الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> أدبيّة

حــبّ

  بقلم: أنسي الحاج


انقر هنا للتكبير
 
مهلاً: هل يحبّ المرء حين يقول إنّه يحبّ؟
ما هو الحبّ؟
ألا تنطق أنت الساكت على الطرف الآخر من الخطّ؟
لماذا تجيب عن أسئلة لا تشفي وتصمت أمام الأسئلة القاطعة؟
 
أُحبّ مَن يساعدني على حرق عمري، وأُسمّي ذلك تحقيقاً للذات.
أحبّ مَن ليس أنا، مَن لستُ هو، مَن أكره شريكه، مَن أغار من شريكه.
أحبّ مَن يُرقّيني في نظر نفسي.
أحبّ تعويضاً عن الحياة.
أحبّ لأحظى بمَن أكلّمه عن نفسي بلا نهاية فلا يملّ، لأنّه بدوره يكلّمني عن نفسه بلا نهاية ولا أملّ.
أحبّ لأنّي في الحبّ لا أكره نفسي.
 
نحبّ ما يجعلنا نظلّ نحبّ.
 
يستزيدك في مَن تحبّ ما لا تقبض عليه حواسك. تحبّ ما تفتقده وتثق بأنّك ستعثر عليه في المحبوب.
وسرّاً تأمل أن لا تعثر عليه.
 
الما بعد، الما وراء، اللازمني، اللاجسدي، غير القابل للتشويه.
... لأنّه غير موجود؟
لأنّنا نتعلّق بالوهم؟
لأنّ الأمل حشيشة روحنا؟
لأنّنا رُضَّع متشبّثون بثدي الأمّ الخالدة؟
لا.
لأنّ هذه الضالّة المنشودة موجودة، موجودٌ على الأقلّ طيفٌ لها، طيفٌ يتحرّق لأن نقبض عليه، وحين نعانقه ونقتات منه ونحياه، حينئذٍ لن نُتْخَم ونموت، بل سنكمل، ستعود يدنا وتمتدّ إلى محجوبٍ جديد، إلى عاصٍ جديد على قبضتنا، إلى جزء جديد من المجهول، إلى ذرّةٍ جديدة من الله.
هذا هو الحبّ.
نحبّ ما يجعلنا نتوق إلى الحبّ.
 
حين تقول لها جريحاً: «أبداً لن تلقي حبّاً مثل حبّي»، لا يليق بالحبّ هذا التهديد. المُحبّ يقول لمَن تخلّت عنه: «أدعو لكِ بمَن يحبّكِ أكثر منّي». الوداع يجب أن يكون على اشتهاء مزيدٍ من السعادة للذاهب.
 
 
صمد الحبّ بفضل النسيان. لو حكت طيّات الزمان لانهارت الخليقة. مع كلّ طفل تتجدّد الدهشة. ندعو لدوام الطفولة. وكلما انطفأت رغبة أتت النجدة من فتنةٍ جديدة تُخدّر الوعي ما طاب للرحمةِ التخدير.
ولو استمرّ هذا الانخطاف ثانيةً واحدة لكفى. ففي خلال بريقه، تطلّ العين على الكمال.
كمالُ لحظةٍ يساوي العمر.
كمالُ لحظةٍ يغسل ظلْم الخالق.
 
ما نحبّه ينطوي على شيءٍ من الماضي أحببناه. ذلك البريق، إذ يتراءى لنا كذكرى نشتهي عودتها، نشعر به أيضاً كمثالٍ أمامنا نودّ الوصول إليه...
تتّحد أبعاد الزمن في صاعقةِ الحبّ.
 
يرتمي العصفور على الشوك فيطعنه الشوك.
لو أتيح للعصفور أن يعود إلى الحياة، لارتمى مجدّداً على الشوك الذي سيطعنه.
وتتكرّر قيامة العصفور... ويتكرّر ارتماؤه على الشوك.
هذه حال العاشق مع المعشوق القاسي.
ولكلّ معشوقٍ قاسٍ، معشوقٌ أقسى.
أرجوحة التوازن.
الغلبةُ لقاسٍ ليس هناك مَن يقسو عليه.
لشوكٍ بلا عصافير.
 
النداء الذي يناجينا في المحبوب ليس صوته ولا خطاب عينيه. لا ولا سحر جسده. إنّه صوتنا نحن، صوت استغاثتنا به.
نستغيث فنتوهّم أنّه هو مَن ينادينا. لأنّ الصوت هو في الحقيقة صوتانا نحن الاثنين: واحدٌ ينادي من الأعماق وآخر يجاوب من الأعماق. واحدٌ ينادي والآخر أيضاً ينادي.
يناديان مَلَاك النجاة.
النجاة ممَّ؟
من التخلّي.
تخلّي ماذا، تخلّي مَن؟
تخلّي مَن يحرسنا.
الحبّ أقوى من الحياة.
 
الحبّ شكلٌ من أشكال الصلاة.
وعندما يأخذ العاشق في الصلاة لأجل مَن يحبّ، يغدو حبّه جرْنَ ماءٍ مقدّس.
 
ولا تأسف على ما ضاع، ما أضعته أنت سيجده عطشان آخر. ولا تتحسّر على تفاوت العلاقة: لم يكن الأمر كذلك في حينه، وأنت لا تشعر بالضغينة الآن إلّا لصغارةِ نفسك. إذا كان عطاؤكَ شلّالاً وعطاءُ المعشوقِ إبريقاً، فهل يليق بالشلّال أن يُمنّن الإبريق؟ بل قل إنّ عطاء الإبريقِ أكرمُ لأنّه أكبر من طاقته.
وكلّه ماضٍ إلى البحر. الريقُ والدمعُ والدمُ وجداولُ الفرح. ما يندفع إلى البحر هو للبحر. وقلْ إنّ البَحْر الذي يأخذ كلّ هذا سيَجْمع من جديد ما تَفَرَّق.
مَن نحبّهم ليسوا لنا ولا نحن لهم. لهذا نحبّهم. لهذا سنعود ونلتقي.
لحظات التلاقي ظهورات عجائبيّة محتومة.
الباقي من الزمن غربةٌ على الطريق.
 
أنتِ صورتُكِ. صورتكِ مصدرها أنتِ، شكلكِ، صوتكِ، إيقاعاتكِ الخفيّة المتماوجة في نفسه، الناشبة مخالبها في حواسه، صورتكِ مصدرها أنتِ وليست تزويراً أو وهماً، لكنّها، مع هذا، مخلوقٌ مستقلّ بكامل مواصفات المخلوق المستقلّ، المستبدّ، له قاموسه وطقوسه، وعليكِ واجب حماية هذه الصورة كأنّها تماماً روحُكِ وجسدكِ، وأكثر.
وعلى الرجل واجبُ عدم النطق او التصرّف بما يخدش هذه الصورة، لا القلب ولا القالب.
 
وأنتَ أيضاً صورتكَ، ولكنْ مع أسبابٍ تخفيفيّة معظم الأحيان. المرأةُ لا تتعامل مع أسطورتك بل مع واقعك. يتبقّى من وهجك الخارجي فيها مقدارٌ «طبيعي» لا مبالغةَ فيه. قد تنبهر بمظاهرك وشهرتك أوّل الأيّام وسرعان ما تبدأ تراك على حقيقتك. كأنّ الواحدة عجنت الواحد منّا وخبزته وأكلته مراراً قبل أن يُخْلَق. المرأةُ سبقت الرجل إلى الوجود.
 
تعشق امرأةٌ رجلاً على شهرته، وما إنْ تعاشره حتّى يسقط لها قناعه. للمرأةِ طبيعةُ الطبيعة. جرّبْ أن تخدع البحر، أن تخدع دورة الفصول، أن تخدع الأرض. طبيعةُ الرجل أكثر استعاريّة. لا لزوم لأن يكون الرجل استثنائيّاً ليعيش بذهنه. أيّ رجل، لمجرّد تكوينه، لديه قسطٌ من الذهنيّة يتحكّم في غرائزه، أو هو على الأقل عنصرٌ مهمّ فيها. الذهنُ هو الصورة. التذهين أساسيّ في الرغبة. التذهين أبو الحلم. الحلم غائم لولا عَضَل الذهن. الذهن خيال. الخيال لا يرحم: الصورة في مقدَّم الرحلة وإلّا فلا إقلاع.
 
يستطيع الرجل أن يحب امرأةً على شهرتها وأن يظلّ يحبّها بعد أن يصبح جزءاً منها وتصبح جزءاً منه. للهالةِ عليه مفعولٌ أكبر من مفعول هالة الرجل على المرأة. الرجل لا ينجو من هالة المرأة إلّا محروقاً كالفراشة. المرأة، لسوء حظّها، تنجو من هذا الفخّ الرائع.
هالةُ الشهرةِ المحيطة بامرأة طبقة معنويّة إيروتيكيّة ذات طاقة غير محدودة التأثير. طيف لا يستهلكه الرجل. طبقة مستعصية على الدمج. هي الظلّ الذي يغدو في عيني الرجل أحقّ من الأصل، فوق الشبهات، ينتصر على الواقع والحقيقة، يتغذّى من افتتان لا توقظه صدمة ولا يخونه شرود. هنا يبلغ الحبّ ذروة اللارؤية إلّا من بَصَر الذهول، وتشتدّ حميّاه بمقدار اشتداد حاجة العاشق إلى الإعجاب. امرأةٌ تُعْشَق بهذه العبادة قد تَملّ عاشقها بعد حين إذ تحتاج إلى علاقة أكثر واقعيّة تُعامَل فيها معاملة الأنثى لا معاملة الإلهَة، وترتاح إلى واقعيّة أمرها دون اضطرار المحافظة على مستوى صورتها في ذهن العاشق. حَقّ. التأليه لا يُتعب المؤلِّه بل المؤلَّه. مسكينةٌ المرأة؟ صحيح: إنّها أسيرةُ فتنتها. وإذا أرادت الحبّ الكبير على وتيرةٍ حارّة فستُتعبها صورتُها فيه.
هذا ثمنُ الحبّ. لا حريّة في الحبّ.
 
المجد الذي نراه في الصور محيطاً برؤوس القدّيسين هو نفسه مجد الحبّ. يرسم العاشق والعاشقة حولهما دائرة خشوعٍ من نوع الهيبات ذات النصف هنا على الكوكب والنصف الآخر ما وراء الأفق. لا شيء يجمع الطهارة والرغبة، والرأفة والفتنة، في بوتقةٍ واحدة سوى الحبّ.
 
يستطيع الحبّ الكبير أن يلتهم العاشق. بعدئذٍ تغدو ذكرياته أحلاماً وماضيه مستقبلاً يغرق فيه.
 
هل صحيح أنّنا لا نختار مَن نحبّ؟
بلى نختارهم، يختارهم كلّ ما فينا ممّا يَعقل وممّا لا يعقل. الحب ليس أعمى. إذا فشلت علاقة حبّ فليس فلأنّنا، نظرنا جانبيّاً من عين واحدة.
لا بأس أن نستسلم للجاذب، على أن لا نربط مصيرنا إلّا بالجاذب الذي في غيابه ننطفئ. الجاذب الكياني. الجاذب الكياني يعصف بالجذور ويهزّ لاوعي الطفل الذي فيك، يخضّه كما يخضّ التجلّي، ومعجزةُ الشفاء، وقرصُ الشمس قلبَ العتمة. يعصف ويغسل وجه الوجدان غَسْل الحرير والعاصفة، زارعاً كلّ شيءٍ من جديد، دالّاً على كون هذا الوعد هو ما كان يومئ للبال، وأن هذا الجسد هو لهذا الجسد، وهذه الموسيقى لهذا الراقص، وهذا الحاضر لهذا الحاضر.
بلى نختار. ولكنْ... متى؟ يا لَحَظّ الذين يختارون من أوّل مرّة الاختيار الصحيح!، يا لحظّ الذين يختارون خطأ ويتاح لهم أن يتراجعوا! يا لحظّ القادرين على الانتظار ليضعوا خَتْمهم بكلّ ثقة على اختيارهم! ويا لتعسهم ما أكثرهم أولئك الذين يكتشفون ضالتهم بعد فوات الأوان...
كمَن يكتشف سرّ الحياة قبيل الموت بلحظة.
 
امتدحْ محبوبك بإسراف. لا تتضايق من دلاله ولا من ارتيابه أو من حيائه. بخور المديح الغرامي أشهى بخور، وورْدُ المديحِ يُورّد خدّ الروح. اغْدق من القلب، إذا لم تُسكر محبوبك بالمديح فكيف يَسْكَر؟ وإن لم تَسْكر بمرآه وتجاوباته فَبِمَ تَسْكَر؟ وإنْ لم تَسْرَح مع أصدائه فأين فضاؤك لتسْرح؟
مديحُ المعشوق هو المديح الوحيد الخالي من المبالغة. تمادَ. مهما تماديت تظل بَعْدَكَ في البداية.
 
... ولن تصيرا واحداً.
هذا الشوقُ نصف الصادق لن يتحقّق.
لن تصبحا واحداً مهما أوغَلَ بينكما العناق.
فشل الاتحاد مؤكّد.
ولولاه، هذا الفشل، كيف كان لنا أن نظلّ نشتاق؟
 
أحبُّ غيابكِ.
أحبّ حضوركِ كثيراً، لكنّ غيابكِ أحبّه أكثر.
أنْقصُ بدونكِ، ازدادُ اكتمالاً بحضورك، لكنّي أشعر بنقصي من دونك أقوى من إحساسي بالاكتمال في حضورك.
أحبّ غيابكِ.
لا تفضّلي غيابي، لا تحبّيه.
دعي لي وحدي هذا الانحراف.
ولن تعرفي أن تملأي غيابي كما أملأ غيابك.
صَوتي لكِ يحْملكِ في غيابك كما لا يحمل صوت ولا سكوت. مخاطبتي إيّاكِ أصدق، إصغائي لكِ أعمق. أنا في غيابك كامل.
دعي لي أن أملأ غيابكِ بالفراغ المجنّح: جناحٌ للقلق لا يعرقله خَدَر، وجناحٌ للخيال لا يَكْسره نقصٌ ولا يُشْبعه كمال.
 
نقلاً (بتصرّف) عن "الأخبار"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
«ليون الأفريقي» لأمين معلوف: ولادة جديدة للرواية التاريخيةحضــــــور، غيــــــاب
«أشجان فرتر» لغوته: ولادة شبه وجودية للرواية الحديثة«أرض البشر» لسانت أكزوبري ... ضعف أمام الطبيعة
«مطر أسود» للياباني إيبوسي: الأدب في مجاهل الكارثة الأكبر في التاريخالمصبــــــاح
رسالة الى أهل اليأس هنالولا هو! ما كنت أنا..!!
لا شعر نسائياً.. بل نساء يكتبن الشعرحضن الأم
«الهوية» لميلان كونديرا، لعبة أقنعةمئة وخمسون عاماً على ولادة «البؤساء»
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى