الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

ثاوذوروس أبو قرة

  بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك


انقر هنا للتكبير
 
أولاً: شخصيته
إن أبا قرة الذي لمع في حياته وطبقت شهرته الأقطار لم يحظَ بمؤرخ معاصر يفيه حقه ولم يتطرق له مؤرخو الأدب القدماء إلا بطريقة عابرة فاندثر ذكره عند المحدثين، ولم يكن معروفاً إلا بالكتب المنشورة له باليونانية في القرن السادس عشر في مجموعات الآباء القديسين، ثم بدأ منذ قرن نشر مؤلفاته العربية وأخذ الباحثون يكتشفون أهميته الفكرية والتاريخية ليس فقط في مجال اللاهوت الكنسي بل في مجال التراث العربي والاسلامي. فهو من كبار معرِّبي أرسطو، ومحاور لأشهر علماء الكلام. وقد حظي برد خاص من أحد زعماء المعتزلة المردار (أو المزدا) أبو موسى عيسى بن صبيح المعتزلي البغدادي (توفي حوالي 840): "كتاب الرد على أبي قرة النصراني"، فقد مع ما فقد من كتب المعتزلة، وذكره ابن النديم في الفهرست.
لما نشرت عام 1982 الميمر في وجود الخالق والدين القويم لثاوذوروس أبي قرة صدَّرته بمدخل عام حول أبي قرة (ص 13 – 101) فصَّلت فيه الدراسات السابقة حوله، وحللت المصادر التاريخية التي تشير إليه ومختلف مؤلفاته.
         عاش أبو قرة في العصر العباسي الذهبي إذ عاصر هارون الرشيد والمأمون.
ولد حوالي سنه 750 في مدينة الرها وهو يتقن العربية والسريانية واليونانية واطلع على كافة علوم عصره. دخل دير القديس سابا قرب القدس حيث كان القديس يوحنا الدمشقي توفي منذ فترة قصيرة، وسار على خطاه في مجال الوعظ والدفاع عن العقيدة المسيحية والمذهب الخلقيدوني الذي يأخذ به الملكيون. ثم انتخب اسقفاً لحرَّان. ولم يبق محصوراً في أبرشيته فسافر إلى مصر وإلى أرمينيا مدافعاً عن العقيدة الخلقيدونية (813 - 815) وكتب عدة مؤلفات موضحاً حقيقة سر التجسد واتحاد الطبيعتين الإلهية والإنسانية في أقنوم الكلمة الواحد. إن نشاط أبي قرة تجاوز حدود الكنيسة ولم ينحصر في البيئة المسيحية الضيّقة. فقد استفاد من الانفتاح الفكري الذي جاء به الخليفتان العظيمان هارون الرشيد والمأمون. وكان واثقاً من إيمانه ومن قوَّة منطقه ومزوداً بمعرفة كافية لعقيدة الإسلام وضليعاً في مبادئ اللغة العربية فلم يخش التقرب من أرقى الأوساط الاسلامية المثقفة. فإن معظم مقالاته العربية موجَّهة إلى المسلمين، وإن المحاورات المحفوظة باليونانية (مجموعة مين مجلد 97) لا يمكن أن تكون مجرد ابتكار خيالي وضع داخل مكتب أبي قرة بل هي صدى للقاءات شخصية واقعيَّة مع أئمة المسلمين. فقد جاء في تاريخ مخائيل الكبير عن أبي قرة: "لما كان فيلسوفاً ويجادل بقياس المنطق مع غير المؤمنين، إذ كان يعرف لغة العرب، كان يحظى بإعجاب الناس البسطاء(1).  
إن أبا قرة لا يتصدى مباشرة للإسلام كعقيدة (ما عدا المحاورات اليونانية رقم 18و 19 و20 وهي لم تكتب للجمهور). بل إن مقالاته هي إيضاح دفاعي للإيمان المسيحي موجَّه للمثقفين المسلمين. وهو في محاوراته يجيب على اعتراضات يثيرها أمامه بعض المسلمين على إحدى نقاط العقيدة المسيحية، ويتطرق أكثر من مرة إلى النقاط المشتركة بين الديانتين وقد أخذ الجدال حولها يثار في مدارس البصرة أو بغداد.
وإن المواضيع التي يطرحها ( حرية الإنسان، خلق كلام الله، وضع الصفات في الله، تشبيه الله أو تنزهه ) ونزعته العقلانية ( ثقته بالعقل وبديانة تتوافق ومعطيات العقل ) هذه الأمور كلها توليه وجه شبه عميق مع المعتزلة الذين كانوا يحظون في عهد المأمون بعطف البلاط. ويبدو أن الحوار في حضرة المأمون تمّ عام 824. وتوفي أبو قرة بعد سنين قلائل بين عامي 825 و830.
 
ثانياً: مؤلفاته
كتب أبو قرة بالسريانية والعربية واليونانية. فقدت الميامر الثلاثون بالسريانية التي يشير إليها في مقاله عن موت المسيح (باشا ص60 – 61) والمؤلفات العربية محفوظة في مخطوطات نادرة ولم تنشر كلها، أما المؤلفات اليونانية فمخطوطاتها وافرة وترجم معظمها إلى اللغة الجيورجية بين القرنين العاشر والحادي عشر. ونشرت في مجموعة الآباء اليونان مجلد 97.
ومؤلفاته ليست متساوية، فمنها مقالات محكمة تتناول بعمق موضوعاً محدداً ومنها مجرد جواب على سؤال طرح عليه، فدونه في ما بعد. وهناك مقتطفات من المقالات الكبيرة نشرها على حدة.
ومؤلفات أبي قرة حوارية دفاعية، منها موجهة للمسيحيين من المذاهب الأخرى، ومعظمها موجهة للمسلمين.
- المؤلفات العربية :
أقدم المؤلفات العربية على ما يبدو هو الميمر في وجود الخالق والدين القويم الذي نشره أولاً الأب لويس شيخو في مجلة المشرق عام 1912 (ص 757 – 774، 825 – 842) وترجمه المستشرق الألماني جورج غراف إلى الألمانية عام 1913. وأعدت نشره بشكل علمي مع دراسة وافية في سلسلة التراث العربي المسيحي(3) عام 1982. وفيه يثبت أبو قرة وجود الله وصحة الدين المسيحي ببراهين عقلية. وقد يرجع أبي قرة إلى مؤلفه الهام هذا في العديد من مؤلفاته اللاحقة.
-      المقال في إكرام الأيقونات :
نشره أولاً أراندزن عام 1897 في بون كدراسة جامعية والطبعة شبه مفقودة وأعدت نشره بالاستناد إلى مخطوطات أخرى مع دراسة وافية في سلسلة التراث العربي المسيحي ( 10 ) عام 1986. وترجم إلى الإيطالية عام 1995 (2).
ونشر الأب قسطنطين باشا عام 1904 في بيروت " ميامر ثاوذورس أبي قرة " وهي عشر مقالات تقع في 200 صفحة منها سبعة تتعلق بالحوار المسيحي الاسلامي. وقد ترجمها إلى الألمانية المستشرق جورج غراف عام 1910 هي والمقال في الأيقونات وهذا فحوى طبعة باشا :
 
1-    المقال في الحرية : ( باشا 1، ص 9 –22 ).
ميمر يحقق للإنسان حرية ثابتة من الله في خليقته. وإن حرية الإنسان لا يدخل عليها القهر من وجه من الوجوه وضعه المعلم كير ثاوذورس أسقف حران. هذا المقال لا يطرح موضوع الحرية من وجهة نظر المانويين الذين ينكرونها وإن المقطع الذي يتناولهم بالتنديد ( ص 13 - 18 ) هو بإقرار المؤلف استطراد. وهو ليس موجهاً للمسيحيين : نحن ليس غايتنا في ميمرنا هذا لا أن نحقق الانجيل أنه هو الناموس الحق التام من بين كل ما نسب إلى الله ولا أن نقرر أهل الجحود بالحق. لأننا فعلنا ذلك في موضع غير هذا.. . فالمقـال موجـه إلى المسلمين ويدخـل في الخـلاف المحدث القائم بين علماء الكلام حول قضية الحرية. فهو يدحض آراء الجبرية ويدعم أقوال القدرية من المعتزلة. وفي آخر المقال يفنِّد أقوال الذين ينكرون حرية الإنسان استناداً إلى معرفة الله المسبقة أو من ينكرون معرفة الله للأمور المستقبلية رغبة منهم غي الحفاظ على حرية الإنسان .
 
2-    المقال في التثليث والتوحيد : ( باشا 2، ص 23 –47 )
" ميمر للأب الفاضل كيرثاوذورس اسقف حران يحقق أنه لا يلزم النصارى أن يقولوا ثلاثة آلهة إذ يقولون : الآب إله والابن اله والروح القدس اله وأن الآب والابن والروح القدس إله واحد ولو كان كل واحد منهم تاماً على حدته ". هذا المقال موجه إلى غير المسيحيين : " اعلم أيها المنكر قول النصارى.. . " في القسم الأول من المقال يثبت أبو قرة ضرورة الإيمان والتصديق في حياتنا العادية ودور العقل كموضح لأمور الإيمان. وبعد أن يثبت أن الوحي المسيحي جدير بالتصديق دالاً القارئ على ميمر سابق أكثر تفصيلاً ( الميمر في وجود الخالق والدين القويم ) يظهر أن الكتاب المقدس يشهد على التثليث ضمن التوحيد. وفي القسم الثاني يثبت بالعقل والمنطق أن القول بالأقانيم الثلاثة لا يحتم علينا القول بثلاثة آلهة. فيبدد أهم اعتراض للمسلمين على المسيحية ويحملهم هكذا على اعتبار الشهادات في صحة الدين المسيحي بأكثر روية.
 
3-     في تحقيق الإنجيل وأن كل ما لا يحققه الإنجيل فهو   باطل ( باشا 4ص 71 – 75 ) :
        "إنه برهان على صحة الدين المسيحي مأخوذ من قبول الشعوب للانجيل بنوع معجز.   ونجد هذا البرهان نفسه موسعاً في آخر المقال " في وجود الخالق والدين القويم" وهو نفسه مبسط في في المقال الذي نشرناه في مجلة الموزيون ( 1959 ) ص 62 – 65 ميمر يحقق أن دين الله الذي يأخذ الله به العباد يوم القيامة، ولا يقبل منهم ديناً غيره هو الدين الذي خرج به الحواريون إلى أقطار الأرض وجميع أمم الدنيا وهم رسل المسيح ربنا. وضعه ثياذورس أسقف حران.
 
4-    ميمر على سبيل معرفة الله وتحقيق الابن الأزلي ( باشا 5 ص 75 – 82 ) :
وضعه المعلم اللاهوتي كير ثاوذورس اسقف حران، إنه برهان على وجود الله وعلى حقيقة ولادة الابن منذ الأزل. وإننا نجد جوهر هذا المقال في الميمر في " وجود الخالق والدين القويم " على أن فيه علاوة على ذلك برهان سريع مأخوذ من نشأة الحياة وتوسع في الشبه بين الخالق والمخلوق.
المقالات الثلاثة السابقة مقتطفات من المقال الكبير " في وجود الخالق والدين القويم " وهي أشبه بمناشير مقتضبة في صحة الدين المسيحي ووجود الله. والمقالات الثلاثة التالية مترابطة وهي توضح الأسرار المسيحية الثلاثة الفداء والتجسد والتثليث :
 
5-    المقال في ضرورة الفداء ( باشا 6ص 83 – 91 ) :
" ميمر في أنه لا يغفر لأحد خطيئته إلا بأوجاع المسيح التي حلَّت به في شأن الناس وأن من لا يؤمن بهذه الأوجاع ويقربها للآب عن ذنوبه فلا مغفرة لذنوبه أبداً ". 
 
6-    المقال في إمكانية التجسد ( باشا 10ص 180 – 186 ) :
ميمر في من ينكر للَّه التجسد والحلول في ما أحب أن يحل فيه من خلقه وأنه في حلوله في الجسد المأخوذ من مريم المطهرة بمنزلة جلوسه على العرش في السماء. ليس هذا المقال برهاناً على حقيقة التجسد بل على إمكانيته فقط. ويوضح أن حضور الله قد يرتبط بعناصر حسية كالغمام والعليقة والغفران التي كانت تجسِّم حضور الله في العهد القديم، ويتوسع في "جلوس الله على العرش"، وكانت هذه العبارة الواردة في القرآن ( سورة السجدة آية 4 ) تشغل المفسرين المسلمين ويقول: "فما بال المخالفين لنا ينكرون لله الحلول في الجسد المأخوذ من مريم العذراء المطهرة وهم يقولون : "إن الله جلس على العرش في السماء". ويقول أيضاً : "فلا ينكرن أحد على النصارى قولهم أن الناس رأوا الله في الجسد الأنسي".
 
7-    المقال في ألوهية الابن ( باشا 7 ص 91 – 104 ):
"ميمر يحقق في أن لله ابنا هو عدله في الجوهر ولم يزل معه".
إن هذا المقال مرتبط بالمقالين السابقين كما تبين من مطلعه : "ولعل قائلاً يقول: إنك يا هذا قد أثبتَّ أن خطايا الناس لم تكن تغفر إلاّ بهذه الأوجاع التي حلَّت بالابن وأعلمتنا أنه لا ينكر لله أن يحلّ في ما شاء من خلقه وأن يظهر من هناك أفعاله وكلامه. فأخبرنا كيف تحقق أن لله ابناً هو عدله ومن جوهره كما ذكرت ". 
 
هذه المقالات الثلاث هي إذاً مجموعة توضح أهم أسرار المسيحية أي الفداء والتجسد والتثليث وبما أنه قد تبين بوضوح أن المقال الثاني منها موجه إلى المسلمين فيجب القول بأن المجموعة كلها موجهة إليهم أيضاً.
أما المقالات الثلاثة الأخرى الواردة في طبعة الباشا فهي موجهة إلى المسيحيين وتدور حول خلافاتهم المذهبية وتوضح لاهوت التجسد ولاهوت
 الكنيسة.
 
8-    ميمر في موت المسيح ( باشا 3، ص 48 – 70 ) :
" ميمر في موت المسيح وأنا إذا قلنا أن المسيح مات عنا إنما نقول أن الابن الأزلي المولود من الآب قبل الدهور هو الذي مات عنا، لا في طبيعته الالهية بل في طبيعته الانسانية وأنه يحسن أن يقال على الابن الأزلي في الجهة التي تقول عليه الأرثوذوكسية ". يوضح أبو قرة في مقدمة المقال أن الحقيقة الدينية بين ضدين متناقضين. ففي قضية التثليث يخالف التعليم الأرثوذوكسي تعليمان متناقضان : أراء آريوس وآراء سابليوس. وفي قضية الحرية هناك آراء الجبرية وآراء المانوية تناقض كل واحدة من جهتها نعليم الكنيسة. وكذلك في قضية سر التجسد فإن قول الملكية الذي أقره المجمع الخلقيدوني يقع بين تعليمين متناقضين، تعليم النساطرة وتعليم اليعاقبة (3). وهو وحده يتيح التأكيد بأن الله مات لأجلنا ويحقق قيمة موت المسيح الفدائية في هذا المقال تفنيد لأقوال النساطرة واليعاقبة وتحليل لاهوتي عميق لسر تجسد المسيح.
 
9-    الرسالة إلى اليعقوبي داوود ( باشا 8، 104 – 139 ) :
رسالة في إجابة مسألة كتبها أبو قرة القديس إلى صديق له كان يعقوبياً فصار أرثوذوكسياً عند رده عليه الجواب. إنها رسالة طويلة موجهة إلى صديق يعقوبي اسمه داوود كان لقيه أبو قرة في القدس الشريف وسأله ايضاحات عن عقيدة المجمع الخلقيدوني بخصوص الاتحاد في المسيح. إنه درس شامل يتناول تعليم ساويروس بخصوص التجسد ويتوسع في كيف يجب أن يشرح ويفهم تشبيه اتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح باتحاد النفس والجسد فأنصار الطبيعة الواحدة يستندون إلى هذا التشبيه الذي يستعمله بعض الآباء، ليقولوا أن في المسيح طبيعة واحدة كما أن النفس
والجسد يشكلان باتحادهما طبيعة انسانية واحدة. إلا أن اتحاد النفس بالجسد لا ينطبق من جميع نواحيه على اتحاد اللاهوت بالناسوت. وينتقد أبو قرة التعابير الملتبسة التي يستعملها أنصار الطبيعة الواحدة من مثل قولهم : " الطبيعة الواحدة المركبة " ، أو" الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد ".   وإن الأسلوب الذي يستعمله المؤلف بعيد عن التهجم.
 
10-   الميمر في تحقيق ناموس موسى والإنجيل والأرثوذكسية الخلقيدونية ( باشا 9، ص 140 – 179 ):
ميمر في تحقيق ناموس موسى المقدس والأنبياء الذين تنبأوا على المسيح والانجيل الطاهر الذي نقله إلى الأمم تلاميذ المسيح المولود من مريم العذراء، وتحقيق الأرثوذكسية التي ينسبها الناس إلى الخلقيدونية وإبطال كل ملة تنتحل النصرانية سوى هذه الملة.
نشر باشا هذا الميمر أولاً في مجلة الشرق سنة 1903 ثم ترجمته الفرنسية في كراس مستقل، باريس 1905.
 
يشتمل هذا المقال على قسمين مختلفين : في القسم الأول يخاطب أبو قرة اليهود ويتكلم على سلطة موسى وعلى تفوق المسيح وانجيله وذبيحته على موسى وشريعته وذبائح هارون. أما القسم الثاني فهو موجه إلى المسيحيين. فبعد أن يثبت أبو قرة أن الديانة المسيحية هي وحدها الديانة الحقة، يبقى عليه أن يوضح أين يوجد التعليم المسيحي الصحيح بين مختلف الفئات المسيحية المتباينة. فيثبت أن ملّة الخلقيدونية هي النصرانية الحقة " دون النسطوريين واليعقوبيين ( السريان والأقباط ) واليوليانيين ( الأرمن ) والموارنة ( ويقصد بهم أصحاب المشيئة الواحدة ) ". ولكي يثبت ذلك لا يلجأ أبو قرة إلى البراهين الفلسفية واللاهوتية التي توسع فيها في مقالات سابقة والتي يصعب على البسطاء استيعابها بل يستند إلى ما تحدده السلطة الكنسية. ففي مقالات سابقة قارن فحوى تعليم الخلقيدونيين ( الملكيين ) بسائر الفئات المسيحية وأظهر أن التعليم الخلقيدوني هو الأكثر مطابقة لمعطيات الكتاب المقدس والعقل. وهذا البرهان يصعب على غير المختصين تفهمه. أما في مقالنا هذا فيظهر أن التعليم الخلقيدوني هو الصحيح لأنه هو الذي تؤيده سلطة الكنيسة المعصومة عن الضلال. فتعليم الكنيسة الرسمي الذي يفصل الحقيقة المسيحية دون ضلال هو الذي يتمثل في المجامع المسكونية المنعقدة حول اسقف رومة. ويستعرض أبو قرة مختلف الملل المسيحية ويظهر أن كل واحدة منها خرجت على تعليم الكنيسة الرسمي المجسّم في أحد المجامع المسكونية. أما الخلقيدونية فهي توافق على المجامع المسكونية الستة المنعقدة حتى أيامه ( المجمع السابع لم يكن بعد ضمّ إلى سلسلة المجامع المسكونية لدى الملكيين ) وهذا القسم مهم جداً لمعرفة اتجاه لاهوت الكنيسة عند أبي قرة.
 
ونشرت في مجلة الموزيون في بلجيكا عام 1959 مؤلفين لأبي قرة:
-      " دستور ايمان أبي قرة "، إنه تحليل دقيق للمعتقد الأرثوذكسي الملكي في ما يخص سري الثالوث الأقدس والتجسد وهو يتوسهع خاصة في مفهوم سر التجسد ويرفض أقوال الطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة. يبدو أنه دستور الإيمان الذي وضعه أبو قرة بمناسبة سيامته الأسقفية.
-      الميمر في صحة الدين المسيحي لانتشاره العجائبي الذي ذكرته أعلاه ( ص 10-11).
 
وقد نشر غريفيث في مجلة الموزيون عام 1979مقالاً صغيراً لأبي قرة هو جواب على سؤال طرحه عليه أحد المسلمين : هل المسيح مات باختياره ( فلا لائمة على من قتلوه ) أو رغماً عنه ( فهو إذن ضعيف ). ويرد هذا السؤال والجواب عليه في مجادلة أبي قرة في حضرة المأمون، ويتطابق مع الحوار اليوناني رقم 9 من مؤلفات أبي قرة المنشورة في مجموعة مين.
وهناك مؤلفات لأبي قرة لم تنشر لا سيما ثلاث عظات تقال في الكنائس في الآحاد الأول والرابع والخامس من الصوم الكبير. ومؤلفات صغيرة وردت في بعض المخطوطات هي الآن مفقودة ويتبين منن عناوينها أنها مقتطفات أو ملخص للمؤلفات المنشورة.
وأخيراً المجادلة مع المتكلمين المسلمين في حضرة المأمون التي نقوم بنشرها.
 
- المؤلفات اليونانية :
نجدها في مجموعة الآباء اليونان التي نشرها مين ( Migne )، المجلد 97 عمود 1461 إلى 1610. وهي تتوزع على أسلوبين : المقالات والمناظرات.
- المقالات تتناول موضوع سر التجسد وهي مصنفة باتقان على غرار الميامر العربية.
المقال رقم 2: من مجموعة مين : عنوانه : " شرح الكلمات التي يستعملها الفلاسفة ودحض أرتقة الاكفاليين اتباع ساويروس أي اليعاقبة ". إنها محاولة تفسير عقلاني للتعليم الخلقيدوني في التجسد. فالمؤلف يميز بين المفهوم المنطقي والمفهوم المطافيزيقي لكلمة جوهر ويميز الطبيعة عن الأقنوم ضد أنصار ساويروس.
المقال رقم 4 : الرسالة إلى الأرمن : " رسال تتضمن ايضاح الإيمان المستقيم البريء من العيب، مرسلة من البابا المغبوط توما بطريرك أورشليم إلى الأراتقة الذين في في أرمينيا. أملاها بالعربية ثاوذورس الملقب بأبي قرة الصائر اسقفاً على حران وترجمها الكاهن ميخائيل قيّم الكرسي الأورشليمي الذي أرسلت معه محتوية على الإيمان الوحيد والحقيقي حسب تحديد المجمع الخلقيدوني والكلام المحدد عما يخص الإيمان بالمسيح إلهنا ".
المقال 43 : في اتحاد المسيح وتجسده وأن الأقنوم تجسّد وطبيعة اللاهوت اتحدت بالطبيعة البشرية في أقنوم الكلمة. يوضح المقال كيف تتحد طبيعتا اللاهوت والناموس في أقنوم الكلمة.
- المناظرات لا تشغل في أغلب الأحيان أكثر من عمود أو عمودين في طبعة مين وتقتصر أحياناً على بضعة أسطر فهي مجرد اعتراضات يجيب عليه أبو قرة أو بعض البراهين أو الايضاحات يطرحونها عليه حول نقاط محددة من العقيدة المسيحية. وإن بعض هذه المجادلات موضوع ضمن اطار قصصي يجري فيه الحديث عن أبي قرة بصيغة الغائب.
إن الأفكار المطروحة في هذه المناظرات وأساليب القياس المنطقي فيها تتناسب مع مضمون المقالات العربية. وكأني بـها رؤوس أقلام، كان يدون فيها أبو قرة مساء كل يوم ما جرى له من محاورات أثناء لقاءاته والأجوبة المرتجلة التي كان يرد بـها على الأسئلة المطروحة عليه، وكانت " رؤوس الأقلام " هذه تدخل في ما بعد في المقالات التي كان يصنفها.
ما هي اللغة الأصلية التي كتبت فيها هذه المناظرات ؟
          إننا نشعر فيها بخلفية عربية، فالحوارات جرت فعلاً بالعربية إلا أن تدوينها كان أصلاً باليونانية، فالتعبير " بارباروس " الذي يعني الغريب عن القوم هو تعبير يوناني لا يمكن أن يترجم أي تعبير عربي مشابه له. والمقال الذي نشره غريفيت في الموزيون " هل المسيح مات باختياره ؟ " يلقي ضوءاً جديداً على مشكلة مؤلفات أبي قرة اليونانية. فقبل نشر هذا المقال لم يكن بين المؤلفات اليونانية ما يناسبه في العربية. وتبين أن المقال المذكور يناسب المقال اليوناني رقم 9 وهو يشكل أيضاً مقطعاً من المحاورة التي جرت بين أبي قرة وأئمة المسلمين في حضرة المأمون. فالمؤلفات اليونانية ليست مختلقة وليست مجرد ابتكار فكري بل تدون لنا محاورات جرت بالفعل وقد سطّرها أبو قرة ثم دونـها هو نفسه أو تلاميذه باليونانية. وكانت اللغتان متداولتين كلتاهما في دير مار سابا الذي يرتبط به أبو قرة.
 
وإليك نماذج عن المواضيع المطروحة في الحوارات :
" حوار له مع حاكم حمص اقترح عليه برهاناً عقلياً على اثبات وجود الله" ( رقم 3 ).
 " محاورة في تحقيق النصرانية بكرز أو دعوة الصغار والحقيرين " (رقم 21 ) ، نجد نفس الفكرة في عدة مؤلفات أبي قرة العربية.
في تحقيق أن لله ابناً معادلاً له في الجوهر وعدم الابتداء والأزلية            ( رقم 25).
جواب على سؤال اعرابي قال له : هل المسيح إلهك وهل لك إله آخر ؟ فالآب والروح القدس إذاً زائدان. إن كان المسيح الله، فهل الآب والروح القدس آلهة أخرى ؟ ( رقم 8 ) ( يرد الجواب على مثل هذا السؤال في المقال الذي نشره باشا في التثليث والتوحيد ( ص 23 – 47 ).
محاورة له مع رجل وثني قال له : ألا تقول أن الله في كل مكان ؟ فكيف يمكن أن يكون في أحشاء أمه ؟ ( رقم 16 )
محاورة لأبي قرة مع عربي في أن المسيح الانسان هو اله حق أيضاً          ( رقم 23 )
بخصوص موت المسيح، لأبي قرة نفسه جوابه لها جري قال له : صلب اليهود المسيح باختياره أم مكرهاً ( رقم 9 ).
بخصوص الافخارستيا ( الرقم 22 ) محاورة لأبي قرة مع أحد العرب في أن الخبز المقدس أو القربان الطاهر هو جسد المسيح. ويقول فيه كما أن القوى الهاضمة تحول الخبز إلى جسدنا كذلك الروح القدس يحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. إن نص هذا الحوار مقحم في " الحوار مع المسلم أحمد " المنسوب لساموناس اسقف غزة في مجموعة الآباء اليونان، مين، مجلد 120 عمود 1557 – 1561.
من مجادلاته مع المسلمين جواب على من يسأله : لماذا تؤمن بموسى وبالمسيح ولا تؤمن بمحمد ( رقم 18 ).
جوابه على أحد المسلمين الذي قال له : اشهد أن الله أحد لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ( رقم 19 )، جواب آخر ( رقم 20 ).
بخصوص الحرية : محاورة في مبدع الخير والشر وخلق الله لأعمال الانسان ( رقم 35 ).
في أسماء الله الحسنى أو الكمالات الالهية ( رقم 27 ).
محاورة في كلام الله هل هو مخلوق أم غير مخلوق ( رقم 36 ).
 
ثالثاً : مـيزته
 
يسير أبو قرة على خطى الآباء القديسين وآخرهم يوحنا الدمشقي الذي كان ذكره ما يزال حيَّاً في دير مار سابا، ويمهد للاهوت الفلسفي المدرسي. وقد كرس حياته للدفاع عن عقلانية الإيمان: إنه لمن المناسب للعقل أن نؤمن. فالإيمان ليس مجرد اختبار أعمى. ولا يستطيع المدافع أن يرغم مستمعيه على الإيمان، إنما دوره جلي الواقع وإزالة العوائق التي تحول دون النظرة المجردة للأمور ومساعدة الانسان على اتخاذ الموقف الذي تتجلى فيه الحقيقة. إن كثيراً من الأمور لا يراها الإنسان إلا إذا صوب نظره إليها من الزاوية الملائمة وكذلك في الشؤون العقلية والإيمانية. والمدافع عن الإيمان هو الدليل والمرشد الذي يساعد رفيقه على توجيه نظره إلى حيث تنجلي الحقيقة لكنه لا يستطيع أن يرغمه على النظر.
لقد ناضل أبو قرة على جبهتين: على الجبهة الداخلية حاول إعادة الوحدة إلى المسيحيين حول تحديد المجمع الخلقيدوني، وعلى الجبهة الخارجية تجاه الدين الإسلامي المنتصر الذي بدأ يضغط اجتماعياً وفكرياً على المسيحيين، حاول إظهار دعائم حقيقة الديانة المسيحية وإيضاح عقلانية معتقداتها. كانت فئة كبيرة من المثقفين المسلمين في ذلك العصر منفتحة ومتشوقة لمعرفة أسس الدين المسيحي، وكانت أيضاً فئة من المفكرين المسيحيين أمثال أبي قرة ومعاصره أبي رائطة وغيرهما مستعدين دون خوف أو وجل لأن يعطوا " جواباً للرجاء فيهم " .
قد يأخذ البعض على أبي قرة وأمثاله من الكتاب العرب النصارى ثقتهم الكبرى بل المفرطة بالعقل. إن العقل هو نقطة التماس المشتركة بين المؤمنين وغير المؤمنين. وإن أبا قرة لا يستطيع أن ينطلق من غير هذا المنطلق في حواره مع الذين هم خارج الكنيسة. إلا أنه يعي تمام الوعي أن الإيمان إنما هو في نـهاية الأمر قضية نعمة من الله، وإن كان تحكيم العقل ضرورياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان في محله. ويوضح أبو قرة نظرته في علاقة الإيمان بالعقل في مطلع مقاله "في التوحيد والتثليث"، إن الناس في موقفهم من الإيمان هم ثلاث فئات : منهم من يرفضون الإيمان بما لم يحيطوا بمعرفته شخصياً، ومنهم من يؤمنون بما يقال لهم أنه من الله دون أن يمعنوا النظر ليعرفوا هل هو حقيقة من الله. ومنهم من يؤمنون بعد أن أعملوا الروية وأدركوا صحة نسبة هذا القول إلى الله. ويقول أبو قرة : إن الذي يرفض أن يؤمن لا بد من أن يبقى جاهلاً لأن هناك أموراً كثيرة لا نصل إليها إلا بالشهادة والتصديق. وإذا كان الإنسان يصدق الكثيرين ويطمئن إليهم، فلم لا يصدق من يرسلهم الله ؟ أما الذي يؤمن دون أن يمحص هل يقدّم إيمانه لمن هو حقيقة مرسل من الله "فأخلق به أن يكون شبيهاً بمن يغمض عينيه ويمكّن من يده من يهديه في الطريق من غير أن يعلم إن كان هاديه ناصحاً او غاشاً وهادياً بالطريق أو ضالاً". وأما الذي يخضع ذهنه للتصديق بالخبر عن الله فيكون عدلاً في تدبير إيمانه إذ يجعله في موضعه".
 
على الإنسان إذاً أن يفحص هل الدين المعروض عليه هو جدير بالتصديق. وفي نظرة أبي قرة من بين جميع الناس ليس أحد يقضي له العقل بالرويّة قضية تعدل العيان أنه صار مؤمناً بتدبير عقله إلا من اعتقد النصرانية ديناً، ويسهب أبو قرة في عدة مقالات في البراهين عن صحة الديانة المسيحية وضرورة تصديق ما جاء به الانجيل. بيد أنه لا يدعي أن أسرار الديانة المسيحية تعرف بالعقل. فهو يستند إلى شهادات الكتب. على أن براهينه العقلية موضوعة لدعم معتقد الضعفاء ورد هجمات الأعداء وإثبات عدم التناقض فيها. أما الإيمان الفعلي فهو بحسب إقراره من عمل الروح القدس. فيقول أبو قرة مثلاً لمنكري سر الثالوث الأقدس : " فنحن نقول لأصحاب هذا القول : إننا قد أثبتنا لكم في ميمرنا هذا بالإيجاز وفي غيره بتلخيص أنه قد وجب على كل واحد أن يؤمن بالانجيل وناموس موسى وما بينهما من كتب الأنبياء. وهذه الكتب التي ذكرنا نجدها تذكر أن الآب إله والابن إله والروح القدس إله واحد. ولا تقول ثلاثة آلهة، بل تحذرنا جداً أن نقول غير إله واحد.   فنحن نقبل ما قالت هذه الكتب بالإيمان ولو كانت عقولنا لا تجد سبيلاً إلى تحقيق قولها لأن الإيمان هكذا حددناه أنه اليقين بما قد غاب عن المعرفة كما تحيط به المعرفة.. . فإذا فرغنا من ذلك نقول : إن أنتم قبلتموه بالإيمان كقبولنا إياه، فقد أفضينا إلى الأمر المراد. وإن لم تفعلوا ذلك علمناكم أن الروح القدس قد أقنع عقول النصارى بإشراقه لها عن هذا الأمر وغيره مما دلت أن تقبله من قوله بالإيمان. ( باشا، ص 23 – 25 )
وفي المقال ذي الرقم 7 من مجموعة الأب باشا يبرهن أبو قرة " إن لله ابناً هو عدله في الجوهر ولم يزل معه " فيستند إلى العقل ثم على شهادات الكتاب المقدس، ويقول في الختام : " نحن نسأل كل من لقي كتابنا هذا أن يحمد المسيح ربنا عنا بما وفقنا له من الصواب، ويعذرنا على كل ما فيه من خلل ويدعو لنا روح القدس بإنارة عقولنا وهداية كل من يقرأ كتابنا إلى يقين المعرفة بربوبية المسيح التي لا أحد يستكنّ قلبه إلى الإقرار بـها إلا بهدايته، كما قال مار بولس". ( باشا، ص 106 )
 
يتضح إذاً أن أبا قرة ليس عقلانياً محضاً بل هو مؤمن صادق إذ أنه يعي حقيقة دور الوحي والنعمة في البلوغ إلى كمال الإيمان. وإنما يثق بالعقل وبالتقائه والإيمان. ولا عجب في ذلك إذ أن الله هو المصدر الواحد للطبيعة وما فوق الطبيعة كما وللعقل والإيمان.
 
الحواشي:
(*) المقال هو فصل من كتاب "مجادلة أبي قرة مع المتكلمين المسلمين"، سننشر لاحقاً بعض الفصول الأخرى.
 
(1)    تاريخ ميخائيل الكبير، طبعة حلب 1996، مجلد 2، 453 -454
(2) Teodoro Abu Qurra trattato sulla venerazione delle- immagini a cura di Paola Pizza Milano 1995.
(3) يقول النساطرة أن في المسيح اقنومين وطبعتين واليعاقبة يقولون بأقنوم واحد وطبيعة واحدة وأما الملكيون فيقولون بأقنوم واحد وطبيعتين. وكذلك ساباليوس ينكر التمييز بين الأقانيم الثلاثة في الله ويقرّ بوحدة الجوهر، بينما آريوس يقرّ يالتمييز وينفي وحدة الجوهر. أما الأرثوذكسيون فيقولون بالتمييز بين الأقانيم ووحدة الجوهر. 
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
مقارنة بين سند السحب وسند الأمانةالبطريركيّة المسكونيّة في العصر الحديث.. من سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى اليوم
الاغتراب.. بحث في فلسفة التموضع عند برديائيفالمؤسسات الدينية وصرخة في وجه الرأسمالية
حان الوقت لإعادة النظر... بالمقدسات الحديثةمقارنة الإرث والوصية بين قانون السريان والروم الارثوذكس و قانون الطوائف الكاثوليكية
حنا الفاخوري مع الخالدينالشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاً
بولس الخوري: العلمانية تصون التنوّع الإنسانيالوشـاح
قراءة في كتاب "اختلال العالم" مهداة إلى مؤلفه أمين معلوف لمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسيةالمسيحيّون في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى