الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> أدبيّة

رسالة الى أهل اليأس هنا

  بقلم: عقل العويط

 
للذين يبحثون عن الحلم في الواقع، وعن الواقع في الحلم، أقول لهم هذا حقّ طبيعي ومشروع، لأن الحياة لا تُمضَع، ولا تُنام، ولا تُستيقَظ، ولا تُعاش بسهولة، خارج هذه المعادلة البسيطة.
أنا واحد من بين مليارات هؤلاء الباحثين عن تهجين الواقع بالحلم، والحلم بالواقع، لخلق أرضٍ ثالثة، لا هي أرض الواقع فقط ولا هي أيضاً أرض الحلم فحسب، وذلك بهدف الحصول على لقمة عيش حقيقية. لقمة عيش هنيئة ليس إلاّ. وفقط، بعرق الجبين وبعرق الحلم ليس إلاّ.
من المسلّم به أن لا يكتفي أهل العالم (أتحدث عن البشر لا عن الوحوش منهم) بالواقع لأن الواقع وحش مفترس ولا يشبع. فهو يكمن لهم في كل مكان وفي كل وقت، تحت الشمس وتحت القمر، بل ينتظرهم في كل قَدَرٍ معلوم ومجهول، مواصلاً ردم هوّة جوعه بالافتراس، وإذا هم لم يحترسوا من أنيابه فسيتعرّضون حتماً للنهش النهائيّ المنظّم. وأيّ نهشٍ نهائيّ منظّم!
ماذا يريد أهل العالم هؤلاء؟ يريدون لقمة حلم تدخل حلوقهم لتعديل "مقادير" المرارة في الخبز اليومي الذي يأكلونه على مضضٍ منهم، ولا يعثرون على خبز آخر يُسكِتون به جوعهم الى شيء من حلم.
ما يريده هؤلاء هو أقلّ القليل، لأن ما يعانيه أهل العالم من "واقعية" العيش هو أكثر من أن يُحتمَل ويُسكَت عنه. لكن مطلبهم هذا يثير مسألة صعبة ومعقّدة للغاية، وأكادني أقول شبه مستحيلة، إنْ لم تكن مستحيلة حقاً. فاحتمالات التلاقي بين الحلم والواقع لا تجري بطريقة سلسلة ومرنة، إنما غالباً ما تعتريها مشقّات وأهوال تنتهي غالباً بالإحباط واليأس والرضوخ. فالتلاقي بين الحلم والواقع ليس تلاقياً سلمياً البتّة – إلاّ بضربة نرد لا يُبنى عليها - إنما يتشكل من طبيعة صدامية، اصطدامية، فجّة، دامية، وفي الغالب قاتلة.
جسمان عدوّان، هما الواقع والحلم، لا يطيق أحدهما الآخر، فكأنهما يتنازعان حياةً واحدة لا شقيقة لها، بحيث أن كل اقتطاع من هذه الحياة لصالح أحد الطرفين يرى فيه الآخر اقتطاعاً من روحه وأسباب وجوده. لكن لا بدّ من شرب هذه الكأس، كأس التلاقي بين الجسمين العدوّين. لا بدّ من ذلك، لأن الأخذ بخيارٍ دون الآخر يفضي الى جدار مسدود، ومن شأن كل جدار أن يكسر رأس ناطحه... او ينكسر بضربة نرد، او بضربة حلم.
سيقال عني إني يائس ومستسلم لإرادة الواقع الغاشمة. هي إرادة غاشمة، صحيح، لكني لستُ يائساً ولا أستسلم. لتوضيح الصورة، فأنا لا أخترع شيئاً من عند رأسي. إنما أنا أصف أحوال العالم وأحوال أهله فحسب. لكن ما أفعله هو بالطبع وصفٌ مبسّط للغاية، في حين أن أحوال العالم وأهله أشدّ تعقيداً مما أزعم وأتوهم. هي أحوالٌ ذات مراتب ومستويات، وتنطوي على وقائع وأحلام متفاوتة هبوطاً وصعوداً، يأساً وأملاً، وما يصحّ هنا قد لا يصحّ على مقربة، كما قد لا يصحّ هناك وهنالك. وما هو سوداويّ ومرٌّ بهذا "المقدار" هنا، هو أقلّ سوداويةً ومرارةً هناك، أو أكثر، لستُ أدري. هذا واضحٌ للغاية. حتى أن ما يصحّ هنا والآن، ربما لم يكن صحيحاً قبل قليل وربما لن يكون صحيحاً بعد قليل. ليس ثمة وهمٌ أو خطأ في هذا كلّه، ولا أحد من أهل العالم إلاّ يعرف جيداً كيف تكويه نار الواقع، وإن اختلفت النيران والوقائع.
لكن أهل العالم يعرفون أن الحلم ينتصر في القليل من الأحيان، وربما أكثر من القليل. صحيح أنه لا ينتصر بالكامل، لكنه ينتصر وفق "مقادير" معيّنة، فيصبح الخبز، خبز العيش، أقلّ مرارة، بل يصبح طيّب المذاق، على قلّة حلاوته.
هذا على مستوى ردم الهوة بين الحلم والواقع، بأساليب واقعية، موضوعية، ومن حواضر البيوت، وهو مستوى يتشارك فيه أهل العالم جميعهم. لكني من بين مناطق العالم كلها، ومن بين جميع أهاليه، أريد أن أنظر هنا، في هذه البقعة اللبنانية من العيش، حيث ثمة "واقع" جليل يربض على صدر لبنان وأهله، بل ينخر رأسه ورؤوسهم نخراً، وهو متمكنٌ كسرطانٍ مستشرٍ في أنحاء الجسم. وأكاد أقول كسرطانٍ مستشرٍ في أنحاء الخيال. لكني أريد أن أظلّ أحلم بردم هذه الهوة، ليس من داخل أحوال هذا العالم وأهله فقط، إنما أيضاً وخصوصاً من "خارجه".
القليل من الحلم "يعدّل" المقادير يا سادة. الكثير من هذا الحلم، إذا كان محلوماً جيداً، قد يكسر الجدار المسدود الذي - قيل - غالباً ما ينتهي الصراع معه بكسر رأس الناطح. لكنْ مهلاً. فالحلم لكي يصبح حقيقةً يجب أن يُحلَم جيداً. أما الذين تتكسر رؤوسهم أمام الجدران المسدودة فينبغي لهم أن يحلموا أحلامهم جيّداً لكي يكسروا ما لا ينكسر، ولكي لا يتركوا رؤوسهم تتكسر أمام غلاظة الجدران.
هذا عن التلاقي بين الواقع والحلم لدى أهل العالم، ومن داخل المعادلات الحياتية القائمة. فكيف إذا كانت المسألة بين الشاعر ورأسه - وهو بالطبع من أهل العالم - حيث لا جدران مسدودة ولا شروط مسبقة ولا إلزامات واقعية، وحيث لا "مقادير" يجب أن تُعجَن بها أحلام الكلمات، ولا من يأكل خبزاً حياتياً مرّاً ولا من "يتمرمرون"... إلاّ بالشعر!
ما أقوله قد يشكل دعوةً متواضعة الى خبز الشعر. بل الى خبز الحلم. وهو إياه. فليس بخبز الواقع وحده يحيا أهل هذا العالم. الآن وهنا، خصوصاً وأيضاً!
 
نقلاً عن "النهار"
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
حــبّ«ليون الأفريقي» لأمين معلوف: ولادة جديدة للرواية التاريخية
حضــــــور، غيــــــاب«أشجان فرتر» لغوته: ولادة شبه وجودية للرواية الحديثة
«أرض البشر» لسانت أكزوبري ... ضعف أمام الطبيعة«مطر أسود» للياباني إيبوسي: الأدب في مجاهل الكارثة الأكبر في التاريخ
المصبــــــاحلولا هو! ما كنت أنا..!!
لا شعر نسائياً.. بل نساء يكتبن الشعرحضن الأم
«الهوية» لميلان كونديرا، لعبة أقنعةمئة وخمسون عاماً على ولادة «البؤساء»
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى