأصلي، العدم، التموضع؟ ومن ثم تداخل كيفيات انطولوجية مع كيفيات وجودية أصيلة؟ والسؤال الثالث : مرونة الانتقال من عالم الذات إلى عالم الموضوعات؟
فضلت في هذا البحث المنهج التحليلي - التكاملي مع بعض الوقفات النقدية، أي تتبع الفكرة وتبلورها من خلال نصوص ن. برديائيف ومن ثم صور هذا التبلور والتعين في مهام الفيلسوف الفكرية!
 
1- مقدمـة
يضعنا برديائيف[1]، في كتابه (وعي الذات)، وجهاً لوجه أمام فلسفته التي أقامها وبشكل نهائي حيث يقول: "… عندما وصلت إلى فلسفتي النهائية حازت لدي فكرتا الحرية اللامخلوقة (الميتافيزيقية) والإحالة الموضوعية (التموضع) الاغتراب أو اغتراب التموضع، أهمية خاصة"[2].
لكن ترى ماهذه الحرية اللامخلوقة التي يحاول برديائيف أن يقيم عليها كل بنيانه الفلسفي العظيم؟
إن تجذر الإنسان في اللاشيء (الحرية) يتحقق عند برديائيف في الزمن الوجودي، الذي فيه الإنسان يساوي ويحايث الله، لكن ليس قبل الله الذي تجذّر في اللاشيء ولا في الوجود، لذلك لا يمكن أن يكون الإنسان، من ناحية علاقته مع اللاشيء، قبل الله وفوق الله. إن الحديث في فلسفة برديائيف لا يدور حول أسبقية الإنسان على الله بمثابته أولوية حية ووحدة وجودية أصيلة، بل يعيد طرح هذا العالم ونظامه ومفاهيمه على بساط البحث، ليقوم مرة ثانية بترتيبه من خلال ملء المفاهيم الفلسفية الأساسية بمحتوى جديد جداً، والمفاهيم المشار إليها ما هي إلا: (الوجود)، (التراتب)، (الوحدة)، (الزمن)، الخ…
إن الحرية المشار إليها، عند برديائيف، تعدّ المنبع الميتافيزيقي للشخصية، وتعبر عن الإحالة الموضوعية (التموضع أو الاغتراب في التجلي الأخير) والسيرورة الميتافيزيقية الأساسية لتحقق الشخصية.
ومن خلال المشكلات الفلسفية : الأخلاق، العبودية، الموت، المصير، الشخصية. يصوغ برديائيف السؤال الأساسي حول الإبداع، وهو:
كيف تتكوّن ميتافيزيقيا الوجود الأصلي، العدم، التموضع (الاغتراب)؟
ويعبر برديائيف عن أفكاره من خلال وجهين مختلفين إلا أنهما متلاقيان في التجلي الأخير:
1- وجه أخلاقي، يعرضه بشكل غير مألوف.
2- ووجه آخر يتجلى بصيغة الميتافيزيقا.
وبالنسبة لبرديائيف، الوجود الأصيل الأدق (الوجودي) أو المعرفة المبدعة، تتضح بأنها قابلة للانتقال من عالم الموضوعات اللاأصلي إلى عالم الروح، لأنه من خلال الوجود الأصيل يتحقق التعالي إلى أصلية العالم الحي: خاصة أن المعرفة تهدف الاتجاه إلى هذه العوالم المتضادة: « … التعالي هو طريق مضادة قطبياً للتموضع، الطريق إلى عالم النومن (الجوهر) وإلى الحي الأصلي. ويوجد هدفان للوعي:
هدف إلى العالم الموضوعي المُستعبد ومملكة الضرورة، وهدف إلى عالم الجوهر الأصلي، وإلى مملكة الحرية»[3].
أي « إلغاء وقهر التموضع والاغتراب يتم في العالم الحر والأصلي ويدخل كل الكون، غير الموجود في عالم الظواهر ولا في عالم الموضوعات"[4].
وينتهي مشوار برديائيف في حل الاغتراب بوصفية إنسانية مفرداتها: عالم حر أصلي، إبداع بمشاركة الله، فلسفة حية، هنا يصبح الموضوع والذات متحدان وصوفيان… ويصبح الإبداع معرفة والمعرفة إبداع، إبداع على مستوى رفيع. وهذا الإبداع الذي يطلبه برديائيف هو إبداع عالم جديد…
وهذا الإبداع هو تحرر الإنسان وهنا ينتفي مجال وسيطرة الضرورة: « الثورة الشخصانية وهي حتى الآن لم توجد في العالم، تعني إلغاء سيطرة التموضع والاغتراب، وتعني أيضاً دمار طبيعة الضرورة وتحرر الذوات والشخصيات والولوج إلى العالم الآخر… العالم الروحي»[5].
فالروح تملك حياة والحقيقة يجب أن تصبح ما هي كما تعد بالطبيعة: « نتيجة الفعل الإبداعي الإيجابي، الذي لا موضوعات به، إنما يوجد وجود موضوعات. الروح تعرف ذاتها في نتائجها. وهنا يختفي ويزول التموضع"[6].
والإنسان يجب أن يعرف نفسه، ويتحرر من أوهام الواقعية المزيفة وينتقل إلى الواقعية الأصلية وهذا يتم بالانتصار على التموضع والانتصار على الرمزية والتحرر من أوهام الواقعية المزيفة وينتقل إلى الواقعية الأصلية وهذا يتم « بالانتصار على التموضع والانتصار على الرمزية والتحرر من الأوهام المعذبة للإنسان… فطريق الإنسان يكمن عبر العذابات والصليب والموت إلى أن يصل إلى البعث والقيامة»[7].
ولرؤية عالم برديائيف، المشار إليه، ينبغي علينا الانطلاق من تناقض (الداخل) و (الخارج). لهذا سأقوم، بدايةً، بتوضيح بعض الأفكار الهامة المتعلقة بالحرية الأولية المشار إليها وبفكرة الاغتراب أو اغتراب التموضع عند برديائيف، ففي وعي برديائيف الفلسفي تنتصب دائماً مشكلات عديدة مثل الحرية، الإبداع، الشخصية، الشر، العدل الإلهي… والتي عبّر عنها بشكل واضح بقوله: « … قررت اختيار الفلسفة التي تؤكد وتثبت أسبقية الحرية على الوجود، أسبقية الذات الوجودية على العالم الموضوعي، الثنائية، الإرادية، الديناميكية، الإبداع الخلاق، الشخصانية، الأنتربولوجية، فلسفة الروح، ثنائية الحرية والضرورة، الروح والبيعة، الذات والتموضع (الاغتراب)، الشخصية والمجتمع، الفردي والعام. كلها تعد لديّ الأساس المعين المحدد الملموس»[8].
إذن من منطلق فهم برديائيف لعلاقة الفلسفة والشخصية يتحدد وبشكل جوهري طابع حله لمشكلة الإنسان، والشخصية عند برديائيف ظاهرة صعبة جداً لأنها شيء بذاته… فيه يتلامس ويتلاصق الوجود والروح، السماوي والأرضي… غير أنه في الإنسان يوجد بداية… في الإنسان جذور وينابيع، وهذه البداية تملك خصوصية ومصير، لقد توجه برديائيف في بحوثه المشار إليها إلى الله والإنسان وإلى الطبيعة والحرية ولكن كيف فهم برديائيف الحرية؟
 
2- فهم برديائيف للحرية:
يقول « … الحرية قصوى، لا تستنتج من أي شيء ولا تدخل بأي شيء حتى قيادتها لا تستند إلى أي شيء، الحرية هي اللاأساس لأساس الوجود وهي أعمق من كل وجود. ومن المستحيل الوصول للقعر الفعلي الملموس للحرية، الحرية بئر لا قعر لعمقه، قعر هذا البئر هو السر الأخير»[9].
وبهذا يوضح برديائيف أن الحرية غالباً مافهمت ساكنة، كصفة إنسانية ثابتة طبيعية، بيد أن الحرية ديناميكية، ومصيرها موجود في العالم الحقيقي (الأصلي)، ولكنها مزية (مائلة للتفرد)، ذاتية وهذا مايجعلنا نقول: إن للحرية ديالكتيكها الوجودي الخاص بها. ويمكن أن تتحول الحرية إلى مايضادها.
إن فهم برديائيف للحرية هام جداً؛ لأن الحرية لديه تكمن، ميتافيزيقياً، في العمق الداخلي للروح؛ لذلك وجد عند برديائيف ثلاثة مستويات للحرية:
1- الحرية الأولية.
2- الحرية الإلهية. 
3- الحرية الإنسانية.
والحرية بمعناها (الأولي) حرية لاعقلية، وغير متجذرة في الوجود، إنما في العدم!! فهي « … بلا أساس، لاتحدّد بشيء، تقع خارج العلاقات الحتمية الخاضعة للوجود، وبدونها لايمكن أن يفكر بالوجود"[10]. لأنها في كثير من جوانبها تتطابق مع الأفكار الصوفية المتعلقة بمفهوم (UNGRUND) أو (GOTHEIT) التي عاشها متصوفة الألمان وعلى رأسهم فرانس بادير ويعقوب البوهيمي، وشيلينغ، لقد قام برديائيف بتعقب هذا المفهوم وتطويره، فقال بهذا الصدد: « … المتناقض، المأساوي، والطابع المتقد- المأساوي للحياة العالمية يحدده هذا الذي قبل الوجود، الذي هو أعمق من الوجود (العدم)- اللاعمق، السر اللاعقلي، الحرية الأزلية، التي لاتستنتج من الوجود… الحرية الأولية استعدادات (فيها كل شيء) حرية بالقوة، بالتعبير الأرسطي… الحرية ليست نوراً ولا عتمة، ليست خيراً، وليست شراً. تكمن الحرية في العتمة ومتعطشة للنور، والحرية سبب النور»[11].
وكتب يقول في مؤلفه (معنى الإبداع): « … سر الحرية أنها بلا قعر وغير مفهومة. أنها بدون أساس"[12]. وبهذا الشكل، تتجلى الحرية في مصدرها الأول بكونها نوعاً خاصاً للعدم، فالحرية هي المادة الخام التكوينية، التي أبدع الله منها العالم والإنسان.
فالله، بمفهوم برديائيف، لا يعتبر سبب العالم، فهو يحاول نفي كل الصيغ الاجتماعية والطبيعية في إطار تحديد فكرة الله، غير أن فكرة الله كأساس للعالم ومبدع له ليست واضحة عند برديائيف، يقول: « … الله ليس قوة بالمعنى الطبيعي، قوة مؤثرة في الزمان والمكان، هو ليس سيد أو رئيس العالم، ليس هو العالم نفسه أو قوة منصهرة في العالم… يمكن القول، إن الله هو معنى وحقيقة العالم، الله هو روح وحرية…"[13].
الحرية الإلهية حرية مبدعة (خالقة) نتج عنها إعادة لتنظيم الفوضى «… في الحرية المبدعة غموض واستطاعة سرية تتكوّن من اللاشيء واللاحتمية، مضيفة قدرة لنطاق القدرة العالمي… فعل الحرية المبدع يخرق ويفتت الحلقة الحتمية للطاقة العالمية"[14].
وفي جوهري الحرية الإلهية هناك إعادة التشكل الإبداعي للأولية والتنوير للحرية اللاعقلية. فقد أبدع الله العالم (مستعملاً) الحرية اللاعقلية ومن ثم أبدع الجوهر: (إبداع الشخصية تحقق بفعل الحرية).
فالله حسب وعي برديائيف ليس شيئاً ساكناً أو مطلقاً «… لأنه يملك العلاقة مع الإنسان ومع العالم وهنا تنشأ علاقة حب، وتمام هذه العلاقات وأكملها هو الله»[15] ولكن من الصعوبة القصوى هنا إعطاء رسم منهجي عقلي لعلاقة الإنسان بالإله، إذ يقول برديائيف: « … الألوهية تسامي الإنسان، وتتحد الألوهية، بسرية تامة، مع الإنسان»[16].
ويتجلى الله في الإنسان، وبهذا التجلي يرتفع الإنسان ليغتني بالحياة الإلهية روحياً. وهذا يظهر حاجة الإنسان الأزلية لله: « … الإله هو الامتلاء الذي لا يمكن إلا أن يسعى الإنسان إليه. ووجود الإنسان الأصيل لايبرهن بطريق الديالكتيكية المنطقية الجامدة على وجود الله، إنما يشهد ويدل عليه»[17].
إن الله عند برديائيف ليس مطلقاً ولا جوهراً؛ لأنه علاقة مع الإنسان وعلاقاته الروحية الحقيقية. ولوصف هذه العلاقات لابد من مقولة (الوجود) أو (الوجود الأصيل) يكتب برديائيف: « … الله ليس هو مقولة الوجود، ولا تستعمل معه مقولة الوجود، الله يوجد كجوهر"[18] … وما وجود الإنسان عند برديائيف إلا شاهد حي وواضح على وجود الله والإنسان فهو « … تركيب اللانهائي الروحي والنهائي المادي، وما سخط الإنسان من النهائي وسعيه الدائم إلى اللانهائي إلا دليل على الجانب الروحي في الإنسان، أي على وجود الله »[19].
وبناءً على ذلك، فإن الحرية الإنسانية التي هي أساس الإنسان، تتألف من جدل الحرية اللاعقلية والحرية الإلهية. إن الروح الإنسانية تتلاقى مع الله لتعد واحدة من المنابع الميتافيزيقية للشخصية.
وتعلن هذه الروح عن نفسها في الإنسان (كحرية) إلهية، حيث تظهر في الإنسان كذاتية فطرية، خارجة من الداخل، من عمق الروح وبذلك تتجلى صورة الروح كصورة إلهية، وهنا تتضح الحرية الحقيقية في الإنسان من هذا اللقاء مع الحرية الإلهية.
« فالذي يقوم بالتنوير العالي للحرية الأولية الخلاقة العنصر الإلهي في حرية الإنسان غير أن وجود هذا العنصر غير حتمي وما ذلك إلا لأن الحرية الإلهية في الإنسان هي حرية عقلية، في الله ومن الله نستلمها »[20].
إن حرية الإنسان تسمح بامتلاك تجربة الاتصال الروحي مع الهاوية (القعر) من جهة ومع العالم الإلهي من جهة أخرى: « … تكشف لنا التجربة الروحية ما يسبق وجود العالم الطبيعي وتقودنا إلى التلامس مع الهاوية. ولا يملك اللاأساس أساساً بأي وجود كان، حتى ولا بنا نحن»[21].
هنا يتجلى فعل الإيمان بمثابة لقاء الإنساني بالإلهي، ويفترض الإيمان ظهور الحرية في الإنسان: « … الله ليس مضطراً لإظهار نفسه، كما تخبرنا الموضوعات المادية، لكن يلتفت الله إلى حرية الإنسان، والإيمان في الله هو لقاء داخلي فقط بالتجربة الروحية»[22].
وتظهر الأهمية الكبرى التي يمتلكها فعل الإبداع بارتباط الإيمان والحرية بالله، هذا الفعل الذي سيلعب دوراً هاماً ومميزاً في مجمل فلسفة برديائيف أنه من خلال هذا الفعل سنلج إلى المشكلة الأساسية في نسيج فلسفة برديائيف وهي مشكلة الاغتراب أو التموضع.
يقول برديائيف معرّفاً الحرية: « … الحرية هي استقلالي وتحديد شخصيتي من الداخل، والحرية هي قوتي الخلاّقة، أي ليس اختياراً بيني الخير والشر الموضوعين أمامي، إنما تكويني للخير والشر»[23].
إن هذا الإقرار والاعتراف بالحرية اللامخلوقة، غير المتجذرة في الوجود، سمح لبرديائيف بإعطاء تفسير غير تقليدي لمصدر الشر في المسيحية ولإمكانية الفعل الجديد الخلاق في هذا العالم. وكما نلاحظ فإن هذه الحرية ليست إلهية فقط، وليست عقلية أيضاً، لأنها يمكن أن تكوّن الخير أو الشر.
مهما كان الأمر على حد تعبير برديائيف: « … الحرية هي مصدر الإنسان المأساوي في العالم وتكمن الحرية في مركز الوجود ذاته كالبداية الأولية لسر الوجود»[24].
إن صرح الحرية عند برديائيف ثنائي الأساس، ومرتبط بالحرية الألوية التي تحتوي بذاتها القيم العليا للحياة وهذا ما جعل حياة الإنسانية مأساوية حتماً، على الرغم من ارتباط كرامة الإنسان بالحرية: « … من أجل الحرية يجب أن نضحي بالحياة، لكن لايجب أن نضحي بالحرية من أجل الحياة »[25].
إذن الحرية تولد العذاب، وتفرض الألم فهي مؤهلة لجلب مصيبة، لهذا يصبح الإنسان مسؤولاً عن اختياره، وهنا تكشف الحرية للإنسان الإمكانيات اللانهائية لتكوين القيم الروحية وإثباتها. فالفعل الإبداعي المشار إليه، بحسب رأي برديائيف: « هو الذي يأتي من داخل الإنسان، من القعر، القعر غير الواضح، وليس من الخارج ولا من عالم الضرورة»[26].
وهنا تظهر مقولة (الحب) في عالم برديائيف الفلسفي والتي أعدُّها هامة جداً؛ لأنها مرتبطة بالحرية والإبداع. فالحب تمظهر الإبداع في حياة الإنسان: « … كل فعل للحب، حب الأيروس، حب الشفقة هو فعل إبداعي»[27].
ويظهر عند برديائيف جدل الحب الإنساني- الإلهي حيث تبدو تجربة الحب أكثر تجربة تهز الإنسان»… فمن خلالها ينكشف تعالٍ صحيح للمجال الفطري لهذا العالم، ومن ثم يظهر ارتباط هذا الحب مع الشخصية فتنشأ علاقة الشخصية بالشخصية»[28].
غير أن الشخصية تحقق وجودها الأصيل، وحريتها بتمازج النهائي مع اللانهائي واقتران النسبي مع المطلق والوحدة مع الكثرة، الحرية مع الضرورة، الداخلي مع السطحي، لايوجد وحدة تطابق بين الداخلي والسطحي بين الذاتي والموضوعي، إنا يوجد لاتطابق مأساوي وصراعات.
والإنسان موجود معذب، لأنه موجود في عالم الظواهر وعالم الأشياء بذاتها. لذلك وجدت في الإنسان ثنائية (الأنا):
1- الأنا المكونة من التخيلات والأهوال التي تجذب الإنسان إلى الأسفل…
2- الأنا: (الحقيقية الواقعية العميقة).
ومن جراء هذه الثنائية الجذرية كان الإنسان مأساوياً، ولكي نقهر هذه المأساوية لابد أن يمر الإنسان عبر عذابات وانقسامات وشكوك، ومن خلال هذه المعايشة يقوى ويتوطد روحياً، ويستعد لمعدل عالٍ من الروحانية.
 
3- التموضع والتموضع المغترب؛ صور وأشكال:
لكن في التموضع وتجلياته اغتراباً أو تشيؤاً أو تزمناً، يصرح بذلك برديائيف في بداية تكونه الفلسفي قائلاً: « … إن كل ثقافة هي تطور من الصنم، مع عدم نكران التاريخية أو المسار التاريخي لتكون الصنم عبر تموضع واغتراب الصوفية الدينية»[29].
وفي هذا التموضع المغترب يقذف ويبعد الوجود الإنساني إلى الخارج (إلى عالم الظواهر)، ليرتبط مع العالم المتكون من الشخصية وذلك العالم الشخصاني « أساس خواص العالم غير المتموضع وقبل كل شيء التموضع هو لاشخصاني»[30].
« إن التموضع في تجليه الأعظم مشكلة وجودية تعني سقوط وتقييد العالم والاغتراب والعبودية، إنه سقوط الذات الوجودية التي من خلالها يتزمن الكل ويخضع للضرورة»[31].
والتموضع تعريفاً: (هو إعادة التشكل في الموضوع)
لذا فالتموضع، بمقابلته للشخصانية، يحتل في فكر برديائيف مكانةً لاتقل قيمةً عن أفكاره الأساسية الأخرى الميتافيزيقية.
وهنا نرى أن نلخص صفات التموضع الأساسية التي تنحصر في:
« 1- الوجود
 2- الموضوع
 3- الزمن
4- العالم، الكليات، العام
5- الضرورة، العبودية… والتموضه هو تجذر في العالم الساقط وفي الاغتراب والجبر»[32].
وما السقوط إلا مقولة هامة للمعرفة. فالتموضع لا يعني أبداً أن الكون بما فيه ليس عالماً حقيقياً « … إنما يعني أن هذا العالم يقع في حالة روحية غير مناسبة، روحياً، أخلاقياً ، إنه يقع في حالة، عبودية جبرية واغتراب لأنه مقذوف إلى الخارج وخاضع للضرورة»[33]. وهنا يتجلى سقوط هذا العالم « … إنه عالم مسحور (مرصود)، عالم ظواهر، وليس عالم موجودات أصلية»[34].
ومن مميزات التموضع المغترب التي يرصدها برديائيف:
1- اغتراب الموضوع عن الذات.
2- امتصاص العالم (الكلي) اللاشخصي، للمتفرد- الفردي والشخصي.
3- سيادة الضرورة والحتمية من الخارج وقمع وإسكات الحرية.
4- التكيف مع كتلية وسماجة العالم والتاريخ من جهة ومع تموضع واغتراب الإنسان المتوسط وآراءه وما يهدم أصالته من جهة أخرى.
ولكننا نرى برديائيف يناقض التموضع ويلغيه من خلال:
1- الاتصال المباشر
2- العاطفة
3- الحب
 4- قهر الاغتراب
5- الشخصانية
6- وعي الروح لذاتها.
وما تعبير الفردي- الشخصي إلا صفات لكل وجود أصيل انتقل إلى مملكة الحرية المحددة من الداخل، وانتصر على عبودية الضرورة، وامتلك الكيفية لتقديمها على الكمية، فقدم بذلك الإبداع على التكيف[35].
نصل الآن إلى صور ودرجات (أطوار) التموضع:
يقول برديائيف: « … يوجد أطوار مختلفة للتموضع في العالم اللاأصلي (الزائف) وفي العالم الاجتماعي»[36].
يحصي روسلر (الباحث الألماني) في مؤلفه (عقيدة برديائيف) أربعة أنواع رئيسة للتموضع:
1- التموضع كتزمن. 
2- التموضع كإحالة اجتماعية.
3- التموضع كتشيؤ.
4- التموضع كرمز.
أما عن فرضية التموضع التي أنطلق منها، فتنحصر في أن أشكال التموضع مرتبطة، قبل كل شيء، بالسيرورة، بينما ترتبط الأطوار بنتائج هذه السيرورة.
« إن التموضع فقد لحرية الروح على الرغم من أنه يعبر عن أحداث وأحوال الروح»[37]، وآلية تحقق التموضع: « … الموضوع متكون من قبل التموضع الذي تنتجه الذات. غير أن الموضوع والتموضع لايوجدان بالنسبة للذات إنما يستعبدان للذات، حيث يستعبد التموضع نفسه ويكوّن مملكة الحتمية وتسقط الذات بمجال التزمن الذي تقوم به»[38].
وإذا تعقبنا أشكال وأطوار التموضع والاغتراب نراها موجودة في: المعرفة، الأخلاق، الدين، الفن، الحياة الاجتماعية والسياسية، الحضارة، الكنيسة، العلم والعلمية، المنظومة، التاريخ، الآلة والإحالة الآلية، الزواج والأسرة، الأبدية، النظام العالمي، الظلم الاجتماعي، الإحالة المثالية للذات، الباطل… الخ…
أي أننا لانجد تموضعاً ليس تزمناً أو رمزية ومرتبطاً بالأفعال الإنسانية الإبداعية في العالم. لهذا فمن الجدير بنا ألا ننسى المعاشرة (الاتصال) والواجبات العامة التي هي صفات لكل أنواع التموضع… إذن هو ظاهرة تجتاح الطبيعة، التاريخ، المجتمع…
لكن للاقتراب من هذا المفهوم، الأخطبوطي الشائك الصفات، يجب علينا مناقشته من الجانب الأكثر قرباً من برديائيف نفسه، والذي نقصد به علاقة التموضع بالإنسان.
« فكل وجود هو حركة إبداعية زائدة، وخسارة أو فقدان للوجود»[39] كما أن كل تموضع هو اغتراب وهجران… والتموضع هو حلول (المجتمع) و (العام) محل الاتصال الروحي، والوحدة الجامعة، إنه ظهور لمملكة القيصر مكان (مملكة الله)، "والتموضع ليس التحاماً ولا اشتراكاً »[40].
وفي إطار هذه المعالجة تتكون، بطرق الاستعباد، الوحدة المفقودة وفي أعمال برديائيف يظهر موضوع العبودية حيث يناقشه قائلاً: « … مصدر العبودية التموضع أي الاغتراب والتشيؤ وفي هذا تكمن العبودية بكل أشكالها الموجودة في الأخلاق والدين والفن والحياة السياسية والاجتماعية، وفي إلغاء هذه العبودية يتوقف التموضع»[41].
وهنا تظهر صفة أخرى أشرنا إليها في مستهل البحث وهي علاقة (الظاهري) بـ (الداخلي) أو (الحادث) في الداخل وما : « الحيوية التاريخية إلا تموضع وإسقاط يحدث ويتم في العمق»[42]. أي يحدث التموضع في داخل الإنسان وخارجه.
ويتابع برديائيف وصفه للتموضع الذاتي قائلاً: « … ويظهر التموضع كل مرة عندما أجد نفسي أو أبدأ بتصور ذاتي بهيئة كاملة (مثالية) …»[43]. وهذا ما يجعل الإنسان جوهراً متكوناً من خصائص جزئية قومية، اجتماعية، ومهنية تسعى إلى تحقيق الكمال.
ونجد أن اغتراب الروح الإنسانية وتموضعها يتم باجتيازها مجالات مختلفة، يقول بريائيف: « … يجتاز الإنسان خلال تموضع الروح في الحضارة، والدولة، وفي العبودية والحياة الاقتصادية… الخ، وفي هذا تكمن مأساة الروح في التاريخ»[44].
ويتم التموضع في التاريخ عبر تموضع العلوم، الدولة، الكنيسة، وبمنظور برديائيف؛ التاريخ مرتبط مع العالم مباشرة كهدف ومرتبط مع التموضع مباشرةً أيضاً. ويتضح في أعماله الأخيرة عدم التشابه بين التاريخ والروح الذي أبدعه»… الروح مبدعة في التاريخ ومؤثرة فيه لكن بتموضعها التاريخي تغترب عن ذاتها وتنشوه، لتتحول إلى شيء – لا يشابه ذاته… وما إغواء التاريخ إلا إغواء للتموضع»[45].
ومن خلال امتلاك التاريخ محتوى ثنائي يتضح أن: « التاريخ هو تموضع وتزمن واغتراب الروح، وهو لحظة باطنية تعبر عن مصير الروح»[46]. إن التاريخ ظاهرة تموضع وتزمن واغتراب، ولكن يعد في الزمان الوجودي الباطني لحظة، فهو لا يملك امتداداً، غير أن هذه اللحظة المصيرية للروح تتموضع في التاريخ على شكل عوالم تاريخية مختلفة، يدعوها بريائيف بـ لحظة (التناسب مع التحديدات الأخرى) وهكذا فإن التاريخ يتناسب وتقديس عناصر الطبيعة والحياة الإنسانية» … فالإنسان يمتلك متطلبات عميقة للقداسة ليست موجودة في السماء فقط وإنما على الأرض أيضاً»[47].
ويرى برديائيف أن التاريخ جذب، اقترنت به معرفة الروح لذاتها ونتائجها لا متموضعة المغتربة: « … التاريخ هو مأساة الروح… ففي التموضع التاريخي تولد الروح من جديد في شيءٍ ما، في كيفية ما لاتشبه الروح. والروح الذاتي المبدع لايمكن أن يعرف ذاته في تموضعاته التاريخية»[48].
ولكن ما يعقد مناقشة المشكلة، أن مجرى التاريخ يؤثر فيه ثلاث قوى: الله، القدر، حرية الإنسان. ويظهر في التاريخ عظمة قدرة طاهرة وما: « طريق العظمة والجبروت التاريخي هو طريق للتموضع، حيث يسمو بنا ويرتفع إلى مملكة المسيح الدجال، التي هي مملكة الإنسانية المزيفة»[49].
وهنا يصل برديائيف إلى البوح بأن الكذب والعبودية يرافقان التاريخ ويصرح بذلك قائلاً: « … مصدر الكذب والعبودية هو تموضع الألوهية- الإنسانية في المجتمع، وفي مجرى الحياة»[50].
إذن إن الميتا- تاريخية تعني تمظهر محتوى الحياة الباطني وسقوطه في التاريخ، وهذا السقوط هو « تزمن ذلك الذي لايخضع للتموضع ولا للتزمن ولا يمكن التعبير عنه في موضوع »[51]. لذلك نقول إن الآلية المشار إليها في كل فعل تاريخي تكمن في الحركة القائمة بين الميتا- تاريخ والتاريخ والاتجاهين متضادين: « … إن نتيجة الفعل الإبداعي تتزمن في الزمان خلال التاريخ. وتتمزق الوجوديات في التاريخي، حيث يؤثر بدوره وبشكل عكسي في الوجوديات»[52].
أما عن التموضع القسري (الاغترابي- الإلزامي)، فالدولة هي التي تصيغه لأنها لا تقرّ بسر الشخصية؛ « … لذلك كانت الدولة دليلاً للتموضع الأكثر تناقضاً مع الاتصال الروحي»[53]. فعندما تطغى سيطرة الضرورة على الدولة: « تحدث سلطة القيصر على حدود مملكة التموضع التي يستطيع فيها الإنسان أن يتحول عنها ويمضي»[54].
ولعل المجال الأكثر اتساعاً للتموضع في التاريخ يكمن في الكنيسة والدين: "علاقة الإنسان مع الله تنفي التموضع والإحالة الاجماعية، وفي الدين تلغى تقهر العزلة المحالة عضوياً واجتماعياً بسبب رمي (الأنا) في العالم المتموضع موضوعياً واجتماعياً "[55]. ويعطي برديائيف كعهدنا به معنيين للكنيسة: « … توجد كنيسة إنسانية بالمعنى الوجودي، وتوجد كنيسة كتموضع واغتراب ومؤسسة اجتماعية تعترف بالقداسة والطهارة وهنا تبدأ وثنية عبودية الإنسان وعودة العنصر الشيطاني لداخل الحياة الدينية »[56].
ومعنى الكنيسة بنقائه الوجودي يشير إلى النظام والترتيب والعلاقات الإنسانية الأصيلة ولكن بتحولها إلى (الهو) تزول وجودية وصفاء وأصالة (النحن). أي أن تموضع واغتراب الكنيسة التاريخي يعمل على تجميد صور الحياة من حيث أنها تنظيم اجتماعي ودولة إلهية "تيوقراطية"[57].
وتماشياً مع برديائيف: « يقع الدين التاريخي تحت سيطرة الضرورة ليصبح مجتمعاً، وليس اتصالاً روحياً وهنا يخضع الدين للدولة ويتموضع اجتماعياً »[58].
ويسلم برديائيف بفكرة حتمية لتموضع الكنيسة من وجهة نظر تاريخية: « … لم يكن باستطاعة الوحي المسيحي أن يلعب دوراً اجتماعياً، ويصبح قوة تاريخية محركة، لو لم يكن قد تموضع وأحيل اجتماعياً وعقلانياً مع مستوى الجماهير… وتموضع الكنيسة، وتنظيمها الاجتماعي هو تموضع واغتراب للحياة الدينية…»[59]. وبعلو الكنيسة على الإنسان « … تتجلى حقيقة أنطولوجية تكمن في تموضع الجامعة الباطنة وقذفها إلى الخارج»[60].
ومفهوم الكنيسة، الجامعة لا يشاطره فيه أحد من مواطنيه حتى وإن لم ننس فلاديمير سولوفييف. برأي برديائيف: « … في عمق الكنيسة حياة الروح، حياة روحية، من خلال أخوة الناس في المسيح، وفي اتحاد الناس مع بعضهم البعض تكمن سرية المسيح، والكنيسة بهذا المعنى هي حرية وحب… وبذلك تخلو من كل صيت خارجي وضرورة وقهر، لأنها تقدّس من قبل النعم الإلهية. ولعل هذا ماقصده خاميكوف بالكنيسة الجامعة»[61].
وهذا التموضع، تموضع باطن الكنيسة الجامعة ليس تمظهراً لسر الروح بواسطة الظروف التاريخية والاجتماعية، وفي هذا تسويغ وتبرير تاريخي لإمكانية التحقق في العالم، الوجود الأصلي الباطني… وهنا تعترضنا المشكلة الأساسية هي أن « … الكنيسة هي مصدر تموضع المجتمع وهي اتصال، ووجود أصلي باطني»[62].
لكن انتماء الإنسان إلى الكنيسة ولّد العبودية، وشوّه الحياة الدينية: « تموضع الكنيسة كان مصدراً للعبودية، هذا مادفع برديائيف إلى اتهام الأكليريكية (الكهنوت) بأنها مخربة للحياة الروحية»[63]. مما اضطر إلى قبولها كحقيقة تاريخية بادية للعيان: « … كافح كل دين ضد العبودية على الرغم من أن الأديان كونت بالتموضع عبودية جديدة»[64].
إن مايريده برديائيف هو « اتصال الكنيسة الجامعة الروحي مع الأحياء والأموات»[65] وبهذا يحدد الأسس الميتافيزيقية للوحدة الروحية الجامعة كذات أصلية وجودية. ومع العلم أن تموضع واغتراب الكنيسة ليس نهائياً.
ويرى برديائيف أن مجال التموضع الآخر يتجلى في الحضارة: من خلال العبقري المبدع « … مملكة الحضارة هي مملكة التموضع والاغتراب، وبعد هذه المملكة تحجب الذات المبدعة الوجودية… لذا فالحضارة ليست أخيرة لأنه ينتظرها نهاية ويوم حساب»[66].
والحضارة خروج من الوجود الشخصاني، أي فقدان للكلية من خلال دخول الشخصية في الحضارة: « … تموضع الروح في الحضارة هو إحالتها الاجتماعية وبذلك تملك الحضارة طبيعة اجتماعية»[67].
« في الحضارة ينحدر فعل الإنسان الإبداعي نحو الأسفل ليخضع للقانون. وليس التموضع إلا مملكة القانون الذي يسلب الخيرات»[68].
وهذا ماأقلق برديائيف وجعله يعاني من تقدم الحضارة وانحدارها لذلك فكر بإغنائها و(إنقاذها) واعترف أن « … في الحضارة يتموضع فعل الإنسان الإبداعي؛ حيث تسقط الحرية في مشروع الضرورة، وتقبل صيغة المواضيع المائتة والمغتربة عن حياة الروح»[69].
إن ملاحظة برديائيف لـ (الاغتراب في سيرورة التموضع عن حياة الروح) تشير إلى الطابع العضوي في فهمه للتموضع. فالشخصية والحرية تسقطان في عالم الموضوعات بواسطة الإبداع، الذي هو جوهر نتائج الفعل الإبداعي وهنا يتجلى وجود ذات أصلية كاملة وراء وجود الموضوع المنتج، يعطي فرصة لإلغاء التموضع في الحضارة.
كذلك يتوضح التموضع في مجال المعرفة ويربطها برديائيف مع الوعي المتطور أي ما يسمى قدر ومصير الروح بهذا العالم « يترافق إيقاظ وتطور الوعي بالانقسام والاغتراب. ويجب على الإنسان أن يمر عبر نقد الوعي ونقد العقل. والعبور عبر التموضع هو قدر الروح بهذا العالم. والتموضع يملك معنى إيجابياً في العالم الساقط إنما على ذروة الوعي في تلامسه مع ما فوق الوعي… وهنا قد تصبح المعرفة اشتراكاً ومشاركة روحية …»[70].
وتموضع المعرفة عند برديائيف ليس ظاهرة العالم لوحدة المعارف إنما كفعل وجودي للمعرفة. وهذا على الأغلب إحالة روحانية وإذ توجد الإحالة الروحانية، تعرف الروح ذاتها في المادة، وتحقق الاتصال الروحي للشخصيات.
تملك المعارف التي يشير إليها برديائيف قيمة عالية، ينعكس فيها اللوغوس كما في كل المعارف، لكن « … هذه المعارف تقع بين ملازم التموضع الخافية لسر الوجود الباطني»[71]. فـ « الرياضيات، طبعاً انتصار الروح أي هي إحالة روحانية…»[72].
ويدلل برديائيف أيضاً على مشكلة السر والسقوط كصفات للتموضع: « … سر التموضع، أي ضرورة سر الاغتراب اللاشخصي لايكمن في العلوم ولا تولده العلوم. موضوعية العلوم ليست فقط ضرورية للإنسان إنما تعكس اللوغوس في العالم الساقط»[73]. والمعارف في فلسفة برديائيف هي مخطط للتعالي وارتباط الوجود. وهذا ليس مشروطاً فقط بأن المعرفة كوجود وتموضع إنما هي جوهر كل محاولات التعالي.
يشدد برديائيف على أن التموضع هو فقط طريقة للتعبير عن الذات الوجودية الأصلية ولكن المعارف الأصلية بكل جوانبها تتعلق بالذات الوجودية نفسها: «الخطيئة، الخلل، السقوط. البحث عنها ليس في المعرفة بل في الوجود ذاته… والمعرفة بالرغم من تموضعها هي معرفة وفيها شيء ما أصلي ينكشف ويظهر»[73].
وبرديائيف، معبراً عن علاقة الإنسان الواعية مع عالم الطبيعة والمجتمع، يوضح المراحل الأساسية لعلاقة الإنسان مع الكون والمجتمع:
1- انغماس الإنسان في الحياة الكونية.
2- التحرر من سيطرة القوى الكونية.
3- الإحالة الآلية للطبيعة والامتلاك العلمي- التقني للطبيعة وتحرير العمل واستعباده باستغلال أدوات الإنتاج وضرورة بيع العمل للحصول على المعاش.
4- انحلال النظام الكوني وتشكل تنظيمات جديدة… والابتعاد عن العضوية ونماء قوى الإنسان بتشكل مخيف فوق الطبيعة وعبودية الإنسان من قبل اكتشافاته الذاتية[74].
وهنا نصل إلى عالم التقنية، وعمق تموضعها في عالم الموضوعات. ومكانها ودورها في مصير الإنسان والتاريخ…
« إن التقنية تتولد بالإبداع، لأنها تعني إعادة التجسيم والحلول في الأجسام التاريخية العضوية، بعد تفتت الأجسام والروح»[75]. ففي التقنية انتقال من العضوي إلى المنظم… ومن الحياة العضوية إلى الحياة المنظمة.
يقول برديائيف: « … التقنية تملك خلال نشأة الكون معنًى، فيتكون من خلالها كونٌ جديد»[76]. إذن فالتقنية (واقع جديد) و (حقيقة جديدة).
إن التقنية تعيد إنتاج علاقة المبدع بخلائقه مرة ثانية، ولكن وجهة نظر مغايرة: وهنا يبدع المبدع بوعي وعقلانية، ولا يؤثر هذا الإبداع على حقيقة وجود مبدعه … تنتفض الخلائق ضد الخالق ولا تذعن له فيما بعد. وهنا يكمن سر الخطيئة الأولى ضد الخالق. وتتكرر الخطيئة في كل تاريخ الإنسانية… حيث تستبدل التقنية بالعضوية، ويستبدل اللاعقلي بـ المنظم- العقلي. فتولّد التقنية آثاراً لاعقلية في الحياة الاجتماعية.
إن التقنية لاتكتفي بالتموضع في العالم بل تحاول أن تملك جذوراً ميتافيزيقية، وبذلك تتكشف إمكانية جديدة لوجود التموضع تبرز في أن ماينتج عن سيرورة التموضع، يمكن أن يملك وجوداً مستقلاً، خارج الروح اللاعقلية. ففي العالم يحدث سيرورة لاإنسانية، تطغى على كل شيء، و « الإنسان هو المسؤول عن هذه اللاإنسانية وليس الآلة، لأن الآلة إسقاط لهذه اللاإنسانية فقط»[77].
والتقنية كصيغة قوى للتموضع يمكن أن تكون متروحنة من الروحانية؛ فإحالة الحياة تقنياً أو إحالة التقنية لحياة إنسانية تعني التموضع والاغتراب الأقصى. والتقنية تحول جسم الإنسان إلى واسطة وأداة، أي إلى وظيفة تقنية. « إن علاقة الروح بالتقنية علاقة معقدة تكمن في أن التقنية قوة روحانية»[78]. لأن التقنية تعد نتيجة للإبداع وتشهد على الإبداع: « … إن التقنية إحدى إضافات الروح الإنسانية في الحياة العالمية فهي تشهد على مهمة الإنسان الإبداعية في الحياة الكونية»[79].
فرد على ذلك، أن التقنية تجبر الإنسان على الصراع من أجل مثاله الإنساني- ألا وهو فكرة الإبداع: « … بدون شك، الإنسان مرسل من أجل النشاط والعمل والإبداع ولا يمكن أن يكون متأملاً فقط. العالم ليس منظراً للإنسان فقط، بل يجب إعادة تشكيل وتنظيم العالم، ليتابع بعد ذلك إبداع (خلق) العالم»[80].
ومن خلال تطور التقنية والتكنولوجيا تظهر فترة تاريخية حرجة تبدأ مع تطور البداية المبدعة في الإنسان: « … ارتبط الإنسان في البداية بالطبيعة وهذا الارتباط كان نباتياً حيوانياً. لكن بعد ذلك بدأ ارتباط جديد للإنسان مع الطبيعة، مع الطبيعة الجديدة، ارتباط تقني- آلي… وهنا تكمن كل المشاكل المضنية»[81].
يصوغ برديائيف مشكلة عصرنا أكثر من مرة. ويكتب عنها قائلاً: « … يبقى الإنسان شخصية، ويبقى صورة الله ومثاله ولا يتحول إلى واسطة وحياة لاشخصية وسيرورة اجتماعية، لأنه نقطة تقاطع عالمين الأبدي والزمني، فهو لايؤثر في الزمان فقط بل يتأمل الإنسان الأبدية ليحدد نفسه باطنياً، لامن خلال علاقته مع الله، وهذه هي المشكلة الأساسية للحضارة النشطة المعاصرة. ويظهر السؤال الهام مامصير الشخصية؟ وما مصير الإنسان؟…» [82].
 
4- حل وإلغاء التموضع:
كل ما تأملناه من فكر حتى الآن تليه مرحلة لا تقل أهميةً عنه؛ هي مرحلة إلغاء (قهر) التموضع والاغتراب والتشيؤ. ويتبنى برديائيف هذا المشروع ويلمح إليه ويلاحق الروح في هذا العالم: « يجب على إبداع الإنسان الأصلي وبقوة بطولية اختراق مملكة التموضع المستعبدة وإنهاء طرقها المحتومة ومن ثم الخروج إلى مملكة الحرية… إلى الأصالة وإلى مملكة الإنسان… مملكة الإله- الإنسان»[83].
وبرديائيف لايكف عن التكرار والدعوة إلى أن « الإنسان حر مرسل للنشاط وتتعلق النهاية به»[84].
وكذلك تملك الآلة نشاطها الخاص بها وحيويتها الخاصة بها وتجعل العلاقة بين الإنسان وعالم التقنية دراماتيكية. والآلة كوجود واحد منظم موهوبة لتقف ضد الشخصية كوجود موحد عضوي.
وعالم التقنية ومواقف برديائيف النقدية منه، عالم الروح المتبرد والخامد، وهنا السؤال كيف لنا أن « نوقظ هذه الروح وكيف نعيدها إلى موطنها وكيف نحولها لتمتلك التقنية والآلة ولتمتلك بدايات جديدة ليست متموضعة؟. والتقنية، كما أصبح واضحاً، تقتل كل العضويات في الحياة وتضع تحت شعار التنظيم كل الوجود الإنساني الأصيل»[85].
فالتنظيم كما يستعمله برديائيف يتبدى بسياقات عدة هي:
1- التنظيم يناقض الفردية ويدمر كل التفردية وكل الأصالة…
2- التنظيم يعني الضرورة والحتمية: « أي الانتقال من الكيان إلى التنظيم هو إحدى مصادر أزمة العالم المعاصر»[86].
3- التنظيم لايكشف سر الحياة: « الإنسان منظم الحياة، لكن بذاته بباطنه لايمكن أن يكون مادة للتنظيم. بذاته يبقى دائماً عنصراً عضوياً، لاعقلياً سرياً »[87].
ولا يتنكر برديائيف لدور التقنية الإيجابي والسلبي، ويطلب عدم نفي الكشوف العلمية التقنية: « إنما المطلوب هو الامتلاك الروحي لها»[88].
ومناقشة برديائيف لعلاقة الإنسان بالتقنية لا يغيّب عن ذهنه المفهوم الثلاثي للإنسان كموجود روحي، نفسي، جسدي. وهذه الأعضاء تملك معنًى أبدياً ويجب المحافظة عليها من أجل الدخول في نظام أعلى « … وينتقل من نظام الطبيعة إلى نظام الحرية، إلى مملكة المعنى، ومن نظام الخلاف والعداوة إلى نظام الحب والاتحاد الروحي»[89].
المطلوب في التجلي الأعظم « إخضاع التقنية للروح… الإنسان بحريته التاريخية يعبر ويمر ليس فقط من خلال التغيرات الجذرية للعلاقة مع الحياة الكونية»[90].
وكما يؤكد برديائيف على ضرورة التموضع والاغتراب، يؤكد كذلك على ضرورة نقده وإلغائه روحياً بالطرق الموصلة إلى الله… فالتموضع هو تشويه للروحانية وبالإضافة لذلك فالتموضع ضروري لتحقيق مصير الإنسانية والعالم، وفي الحركة، إلى مملكة الروح وفي الطريق إليها من الضرورة أن يتم فضح الأوهام والتشويهات والتموضعات وأنواع الاغتراب وتطهير هذه الجوانب وهذا مايتولاه الدين والفلسفة.
ويطالب برديائيف بتغيير الإنسان والكون على حد سواء، والسبيل النهائي لتحرر الإنساني لرسالته هو السبيل إلى مملكة الله. التي هي مملكة سماوية ومملكة الأرض المتغيرة والكون المتغير (والتغير هنا يأخذ المنحى الروحي).
 
5- رأي في حل الاغتراب
وقبل أن نختم ما بدأنا به لابد من سؤال على غاية الأهمية: كيف نعود من التموضع والاغتراب إلى الجوهر، إلى الكائن الحي وإلى الذات الأصلية الوجودية؟.
يحاول هذا السؤال الإجابة عن مصير الإنسان القادم وحتى عن مصير الفلسفة ذاتها.
يريد برديائيف العودة إلى معرفة حقائق الجوهر وإلى البداية الأولية للبناء الفلسفي وإلى الكفاية الذاتية للحقيقة وتتطابق الحقيقة والجوهر. والجوهر عند برديائيف يبقى… وتقسيم العالم الإنساني إلى جوهر وواجب وإمكانية وإلى ما هنالك يعيد برديائيف إنتاجه في مجال المعرفة وبفضل صفاتها الخاصة. لأن المعرفة تجسد الوحدة الحيوية للذات الأصلية: « … المعرفة ليست فقط سيرورة عقلية، إنما تؤثر فيها كل قوى الإنسان وإرادة الاختيار والانجذاب والانبثاق المعتمد على الحقيقة»[91].
ومثال الإنسان البرديائيفي يحتوي بذاته الوجود الكامل، والتشكل المبدع لوجود الفعل الواعي: « … أي يدخل الجسم هنا في المحتوى الكامل لمثالي ولشخصيتي، أي لست روحاً لا جسمية. لكن المحتوى الجسمي للإنسان يقع في حالة العالم هذه المولدة للتموضع أي الاغتراب والاستعباد. والعالم الجسمي يمكن أن يخرج من الموضوعية ويدخل في الذاتية. أي يدخل الروح في الوضع الروحي»[92].
يصل برديائيف إلى التشديد على أن الذات لا تناقض الموضوع وهنا خاصة ميتافيزيقية يقبل برديائيف بها للوصول إلى إمكانية التحرر من التموضع، فإذا كان هذا العالم هو تموضعي المُكون للأصنام والمعارف الوهمية إذاً أستطيع تكوين عالم آخر، أفضل، « … والانتصار على هيمنة التموضع أمل نبوي مستقبلي»[93].
أي هنا نتلامس مع التبشيرية (النبوية) والعلوم الماورائية (البعث) تندرج وتنضم إلى قضايا فلسفة التاريخ ورحلة الإنسان الفلسفية في التاريخ…
 
الحواشي الختامية:
1.     نيقولاي ألكسندروفيتش برديائيف (1874- 1948) فيلسوف روسي ذو نزعة وجودية إيمانية شخصانية.
2.     برديائيف ن. أ: وعي الذات، ص279.
3.     برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية، ص61.
4.     برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص61.
5.     برديائيف ن. أ: وعي الذات، ص28.
6.     برديائيف ن. أ: الديالكتيك الوجودي الإلهي- الإنساني، ص241- 241.
7.     برديائيف ن. أ: الروح والواقع، ص61.
8.     برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات . باريس. 1934، ص25.
9.     برديائيف ن. أ: فكرة الإبداع. موسكو، 1916، ص369.
10.    برديائيف ن. أ: وعي الذات. موسكو، 1990، ص199.
11.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الماورائية (الإبداع والتموضع). باريس، 1947، ص99- 100.
12.    برديائيف ن. أ: معنى الإبداع. موسكو، 1916، ص369.
13.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، موسكو، 1990، ص241.
14.    برديائيف ن. أ: معنى الإبداع. موسكو، 1916، ص369.
15.    برديائيف ن. أ: ديالكتيك الله والإنسان. باريس، 1952، ص96.
16.    برديائيف ن. أ: الإبداع والتموضع. باريس، 1947، ص95.
17.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، موسكو، 1990، ص243.
18.    برديائيف ن. أ: وعي الذات. ص68.
19.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص139.
20.    برديائيف ن. أ: مشكلة الحرية الميتافيزيقية. مجلة الطريق الفلسفية. باريس، 1928، العدد (9)، ص42 نشرت في مجلة المعرفة السورية، العدد (1)، 1997.
21.    برديائيف ن. أ: مشكلة الحرية الميتافيزيقية. مجلة الطريق الفلسفية، باريس، 1928، العدد (9)، ص42 نشرت في مجلة المعرفة السورية، العدد (1)، 1997.
22.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص238.
23.    برديائيف ن. أ: ديالكتيك الله والإنسان. باريس، 1952، ص27.
24.    برديائيف ن. أ: حول الفلاسفة الروس، سفيردلوفسك (يكترينبورغ)، 1991، ج1، ص68.
25.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، موسكو، 1990.
26.    برديائيف ن. أ: معنى الإبداع، موسكو، 1916، ص369.
27.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص163.
28.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، موسكو، 1990، ص290.
29.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص12.
30.    تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص98.
31.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص68.
32.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص57.
33.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص61.
34.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص56.
35.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص64.
36.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص68.
37.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 78.
38.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص 98- 99.
39.    برديائيف ن. أ: معنى التاريخ، موسكو، 1990، ص40.
40.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 56.
41.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص 52.
42.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه.
43.    برديائيف ن. أ: وعـي الذات، ص398.
44.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، موسكو، 1990، ص233.
45.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص62.
46.    برديائيف ن. أ: وعـي الذات، ص287.
47.    برديائيف ن. أ: الروح والواقع، ص59- 60.
48.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص55.
49.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص 182.
50.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص 41.
51.    المصدر السابق نفسه، ص217.
52.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص 207.
53.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 167.
54.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص 332.
55.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 96.
56.    برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، ص 207.
57.    برديائيف ن. أ: المرجع السابق نفسه، ص221.
58.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 61.
59.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص 121.
60.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص121.
61.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص121.
62.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 61.
63.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص 122.
64.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص 233.
65.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية (الإبداع والتموضع)، ص 121.
66.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 76.
67.    برديائيف ن. أ: الروح والواقع، ص49.
68.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 60.
69.    برديائيف ن. أ: الإنسان والآلة، مجلة قضايا فلسفية، موسكو، 1989، العدد /2/، ص145. وترجمنا هذه المقالة ولم تنشر بعد…
70.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية، ص63.
71.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 57.
72.    برديائيف ن. أ: وعي الذات، ص278.
73.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 62.
74.    برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، ص 62.
75.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص 246 ، بتصرف.
76.    برديائيف ن. أ: الإنسان والآلة، ص5.
77.    المصدر نفسه، ص5.
78.    برديائيف ن. أ: الروح والواقع، ص46.
79.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص64.
80.    برديائيف ن. أ: الروح والواقع، ص64.
81.    برديائيف ن. أ: مصير الإنسان في العالم المعاصر. العالم الجديد، عدد /1/، 1990.
82.    برديائيف ن. أ: الإنسان والآلة، ص151.
83.    برديائيف ن. أ: مصير الإنسان في العالم المعاصر. ص 222.
84.    برديائيف ن. أ: وعي الذات، ص313.
85.    برديائيف ن. أ: الإنسان والآلة، ص160.
86.    برديائيف ن. أ: الإنسان والآلة، ص151.
87.    برديائيف ن. أ: مصير الإنسان في العالم المعاصر. ص 219.
88.    برديائيف ن. أ: المصدر السابق نفسه، ص219.
89.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص 248.
90.    برديائيف ن. أ: الروح والواقع، ص11.
91.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص252.
92.    برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، ص229.
93.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية، ص66.
94.    برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية، ص66.
 
المصادر والمراجع :
1.     برديائيف ن. أ: وعي الذات، باريس، أومكا بريس، ط1، 1949.
2.     برديائيف ن. أ: تجربة العلوم الأخروية « الإبداع والاغتراب» باريس، ط1، 1947.
3.     برديائيف ن. أ: الديالكتيك الوجودي الإلهي- الإنساني، باريس، ط1، 1952.
4.     برديائيف ن. أ: أنا وعالم الموضوعات، تجربة فلسفة العزلة والاتصال الروحي، باريس، ط1، 1934.
5.     برديائيف ن. أ: فكرة الإبداع، تجربة تبرير الإسنان، موسكو، الحقيقة، ط1، 1989.
6.     برديائيف ن. أ: مملكة الله ومملكة القيصر، باريس، 1951.
7.     برديائيف ن. أ: حول الفلاسفة الروس، سفيردلوفسك (يكترينبوغ)، ط1، ج1، 1991.
8.     برديائيف ن. أ: حول حرية وعبودية الإنسان، تجربة الفلسفة الشخصانية، باريس، ط1، 1939.
9.     برديائيف ن. أ: معنى التاريخ، تجربة فلسفة المصير الإنساني، موسكو، الفكر، ط1، 1990.
10.    برديائيف ن. أ: الروح والواقع، أسس الروحانية الإنسانية- الإلهية، باريس، أومكابريس، ط1، 1937.
11.    برديائيف ن. أ: مشكلة الحرية الميتافيزيقية، باريس، مجلة الطريق، العدد 9، 1927.
12.    برديائيف ن. أ: الإنسان والآلة:مشكلة علم الاجتماع وميتافيزيقية التقنية، مجلة قضايا فلسفية، موسكو، العدد 2، 1989.
13.    برديائيف ن. أ: مصير الإنسان في العالم المعاصر، موسكو، مجلة العالم الجديد، عدد1، 1990.
 
Oral Stinking in the Manuscript Hippocrates Treatment
of Abo Hasan Al-Tapary (Edition and Study)
 
Moustafa Mawaldi*, M. Mazen Kabbani **, Jihad Haj Nassan***
* Dept. of History of Basic Science, Institute for History of Arabic Science, University of Aleppo.
** Dept. of Periodontics, Faculty of Dentistry, University of Aleppo.
*** Postgraduate student (Ph.D), Dept. of History of Medical Sciences, Institute for The History of Arabic Science, University of Aleppo.
 
Abstract
Arab and Muslim doctors interested in general and oral health. They concerned about oral diseases and tried to define the differential diagnosis, recognize clinical signs and symptoms related to each disease, and prescribe the medicine for treatment and management.
So, we should focus on the disease which a lot of people suffering from it in the past and till now. It is Oral Stinking which Arab doctors were interested with talking so much about it and its psychological and social reflections on the patient and the people around him.
We chose what they said about this disease in Manuscript Hippocrates treatment of Abo Alhasan Al-Tapary. We did Edition and study the text of manuscript comparing between two copies, taking with consideration the scientific roles in manuscript edition with accurate explain for all things in manuscript: strange terms, medicines from the plants, animals, and metals.
Then, we compared the text with the science nowadays. We found that there are general agreement in the etiology, signs, differential diagnosis, and the principles of treatment of oral stinking.
We conclude at the end of this study that: The Arab doctors had a great role in establishment of the sciences in general and especially in medical field. In Fact, the recent science is continuation of old Arab doctors knowledge, which confirm and foster the Arab role in developing and continuation of different kinds and branches of sciences.
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ثاوذوروس أبو قرةمقارنة بين سند السحب وسند الأمانة
البطريركيّة المسكونيّة في العصر الحديث.. من سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى اليومالمؤسسات الدينية وصرخة في وجه الرأسمالية
حان الوقت لإعادة النظر... بالمقدسات الحديثةمقارنة الإرث والوصية بين قانون السريان والروم الارثوذكس و قانون الطوائف الكاثوليكية
حنا الفاخوري مع الخالدينالشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاً
بولس الخوري: العلمانية تصون التنوّع الإنسانيالوشـاح
قراءة في كتاب "اختلال العالم" مهداة إلى مؤلفه أمين معلوف لمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسيةالمسيحيّون في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى