الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق

  بقلم: عصام درويش


انقر هنا للتكبير
 
الصورة: لوحة للفنان السوري سبهان آدم
 
جرى الحديث طويلاً وبشكل متشعب عن الفن التشكيلي الشاب في سورية ومدى تأثره بالتجارب التشكيلية التي سبقته ومقدار استقلاليته عنها وما اذا كانت ثورة الاتصالات المعاصرة والتقنيات المتجددة والطفرات التي قطعها الفن العالمي قد دخلت اليه وما هي التجليات التي ظهر بها، تلك المطابقة لما يحدث خارجياً أو تلك التي هضمها مفرزاً أشكالاً جديدة من ابداعات الصورة والمشهد وفنون البصر العصية على الحصر؟
وقد اغتنى مشهد التشكيل السوري المعاصر بدخول الكثير من العناصر الجديدة التي لم تكن موجودة أو تلك التي دخلت الى حيزه بعد طول انتظار أمام بابه الموصد، كفنون التصوير الفوتوغرافي وفنون المكان وفنون العرض المباشر والفيديو آرت وغيرها من فنون ساهمت وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة في حضورها بقوة في التشكيل العالمي.
وبإطلالة سريعة على العديد من التجارب الفنية الشابة يمكن رؤية ثلاثة اتجاهات رئيسية فيها:
الاولى أقرب الى التقليدية، استلهمت تجارب معروفة في الفن التشكيلي السوري الى هذا الحد أو ذاك في توليفة شخصية، وقع بعضها في نسخ تلك التجارب شكلياً كما هي دون الولوج في الروح الصافية التي صنعتها، بينما طوّرها البعض الآخر في جهد واضح للحصول على حيز خاص يرتبط بخيط عاطفي مع تجارب المعلمين الاوائل دون إغفال المعطيات المعاصرة والبعد الذاتي الصرف. وهي تعمل وفق المعطيات التقليدية للوحة الحامل المعروفة مع تطويرات تنصبّ على تقنيات أكثر معاصرة في استخدام الألوان وحبكات السطح.
أما الثانية فهي تستبعد التجارب المحلية استبعاداً شبه كامل وتنصرف الى المعين الخارجي تمتح منه أشكالها ومفاهيمها وأفكارها وتقنياتها ومنظورها وحتى زوايا نظرها المحددة آخذة كل جديد كما هو في "استغراب" كامل وتمنّع مقصود عن ادخاله هو نفسه، اذا كانت الاستفادة منه ملحة الى هذه الدرجة وهي كذلك فعلا، في خلطة تستفيد من عناصر محلية كي لا يبدو وجوده مستعاراً الى هذه الدرجة الفاضحة من انعدام الإحساس بالواقع والانفصال عنه.
أما الثالثة فهي، في تصرف ينمّ عن الحكمة في كثير من الأحيان وكما فعل غالبية الفنانين المهمين الاوائل، تحاول مدّ جسر بين فنون العالم المعاصر التي تغتني كل يوم بجديد وبين تلك الكتلة الاصيلة للفن التشكيلي السوري الذي ولد من رحم المعاناة الطويلة لأجيال من مبدعيه وأيضاً مع ذلك التاريخ المجيد للفنون السورية القديمة وتلك المعطيات المعاصرة على الصعيدين البصري والإنساني العميق اللذين يعينان وجود البشر على هذه البقعة الجغرافية المعقدة والشديدة الغنى من كوكبنا.
ولكن الاختلافات أو الاتجاهات المتنوعة التي يغتني بها التشكيل السوري المعاصر في تجارب جيله الشاب لا تحجب أبداً رؤية ذلك القلق والضياع الواضح الذي يسم غالبية إنتاج فنانيه، خصوصاً عند تناول موضوع الكائن الانساني بشكل رئيسي في أعمالهم. هنا نرى أثر ما يجري في العالم والمنطقة من عنف وعسف، ليس كصور تعكس بشكل مباشر ما يجري حولهم، ولكن كظهور درامي جرى هضم مشاهده وفرزها ووضعها في أعمال فنية تعكس قلق وتشوه الإرادة الانسانية دون أي أمل باستعادة الانسان لصورته النقية وكأنما هي شهادات أجيال بكاملها عن فقدان الحلم بالحاضر والمستقبل.
ونستطيع أيضاً تتبع اهتمام الأجيال الشابة بشكل غير مسبوق برؤية واكتشاف التقنيات المعاصرة والبحث عن صيغ الالوان الجديدة واستخدام العديد من الخيارات المركبة ومعالجة سطوح الاعمال الفنية بطرق غير تقليدية والاهتمام بالنسيج والحبكات التي تؤدي ألعاباً بصرية تغني هذه السطوح وتحرك العين لتتبع مناخاتها وأسرارها، وعندها تصبح مادة الاعمال أغنى من تلك التي كانت عند أسلافهم، نراها غالباً تغلي مثل مختبر حقيقي للتركيبات والملامس تعين الى حد كبير تقديرهم للأهمية البالغة للعمل بالتشكيل بالمعنى البصري الذي يفرقه عن باقي الفنون .
سئل الراحل فاتح المدرس ذات مرة: لماذا تعرض مع الشباب أحياناً ناسياً مكانتك؟ أجاب مازحاً: اذا كانوا سيئين ستظهر لوحتي أفضل واذا كانوا جيدين سيكون لي شرف السبق في اكتشافهم.
والسؤال والجواب هنا يعينان الى حد كبير علاقة الرعاية الجدية التي أغدق بها عدد مهم من معلمي الفن السوري على الأجيال الجديدة من الفنانين، رغم أن روح الحث على الإتباع ونسخ التجارب والتدرج في التطوير لا القفز الثوري عينت الى حد كبير علاقة بعض المعلمين وأساتذة كلية الفنون الجميلة، خصوصاً بطلابهم مما ساهم في تطويع البعض الذين بقيت تجاربهم وأعمالهم اللاحقة نسخ مكرورة لأعمال أساتذتهم.
من الصعب طبعاً ذكر كل تجارب الجيل الشاب نظراً لكثرتها وتنوعها، حيث شهدت سورية في السنوات العشرين الماضية، خصوصاً طفرة استثنائية في تطور هذا الحقل من النشاط الثقافي وصل في السنوات القليلة الماضية الى حد أنه استدعى اهتماماً إعلامياً داخلياً وخارجياً لافتاً لملاحقة هذه الظاهرة السورية وتحليل أسبابها ومتابعة أخبار واسماء فنانيها، وهي ظاهرة ألقى الضوء عليها دخول استثمارات خاصة كبيرة لتلقفها والاستفادة من حضورها القوي والفاعل مما انعكس هو الآخر على مبدعيها إيجاباً وسلباً مثلما ساهم في نقل أحداثها ومجريات تطورها الى الاهتمام الاعلامي العربي والعالمي. تجارب نذكر من أسمائها: أحمد برهو وفادي يازجي وثائر هلال ونهاد كولي ومنهل عيسى وعدنان عبد الرحمن وهجار عيسى ومحمد العلبي ومحمد الشبيب وناصر حسين وسبهان آدم وحسكو حسكو وعبد الكريم مجدل بك وغزوان علاف وعبد الحميد عبد الله وبثينة علي وسارة شما وياسر صافي وسيمون قبوش وفراس الجوابرة وحسام بلان وفاروق محمد وعثمان موسى وتمام عزام وأكرم الحلبي وايمان حاصباني وقيس سلمان وعمار البيك ومحمد عمران ومهند عرابي ونديم آدو وأيهم ديب وعروة أبو ترابة ورياض الشعار واسماعيل نصرة وابراهيم الحسون وأحمد الجمعة وعمران يونس ونهاد الترك وباسل السعدي ومطيع مراد وجابر العظمة وخالد الساعي ووليد المصري وخالد تكريتي وفادي الحموي وفادي مراد ووسام الشعبي وأنس كحال وخالد فاضل والياس أيوب وعزية الشريف ونورا درويش وهبة العقاد وآزاد حمي وفادي عطورة وأنس الرداوي وشادي أبو سعدة ومي ريشي ... والكثيرون الكثيرون غيرهم .
بعض هذه التجارب تطور واختمر وبعضها يتلمس طريقه في زحمة الاساليب والاتجاهات والرؤى الفنية. بعضها وهو قليل يصيبنا بالدهشة على الصعيدين البصري والنفسي العميق، وبعضها يضيع في الحيرة بين التركيز على البصري أو الدخول في عوالم المعنى.
سنأخذ ثلاث تجارب لثلاثة أسماء، علها تضيء وتساعد في رؤية تلك الاتجاهات الثلاثة التي تكلمنا عنها آنفاً:
 
سارة شما الواقعية المتطرفة
الواقعية كما نعرفها في المشهد التشكيلي السوري تتأكد وتتصاعد في تجربة الفنانة سارة شما ليس فقط على الصعيد الأكاديمي بما يعنيه من التمكن الكبير من الأدوات الفنية والتقنية، بل أيضاً خصوصاً كمحاولة جادة وناجحة للدخول في عوالم اللاوعي والغوص في أرض المعنى الخصبة، حيث يمكن قطف ثمار متنوعة ومختلفة، عجيبة ومحرّمة.
من الصعب رؤية الفنانة سارة شما دون التطرق الى محاولات "أستذية" ونقدية لفرض اتجاهات بعينها والدعاية لها على أنها قدر المحترف السوري وأن كل ما عداها هو هامشي ولا يصبّ في الجهد الرئيسي للاتجاه التعبيري الذي يعين صورة المشهد التشكيلي السوري، حيث جرى اتهام السريالية والميتافيزيقية بـ"الأدبية" وهو ما اعتبر لزمن طويل تهمة تستوجب الإدانة والشجب!
ويمكن القول إن فقر العالم الداخلي وانعدام القدرة على الولوج في التعقيدات العميقة للنفس البشرية وفقدان القدرة على استكناه عوالم اللاوعي وقلة الثقافة أو فقدانها هي وحدها التي تمنع تذوق الاتجاهات والأساليب السريالية والميتافيزيقية التي تتطلب مقداراً مهماً منها لدى المشاهد، حيث تخلق حواراً من نوعية مختلفة وتظل تثير مشاعر وأحاسيس تتعلق بحياته الداخلية ووجوده ولا تكتفي بإيصاله الى سطح اللوحة وإبقائه هناك مهما حفل ذلك السطح بحبكات غنية وأعماق تمتع البصر.
ولكن مهمة الوصول الى تجارب مقنعة في هذا المجال صعبة للغاية كما يبدو فقد حفلت الساحة التشكيلية السورية بتجارب سابقة مؤسفة على هذا الصعيد، حيث شاهدنا أعمالاً مسفة لا تملك الحد الادنى من مقومات العمل الفني تصور عوالم قيل لنا إنها سريالية وهي لا تتمتع عموماً الا بالقدرة على إفزاع المشاهد وتنفيره حيث افتقرت الى الحد الأدنى من التمكن من التقنيات ومن الادوات الفنية البسيطة الاولى.
ويجتمع في أعمال الفنانة سارة شما عاملين شديدي الأهمية في أية تجربة تقترب من الاجواء السريالية، الاول يتجلى في امتلاك أدوات التعبير الفني ونتكلم هنا عن التمكن من الرسم الواقعي والتكوين المدروس والمتين والاستخدام المناسب للألوان، والثاني يكمن في وضع الأشكال واستخدامها استخداماً غير تقليدي يحدث انقلاباً في رؤيتنا يضعنا وجهاً لوجه أمام تكوينات غريبة وغير متوقعة تساهم في تحريك ذلك الجانب الخفي عن تصوراتنا عن الكون والإنسان وأنفسنا ووعينا ولا وعينا.
ترسم سارة غالباً نفسها، ولكنها بمعنى ما تعيد صياغة شكلها مقترحة العديد من الزوايا الغريبة مستخدمة قدرتها على الرسم الواقعي الفائق "الهيبيرياليزم"، حيث نستطيع أن نحس بملمس الجلد والشفاه وبريق العين تحت الجفون، ولكنها في النهاية ليست مجرد صور شخصية لكائن نعرفه، فبواسطة خلفية أو حركة يد أو نظرة غامضة ما تنقلنا سارة الى خضم عوالم نفسية معقدة ونعرف أن ما نشاهده هو أكثر من بورتريه وأنه أنما يشبه حفرة عميقة تقودنا الى عالم آخر، متخيل وشديد السحر.
عندما ترسم سارة شما نفسها فإنها انما ترسم رمز الإنسان الصافي وتعبر عن بعض إشكالات وجوده في بحثه عن مصيره في علاقته بالكون والناس من حوله بكل التعقيدات والمسارات التي تتشكل ويُعاد تشكيلها في كل لحظة، وهي تفعل ذلك ببراعة يمكن رؤية المراحل الواثقة التي قطعتها وتوقع الخطوات المستقبلية فيها أيضاً.
 
مطيع مراد
بعد تجربة بالأبيض والأسود نحت باتجاه تعبيرية تستخدم الوجه الانساني وصور انزياحاته العديدة، دخل الفنان مطيع مراد عالم التجريد الخالص، خصوصاً بعد أن التحق بالشباب المتعاقدين مع احد الغاليريات الخاصة، في أعمال كبيرة استخدم فيها براعة تنهل من حساسية أصيلة لديه مشتغلا على سطوحه مجاوراً ألواناً صافية الى مناقضاتها أو متمماتها بقدرة على استكناه موسيقى ذات نبرة عالية تعتمد تضاداً قوياً يبدو كصرخات عنيفة مع انتقاء مساحات يلعب فيها بهارمونية لطيفة من أجل تخفيف غلواء الحشد المتمرّد في أرجاء الأعمال.
وهو يعتمد في خلق حركة أشكاله التي تقطع اللوحة أفقياً أوعمودياً على خطوط هندسية غير منتظمة، منحنيات ودوائر وشبكات من الخطوط الاصغر وأحياناً خطوطاً هندسية صريحة آخذاً اختزالات "موندريانية" ليخلق حركة لا تهدأ في أجواء يحضر فيها الإيقاع بشدة وكأنما تدور المساحات الملونة، الصغيرة والكبيرة في رقصة تأخذ العين وتخلق الكثير من عواطف الحركة السريعة.
ورغم أن الفنان مطيع مراد يقول إن أسلوبه هو "ثمرة روح طفولية معجونة بمخزون بصري من الزخرفة الاسلامية ومبدأ الانطلاق من مركزية اللوحة نحو الخارج بتوازن لوني وبصري". الا أن روح التجريد الغربي الصافي والذي نراه عند عدد لا يحصى من الفنانين الغربيين والذين اشتغلوا تحت تسميات التجريد الهندسي في العديد من البلدان الاوروبية الغربية والشرقية وفي الولايات المتحدة الاميركية والاسماء أكثر من أن تذكر، بل ان تجربة الفنانة الفلسطينية المقيمة في الولايات المتحدة الاميركية "سامية الحلبي" والتي عرضت في الصالة الخاصة نفسها التي تحتكر أعمال الفنان مطيع مراد تحمل بصمات المرجعية الغربية التجريدية نفسها باختلافات بسيطة عن تلك التي لدى الفنان مراد، وهذا ليس اكتشافاً مؤلماً نظراً الى أن التجارب التجريدية على امتداد تاريخها تعتمد غالباً على الموسيقى الداخلية واللون ويحمل الكثير منها فروقات بسيطة في الرؤى والألوان وحضور الخطوط والحبكات وتقنيات السطح إلا في حالات البصمات الكبرى التي من الصعب تكرارها.
ورغم أن التجارب التجريدية السورية هي تجارب قليلة نسبياً اذا ما قورنت بحجم حضور الأساليب الأخرى الا أن العلاقة التي ربطتها بعالم التجريد الغربي كانت دائماً قوية ولم تفلح الا تجارب قليلة في تجاوزها الى هذا الحد أو ذاك، خصوصاً حين أرادت ادخال البعد المحلي في طرق واقتراحات شتى كالتجربة الخاصة للفنان الراحل عبد القادر أرناؤوط والتجربة الحروفية المتميزة للفنان الراحل محمود حماد.
ولكن هذا لا يعني أن تجربة الفنان مراد هي نسخة عن تجربة تجريدية معروفة، حيث يمكن دائماً ملاحظة ذلك الجهد الشخصي للظفر بالبصمة الشخصية الشيء الذي لا يمكن إدراكه دائماً دون تفوق على الذات والصدق الكامل مع النفس.
 
سبهان آدم
"سبهان ادم" فنان خاص كيفما قلبت المسألة "نافر ومختلف. وسواء أحببت ما يفعل أم لا فإنك في قرارة نفسك ستلقى ما ستجده أصيلاً فيه"، خصوصاً ذلك العالم الذي ولّفه إجابة على سؤال بسيط: "هل سأرسم ما يبهج العين من الخارج" أم سأجد ما تركض وراءه النفس بعد الصدمة الأولى مذهولة، ولن تتخلى عن التمسك به ومراوغته والتفكير فيه؟
وقد سبّب العالم الذي جال فيه وانتقى صوره الكثير من التشوّش له و لمشاهديه "خصوصاً أولئك الذين تعوّدوا بشرات النساء الناعمة ومشاهد الطبيعة الخلوية الساحرة فإذا به يلقي في وجوههم وجوهه التي انتابها قلق مزمن دفع بعظامها وعضلاتها إلى التغير وإعادة التشكل، فبرزت منها استطالات ليست لها واندفعت خارجها خلايا مركبة في حركات تنبئ عن هول ما تشهده.
ولكن عالمه المقلق والكابوسي لم يعف صاحبه من استمرار التوغل فيه "بل إن ردة الفعل المباشرة على العروض الأولى شكلت سبباً إضافياً" في نوع من التحدي الصامت "لمواصلة البحث والتنقيب في احتمالات ضلوع الكائن البشري في ما يحيله في نظر نفسه" على الأقل "إلى هذه الكتلة المرعبة من الخطوط التي تقف في مواجهتنا دون أسلحة الإخفاء الماكرة المعتادة، مفضوحة ومعلنة وكاملة العري النفسي، كما لن تتمنى انكشافها في أشد أحلامها تطرفاً".
مهرجو سيرك مفترضون "مفزعون بشدة وكأنما يحضرون لمجزرة فورية" يقفون على طابات ملونة "مسالمة وطفولية إلى أبعد حد". كتل مترهلة دون أرجل تلتصق على طاولات تنظر إلينا بحسرة "تحاول أن تقنعنا أنها لن تقفز في أقل من جزء من الثانية لتلتهمنا على طريقة السحالي المسالمة على الأغصان الطرية لأشجار الجحيم الحمراء. شياطين وأبالسة ودودون يلبسون عباءات ملونة، بوجوه بأكثر من عينين غالباً "تنظر بحنو غاضب إلى عيوننا الطرية" مفكرة في أسرع الطرق لمداهمتنا عند الثالثة صباحاً وقبل صياح أي ديك حقود "بقصد التهامنا".
كما نجد في لوحاته أشباهنا بعد تحولهم إلى كتل غامضة من الغزاة تلبس أقنعة بدائية مضادة لأنواع محددة من الفيروسات "ينظرون بحذر إلى عالمنا الرغيد متمنين إزالته باستخدام مواد صيدلانية لطيفة وصديقة للبيئة".
والأغلب أن سبهان أدم قد ابتكر عالمه من جمع صعب ومعقد لحقلين كبيرين: حقل مجتمع الشمال الشرقي لسوريا بما يحمله من تناقضات وغنى منظومة الآليات البشرية الآنية والمستجرة من تاريخ طويل من العذابات والانتصارات والخيبات. وحقل مكتبة المركز الثقافي العربي بالحسكة "النافذة الضخمة التي أطل منها على آداب وفنون العالم الضخم أواسط ثمانينيات القرن الماضي"، ملتهما سطور أدونيس وأيف بونوا وأنسي الحاج ونزيه أبو عفش, مشاهداً صوراً سيئة الطباعة غالباً لأعمال عدد محدود من الفنانين المحليين والعالميين. ورغم أنه فكر بداية أنه سيصبح شاعراً "وقد كتب الشعر فعلاً" إلا أنه اكتشف سريعاً أنه سيصبح رساماً.
يبدو الربيع العربي هذه الايام وكأنما أرخى سدوله على النشاطات الفنية عموماً والتشكيلية خصوصاً، فمع صور اراقة الدماء والضباب الذي يملأ الصورة وانسداد الافق السياسي على أكثر من ساحة في منطقتنا لا يجد التشكيليون رغبة بعرض أعمالهم والكثيرون منهم لا يشعرون برغبة في العمل أصلاً، فالعيون مركزة على أحداث الساعة التي تجري على أرض بلادهم والتي تنقلها وسائل الإعلام المختلفة ويجري تخزين صورها في الوجدان، حيث تتكاثف مارة في مصاف خاصة ربما تساهم لدى العديدين منهم في خلق إبداعات جديدة كلياً.
من الصعب طبعاً، وحتى من المستحيل من الناحية الإبداعية المحضة متابعة حدث يجري على الأرض بأعمال ابداعية فورية والا اتهمت بالمباشرة والإعلانية والدعائية. فما يجري الآن على أكثر من أرض عربية من أحداث تعصف بها وبمجتمعاتها، حيث تختلط المطالب الداخلية المحقة بالمشاريع والطبخات الخارجية ومحاولات التغيير السلمي باستخدام العنف المفرط، يبدو الحديث عن الفن التشكيلي فيها شيئاً نافلاً وبعيداً عن الواقع ومنفصلاً عنه، فالأحداث الحقيقية تجري على الارض في الوقت الراهن بينما يحتاج الفن الى تلك الفسحة من التأمل والتبصر لاستيعاب ما يحدث والتفكر فيه وصياغته في أشكال وصور وأجواء وأفكار. والأرجح أن التعبيرات الفنية ستختمر ببطء يتناسب مع جسامة الاحداث وخطورتها ولن نحظى بأعمال فنية تعادل الواقع أو تكثف من حضوره الا بعد إدخال عناصر الحدث في العقل والوجدان والبحث الجدي عن أساليب ظهورها الفني من دون وجود أي تأثير خارجي لا يتعلق بالأحداث نفسها في عمقها ومسارها ومعناها ومدى ما ستفعله في بنية الوجود العربي آنياً واستراتيجياً.
 
نقلاً عن "السفير"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة
«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيرية
باخ كان هناكتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس
«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرينفتاة بيتهوفن..
«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)
السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم«الناي المسحور» لموتسارت: انتصار النور على الظلام
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى