الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

البطريركيّة المسكونيّة في العصر الحديث.. من سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى اليوم

  بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك


انقر هنا للتكبير
 
بعد استقالة جرمانوس الخامس ظلّ الكرسي البطريركي شاغراً مدّة ثلاث سنوات يديره القائم بالأعمال ذوروثاوس متروبوليت بروسّا. واندلعت أحداث سياسيّة خطيرة جداً كان بوسعها أن تبدّل بالتمام أوضاع البطريركيّة المسكونيّة. بعد إعلان الهدنة كانت تركيا تحت رحمة الحلفاء الذين احتلّوا القسطنطينيّة. أمّا اليونان التي كانت بقيت على الحياد (الملك قسطنطين كان نسيب غليوم الثاني الألماني) فانضمت آخر الأمر إلى الحلفاء تحت ضغط فنيزلوس الذي أزاح الملك عام 1917. واليونان التي كانت توسّعت من جرّاء الحروب البلقانيّة بضمّها مقاطعة الأبير والمقدونية اليونانيّة وجزءاً من تراكيا أخذت تحلم بإعادة الإمبراطوريّة البيزنطية لحسابها. في 15 أيار 1919 استولى اليونان على أزمير. وفي 10 آب 1920 فرض الحلفاء على السلطان معاهدة سيفر التي أعطت لليونان أزمير وتراكيا حتى مشارف القسطنطينيّة. وفكّر اليونان بأنهم سيحتلون عن قريب العاصمة الإمبراطوريّة وأن البطريرك المسكوني سيكون الرئيس الروحي لجميع أرثوذكس المملكة والدولة التركيّة المنهارة. وكان لدى فنيزلوس الرجل الجاهز، ملاتيوس متاكساكيس رئيس أساقفة أثينا. إلاّ أنّ انقسامات اليونان الداخليّة والهجوم المعاكس الذي شنّه مصطفى كمال ستبدّدان هذا الحلم. في 14 تشرين الثاني 1920 سقط فنيزلوس ومعه رئيس أساقفة أثينا، ملاتيوس متاكساكيس الذي توجّه إلى أمريكا ليعمل حسبما قيل لعودة فنيزلوس. وكانت دولة اليونان منقسمة بين أنصار عودة الملك وأنصار عودة الدكتاتور فنيزلوس. وكان الفنار لجانب هذا الأخير فتوتّرت العلاقات بين البطريركيّة المسكونيّة وأثينا بينما كانت القوّات اليونانيّة تتراجع في آسيا. وإن مصطفى كمال المتيقن من النصر فكّر بإقامة بطريركيّة أرثوذكسيّة تركيّة في الأناضول تمتد سلطتها إلى القسطنطينيّة نفسها.
في هذه الظروف وبعد أن حظّرت اليونان على المطارين التابعين لها المشاركة بالتصويت تمّ انتخاب ملاتيوس متاكساكيس للسدّة البطريركيّة في 8 كانون الأول 1921 (له حياة كنسيّة متقلّبة. ولد في كريت (مثل فنيزلوس) عام 1871. درس اللاهوت في مدرسة الصليب المقدّس في القدس حيث أسّس عام 1904 مجلّة "نياصيّون" ، عيّن أسقفاً في قبرص عام 1910 ثم أصبح رئيس أساقفة الجزيرة. عام 1918 نقله فنيزلوس إلى رئاسة أسقفيّة أثينا. عزل عند سقوط فنيزلوس عام 1920. سافر إلى الولايات المتحدة حيث حاول جمع الجاليّات اليونانيّة في كنيسة مستقلّة. من هناك دُعي إلى رئاسة الكرسي القسطنطيني. ولكن سيموت بطريركاً على الإسكندريّة عام 1935) عاد متاكساكيس من أمريكا ولديه مخطّطات جريئة للإصلاح والتقارب من مختلف الكنائس. إلاّ أنّ انتخابه لم تقبل به كافة الكنائس الشقيقة وهاجمته اليونان بشدّة. ومن جهة أخرى كانت هزيمة القوّات اليونانيّة في آسيا (أيلول 1922) واستيلاء الأتراك على أزمير وحرقها(9-13 أيلول 1922). سكّان آسيا الصغرى اليونان هربوا مذعورين. والمطارنة اليونان الأحد عشر لجأوا إلى اليونان. استقال الملك قسطنطين والحكومة الثوريّة أعادت الاعتبار لمتاكساكيس واعترفت به بطريركاً. وكان وضع هذا الأخير حرجاً جداً إذ كان شجّع مواطنيه ضدّ الأتراك. إلاّ أنه أبدى شجاعة أكثر من البطريرك الأرمني الذي هرب إذ بقي على رأس منصبه يشجّع اللاجئين. ولم ينجُ من انتقام الأتراك المنتصرين إلاّ بفضل تواجد القوّات الحليفة في القسطنطينيّة. 
رغم هذه الظروف غير الملائمة بذل جهداً كنسياً واسعاً. وتوصّل إلى إعادة الجاليّات اليونانيّة في أمريكا إلى سلطة البطريركيّة القسطنطينيّة، وأسس في لندن أكسرخسيّة أوروبا الوسطى والغربيّة للأرثوذكس واعترف بصحّة رسامات الأنكليكان (عن ايكونوميا، أي بالتسامح الكنسي)، إلاّ أنه تردّد تجاه طلب الاستقلال الكنسي من جانب ألبانيا والدول التي انسلخت عن الإمبراطوريّة الروسيّة: بولونيا، جيورجيا، فنلندا، أستونيا، ليتوانيا، وأوكرانيا، وعمل على عقد مجمع عام لكلّ الأرثوذكس في القسطنطينيّة قبل فصح عام 1923. وتأخّر المجمع بسبب معارضة الإسكندريّة وأنطاكية وأورشليم. وعقد الاجتماع من دونهم في 10 أيار 1923 ودام حتى 8 حزيران وبسبب تغيّب البطاركة الشرقيّين لم يسمّ مجمعاً بل مؤتمراً. وأقرّ مبدئيّاً عقد مجمع عام سنة 1925 في الذكرى المئوية السادسة عشرة للمجمع النيقاوي.
قبل ارفضاض المجمع ببضعة أيام قامت فتنة تعرّضت للبطريرك متهمة أياه بالتسبّب بالمأساة التي وصل إليها الشعب بجرّه إلى النزاعات السياسيّة. وانهال المشاغبون على البطريرك بالضرب ومزّقوا ثيابه. فرشق البطريرك المحرّضين بالحرم وأعلن أنه سيقدّم استقالته عندما توقع معاهدة السلام في لوزان. إلاّ أنه في 10 تموز توجّه إلى جبل آثوس ولم يقدّم استقالته إلاّ أوائل تشرين الثاني. وعام 1926 سينتخب بطريركاً على الإسكندريّة.
عندما نصّب بطريرك جديد على القسطنطينيّة وهو غريغوريوس السابع (6 ك1 1923-17ت2 1924) كانت الأوضاع قد تبدّلت كثيراً. إن معاهدة لوزان الموقّعة في 24 تموز 1923 طردت اليونان من أزمير وتراكيا الشرقيّة وأفقدتهم أي آمل باسترجاع القسطنطينيّة. وفرض تبادل السكان وطردت العناصر اليونانيّة من آسيا الصغرى وتراكيا. وظلّت القسطنطينيّة وحدها مستثناة من القرار. واضطرت اليونان إلى قبول مليون لاجئ بالإضافة إلى سكّانها البالغين من خمسة إلى ستة ملايين. وأقرّت المعاهدة بوضع دولي للبطريركيّة المسكونيّة مع ضمان بقائها في القسطنطينيّة. إلاّ أنها ألغت الامتيازات التي كانت للدول الغربيّة. وتركيا التي أصبحت جمهوريّة علمانيّة بعد إلغاء السلطنة 1 ت2 1922 والخلافة، 3 آذار1924، ستعمد إلى الحطّ من هيبة البطريركيّة وإلى عرقلة جميع نشاطاتها.
 
ما عدا مدينة القسطنطينيّة ، لم يعد من وجود يذكر للعناصر المسيحيّة (لا سيّما اليونان والأرمن) في تركيا. والمؤمنون الخاضعون مباشرة للكرسي القسطنطيني أصبح عددهم ضئيلاً جداً. والمتروبوليتيّات العريقة أصبحت فخريّة. وذهبت الحكومة التركيّة إلى دعم باباس افتيميوس الذي سعى لإقامة بطريركيّة تركيّة.
قسطنطين السادس الذي انتخب، أواخر عام 1924 خلفاً لغريغوريوس السابع طرد بعد ستة أسابيع وأبعد إلى سالونيك لأنه كان من عداد اليونان الذين شملهم قرار معاهدة لوزان لتبادل السكان. ولم ترجع الحكومة التركيّة عن قرارها فاضطر إلى تقديم استقالته. إنما قبلت الحكومة التركيّة في آخر الأمر كي لا تستعدي الرأي العام الخارجي الإبقاء على المطارنة المعنيّين بقرار التبادل.
إن مهابة البطريركيّة ما زالت تتضاءل في عهدي باسيليوس الثالث (1925-1929) وفوطيوس الثاني (1929-1935). وكانت الحكومة التركيّة تحظّر على المطارنة اليونان المقيمين في تركيا الذهاب إلى الخارج لالتقاء الشخصيّات الدينيّة الأجنبيّة. ولذا لم يمكن عقد المجمع الأرثوذكسي العام الذي دعى إليه مؤتمر 1923 لعام 1925 وأرجئ إلى العنصرة 20 حزيران 1926. ولكنّه لم يمكن انعقاده في التاريخ المحدّد في جبل آثوس. وكذلك حظر أنقره حال دون أن يرأس فوطيوس الثاني المؤتمر المنعقد في آثوس من 8 إلى 24 حزيران 1930 لتهيئة السينودس التحضيري للمجمع الأرثوذكسي العام. وحدّد فوطيوس موعد السينودس لعيد العنصرة 19 حزيران 1932. ولكن بسبب خلافات قامت بين بعض الكنائس الشقيقة أرجئ إلى أجل                 غير مسمّى. 
كان الأتراك يريدون حصر نفوذ البطريرك داخل الجمهوريّة ويعارضون ممارسة سلطته خارج الحدود والاتصال بالحكومات الأجنبيّة وهكذا يفقد قيمته الدوليّة ويكون تحت رحمتهم. ولم يسمح له الأتراك إلاّ بعد مفاوضات طويلة، بإرسال وفد إلى وارسو لإعلان استقلال كنيسة بولونيا وإلى بوخارست عام 1925 لإعلان صك قيام بطريركيّة رومانيا.
وإذ تبدّلت أوضاع البطريركيّة لم يعد بالوسع تطبيق النظام الموضوع في 1859- 1862. وتشكّلت لجنة عام 1932 لوضع نظام جديد. يبقى البطريرك محاطاً بسينودس مؤلّف من 12 عضواً ولكن معظمهم أساقفة فخريون. ما عدا أربعة يديرون أبرشيات دركوس وخلقيدونيا وبرنكيبو وامبروس. وفقد البطريرك صلاحياته المدنيّة. وإن سلطته الروحيّة على الأرثوذكسيّة العالميّة التي كانت السلطات التركيّة تضع لها العراقيل بدأت تثقل على بقية الكنائس. وعام 1935 عرض ميرون كريستيا بطريرك رومانيا على فوطيوس الثاني إنشاء سينودس دائم في القسطنطينيّة برئاسة البطريرك المسكوني يضم المندوبين عن كافة الكنائس الأرثوذكسيّة لمعالجة الأمور العامة. وأن ينحصر اهتمام سينودس القسطنطينيّة المقدّس بالشؤون الخاصة بهذه البطريركيّة.
بينيامين الأول 1936-1946 منح الحكم الذاتي للتونيا عام 1936 والاستقلال لألبانيا عام 1937. بقيت تركيا على الحياد أثناء الحرب العالميّة الثانية، إلاّ أن أوروبا الشرقية شهدت الكثير من التقلّبات ولم يتمكن البطريرك من ممارسة نشاط خارجي. إلاّ أنه في 22 شباط 1945 رفع الحرم عن الكنيسة البلغاريّة.
استلم أثيناغوراس الأول زمام البطريركيّة عام 1948 بعد أن أقام 15 سنة في الولايات المتحدة. وتابع تقليد البطاركة المسكونيّين العظام، وأعطى لكرسيه إشعاعاً لم يعرفه منذ يواكيم الثالث. تمكّن بدبلوماسيّته من تحسين العلاقات مع الحكومة. إلاّ أن النزاع اليوناني التركي حول جزيرة قبرص عكّر الجوّ من جديد. وفي حقبة خرجت فيها موسكو من انعزالها عقب انتهاء الحرب العالميّة الثانية واستعادت نفوذها في الشرق الأدنى وفي الأرثوذكسيّة السلافيّة التي أصبحت تدور في فلك روسيا الشيوعيّة تمكّن من تثبيت مكانة البطريركيّة المسكونيّة كالمحرّك الأول والمسؤول الأول وإظهار وحدة الأرثوذكس من خلال مؤتمرات رودس الثلاثة، 1961، 1963، 1964. خلق في الأرثوذكسيّة جوّاً جديداً من الانفتاح على العالم وعلى الكنيسة الكاثوليكيّة وسانده في ذلك تطوّر روما الموازي مع يوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس.
منذ عام 1951 أخذ يستشير الكنائس المستقلّة حول عقد السينودس التمهيدي الذي اقترحه مؤتمر آثوس عام 1930. ولم تكن الأجوبة في الإجمال مشجّعة.
عام 1953 توتّرت العلاقات مجدّداً بين القسطنطينيّة والكنيسة البلغاريّة التي أعلنت ذاتها بطريركيّة من جانب واحد. ولكن بعد مبادرة مصالحة قامت بها الكنيسة البلغاريّة اعترف أثيناغوراس وسينودسه بالبطريركيّة البلغاريّة في 25 تموز 1961 .
في 6 أيلول 1955 امتحن مسيحيّو استنبول وأزمير من جراء اعتداءات وحشيّة قام بها مشاغبون أتراك. هوجمت 73 كنيسة وتمّ فيها التدمير والحرق، وامتهنت الأواني المقدّسة وقبور البطاركة، وتمّ التعدّي على عدد كبير من الكهنة والعلمانيّين وأهانوهم وعذّبوهم وقتل بعضهم. ونهبت البيوت والمتاجر. وصلت للبطريركيّة عدّة رسائل تعزية وتضامن منها من سينودس الروم الكاثوليك. لكن الرأي العام العالمي لم يكترث جداً لهذه المأساة.
اعتلاء يوحنا الثالث والعشرين السدّة البطرسيّة في 23 تشرين الأول 1958 استقبل بارتياح في القسطنطينيّة، ومنذ عيد الميلاد تبودلت رسائل تدعو إلى السلام والوئام وإعادة الوحدة بين البابا والبطريرك. وإعلان البابا في 25 كانون الثاني 1959 عن دعوته لعقد مجمع مسكوني أنعش الكنيسة كلّها بروح جديدة. وشعر أثيناغوراس أنه لا يسعه القيام بدوره في إعادة الوحدة الكنسيّة إن لم يوحّد أولاً الأرثوذكسيّة. وتعدّدت الزيارات بين البطاركة وكان بعضها الأولى في التاريخ كزيارة أثيناغوراس لبطاركة المشرق (تشرين الثاني 1959) وزيارة الكسيوس بطريرك موسكو للقسطنطينيّة وأثينا في كانون الأول 1960 وكانون الثاني 1961.
تمكّن المؤتمر الأرثوذكسي العام أخيراً أن يعقد في رودس من 24 أيلول إلى 2 تشرين الأول 1961. جميع الكنائس الأرثوذكسيّة كانت ممثّلة كلّ منها بستة أعضاء. وحضرها مراقبون من الأقباط والإثيوبيين والأرمن والسريان والملنكار والانكليكان والكاثوليك القدامى. وكان خمسة كهنة كاثوليك ضيوفاً على البطريركيّة المسكونيّة. وتشكّلت ستة لجان مكوّنة من عضو من كل من البعثات. لجنة لأمور الإيمان والعقيدة والعبادة، لجنة للإدارة والتنظيم الكنسي وحضور الأرثوذكسيّة في العالم، لجنة للعلاقات الأرثوذكسيّة الأرثوذكسيّة، لجنة للمسائل اللاهوتيّة والاجتماعيّة، لجنة للعلاقات الأرثوذكسيّة مع سائر الكنائس الشرقيّة، لجنة للعلاقات الأرثوذكسيّة مع الكنائس الغربيّة. وعهد إلى كل لجنة وضع جزء من البرنامج النهائي للسينودس المقترح. وكان الإجماع مطلوباً لتثبيت أي بند أو حذفه.
إن البرنامج الذي وضعه سينودس البطريركيّة المسكونيّة تمّ تبنّيه في أغلبيته ووضعت لائحة بالنقاط التي أثارت بعض الجدل وطلب من كلّ الكنائس أن تدرسها قبل السينودس المقبل. إن المواضيع التي تمّ الاتفاق عليها تشير إلى نهضة وتجدّد في الأرثوذكسيّة حسب روح ومقتضيات العصر. وكان المؤتمر تظاهرة مميّزة للوحدة الأرثوذكسية ونجاحاً كبيراً للبطريرك المسكوني الذي بدت سلطته مدعّمة. فإن مكانته الأولى وحقّه في أخذ المبادرات اعترف بها جميع المشاركين.
وبدا الإجماع أكثر صعوبة لمّا طرح موضوع إرسال مراقبين للمجمع الفاتيكاني الثاني. وإذ دعي رسميّاً لإرسال مراقبين باسم الأرثوذكسيّة كلّها راح البطريرك يستشير مختلف الكنائس المستقلّة. وكانت الأجوبة سلبية أو لم ترد. وظنًا منه أن موسكو لن تقبل بإيفاد مراقبين نظراً لتصريحاتها السابقة وحرصاً على وحدة الأرثوذكسيّة التي تجلّت في مؤتمر رودس، أعلم أثيناغوراس روما عشية انعقاد المجمع أنه لن يستطيع إيفاد مراقبين، وعبّر عن تعاطفه العميق وعن صلاة الأرثوذكس من أجل نجاح المجمع. في اليوم التالي أُعلن أن السينودس الروسي المقدّس قرّر إيفاد مراقبين إلى روما (11 تشرين الأول 1962) . 
كان لموت يوحنا الثالث والعشرين وقع أليم على أثيناغوراس، وقام بمدحه علنا أمام السينودس المقدّس. عند انتخاب بولس السادس كان يقوم برحلة لليونان حيث ترأس الاحتفال بألفية الآثوس وزار أثينا والأبرشيّات المرتبطة به، شمال اليونان، كريت والجزر الأثني عشر. لدى عودته إلى الفنار وجد رسالتين من روما الواحدة تعلمه بانتخاب بولس السادس والأخرى تجدّد الدعوة لإرسال مراقبين إلى المجمع. وعقد مؤتمر أرثوذكسي عام ثانية في رودس من 26 إلى 29 أيلول 1963 لتدارس الموضوع، فقرّر المؤتمر ترك كلّ من الكنائس حرّة بإرسال مراقبين أم لا، والدخول في حوار مع الكنيسة الكاثوليكيّة على قدم المساواة. وكنيسة اليونان التي رفضت الاشتراك بالمؤتمر صادقت على مقرّراته في 15 تشرين الأول 1963. وكان ذلك كسباً جديداً لقضيّة الوحدة ولسلطة البطريرك المسكوني وأرسلت القسطنطينيّة والإسكندريّة بالفعل مراقبيها إلى المجمع بدءاً من الدورة الثالثة أيلول 1964.
عام 1964 تميّز في افتتاحه بلقاء البطريرك أثيناغوراس بالبابا بولس السادس أثناء زيارته للقدس (5-6 كانون الثاني 1964). وكان لهذه المبادرة الأخويّة وقع روحي ونفسي عظيم . وقام البابا بولس السادس بخطوة أخرى بعيدة الصدى إذ أعاد رسميّاً إلى مدينة باتراس في 26 أيلول 1964 ذخيرة رأس القديس اندراوس التي كان أودعها روما أمير المدينة لدى هربه من العثمانيّين. وبدعوة من القسطنطينيّة عقد المؤتمر الأرثوذكسي الثالث في رودس للتداول في حيثيّات الحوار مع الكنيسة الكاثوليكيّة الذي أقرّ في المؤتمر الثاني العام السابق ولأسباب عدّة ونزولا عند طلب عدد من الكنائس أرجئ إلى ما بعد الحوار على المستوى اللاهوتي إذ " لا بدّ من تهيئة خاصة وخلق الشروط المناسبة". إلاّ أن المؤتمر جدّد التوصية التي أعلن عنها قبلا ويترك لكل من الكنائس الأرثوذكسيّة الحرّية لمتابعة العلاقات الأخويّة مع الكنيسة الرومانيّة لحسابها الخاص وليس باسم الأرثوذكسيّة كلّها، مما سيتيح للصعوبات القائمة بأن تتلاشى تدريجيّاً. ولهذه الغاية يوصي المؤتمر الكنائس الأرثوذكسيّة الخاصّة بدراسة مواضيع هذا الحوار وتبادل نتائج الأبحاث في ما بينها. وقرّر المؤتمر بان يواصل على الفور الحوار مع الأنكليكان والكاثوليك القدماء. وأرسل وفد خاص من القسطنطينيّة إلى لندن واوترخت (هولندا) وروما لتبليغ المسؤولين فيها قرارات المؤتمر. واستقبل البابا بولس السادس مبعوثي أثيناغوراس في 15 شباط 1965.
بينما كانت سلطة البطريرك المسكوني الروحيّة تتوطّد هكذا كان وضعه الداخلي يتفاقم. فالخلاف الذي نشب في قبرص بين العناصر اليونانيّة والعناصر التركيّة كان له انعكاس سلبي على البطريركيّة القسطنطينيّة، وإن كان البطريرك لم يتخلّ قط عن ولاءه للحكومة التركيّة. عام 1964 قامت السلطات المدنيّة بحظر مدارس الأحد وإغلاق المطبعة البطريركيّة وبالتالي المجلّة الفصليّة اورثوذكسيا والصحيفة الرسميّة الأسبوعيّة ابوستولوس اندرياس (الرسول أندراوس). ثم أغلقت الميتم في جزيرة الأمراء (بويوك آدا)، وتمّ مضايقة متاجر اليونان ومقاطعتهم. في 17 نيسان طرد متروبوليتان متميّزان عضوان في السينودس "لنشاطات تضرّ بالبلاد" ونزعت عنهم الجنسيّة التركيّة. قامت الاحتجاجات من سائر الأنحاء ضدّ هذه التصرّفات وأرسل بولس السادس للقسطنطينيّة وفداً لتقديم التهاني بمناسبة الأعياد الفصحيّة. واعتبرت هذه المبادرة كفعل تضامن مع البطريركيّة المسكونيّة. وتدخّل لدى الحكومة التركيّة بشأنه كما يستدل من البيان التالي الذي قدّمه القاصد الرسولي في القدس للبطريرك الأرثوذكسي بنادكتوس: "يبدو لي مفيداً أن أعلم غبطتكم أن قداسة البابا يتتبّع بكل اهتمام وضع البطريركيّة المسكونيّة وأنه أعطى التعليمات الضروريّة كي يصار إلى الاتصال بالسلطات التركيّة لتخفيف معاناة وهموم البطريرك أثيناغوراس. وبوسعي أن أوكّد لغبطتكم أن حكومة أنقره تعهّدت للكرسي الرسولي بأن شخص البطريرك سيحترم ولن يتّخذ أي قرار تضييقي ضد مقر البطريركيّة المسكونيّة".
وبالدافع نفسه لإظهار التعاطف تجاه البطريركيّة المسكونيّة قام بطريرك الروم الكاثوليك مكسيموس الرابع الصايغ بزيارة أثيناغوراس من 1 إلى 5 حزيران 1964. حلّ البطريرك وحاشيته ضيوفاً على البطريركيّة واستقبلوا بكلّ حفاوة (إن كاتب هذه الأسطر كان من عداد الحاشية وقد تركت فيه الزيارة أثراً كبيراً وقد وضع تقريراً وافياً ظهر في مجلة اليان البطريركيّة). هذه الزيارة كانت سنداً كبيراً للبطريرك ودلّت على روح الانفتاح المسيحي الجديد السائد في القسطنطينيّة بفضل نبل أثيناغوراس وقداسته. وفي ربيع 1965 قامت مضايقات جديدة ضد البطريركيّة المسكونيّة وبدا المستقبل قاتماً بشأن مركز البطريرك في اسطنبول. وباتوا يتساءلون هل سيتمكّن من المحافظة على موقعه التاريخي أم سيضطر إلى اللجوء إلى رودس أو أي مكان آخر كما فعل ذلك بلجوئه إلى نيقية أثناء الحملة الصليبيّة الرابعة ؟ (1204-1261).
إنّما استقرّت الأوضاع وتوفي أثيناغوراس عام 1972 متقدّماً في السنّ وهو ينعم بشهرة عالميّة في الأوساط الكنسيّة والسياسيّة. وخلفه ديمتريوس الأول (1972-1991) الذي سار على الخط الذي وضعه سلفه، ثمّ البطريرك برثلماوس الأول الذي انتخب في 22 تشرين الأول 1991 وهو حاليّاً على رأس البطريركيّة ينعم بتقدير جميع الأوساط.
تمتدّ سلطة البطريرك القسطنطيني إلى الأبرشيّة البطريركيّة (مدينة اسطنبول) وأربع متروبوليتيّات في تركيا وأربعة متروبوليتيات الجزر الأثني عشر التي أعادتها إيطاليا لليونان عام 1945 ، وسلطته صوريّة على متروبوليتات شمال اليونان المقاطعات التي ضمّت إلى اليونان عام 1912، وجزيرة كريت. وتتعلّق به جمهوريّة آثوس الرهبانيّة وأكسرخوسيّة جزيرة باطموس وترتبط به الأبرشيّات التاليّة: في أوروبا الغربيّة : بريطانيا، فرنسا، ألمانيا ، النمسا ، إيطاليا، بلجيكا، السويد، سويسرا، وفي أمريكا أبرشيّات الولايات المتحدة وكندا وبنما والأرجنتين وفي الشرق الأقصى : استراليا، نيوزيلندا وهونغ كونغ.  
إلاّ أن أهمّية الكرسي القسطنطيني لا تأتي من عدد الأبرشيات الخاضعة مباشرة له بل من الدور القيادي الذي يلعبه على رأس الأرثوذكسيّة العالميّة. 
وبينما الحكومة التركيّة تريد أن تحصره في تركيا وتفرض على أعضاء السينودس أن يكونوا كلّهم من التبعيّة التركية قام البطريرك برثلماوس مطلع عام 2004 بخطوة جريئة، إذ قرّر أن يكون أعضاء السينودس المقدّس الاثنا عشر نصفهم من الأساقفة المقيمين في تركيا والحائزين على الجنسية التركيّة ونصفهم من المناطق الخاضعة للكرسي القسطنطيني في الجزر اليونانيّة والشتات وهكذا تتحرّر البطريركيّة نوعاً ما من الهيمنة التي تفرضها عليها السلطات التركيّة ويظهر بشكل أجلى دورها الشامل. 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ثاوذوروس أبو قرةمقارنة بين سند السحب وسند الأمانة
الاغتراب.. بحث في فلسفة التموضع عند برديائيفالمؤسسات الدينية وصرخة في وجه الرأسمالية
حان الوقت لإعادة النظر... بالمقدسات الحديثةمقارنة الإرث والوصية بين قانون السريان والروم الارثوذكس و قانون الطوائف الكاثوليكية
حنا الفاخوري مع الخالدينالشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاً
بولس الخوري: العلمانية تصون التنوّع الإنسانيالوشـاح
قراءة في كتاب "اختلال العالم" مهداة إلى مؤلفه أمين معلوف لمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسيةالمسيحيّون في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى