الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> علوم

إنقاذ الجنس البشري، وليس فقط الكرة الأرضية.. قضيّة بيئيّة وقضيّة إناسيّة

  بقلم: لوسيان سيف


انقر هنا للتكبير
 
ما هو الأسهل أن نغيّر أنماط استهلاكنا أم أنماط إنتاجنا؟ وإذا لم يعد أحد يجهل حجم الكارثة البيئّة التي تواجهها الإنسانيّة، فإنّ أزمة الحضارة التي ترافقها نادراً ما يتمّ التنبيه إليها. في حين لن نخرج مع عجزنا إلاّ أذا شخّصنا بوضوح وقسنا خطورتها.
إن كوكبنا الأرضيّ، أي بالأحرى مأوانا الطبيعي، قد ساءت أحواله إلى درجة مخيفة، وقد باتت كلّ الضمائر تعي ذلك تماماً، وما من حزبٍ سياسيّ إلاّ ويتضمّن خطابه على الأقلّ "بنداً بيئيّاً". إنّ كوكب الإنسان، أي بالأحرى الجنس البشري، قد ساءت أحواله إلى درجة مخيفة أيضاً، ولكن الضمائر لم تلمس درجة خطورته، وما من وعيٍ حقيقيّ لدرجة خطورة الأمر، وما من حزبٍ سياسي يذكر ذلك، ولو من باب مساواة القضية البيئيّة بالقضية الإناسية anthropoligique، وهذا تناقضٌ فادح ننظر فيه ها هنا.
اسألوا الأقلّ اهتماماً بالسياسة عما تعنيه له الأزمة البيئية. سيجيب بالتأكيد بأنّ تسخّن المناخ بسبب غازات الاحتباس الحراري سيدخلنا في عصر الكارثة، وأن تلوّث التربة والهواء والمياه قد بلغ في بعض المناطق مستويات لا تُحتمل، وأن نفاد الموارد الأساسيّة غير المتجدّدة سيطيح بنمط إنتاجنا الحالي وبنمط استهلاكنا، وأنّ في استعمال الطاقة الذرّية مخاطر جسيمة لا مفرّ منها. وأكثر من واحدٍ سيضيف شأن الضرر اللاحق بالتنوّع العضوي، ليخلص في كلامه إلى ضرورة الحدّ من التأثير على البيئة من قبل الدول الغنيّة.
كيف يعرف أولئك الأقل اهتماماً بالسياسة كلَّ ذلك؟ من خلال وسائل الإعلام، حيث باتت المعلومة البيئيّة من الثوابت فيها. وعبر التجارب المباشرة التي يختبرها على الدوام، من حال الطقس إلى أسعار المحروقات. وعبر الخطابات العلمية أو السياسيّة التي ترفع هذه المعارف الجزئيّة إلى مصاف الرؤية العالمية، وتحوّلها إلى برنامج سياسيّ بارز في كلّ مكان. على مرّ العقود، تشكّلت ثقافة متماسكة ذات محفّزات كثيرة وتبعتها مبادرات تشكّلت بها هذه القضية الكبيرة، أي "المسألة البيئيّة".
إسألوا بعد ذلك بعدها عن القضية الإناسيّة. على الأرجح لا أحد سيدرك فوراً عما تتكلّمون. ولنكن أكثر وضوحاً: هل تظنّ أن الإنسانية تعيش في حالةٍ سيّئة كما يعيش كوكبنا، وأنّ القسم المتمدّن من الجنس البشري يواجه خطراً حقيقيّاً بشكل أنّه كما بات الهاجس الأساسي هو الحفاظ على الطبيعة، القضية البيئيّة، بات من المفروض حكماً أن نلحق بذلك وعلى المستوى نفسه من الأهمّية هاجس إنقاذ البشريّة بالمعنى الوصفي للكلمة، أي القضية الإنسانية؟ هذا الاستجواب قد يفاجئ سامعه، وكثيرون سيجدونه مبالغاً فيه جدّاً. وعلى الأرجح أنّه سيحرّك الكثير من مواضيع القلق، ومنها قساوة ظروف العيش، والمدّ المتصاعد لحالة "كلّ يدبّر رأسه"، وانعدام الأخلاق في الحياة السياسيّة، والمخاوف في ما يخصّ المستقبل... لكن من هنا وحتّى الاقتناع بأنّ حياتنا الإنسانية سوف تهلك كما أرضنا، فإنّ الفكرة قد تبدو غريبة.
لنشدّد إذن على طرحنا. ألسنا من نواحٍ عدّة في طريقنا إلى عالمٍ لا يمكن العيش فيه من الناحية الإنسانية؟ ألم يكد القول المأثور "الإنسان ذئب بالنسبة إلى أخيه الإنسان" أن يصبح هو القانون في الكثير من المجالات، حيث تضفي إمكاناتنا الحالية عليه أذى لا سابق له؟ وقد بات العمل، وهو المثال الأكبر على ذلك، يهوي متراجعاً إلى درجةٍ مقلقة بشكل رهيب. فتحت ضغط الصعوبات المتزايدة في إنتاج عملٍ مربحٍ ونوعيّ، والمسؤولية المطلوبة والممنوعة على الأجراء في آنٍ معاً، ووضعهم بشكلٍ منتظم في منافسة بعضهم البعض، وتعمّد إلغاء العمل النقابي، والتربية على مبدأ "تعلّم كيف تبيع نفسك" و"إجعل من نفسك قاتلاً"، وإدارة الشركات بالترهيب، وكلّ ما سيتركّز في النهاية ليصل إلى الانتحار في أماكن العمل، وهناك الإملاءات الجاثمة لربح عالي الأرقام، والأفضليّة المعطاة دائماً لجشع أصحاب الأسهم، والتضخّم الذي لا دين له ولا قانون وصولاً إلى ربّ العمل المارق، أي باختصار جنون النظام النيوليبرالي، وهو الشكل الخبيث للرأسمالية المتأخرة. أليس ما يجري هو فعلاً قضاء على البعد الإنساني؟
لكن سيقال لكم أنّه ليس في كلّ هذا ما لا يعرفه الناس سوى هذه التسمية الغريبة "القضية الإناسيّة". فأين نرى انحرافات اجتماعيّة تمرّ من دون أن تستدعي التحذيرات والأبحاث والمبادرات؟ وهذا ما يحدث في مأساة العمل: ألا يثار اهتمامنا عبر الأفلام الجيّدة، وتقدّم إلينا النصائح من المعالجين النفسيين أمثال ماري بيزيه أو إيف كلو [1]، وندعى من نواحي عديدة إلى رفض إدارات العمل غير الإنسانيّة؟ ما يحدث هو حالة من الوعي الشمولي بالأضرار التي يصعب تحمّلها، الناتجة عن نظام العولمة الذي يحكمنا. تدعو القوى السياسيّة المتوحّدة في جبهة اليسار إلى تجاوز الرأسمالية والدفع أكثر في اتّجاه التحرّر الإنساني. ويربط حزب الخضر بالقضية البيئيّة أهدافاً سامية اجتماعية ومؤسّساتية بروحية ديموقراطية تضامنيّة. وهناك عددٌ من الاقتصاديين الذين يعارضون المعيار الاختزالي المتمثّل فقط بالناتج المحلّي الإجمالي لصالح تقييمات للفاعليّة تتضمّن الوجه الآخر من العملية الإنتاجية. وفي كلّ مكانٍ تنشط الحركات الاجتماعية من أجل إعادة البعد الإنساني إلى العالم. أليست القضيّة الإناسية بالتالي، إذا تكلّمنا بهذا المنطق، مفهومة ومشغول عليها منذ زمنٍ طويل؟
كلا، هي ليست بتاتاً كذلك. وتصديق ذلك يفضح سوء تقديرٍ رهيبٍ لفداحة الأمور.
هنا ينطبق ما ينطبق على موضوع البيئة. فهاتان القضيتان الحضاريّتان هما بالطبع من عالم السياسة، لكنّهما تتجاوزانه لأنّ فيهما رهاناً على الخيارات الأخلاقيّة الأكثر عمقاً من الخيارات السياسيّة بالمعنى التقليديّ للكلمة. فالتساؤل، وليس من دون تخوّفات، عما سيؤول إليه البشر لا يعني إسقاط الصفة عن التعارض بين اليمين واليسار، بل فيه رغبة بأن يحمل المعنى نفسه لمستقلبنا المتمدّن، وهو ما لم تعد تفي به كلمات مثل اليمين واليسار بعد أن فقدت قيمتها بشكلٍ فادح. فأيّ إنسانية نريد أن نكون عليها؟ هذا هو السؤال المهيب الكامن وراء القضية الإناسيّة. وهذا السؤال لم يحرّك أبداً حتّى الآن منتديات الأبحاث ولا المبادرات المفترضة.
فإذا لم يعد إنتاج البضائع والخدمات قابلاً للإدارة من دون هاجسٍ أعلى هو إنتاج الأشخاص، إلاّ في حالات الكارثة، يعني أنّ هذا الشرط الصارخ يفرض "التفكير" في الإناسة. فالإناسة، مثلها مثل البيئة، يجب أن تكون معرفة حقيقيّة تدفع للتصّرف تصرّفاً صحيحاً. وفي هذا المجال، ما نزال إلى حدٍّ كبير بعيدين عن المعرفة المطلوبة أن تصمد عندما نصل إلى هذا المفهوم المضلّل: "الإنسان". هنا كلمة واحدة تحدّد كلّ هذه الحقائق المختلفة جدّاً: الجنس البيولوجي "الإنسان العالِم homo sapiens"، "الجنس البشريّ" الذي تطوّر تاريخيّاً، و"الجماعة الاجتماعية" و"الفرد" الشخصي، والذي هو أكثر من ذلك، الكائن من الجنس الأنثوي كما من الجنس الذكوري؛ كلّ هذا الخليط هو "الإنسان"؟ فهل هناك ولو مجال واحد آخر من المعرفة يمكن أن يشفي من هذا النوع من البدائيّة المفهوميّة؟ ومع ذلك فإنّ هذه الضبابية مستمرّة بحكم استعمالها شبه الشامل، حتّى عند أدباء يتمّ الاستشهاد بهم على الدوام، نيتشه وهايدغر. وهل من باب الصدفة أن يكون المفكّر الكبير الوحيد في العصر الحديث الذي أعاد النظر بشكلٍ جذريّ في هذا المفهوم التجريدي السيّئ الذي هو "الإنسان"... هو كارل ماركس؟
وبرغم أهميّتها الملحة مثل قضية البيئة، فإنّ القضية الإناسية لم تحظَ حتّى الوقت الحالي باهتمامٍ كبير، ولا بتفكير وافٍ ولا حتّى يؤتى على ذكرها. إنّه لَوضعٌ مأساويّ. ولذلك تفرض على من يتلمّسها مهمّة أساسيّة. إذ يجب عليه أن يقترح على الأقلّ صورةً أوّلية للمواضيع الكبرى الكفيلة بأن تنظّم فكراً لإنسانيّة سائرة إلى الهلاك. وما يلي هنا هو من نوع المحاولة في هذا المجال، بدأ العمل فيها قبل ثلاث سنوات عبر خلاصةٍ لكتابٍ ضخم.
 
سقوط المدنيّة إلى ما لا حدّ له
هناك انحراف حضاري خطير يجذب الأنظار هو "الإتّجارية المعمّمة بما هو إنسانيّ". فقد أرست الرأسمالية السيطرة الشاملة للسلعة، إذ هذا هو الشكل الأكثر ملاءمة لبيع العمل غير المدفوع الذي يعتمد عليه الكسب الخاص. فهي عندما تجعل من قوّة العمل البشرية نفسها سلعةً، فإنما تشيّئ الأشخاص، في حين أنّها تشخّص الأشياء. يفترض بجلالة الرأسمال إذاً أن "يمنح العمل" للـ"يد العاملة"، في حين أنّه في الحقيقة هو الأجير الذي بات مرغماً على إعطاء الرأسماليّ عملاً مجانيّاً...
 
إلا أنّ الواقع الجديد المدمّر أكثر فأكثر هو أنّ ما من شيءٍ إنساني يفلت بعد الآن من إملاءات عالم المال: فكلّ شيء يجب أن يعمل من دون هوادة لتحقيق الأرباح الضخمة لهذا العالم، من قطع الغيار إلى سرير المستشفى، ومن التجارة على الانترنت إلى المساعدات المدرسية، ومن الابتكارات الصيدلانية إلى حركة انتقال النجوم الرياضيّين من نادٍ إلى آخر... وهذا ما يعني إدارة الشركات وصولاً إلى الضراوة، فنحن نعيش في حالة تلوّثٍ للعمل ليست أقلّ مأساويّة من حالة المياه. وهذا ما يعني أيضاً إضفاء الصفة الماليّة المعمّمة على نشاطات الخدمات التي تؤهّل الأشخاص وتطوّرهم، من الصحة إلى الرياضة والتعليم والأبحاث والإبداع والتسلية والأخبار والاتصالات... وفي نهضة هذه الخدمات ما ينمّ بشكلٍ واضح عن السير في اتّجاه عالمٍ يصبح فيه الإثراء الحاسم هو الكائن البشريّ. فالرأسمالية تستغرق في ذلك لكي تفرض ما عندها من منطق. وهذا ما يعني بالتالي أنّ الأهداف النظيفة من هذه الأعمال يصار إلى استبعادها لصالح قانون المال. وهكذا تجعل الإعلانات من التلفاز، هذا الموجّه الرائع للثقافة والتضامن مجرّد وسيلةٍ لبيع المعلنين "من وقت الأدمغة البشرية المتوفّرة". إنّه تأهيل الأشخاص الخاضع لمعدّل الربح: فهل سنتمكّن من تحمّل هذه الجريمة؟
وضمن هذا الهوس الاتّجاري، هناك نزعة أخرى هي بحدّ ذاتها قاتلة: وهي "النزعة التراجعيّة لكلّ القيم". هذا ما كان كانط قد برهنه في مجال الأخلاق: أن تعترف للإنسان بكرامته، يعني فرض أنّه "أكبر من أيّ ثمن"؛ إذ عندما يحال كلّ شيء إلى عملية تقييم ماليّة، فهذا يؤدّي إلى تراجع الكرامة عموماً. والأمر ينطبق أيضاً على المجال المعرفي والجمالي والقضائي وكذلك المعنوي على حدٍّ سواء: فمن دون قِيمٍ تقدّر "لذاتها ومن دون تحفّظ"، لن يبقى هناك بشريّة متمدّنة. إلاّ أننا بتنا نعيش هذه المأساة اليوميّة: فعلى الدوام هناك استهتار بهواجس الحقيقة والعدالة والكرامة... وديكتاتورية الربحية تتآمر لموت كلّ ما لا يقدَّر أو ما يفعل لوجه الله أو المجانيّ. نحن إذاً على المشارف المأساوية لعالمٍ لا يساوي فيه "الإنسان" شيئاً [2]. هذا ما يُستدَلّ عليه من انتشار كلمة "دون"، مثل دون أوراق، ودون عمل، ودون مسكن، ودون مستقبل...، ما يسمّيه إيميه سيزير "تصنيع الرجل القابل للرمي". وفي محاذاة ذلك هناك أولئك الذين يسمنون و"يساوون ذهباً" - من الأجور باهظة وتعويضات التسريح الذهبيّة والكافيار للكلاب... -، ما مردّه بالإجمال للأمر ذاته: أنّ كلّ سلّمٍ للقيم ينهار. إلى درجة أنّ "القيمة" الوحيدة التي تتباهى بكونها مقياساً كلّ الآخرين، والتي أصبحت نوعاً من المرجعيّة الذاتية، باتت هي نفسها من دون قيمة.
فعالم المال لا يني يتضخّم بوضع أصفارٍ وهميّة قبل أن يتبخّر بالمليارات لدى انفجار الفقاعات، في حين تبقى الحقيقة القاسية لمنتجي ما هو حقيقي. فهل أنّ تصفية القِيم هذه هي أقلّ فداحةً من ذوبان القطب الجليدي؟ إنّها إنسانيتنا نفسها على المحكّ: فهل نقيس حقيقتها الرهيبة؟
 
وتحت هذا التقهقر، يمكن استشفاف ناحيةٍ ثالثة ذات خطورة أسوأ: إنها "الاضمحلال المنفلت للمعاني". وهذا تقهقر محدَث، إذ لطالما كان للرأسمالية معنى؛ بالرغم من استغلالها، لقد ساهمت في تقدّم البشرية. لكن مع الهجمة عالم المال نحو القمّة، الشكل الخالي من الإنسانية إلى أقصى درجة للثروة، نحن ندخل في زمن زوال المعنى على المستوى العام: لقد باتت مراكمة الرأسمال أكثر فأكثر من دون هدف أو نهاية. وما نعيشه هو الفشل التاريخي لطبقة احتكارية باتت من دون هدف تمدينيّ، تدّعي أنّنا محكومون بـ"نهاية التاريخ هذه". إنّه موت المعنى المنتشر في كلّ مكان عبر النظرة المتوحّشة للربحيّة على المدى القصير لعوائد الاستثمار، حيث لا يمكن لأيّ مشروع بشري أن يجد متنفّساً له.
هذا ما يفسّر كون النظام المعولم بواسطة عالم المال هو حدوث "اللاعالم" المشنّج، حيث تكتسح العبثية كلّ شيء إلى جانب التعصّب الديني المتواطئ معها. يتفاقم قصر النظر البنيوي هذا تحديداً في الوقت الذي بدأت فيه القوى العملاقة التي بدأ البشر يبلغونها تفترض صناعة المستقبل وإلاّ الموت. فابتكاراتنا المادية والروحية، التي تفلّتت من كلّ تحكّمٍ جماعيّ، وفي ظلّ الافتقاد الخرافي للديموقراطية الحقّة التي تغرقنا فيها سيطرة الخاص كلّياً، قد أصبحت قوى عمياء تقهرنا وتسحقنا؛ وفي هذا اغتراب لا مرسى له، وكلّ قمّة للدول الكبرى الثمانية (G8) تبقى أمامه سخيفة. ومن هنا هذا الشعور المنتشر عن إنسانية لا قبطان لها، تسرع للاصطدام بلا رحمة بالجدار، جدار البيئة وكذلك الجادر الإناسيّ. والحال أنّه إذا بدأ الجنس البشري بالانحلال، فلن يبقى هناك قدر للإنسان العالم. نحن إذاً في بداية تسارع الانحدار نحو الأسوأ، فهل تسمعون حقّاً الصرخة المنذرة؟
الإتجار بالإنساني، وتساقط القيم، واضمحلال المعاني؛ لنتحلَّى بجرأة قول الكلمة: إن ما يجري هو "سقوط المدنيّة إلى ما لا حدّ له". هذا لا يعني تجميل القرنين الماضيين مع ما فيهما من أهوال وإبادات. لكن مع الانتصار الكامل "للمبادرة الحرّة" في نهاية القرن، كان هناك من أنبأنا بالسيطرة النهائيّة لديموقراطيّة مطمئنة. إلاّ أنّنا على العكس نتجّه صوب توسّع ديكتاتوريات العنف، وبينها واحدة من الأسوأ، هي العنف "الناعم". حروبٌ دامية في كلّ مكان - أعمال تطهير عرقيّة، ونهب مسلّح للدول الفقيرة، وحذق قاتل للإرهاب، وإعطاء التعذيب طابعاً رسميّاً، ووحشية خانقة في الوقائع العادية، أي كلّ ما سماه أحد الفلاسفة "بربريّة اللاعالم المعولم" [3]. وأكثر من ذلك هناك العنف "النظيف": التنافس حتّى الموت بين الشركات، وتداعي أعمال الصرف من شركات البورصة، والتفنّن في فرض مناخٍ بوليسيّ في الشركات والمدن، وحتّى الرمزي منها، وضمائر منتهكة على مرّ الأيام، وتشرّب بطيء لكلّ مخاوف الآخر، وتشويه ثقافي مدنيّ عبر الصلافة السائدة... أن يكون "وعي الطبقات" قد انحدر إلى الدرجة التي نراها، وأن يكون هناك الكثير من النساء والرجال الذين ما عادوا يتصّورون كيف انقاد عالمنا وما موقعهم فيه، كلّ هذا ينمّ عن تخلّفٍ ذهنيّ ذي تداعيات كارثيّة. ولا ننسيَنَّ أبداً أنّ النازية قد ثبّتت نفسها عندما استبدلت الفكر الماركسي للطبقات بشعار "شعبٍ واحد، جيشٍ واحد، وقائدٍ واحد" [4]، إنّها إيديولوجية "الإنسان" اللاطبقي...
إلى هذه السمات الأربع الكبرى، تضاف سمة خامسة تضاعف من إمكانات الهلاك: وهي تتمثّل في "تحظير البدائل بشكلٍ منتظم". إنّه تحظير مقصود: فالطبقة المستفيدة قد شعرت في الأمس برياح القنبلة الثورية، وبذلت كلّ شيء لتعوّق نهائيّاً عودة الخطر؛ انظروا كيف تعامل وسائل الإعلام "يسار اليسار". إنه خصوصاً تحظير تلقائيّ بواسطة منطق النظام. فقد رأى ماركس أنّ الرأسمال، الذي معه تتنامى جماهير البروليتاريا، ينتج الناس الذين سيقوّضونه. باتت هذه الروح التفاؤلية التاريخية اليوم نوعاً من المغامرة، فثورة الإنتاج قد قزّمت الأجراء، وحصرية القرار المالي قد جرّدهم من سلاحهم، ووزن المصير الحتميّ يحطّم معنوياتهم: إذ أنّ التطلّع الطموح إلى تغيير كلّ شيء لا يفضي إلى أيّ نتيجة. إنّها حالة عجزٍ متكّررة في كلّ مكان، كما أنّ أكاذيب السياسة المؤسّساتية تغذّي قبل كلّ شيء الامتناع عن التصويت. ويميل هوس الربحية الجنونيّ إلى إقناعنا بحتميّة حدوث الأسوأ. وحتّى النظام نفسه الذي يتّخذ "الحرّية" تعبيراً رئيساً له قد تبنّى شعاراً له "تينا TINA" (الأحرف الأولى من عبارة "لا بديل" بالانكليزيّة، There is not alternative!) التي قالتها مارغريت تاتشر. وفي الواقع، "كيف" سنتمكن من التخلّص من الهيمنة الكلّية للأسواق المالية ووكالات التصنيف إذا كانت أزمة العام 2088 الضخمة لم تغيّر شيئاً لافتاً في النظام؟ أليس في هذا المناخ الحالي من سقوط الامبراطورية الرومانية، لكن في عصر القوّة النووية والانترنت، ما تفوح منه رائحة الكارثة النهائية؟
قد يتساءل البعض: إذا كان الهلاك بهذه الفداحة التي يقال بها هنا، فكيف يمكن فهم كونه لا يولى الاهتمام الكافي مثل البيئة؟ وأنا هنا أكتفي بملاحظة أساسية. فطرح المسألة الإناسيّة هو تجريمٌ مباشر لسوء معاملة بنيويّة للبشر على يد الرأسمالية؛ فما من شكّ في كونه لا يريد تعميم الفكرة. الفكر البيئي يندرج في سياق ثقافةٍ مختلفة، منكفئة على الطرائق المؤذية في الاستهلاك أكثر منها نحو نمط الإنتاج اللاإنسانيّ، ونحو اكتساح التقنيّات العلمية أكثر منها نحو استبدادية معدلات الربحيّة، ونحو عدم المسؤوليات المجتمعية أكثر منها مصالح الطبقات. وعندها يمكنه أن يحيل نحو عملية إصلاحٍ فاضلة للاستهلاك أكثر منه نحو ثورة في علاقات الإنتاج. فالاهتمام بالبيئة المختزل بهذا الشكل ينزع إلى أن يكون من دون خطرٍ بالنسبة إلى شركات البورصة الكبرى، الـ CAC 40. ويمكنه حتّى أن يقيم معها أعمالاً جيّدة وعمليات سياسيّة، فالـ"فكر الأخضر" قد أصبح شاملاً... بينما تقوم المأساة البيئية في الحقيقة بقدر الإناسية على الآماد القصيرة لزيادة الأرباح إلى أقصى درجة. القضيتان متلاحمتان: ولا يمكن أن ننقذ الواحدة من دون الأخرى، البيئة والجنس البشريّ. ولا مستقبل لسياسةٍ بيئية لا تتصدّى بحزم لنظام الربحيّة. الرهان هو هنا، وراء المسألة المبهمة "لسياسة بيئة يساريّة".
إنّ الوضع الحالي للجنس البشري، الموصوف هنا، يبدو في منتهى السوداوية. أليس هو على الأقلّ إحاديّ الجانب؟ أليس علينا أن نرى أيضاً كم تتشكّل حوله الأفتراضات الموضوعيّة والمبادرات الذاتيّة من أجل تجاوز الرأسمالية الذي أصبح ملحّاً؟ نعم ومن دون أدنى شكّ [5]. هناك الكثير من الأمور التي توحي بانطباعٍ حادّ عن "حتميّة ما هو أسوأ"، ويجب عدم الاستسلام. يمكن الشروع في قلب النزعات. لكنّ النجاح يفرض أن تؤخذ المهمّة بكلّ ما فيها، ليس أقلّ من الاضطلاع كلّياً بالقضية الإناسيّة، وبالتالي "بناؤها" على قدم المساواة مع البيئة.
فمن الساخطين في أوروبا إلى المواطنين الأميركيين الذي يهتفون غاضبين ضدّ وول ستريت، تبدو قويّة الشحنة "الأخلاقية" لحالات الاستنكار التي تترجم اليوم أفعالاً، وذلك في صدى واضح مع البعد الأخلاقي للقضايا الحضارية المطلوب الدفاع عنها. هناك شيءٌ ما عميق يخضّ السياسة. ولنقل على طريقة جوريس: القليل من السخط يبعد عن السياسة، والكثير منه يعيدنا إليها؛ أو بالأحرى يجب أن يقودنا إلى نوعٍ جديد من النشاط، ليس إلى ثورة على الطريقة القديمة بغية تحوّلات في القمة المحتّم سقوطها، بل إلى الالتزام "على كلّ المستويات" بتبنٍّ مشترك لأشكال تجديدية للمبادرات والتنظيم، وقد آن أوان الاختراع. ومن أجل ذلك، يمكن البدء بالعمل على هزيمة حتميّة الأسوأ.
وذلك عبر ربط الوعي الأكثر وعياً للممكن بالرؤية الأكثر طموحاً للضروري: فما يجب أن يبدأ اليوم، هو إنقاذ الجنس البشريّ.
ولا يمكن إلا التوافق مع ما كتبه ماركس إلى روج في آيار/مايو العام 1843: "لن تقول إنّني أكوّن فكرة رفيعة جدّاً عن الزمن الحالي، وإذا لم أيأس منه، رغم كلّ شيء، فذلك لأن الوضع الميؤوس منه هو بالتحديد ذلك الذي يُفعمني بالأمل".
 
الهوامش:
* كاتب المقال فيلسوف. أصدر مؤخراً الجزء الثاني من كتاب Penser avec Marx aujourd’hui, intitulé L’homme ? (La Dispute, Paris).
 [1] Marie Pezé, Ils ne mouraient pas tous mais tous étaient frappés, Pearson, 2008; Yves Clot, Le Travail à cœur, La Découverte, 2010.
 [2] إنها الصلافة الكامنة في الشعار الدعائي الشهير: "لأنني أستحقّ ثمنه تماماً"، إمراة تساوي منتجاً تسويقيّاً...
 [3] André Tosel, dans Civilisations, cultures, conflits, Kimé, 2011, p. 139, et tout le remarquable chapitre 4.
 [4] "شعب واحد، ومملكة واحدة، وقائد واحد"، راجع تحليل فكر هايدغر في "الإنسان".
 [5] اقرأ في هذا السياق كتاب:Jean Sève, Un futur présent, l’après-capitalisme, La Dispute, 2006.
 
نقلاً عن "لوموند ديبلوماتيك"
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
العِلم حضارة وليس مجرد تقنياتفي أكبر ضربة للطاقات المتجددة والنظيفة.. دول كبرى تعتمد خيار الاستثمار في الغاز والنفط الصخري الملوث
في المنطقة العربية إمكانات شمسية أكبر من 72 ضعف القدرات النفطية..من أجل استدامة الطيور
ستيف جوبز: الفتى الذي غيّر حياتنا - جوبز يبقيه العالم الافتراضي بالموسيقى والتطبيقات الذكيّةهل يمكن للطاقات المتجددة أن تشكل بديلاً حقيقياً في الفترة القادمة؟.. «جزيرة الحديد» الإسبانية نموذج
فاكهة الصيف دواء ولكن... الأفضل تناولها قبل الطعام وليس بعدهتأمّل في أسئلة لا تنتهي عن إينشتاين والزمن والضوء والطاقة
الاحترار الكوني.. هل يدمر القطب الجنوبي؟أعداء التكنولوجيا
داروين يقلق العلم مُجدداً عبر دراسة "تسانده"!تجلي نظرية داروين في الفيزياء والفلسفة
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى