الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات تربويّة ونفسيّة

قراءة تحليلية لنص يسوع يشفي طفلاً في كفرناحوم.. محاضرة للأب رامي الياس اليسوعي

  بقلم: جورج برنوطي


انقر هنا للتكبير
قرأ الأب رامي الياس اليسوعي النص (يو4/46 -53) في بداية المحاضرة (8/2/2012- صالة الكنيسة) ثم طلب من الحضور إعادة قراءته بصمت وقد وضع نسخاً منه بين أيديهم، ومن ثم فتح مجال لمشاركة الحضور بأفكار لفتت انتباههم من النص.
بدأت المحاضرة بتوضيح هام أن ما سيلي ذكره ليس قراءة لا هي لاهوتية ولا كتابية إنما هي قراءة تحليلية نفسية للنص..
يظهر يسوع في هذا النص عائداً إلى الجليل من اليهودية موطنه حيث صرح أنه "لا كرامة لنبي في وطنه" بعد أن رفضه أبناء وطنه خصوصاً الفريسيين المتعلقين بأخلاق فردية وصارمة فرضتها شريعة موسى. يذكرنا يوحنا أنه هنا في الجليل يسوع يحول الماء خمراً في عرس قانا الجليل وبأنها أولى الآيات التي عملها في الجليل أي أنه يريدنا أن نقرأ هذه الآية أي آية شفاء طفل كفرناحوم على ضوء آية عرس قانا الجليل أو كلاحقة لها لذا أطلق عليها ثاني آيات التي عملها يسوع.
إن أسلوب يوحنا شيق وهو يدعونا دائماً لفك نوع من الترميز (الشيفرة) لنفهم معناها, فنصوص يوحنا تقرأ على مستويين لفهم ذلك نأخذ مثالاً: قال يسوع: "اهدموا هذا الهيكل وأنا أعيد بناءه في ثلاثة أيام" مما جعل اليهود يجن جنونهم بينما كان هو يتكلم عن جسده. عامل الملك وهو بمرتبة قائد مئة يأتي عند يسوع ويتوسل له أن يشفي ابنه المريض.. هو أتى عند يسوع وليس يسوع الذي يفرض نفسه عليه ذلك أن يسوع لا يفرض نفسه على أحد ولا يعنف مستمعيه لأنه يحترم حرية الآخر بشكلٍ مطلق. إنه لا يتدخل إلا إذا طلب الناس منه ذلك, فهو لا يأخذ مبادرة التدخل إلا عندما يشعر أن الإنسان الذي أمامه بحالة سيئة لدرجة أنه لم يعد يستطيع أن يأخذ المبادرة حتى بالكلام عندها من الممكن أن يتدخل بأخذ المبادرة, ويسوع لا يصنع الحدث إنما يسمح للحدث أن يتم كما نجده في آية الخبز والسمك كيف حرر الناس فاستطاعوا أن يتشاركوا بما يملكونه على الرغم من قلة ما لديهم وعندها فاض الخير عليهم جميعاً. إن عامل الملك (وهو من سندعوه طيلة المقال بالقائد) قد توسل إلى يسوع وهذا التفصيل مهم جداً لنفهم مجمل الحدث. فإن هذا القائد هو في موقع مهم في الدولة فهو ممثل الملك هيرودوس انتيباس ملك الجليل أي أنه معتاد على أن الناس هي التي تلجأ إليه وتترجاه وليس العكس, فهذا القائد الذي تحضر بين يديه أكبر شخصية في البلد وبمنتهى السهولة نراه هنا يذهب بنفسه عند يسوع ويتوسل له, هذا له معنى كبير فهو رجل يتمتع بالسلطة وهو مسرور بهذه السلطة لأن هذه السلطة تجعله فوق الآخرين. فأن يذهب إلى يسوع ويتوسل له ان يشفي ابنه, إنه أمر غير اعتيادي بالنسبة له, فهو غير معتاد على هذا النوع من الكلام, هذا يعني أن أمراً ما بدأ يتحرك في داخل هذا الشخص, غير موقفه لدرجة تسمح لنا أن نقول انه أصبح بطريقةٍ ما إنساناً آخر, هل هو مؤمن ... لا نعلم. بكل الأحوال مشكلة هذا الإنسان ليست مشكلة دينية بل هي مشكلة وجودية إنسانية بحتة وخطيرة فابنه مشرف على الموت فالموضوع هو موضوع حياة وموت, ليس المهم هو ولا سلطانه أوسلطته إنما المهم هو حياة ابنه.
السؤال المهم هنا, لماذا مرض ابن هذا القائد, وما الذي أمرضه؟ إن هذا النص لا يخبرنا عن ماهية مرض الولد, فمن المحتمل ألا يكون عنده أي مرض جسدي. إن هذا القائد الذي يحتل مكانةً هامةً في الدولة وله منصبه الكبير ويلاقي النجاح في عمله ويظهر تفوقه في عمله وفي عائلته, فمن المؤكد أنه أب متسلط أي أنه يعامل أهل بيته كما يعامل عسكره. إنه أب متسلط وبالتالي الابن مسحوق من قبل الأب ولديه الشعور بأنه ليس بشيء وهو بدون بصيص أمل بأن يتحرر من سلطة الأب ويحقق ذاته ويعيش حياته كما يريد هو, فحصل ما هو متوقع ومرض. ونحن نعلم أن المرض على الصعيد النفسي هو من أهم الأمور التي يعبر بها الإنسان عن نفسه وألمه عندما لا يستطيع التعبير بالكلام والفعل فيعبر عنه بالمرض الجسدي الذي يخبرنا عن ألمه النفسي, فالجسد هو لغة, يعبر بشكل خاص على ما لم تعد الكلمات قادرة عن التعبير عنه, عندما يفقد الإنسان أسباب الاستمرارية يطلق الجسد آخر صرخة شقاء أو صرخة الطفل الرضيع التي تُبلِغ أن هذا الإنسان إن كان في صدد أن يموت جسدياً فهو أنه أساساً وقبل كل شيء في صدد أن يزول نفسياً وبشكلٍ نهائي. عندما يفقد الإنسان إمكانية عيش الرغبة وحتى التعبير عنها فإنه يستسلم ويموت, فالرغبة هي موضوع حياة أو موت, وهنا الابن يعلن صرخة النجدة الأخيرة, وبدون شك، إنه سبق له أن مرض وأنَّ مرضه هذا ليس الأول... ليست المرة الأولى التي يصرخ فيها لكن صرخاته كلها لم تُسمَع ولم يبقى له إلا هذه الحالة المتطرفة المشرفة على الموت حتى يسمعها الأب. وهذه الحالة المتطرفة لمست شيئاً مهماً وبشكل غير واعي عند الأب وأيقظت عنده رغبة الأبوة, أي الرغبة في أن يكون أباً, وهذا الذي سمح له أن ينزل عن عرشه ويأتي عند يسوع ويتوسل له أن يشفي ابنه, حتى هذه اللحظة لم يكن أباً بل كان عسكرياً كان الآمر الناهي وصرخة الابن الأخيرة التي شارف بها على الموت أيقظت وأحيت بشكل لاواعي رغبة الأبوة عند هذا القائد فنزل عن عرشه وأصبح أباً كباقي آباء البشر. المعجزة الحقيقية هي التي حدثت عند الأب والنتيجة هي عند الابن, المريض الحقيقي هو الأب والنتيجة هي شفاء الابن لذا نقول أنّ الابن ليس بمريض, لذلك الإنجيلي يوحنا لا يخبرنا البتة شيئاً عن مرضه. تحرك في هذا القائد شيئاً من الثغرة بدأ يتكلم داخله, شعوراً استطاع أن يلمسه وأن يعترف به ودفعه أن يصرخ متوسلاً باتجاه يسوع, إن الأب هنا هو الذي يصرخ وليس الابن, نجد هنا انقلاباً في الأوضاع وهذا ما نلمسه كثيراً في الإنجيل, وكي يسمح يسوع للحدث أن يتم لا بد من انقلاب الأوضاع كما قلب ابراهام إلى ابراهيم وساراي إلى سارة فأثمرت علاقتهما التي اتصفت سابقاً بالعقم عن ولادة ابنٍ لهما. كذلك الأمر قلب هذا القائد الجالس في عرشه إلى واحد من الناس, إن هذا القائد الآن مستعد للتخلي عن موقع كليّ القدرة وأن يعيش ختان القلب إنه جاهز الآن أن يصبح أباً.
لاحظ يسوع وفهم عندما رأى هذا الموظف الكبير الشره وهو قادمٌ إليه و قرأ بشكل خاص في عيني هذا الرجل العظيم الذعر والقلق والخوف على ابنه.
يبدأ حوار لغزي بين الطرفين, إن من يصغي لحوار يسوع مع القائد يقول أنه حوار الطرشان كل واحد يتكلم لغته ولا أحد يفهم الآخر وكأنما هناك حلقةٌ ضائعةٌ بين الإثنين, إذ أنه تم حل المعضلة بتبادل ثلاث جمل صغيرة وبسيطة: فقال له يسوع: " إذا لم تروا الآيات والأعاجيب لا تؤمنون ؟" فقال له عامل الملك: " يا رب، انزل قبل أن يموت ولدي". فقال له يسوع: " اذهب، إن ابنك حي." حوار الطرشان هذا غني جداً بالمعنى وكأن هنالك شيئاً تم كسره وتحطيمه بهذه الكلمات البسيطة التي بها تم السماح للرغبة المدفونة في عمق القائد منذ صغره وطفولته أن تعبر عن نفسها وتخرج إلى الساحة, يبدو أن يسوع يضع هذا الرجل أمام الامتحان: " إذا لم تروا الآيات والأعاجيب لا تؤمنون؟", وبدون شك يسوع لا ينتظر تأكيد أي شيء هو يعلمه بشكلٍ مسبق, لكنه يمنح هذا القائد العظيم فرصة لكي يكون إنساناً بكل معنى الكلمة ويعطيه المساحة والامكانية لكي يعبر عن ألمه أمامه كأب مقابل ألم ابنه المشرف على الموت. هذا الألم الأخير الذي يشارك به ألم ابنه, إنه بكل بساطة ألم إنسان يريد أن يوجد كما يريد هو أن يوجد لا كما يريده أبوه أن يوجد.
يقدم يسوع هنا الفرصة للقائد أن يجد نفسه كإنسان في هذه الحياة وبطريقة مختلفة, وفي جوابه ليسوع يظهر أنه فهم فهو لم يعد يريد علامات كي يؤمن, كما لو أن الإيمان هو موضوع قرار, رغبته الوحيدة الآن هي أن يحيا ابنه, لم يعد في مجال السلطة بل تحول لمجال الرغبة وهذا هو الانقلاب في الأوضاع نقله يسوع من مجال السلطة إلى مجال الرغبة والرغبة دائماً هي الرغبة في الآخر. والإنسان في مجال الرغبة لا يتحكم بشيء بل يطلب من الآخر معترفاً في حريته بالتصرف: " يا رب، انزل قبل أن يموت ولدي" إنها عبارة ترجي وليس أمر. الحدث الذي يصنع المعجزة نجده هنا أي بتخلي هذا القائد عن كل ما يشكل درعاً لحمايته من الآخرين ويضع نفسه بين يدي يسوع رغبةً منه أن يشفى ابنه. باعترافه بحرية يسوع وبصفته كشخص يحتاج إلى مساعدته هو في الوقت عينه يعترف بحرية ابنه, أصبح الآن قابل أن يسمح لابنه أن يوجد وبالطريقة التي يريدها ابنه وليس بطريقته هو, في هذه اللحظة هذا الإنسان أصبح أباً. لقد حصل ابنه على الخلاص وبالتالي يمكنه أن يحيا, ويسوع يعبر عن هذا التغيير الذي حصل لهذا الأب, فالحياة لها الكلمة الأخيرة : " اذهب، إن ابنك حي." المكان الذي يحتله يسوع هو بدون شكٍ ملفتٌ ومميزٌ.
فيسوع منذ آية قانا الجليل من المفترض به أنه صاحب سلطةٍ فهو من حول الماء خمراً ومجدداً تُسقَط السلطة على شخص يسوع, لكن يسوع لا يفعل شيء على صعيد السلطة لكن يترك الأخر يؤمن بالسلطة التي يسقطها عليه, لكن يسوع حقيقةً لم يتصرف كمن له سلطان, ماذا فعل يسوع؟... إنه لم يفعل شيئاً!! إن القويّ في إيمان القائد أنه أتى يطلب تدخل يسوع وكان الوقت يمر ويسوع لا يتأثر أبداً ولا بشكل من الأشكال بالسلطة المفترضة من قبل هذا الرجل عنه هو, ولم يتصرف أبداً على أساس أنه صاحب سلطة.
وهنا علينا ألا ننسى أن يسوع وبفضل أمه في عرس قانا الجليل وجد نفسه كإنسانٍ مقابل النقص، نقص النبيذ, لكن يسوع لم يقع في وهم العالم, ولهذا السبب فإنه لم يجاوب القائد كمن له السلطة على الشفاء فهو لم يقل له: "اذهب أنا لقد شفيت لك ابنك" بل "اذهب، إن ابنك حي." بمعنى لست أنا من شفى لك ابنك... نحن نقول أنّ يسوع هو من شفاه، فإذا كان يسوع قد شفى فهو شفى الأب ومن خلال شفاء الأب فإن الابن قد شفي. إذاً يسوع لا يجاوب كمن له سلطة على الشفاء, لكنه يجاوب بطريقته التي تستفز الآخر: "إذا لم تروا الآيات والأعاجيب لا تؤمنون؟" بهذه الطريقة الاستفزازية دفع الأب للتفكير بالخطوة التي يقدم عليها. بالحقيقة إن يسوع يستخدم الكلام ليس من أجل أن يحكيه بل من أجل أن يصغي, ولا يطرح أي سؤال بخصوص الابن فهو لم يسأله ماذا أصاب ابنك؟ مع أن الابن هو المشرف على الموت, بل يترك الكلام للأب الذي يعبر عن ألمه فهو لم يسبق أن وجد أي إنسان بحياته يصغي إلى ألمه الذي لم يستطيع أن يعبرعنه منذ طفولته حتى التقى بيسوع.
يسوع حاضر باللحظة والمكان الذي يوجد فيه الأب بشكلٍ كاملٍ, إنه يعيش تلك اللحظة المميزة من الزمن التي يتم فيها مجمل علاقة الإنسان مع الله حيث يتقاطع الزمن مع الأبدية. في هذه اللحظة سقط القناع. والقائد بعدما ترك مسرعاً وظيفته ليقابل يسوع يدرك الآن أنه مجرد إنسانٍ وأنه المريض أولاً, إنه مريض السلطة, ومريضٌ بهذيانه الذي هو هذيان كليّة القدرة, وأنه لابد من إنقاذ أحدٍ وهو الأول وفي هذه اللحظة, قبل كل شيء يدرك أنه هو القابل أن يفعل شيئاً لكن كيف؟ بقبوله للواقع, واقعه هو, أن يقبل أن عنده رغبة الأبوة, ويقبل أنه من الممكن أن يحقق ما تمناه وهو صغير ولم تعطى له الفرصة بذلك أي أن يسمح لابنه أن يعبر عن ذاته, هذا الشيء الذي لم يختبره هو وهو طفلُ صغيرٌ, بمعنى آخر حتى هذه اللحظة كان يكرر مع ابنه ما فعله أبوه معه لما كان طفلاً صغيراً. أتى يسوع وكسر هذه الحلقة وحرر هذه الرغبة عنده فشفي الأب وبالتالي شفي الابن. كيف تم هذا الحدث؟ لما أتى يطلب مساعدة يسوع بدأ يدرك معنى وجوده وبدأ يعيش مع ذاته مع كيانه بشكل أساسي, أي أنه إنسان بحاجة للآخرين كي يعيش بينما هو كان عائشاً بعرشه باكتفاءٍ ذاتي, "أنا لست بحاجةٍ إلى أحد بل إنّ كل الناس بحاجة إليّ". فكل القصة أنه أدرك أنه إنسان كباقي الناس وأنه بحاجة للآخرين كي يعيش. ويسوع بعدم جوابه بأي تصرفٍ سلطويٍ سمح لهذا الرجل من التخلص من وهم السلطة وهذيان كليّة القدرة وأن يكتشف ذاته ويقبلها ويصبح بالتالي ذاته. كان يمكن ليسوع أن يخدعه ويعطيه الشعور ولو للحظة واحدة أن له السلطة على الشفاء "اذهب أنا قد شفيت لك ابنك" ولو كان قد فعل ذلك لما أعطى الفرصة لهذا الرجل لتغيير ما في داخله وكان تركه سجيناً في وهم السلطة وبالتالي ما كان بالإمكان شفاء الابن. فإذا كنا نفكر أنه من الممكن شفاء الابن رغماً عنه فهذا أمرٌ مستحيلٌ وإذا كنا نفكر أنه ممكن أن يشفي الابن دون أن يشفى الأب فهذا أيضاً أمرٌ مستحيل الحصول. لهذا يسوع لم يتصرف بسلطانٍ, ذلك ليسمح للأب أن يدخل في اللعبة إن صح التعبير بأن يجعله يتخلى عن وهم السلطة حتى يعيش كأب وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي من الممكن أن تنقذ الابن فتحرره وتفتخ له أبواب المستقبل وأبواب الحياة.
في هذه الرواية الإنجيلي يوحنا يرمي لنا عملية الإيمان لدى هذا القائد, ففي البداية هو موضوع استخدام مواهب يسوع أي بمعنى أنه أراد استغلال يسوع من أجل شفاء ابنه هذه المبادرة الأولى. ولكن في النهاية وبعد أن علم بالشفاء من خلال خدمه يقول النص: "آمن هو وأهل بيته جميعاً". بمعنى آخر سبق النظر الإيمان.
الآن سنحاول أن نفهم ما حدث في هذه المعجزة. الطريقة التي رُتبَت بها الحوادث ومسيرة التربية التي حدثت مع هذا الرجل. الله لا يتدخل من فوق الحدث, الله هو في قلب الحدث وهو الذي يجعل الحدث ممكناً لكنه ليس هو من يصنع الحدث. أي أن هذا الرجل لو بقي عند عِندِه وبقي في سلطانه لما استطاع يسوع أن يصنع شيئاَ , لكن يسوع بطريقته الاستفزازية سمحت للحدث أن يتم. ومن صَنَعَ الحدث فعلياً هو الأب.
إذاً السؤال: ما هو الإيمان؟
من هو الله الذي يكشف يسوع عنه ويفصح؟
ما هو الحدث الحقيقي في هذه الآية الثانية في الجليل؟
هل هو شفاء الطفل؟
رأينا أن عرض مرض الابن ما هو إلا تعبيرٌ عن مرض الأب, وإن كان الأب قد شفي فأي شفاءٍ اختبره هذا الأب؟ وراء وظيفته العالية وسلطته وعرشه العظيم يختبئ إنسانٌ وليس أي إنسانٍ إنه إنسانٌ يشك بنفسه ليس عنده أي ثقةٍ بنفسه.
لا أحد يمكنه أن يتعامل مع الآخرين بسلطةٍ وبفوقيةٍ أي بالأمر والنهي إلا وكانت ثقته بنفسه مهزوزةٌ, فمن ملك الثقة بنفسه يتعامل ببساطةٍ مع الناس إذ لا حاجة به أن يتعامل مع الآخرين بفوقية حتى يشعر أن لديه ثقةً بنفسه. إن من يشك بنفسه ولا ثقة لديه بنفسه هو بحاجة لعناصر السلطة بين يديه ليتعامل مع الآخرين بقدر ما يشعر بأنه ضعيفٌ. وهنا قد يكون ابن القائد هو مصدر خوفٍ لأبيه لأنه بقدر ما يكبر هذا الابن بقدر ما يشعر الأب بالخوف من أنّ ابنه سيزيحه عن عرشه ليجلس عليه مكانه, لهذا كان الأب يقوم بكل ما يلزم لكي يغلق الطريق أمام ابنه وأمام رغبته بالحرية. لكن الابن يموت بسبب هذا الأمر وبالتالي إشراف الابن على الموت يضع الأب أمام عجزه إنه لا يستطيع عمل أي شيءٍ الآن, إنه مشلول تماماً, إنه هو القائد الآمر والناهي لكنه أمام مرض ابنه هو عاجزٌ. وبالتالي الابن يضع الأب بحالة تجعله يتزكر كيف عاش هو نفسه مع ابيه بنفس الطريقة وكيف منعه أبوه هو من التعبير عن نفسه والعيش كما يريد وبالتالي فحياة الأب هي دائماً لعب دور كليّ القدرة والقائد العظيم وهذه ليست حقيقته أبداً. ولا يوجد في الدنيا ما يشل الإنسان أكثر من أن يلبس شخصية هي ليست الشخصية الحقيقية له. وهذا الأب على عكس ابنه لم يستطع أن يثور على أبيه الذي كان يقمعه ولم يمنح الفرصة أن عيش حقيقته ولو حتى تحت خطر الموت, لكنه أخيراً يتحرك ولربما تكون هذه فرصته الحقيقية الأخيرة للتعبير عن ذاته ورغبته أقوى وعندما تتحرك الرغبة لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها , فيذهب بنفسه للقاء هذا الرجل الذي اسمه يسوع الذي سمح بحدوث المستحيل أي أن تخرج الرغبة بشفاء ابنه, انه يتحرك وفي تفكيره ابنه بشكلٍ لا واعي.
إذا يسوع يسمح أن يعيش هذه من الرغبة, كما لو أن يسوع يقول له انظر لذاتك وابحث داخلك وأعماقك وعش حريتك وحقيقتك سوف تجد الآيات وسوف تصنع أنت المعجزات.. والبرهان على ذلك أنك أنت الذي صنع هذه المعجزة والآن " فاذهب , ابنك حي".

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
معرفة الذات والثقة فيهامفهوم الحرية من وجهة نظر الآباء والأبناء
قراءة تحليلية لنص معجزة الخبز والسمكتين بحسب إنجيل يوحنا للأب رامي الياس اليسوعي"الحقد" محاضرة للأب فرانس فاندرلخت اليسوعي
"الإنسان قيد التكوُّن المستمر".. ملخّص محاضرة للأب رامي الياس اليسوعيكيف نعيش مع الخوف والقلق.. محاضرة للأب فرانس فاندرلخت
فعاليّة الألم في العلاقة مع الآخر.. ملخّص محاضرة الأب فرانس فاندرلختكيف يعمل عقل المرأة
كيف يعمل عقل المرأة؟..الشباب والانترنت
"العلاقة الحقيقة مع الآخر".. محاضرة للأب فرانس فاندرلخت اليسوعيالطب وعلم النفس
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى