الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات روحية ولاهوتيّة

العَيش في عالم مُتعدِّد الأديان

  بقلم: الأب بيير مصري



تمهيد

لم يكُن عالمنا يوماً إلاَّ عالماً متعدِّد الأديان، لم تسُد فيه مرَّةً ديانةٌ واحدة، ولم يعمُّه في أي وقت نسقٌ مشترك للمعتقدات أو العبادات. قد تتحوَّل ديانة ما في فترة تاريخيَّة معيَّنة إلى ديانة الغالبيَّة من الناس في منطقة جغرافيَّة محدَّدة (كما جرى مثلاً مع المسيحيَّة أو الإسلام أو البوذيَّة كلٌّ في مكان وزمان مختلفين)، دون أن يعني ذلك بوجه من الوجوه اضمحلال أشكال التديُّن الأخرى أو زوالها من منطقة انتشار الديانة السائدة.
وقد كانت بلادنا على وجه الخصوص دوماً ملتقى لعدد من الديانات والمذاهب (نموذج دورا أوروبوس) التي تجاورت وتفاعلت وتبادلت حيناً، وتناحرت وتخاصمت حيناً، وتصالحت وتعاونت أحياناً أخرى.. بحسب ما أثَّرت فيها أو فرضت عليها ظروف المجتمعات والنظم السياسيَّة ومكوناتها، ولكن أيضاً بمقدار ما تمكَّنت من صياغة مواقف "متسامحة" أو منفتحة دينياً تسمح لها بممارسة علاقات حسن جوار أو حسن حوار مع الأديان الأخرى المحيطة بها.
نعلم جميعنا أنَّ خارطة العالم تتوزع بنسب مختلفة على عدد كبير من الأديان والمعتقدات والجماعات الدينيَّة التقليديَّة والحديثة النشأة. تقدَّر أعداد أتباع الأديان الكبرى بشكل تقريبي كما يلي: المسيحيون 1500 مليون، المسلمون 900 مليون، الهندوس 720 مليون، البوذيون 370 مليون، الكونفوشيون 300 مليون، الإحيائيون 200 مليون، اليهود 16 مليون.. فما الذي استجدَّ إذن لكي يُطرح الموضوع من جديد بهذا الشكل الملحّ على الضمير الديني والإنساني في عصرنا الحاضر؟
إننا نعي أكثر فأكثر هذه الحقيقة الواقعة بفضل التداخل والتمازج الحالي بين الثقافات والمجتمعات، فعولمة التبادلات الإنسانية، وسهولة السفر والتنقُّل في العالم للعمل أو السياحة، وانتشار وتطور وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، وكذلك موجات الهجرة المتنوعة الأسباب والمصادر.. كل ذلك يجعل إنسان اليوم مضطراً للبحث عن موقع له في إطار بشري متعدِّد الأديان يحيط به في أكثر الأحيان في محيطه المباشر والقريب: في مدينته أو قريته أو جيرانه وكذلك في علاقات صداقاته وحتى في عائلته ذاتها (الزواجات المختلطة، تبني أولاد من قارات أخرى.. الخ). ولا يمكنه بالتالي تجاهل واقع التعدُّد الديني هذا أو التقليل من شأن تأثيره على المجتمعات البشريَّة ومستقبل السلام بين الشعوب.
سنستعرض في المحاضرة الأولى أنماط المواقف التي قد يتخذها المؤمنون من أتباع الأديان الأخرى، بطريقة وصفيَّة تحاول الفهم وتُعمل التحليل أكثر ممَّا تلجأ إلى التقييم أو التبرير. وذلك من منظور عمومي يمكن أن يشمل بنوع ما العلاقات بين مختلف الأديان والمذاهب.
أمَّا المحاضرة الثانية فنخصِّصها للتعرُّف على تيَّارات التفكير اللاهوتي المسيحي (الكاثوليكي بوجه خاص) في محاولة فهمهما لظاهرة التعدُّد الديني على ضوء معطيات الإيمان المسيحي ومبادئه الأساسيَّة.


القسم الأول
أنماط المواقف من واقع تعدُّد الأديان


لمَّا كان من طبيعة الأديان كافَّة الحفاظ على الوجود الفردي والجماعي للمؤمنين بها، بالإضافة إلى واجب صون الحقيقة التي تحملها، وقد أوكل إلى الجماعة التي تبلغتها أمر الدفاع عنها، فإنَّ وجود الأديان الأخرى يمكن أن يُثير لدى المؤمنين في ديانة ما ردود فعل متفاوتة ومواقف متباينة تختلف باختلاف الظروف التاريخيَّة والاجتماعيَّة التي تحيط بهم وتسم العلاقة التي تربطهم بالآخرين من جهة، وبنوعيَّة الوعي الديني السائد في هذه الديانة والذي تتكون انطلاقاً منه التصوُّرات عن الذات وعلاقتها بالآخر.
إن العيش في عالم متعدِّد الأديان قد يدفع المؤمنين بإحدى الديانات إلى اعتبار وجود الآخرين إمَّا مصدراً للخطر، وإمَّا مبعثاً للقلق، وإمَّا دافعاً إلى مضاعفة جهود التبشير والضم، وإمَّا حافزاً للتفكُّر الذاتي والمراجعة النقديَّة، وإمَّا منبعاً للاغتناء والتقابس والتكامل. وقد شهد تاريخ الأديان عدداً كبيراً من المواقف، النظريَّة أو العمليَّة، التي تحكَّمت بطبيعة العلاقات التي تربط بين أتباع الديانات وكوَّنت ملامح التلاقي والتحاور في ما بينها.
يمكننا من باب التبسيط المساعد على الدرس تصنيف هذه المواقف في سبعة أنماط أساسيَّة، نسارع إلى التأكيد على أنَّ تمييزها في هذا الحيِّز النظري التحليلي لا يعني على الإطلاق أنَّها توجد في صيغتها النقيَّة الخالصة على أرض الواقع، لا بل كثيراً ما تتشابك وتتداخل وتتراكب، مكوِّنة أنماطاً فرعيَّة قد يصعب علينا إحصاؤها وتوصيفها.

النمط الأول: المواقف اللاأدريَّة أو النسبوية

من المؤكد أن حالة التعدُّد الديني قد تدفع المؤمن إلى نوع من التصلُّب أو التشنُّج الذي يؤدي أحياناً ويا للأسف إلى أشكال جديدة من عدم التسامح تجاه المؤمنين من الأديان الأخرى. لكنها قد تقود أيضاً إلى ردَّة فعل معاكسة تقول بأن الأديان كلها متشابهة ومتساوية، لا تختلف إلاَّ في الظاهر وإن كانت عصيَّة على الاتفاق أو التوحيد في ما بينها. وليس بوسع أحد أن يجزم بشكل مُقنع بصحَّة أو بطلان أيٍّ منها (اللاأدرية مثلاً عند المعري).
وكثيراً ما يتخذ هذا الموقف شكلاً أقلَّ حدَّة، فالمؤمن يُقرُّ بانتمائه الديني المحدَّد (المسيحي مثلاً)، لكنَّه يُضيف بأنه كذلك قبل كل شيء بتأثير التربية أو التراث الاجتماعي، وبأنه لو كان قد ولد في بلد آخر لكان بشكل طبيعي هندوسياً أو مسلماً.. وهذا يعني بالنتيجة أن الأديان لا تعدو كونها أشكالاً لمحتوى واحد تختلف بدرجات متفاوتة في التعبير عنه. وهذا ما يؤدِّي عملياً إلى موقف الحياد الديني، أو اللادينيَّة (وهي تختلف عن الإلحاد)، الذي قد يتضمَّن نوعاً من الإيمان الفردي بإله أو مبدأ مطلق، على ألاَّ يكتسي هذا الإيمان أيَّ شكل من أشكال التعبير الديني المألوفة.

النمط الثاني: المواقف الانتقائيَّة
يعتبر هذا الموقف، على خلاف النسبوية، أن الدين الحقيقي ما هو إلاَّ خلاصة المعتقدات جميعها، أو بالأحرى مجموعٌ منتقىً منها ومن الممارسات الدينية والقيم والإلهامات المنتشرة في التاريخ الديني للبشرية.
قد تنتاب الإنسان المؤمن رغبة مشروعة في الاستعلام والمعرفة في ما يخص ذاك الدين أو سواه، وهذا ما قد يوصله للانجذاب إلى بعض الجوانب أو العناصر التي يتضمنها ذلك الدين، إن لم نقل للإعجاب والاقتناع بها، مثلاً: المحبَّة الإلهيَّة والإنسانيَّة الشاملة في المسيحيَّة، أو الشعور العميق بالعظمة الإلهية في الدين الإسلامي، أو التوق إلى المطلق في الدين الهندوسي، أو عقيدة التعاطف الكوني في الدين البوذي... وهذا ما قد يدفع المؤمن إلى الاستعلام بشكل أدق عن ذلك الدين أو ذاك، إلى قراءة الكتب التي تبحث فيه، إلى زيارة المراكز أو بيوت العبادة الخاصة به.. وهكذا دون أن يشعر مباشرة بما يجري، يصل إلى حالة يشعر فيها بالغربة أو بالانقطاع عن تراثه الديني الخاص.
بالتأكيد لسنا هنا أمام حالة انفتاح إيجابي على الأديان الأخرى تحرِّكها الرغبة في الحصول على معرفة أوثق بها، بل أمام حالة ابتعاد عن التراث الديني الخاص تؤدي إلى مزيج فاقد الخصوصية ينـزع عن الأديان هويتها والعبقرية الخاصة بكل منها، والمرتبطة بتاريخها وتراثها الفريد. إنه لمن المهم بدون شك التعرُّف على تراثات الآخرين الدينية، لكن الأكثر أهميَّة هو أن نجد في حالة التعدُّد الديني حافزاً يقودنا إلى الاستعلام عن إيماننا الخاص والتفكير المعمَّق فيه. لا من خلال ردَّة فعل دفاعيَّة أو خوف من المؤمنين الآخرين، بل لأن هذا الأمر هو من المقتضيات الأساسيَّة لحقيقة اللقاء ما بين الأديان بقدر ما هو من مقتضيات الالتزام الديني الجدي. لا يمكن للمؤمن أن يمضي بعيداً في الحوار مع المؤمنين بالأديان الأخرى إن لم يكن مستقراً بعمق في تقليده الديني الخاص، وهذا ما يتطلَّب منه تعاملاً كافياً مع كتبه المقدسة، ومعرفة ملائمة بالتاريخ، وجهد عقلاني لتمييز نوعية حالة التعدُّد الديني التي نلتزم بالتعامل معها.

النمط الثالث: مواقف الهجوم

يستند موقف الهجوم إلى الشعور الفردي والجماعي بأن الأديان الأخرى هي أعداء ينبغي دحرهم بكل وسيلة ممكنة، لا بل القضاء عليهم إن أمكن، ليتسنَّى للدين الحقيقي أن يبلغ غايته. وجودي إذن يتخذ مداه الحقيقي عند إلغاء الآخر، إلغاءً واقعياً أو رمزياً، لأن مجرَّد وجوده يمثِّل خطراً على وجودي، وخطراً على الحقيقة التي أؤمن بها أو الوحي الإلهي الذي استُودِعته. وهكذا تتخذ مهاجمة الدين الآخر طابعاً "بطوليَّاً"، ودفاعاً (على مبدأ الهجوم أفضل طريقة للدفاع) عن الذات من خطر الاضمحلال والفناء.
يسعى المهاجم الديني إلى قهر الخصم بأيِّ ثمَن، حتَّى لو قادَهُ ذلك إلى اختلاق صورةٍ وهميَّة أو كاريكاتوريَّة عن فكرِه ومعتقداته وممارساته الدينيَّة، فيقوم بتشويه ملامحه الحقيقيَّة، إمَّا تضخيماً لتبدو هزيمته أكثر أهميَّةً، أو تحقيراً ليغدو الفارق بينه وبين مُجادله كافياً لحسم النـزال لصالحه سلَفاً. ويُعبِّرُ هذا النوع من الهجوم البطوليُّ في أغلب الأحيان عن مستوى مُتقدِّم من انكماش الجماعة التي تُنتجه وانغلاقِها على ذاتها، وعن اطمئنانها النرجسي إلى صورةٍ طوباويَّة عن هويَّتها، فيها من الفَوقيَّة ما يكفي للُحكم مُسبقاً على أيِّ اعتراضٍ يوجَّهُ إليها بالبُهتان، أو بالسذاجة في أفضل الأحوال.
يعادي الفكر الديني المهاجم الأديان الأخرى ويخاصمها، لذلك يرفض رفضاً قاطعاً كلَّ المقولات والمضامين التي تنادي بها، ويهزأ بممارساتها الدينيَّة ومبادئها الأخلاقيَّة، فينزع بالتالي عن هذه الأديان، بشكل مسبق وغير قابل للنقاش، أي قيمة روحيَّة أو إنسانيَّة، ويجرِّدها من أي معنى أو أبعاد تستحق الاحترام أو تدعو إلى الاكتشاف والتأمُّل. ويسود بالتالي في خطاب المهاجم نبرة التحقير والنقد الهدَّام والإفراغ المتعمَّد لكل الحقائق من قيمتها، ويشعر بالنصر كلَّما أمعن في تشويه هوية الدين الآخر وتزييف جوهره وتحريف مادته واستقباح صورته.

النمط الرابع: مواقف الدفاع

إنَّ موقف الدفاع هو الوجه الآخر لموقف الهجوم، إذ يستند الموقفان إلى شعور داهم ومُلحﱟ بالخطر الناجم عن وجود الدين الآخر، الفرق الأساسي بينهما هو في النبرة، ففي حين يستميت المهاجم في الحطِّ من قيمة الآخر، يستبسل المدافع في الرفع من قيمته الذاتيَّة وإبراز ميزاته وتوضيح تفوُّقه ممَّا لا يدعُ مجالاً لأي وجود آخر ذي قيمة تُذكر. يشعر المدافع أنَّ الآخر موشكٌ أن يقتنصني وأنه يعمل كل ما في وسعه لمناقضتي وإلغائي وإرباكي، فيسعى لذلك إلى تفنيد حججه وتسفيهها وإفحامه بشكل لا يقوى من بعده على تهديدي.
يتملَّك المؤمن المدافع أشدَّ الخوف على هُويَّته الدينيَّة، فتجده في حالة استنفار دائم، يستشعر الخطر عليها في كل قول وتصرُّف يبدر عن الآخرين، بحيث يصير عاجزاً عن الاستماع إليهم أو الإصغاء لهم بطريقة موضوعيَّة رصينة. ويفقد بالنتيجة القدرة على المخاطبة الحقيقيَّة أي القادرة على البلوغ إلى الآخر ومحاورته حواراً حراً منفتحاً، لهذا السبب نجده يكثر إلى حدِّ المبالغة من الحجج والأدلَّة والبراهين التي يزعم أنها قاطعة ولا يمكن ردُّها، ويدور هكذا في حلقته المفرغة التي تسجنه في قفص من الصمت الفكري، والعجز عن إبداع أدوات تواصل ملائمة، وبالنتيجة الجمود الديني المقيت.

النمط الخامس: مواقف الضم أو الاقتناص

يتمُّ التعبير عن هذا الموقف بالسعي المسعور إلى تجريد الآخرين من هُوِّيتهم الدينيَّة وإلحاقهم بالترغيب أو بالترهيب، بالمحاورة أو بالمداورة، بجماعته الدينيَّة. وهو يختلف اختلافاً بيِّناً عن موقف الإرساليَّة أو الدعوة الذي يعتمد على مبدأ الحريَّة الدينيَّة، أي حق كل إنسان في اعتناق الديانة التي يوقن في أعماق ضميره الخالص من كلِّ مصلحة أو هوى أنَّها الطريق التي يوصله إلى ملاقاة الله أو الحقيقة الأسمى.
يعتقدُ أصحاب هذا الموقف أنَّ الآخرين هم في ضلال كامل، وأنَّ استمرارهم فيه سيوصلهم لا محالة إلى الهلاك دنيا وآخرة. لذلك يشعرون بالذنب وثقل المسؤوليَّة على إنقاذهم وانتشالهم ممَّا هم فيه، وتغدو هذه المهمَّة أساساً لنشاطهم الديني وعلاقاتهم مع سواهم من أتباع الأديان الأخرى، لا يرون فيهم إلاَّ موضوعاً للهداية والضمّ، ولا يحسُّون بالرضى عن ذواتهم والأمانة لواجباتهم الدينيَّة، إلاَّ بنموِّ محصول جهدهم التبشيري وثبوت فعاليته المباشرة.
قد يلجأ أصحاب هذا الموقف إلى اتخاذ مواقف الهجوم والدفاع الآنفة الذكر إن كان مفعولها صالحاً لتكوين الموقف الارتدادي عند الآخر. وقد يتَّبعون وسائل أكثر ليناً ومُسالمة بما فيها حسن الكلام أو لطف المساندة في الضيقات أو الإغراء بخيرات موعودة في الدنيا والآخرة، لا بل قد يعمدون إلى انتقاء جوانب من ديانة الآخر يمتدحونها أو يستندون إليها لاجتذابه واكتساب تعاطفه، كلُّ ذلك في سبيل غاية أخيرة وحيدة لا تتحقَّق إلاَّ بتحويل الآخر عن دينه وإلحاقه بالجماعة الناجية.
لا تخفى في هذا الموقف الروح الاستعلائيَّة والفوقيَّة الصارخة التي تعتقد بهيمنة ديانة واحدة على سائر طرائق التديُّن البشري، واعتبارها الديانة الشاملة الكاملة المحتوية لكلِّ الحقائق الدينيَّة، والتي فيها اختتام التجلِّي الإلهي وغاية مقاصده عند بني البشر أجمعين.

النمط السادس: مواقف الإرجاء وتعليق الحكم
يجد متخذو هذا النوع من المواقف أنَّ تعدُّد الأديان واقع تاريخي عصيٌّ على الفهم ويكتنفه الالتباس الشديد، المرتبط بطبيعة الظواهر الدينيَّة ذاتها، ممَّا يجعل من المتعسِّر على النظر البشري التوصُّل في شأنه إلى موقف محدَّد، لا من جهة الإثبات والقبول والاعتراف بالشرعية ولا من جهة النفي والإبطال. وبالتالي لا يمتلك الإنسان في مدى رؤياه المحدودة الآفاق أن يتوصَّل إلى وضوح كاف يسمح له باعتبار التعدُّد الديني جزءاً من المشيئة الإلهيَّة السامية المقاصد، أو أن يتمكَّن من الجزم بالعكس والانصراف بالتالي إلى جهد الدعوة والرسالة الكفيل بتغيير واقع كثرة الأديان هذا.
يعتبر هؤلاء المؤمنون من المرجئة أنَّ العقل البشري والإيماني عاجز عن تحديد موقع محدَّد لأتباع الأديان الأخرى في إطار رؤيته الشاملة للكون والتاريخ، ويفضِّلون لهذا السبب الاكتفاء بموقف المراقب المحايد ومستوى العلاقات الإنسانيَّة الأخوية دون اعتبار عنصر الاختلاف الديني عاملاً من أساسيات المعاملات بين الناس.

النمط السابع: مواقف المساواة والنديَّة
يعتمد أصحاب هذا النمط من المواقف على المساواة الكيانيَّة الأصليَّة التي ينعم بها جميع أبناء البشر الذين برأهم الخالق على كيان واحد وشملهم دون تمييز بفضله ولطفه ورحمته. وبما أنَّ الناس كافَّة، على ما بينهم من اختلاف في المعتقدات والمذاهب والانتماءات الدينيَّة، متساوون في الكرامة الإنسانيَّة ذاتها وفي القدرة المطبوعة في فطرتهم على معرفة الحقيقة ونيل السعادة، فإنَّ نظرة المؤمن إلى غيره من المؤمنين يصير مبنياً على مبدأ اعتماد المساواة والنديَّة والمشاركة في التماس وجه المصدر المطلق والبحث عن اكتناه نتائج الانقياد إلى إرادته في تكوين المسالك الدقيقة للواقع الإنساني البالغ التعقيد.
ينظر أصحاب هذا الموقف إلى الأديان الأخرى بتقدير واحترام إنساني وروحي كبيرين، ويعتبر أنَّ واقع التعدُّد الديني فرصة غنيَّة الإمكانات تسمح للبشر بالتقابس والتعارف والتعاون في المجالات المتعددة المرتبطة بالفسحة الدينيَّة أقصد المجال الثقافي والفكري والأخلاقي، فضلاً عن المجال العقائدي والعبادي. وغاية هذا الانفتاح أن يتمكَّن كلُّ مؤمن من الاغتناء من الخبرة الدينيَّة التي يكتشفها عند الآخرين، فيثري بها خبرته الدينيَّة الخاصة، ويتفاعل معها في تناغم خلاَّق وأمانة صافية لهويته الدينيَّة الذاتيَّة.

القسم الثاني
المسائل اللاهوتيَّة التي يطرحها واقع تعدُّد الأديان

لا شكَّ بأن مسألة العلاقة بين الإيمان المسيحي والديانات الأخرى ليست بأمر جديد وغير مسبوق، فهي ملازمة للمسيحية منذ نشأتها. إلا أن المسألة تطرح بطريقة جديدة كلياً منذ المجمع الڤاتيكاني الثاني الذي نظر إلى الأديان نظرة جديدة أطلقت حركة حوارية هائلة بين المسيحيين والديانات: ملتقيات ومؤتمرات، ندوات حوارية، كتب ومجلات متخصصة، معاهد ومراكز تنشئة على معرفة الأديان، سكرتارية خاصة ثم مجلس للحوار بين الأديان، بالإضافة إلى رسائل البابا والوثائق والخطابات في زياراته وبالخصوص لقاء أسيزي في تشرين الأول 1986.
في الواقع بقي المسيحيون قروناً طوية يعتقدون بأنهم وحدهم أصحاب الديانة الحقة، وأن الديانات الأخرى باطلة، وأن على أتباعها الإيمان بيسوع المسيح والانضمام إلى الكنيسة لينالوا الخلاص، إذ كل باقي المعتقدات ما هي إلاَّ نوع من أنواع الوثنية. ماذا يمكننا اليوم أن نقول؟ وإلى أي حد يمكننا أن نمضي في تقبُّلنا للديانات بنظرة إيجابية، دون أن نضع موضع التساؤل هويتنا المسيحية الخاصة، وما يمثل قلب هذه الهوية أعني الإيمان بيسوع المسيح كلمة الله المتجسِّد مخلصاً وحيداً للبشر أجمعين؟ هل الديانات الأخرى هي مجرد "استباقات إنجيلية" عليها أن تكتمل في المسيحية، أم ينبغي اعتبار تعدديتها أمراً يرجع إلى تصميم الله الخلاصي، وبأنها مدعوة للاستمرار في البقاء على امتداد التاريخ؟ وبناء على ذلك ماذا تعني رسالة نشر الإنجيل للأمم كافة ودعوتها للدخول في كنيسة المسيح يسوع بالمعمودية؟
سنحاول في هذا القسم أن نرى كيف فكَّر المسيحيون في الماضي وكيف يمكنهم أن يفكِّروا في الوقت الحاضر في واقع التعدديَّة الدينيَّة. كيف نفهم واقع التعدُّد الديني انطلاقاً من معطيات الإيمان المسيحي؟ هل يمكن اعتبار الأديان الأخرى بمثابة طرق خلاص بالنسبة لمعتنقيها؟ هل تشترك بطريقة ما في مخطط الله الساعي إلى الكشف عن ذاته لبني البشر؟ وهل يمكن لهذه التعدُّديَّة الدينيَّة أن تضيء لنا جانباً من معرفتنا بالله؟ كيف نفهم فرادة يسوع المسيح مخلص العالم في إطار تعدُّد الأديان؟
يمكننا، وهنا أيضاً من باب التبسيط المساعد على الدرس، أن نميِّز في التقليد المسيحي بين ثلاثة طرق في التفكير في مسألة التعدُّد الديني. طرق أو بالأحرى تيارات لا يزال بوسعنا ملاحظتها حتى وقتنا الحاضر. ففي حين كان الربع الأول من القرن العشرين منطبعاً بفكر سلبي على نطاق واسع تجاه الأديان الأخرى (مواقف إقصائيَّة exclusivisme)، كان المجمع الڤاتيكاني الثاني ومرحلة التهيئة له يتسمان بالتيار الثاني الاحتوائي (inclusivisme). أمَّا التيَّار الثالث فهو أكثر جدَّة وقد بدأ بالانتشار اعتباراً من الثمانينيات حين بدأ بالتكوُّن ما صرنا ندعوه حالياً "لاهوت التعدُّد الديني" (pluralisme).

التيار الأول: المواقف الإقصائيَّة

في اعتبار هذه الطريقة في التفكير، لا يمكن الإقرار بأيِّ نفع للأديان الأخرى لا بالنسبة لخلاص البشر ولا في التعبير عن الوحي الإلهي.
يُعرف هذا التيَّار ويُبسط تسهيلاً بواسطة شعار «لا خلاص خارج الكنيسة». وهو في سعيه الدائب للتأكيد على جدَّة الوحي المسيحي الجذرية وفرادة الخلاص بيسوع المسيح، يعتبر أنَّ الأديان الأخرى لا فائدة منها على الإطلاق في نطاقي الوحي والخلاص، لا بل يمكن اعتبارها غاشَّة ومضلِّلة. إذ إنَّ الله، بتجسُّد المسيح وتضحيته على الصليب، قد اتَّخذ مبادرته السنيَّة لإنقاذ البشريَّة السائرة في سبيل الهلاك من جراء الخطيئة الأصلية. وبالمقابلة مع هذا العمل الإلهي لا يمكن إسباغ أية قيمة على الأديان الأخرى سوى من جهة كونها محاولات إنسانيَّة لا طائل منها للاقتراب من الحضرة الإلهيَّة، لا بل هي عبادات وثنيَّة وضلالات توقع بالبشر في حبائلها وتحتجزهم في قيود الباطل والخطيئة.
هكذا يصير من واجب رسالة التبشير المسيحيَّة أن تتولى التنديد بهذه الضلالات وأن تعمل على انتشال أتباعها من معتقداتهم البائدة وممارساتهم الدينية القديمة. وبهذا الشكل تتمحور الرسالة المسيحيَّة بأكملها على التبشير والارتداد: «توبوا وآمنوا بالبشارة». البشرى السارة يتمُّ إعلانها لكل البشر، ويتقرَّر مصير كل إنسان بحسب تجاوبه أو عدم تجاوبه مع الدعوة الموجهة إليه، إذ لا يمكن لأحد أن يبلغ الخلاص من غير أن يعترف صراحة بإيمانه بيسوع المسيح متجاوباً مع إعلان البشرى الإنجيليَّة. فالمسيح هو المخلِّص الأوحد، إذ يُعترف به ويُتعرَّف إليه في إيمان الكنيسة.
يتمحور هذا النمط إذن حول الكنيسة (ecclésiocentrique)، فالموقف الإقصائي يثبِّت نظرته على الوسيط الوحيد يسوع المسيح الذي تبشِّر به الكنيسة وتعترف وتعرِّف. والخلاص مشروط بالاشتراك الفعلي في اعتراف الكنيسة الإيماني وحياتها الأسراريَّة.
لم يطل الأمر بمبدأ «لا خلاص خارج الكنيسة» المتشدِّد أن أصبح شعاراً منافياً للإنسانيَّة ويصعب الدفاع عنه، خصوصاً بعد اكتشافات العالم الجديد. فالمبدأ الإقصائي يضع في واقع الأمر موضع الشك مسألة عدالة الله ولطفه الفائق بكل البشر وإرادته بأن لا يُحرم إنسان من خلاصه. ولذلك بذلت جهود مضنية وحثيثة وعرضت حلول واقتراحات عديدة لتليين هذا المبدأ، وفتح باب إمكانيَّة الخلاص أمام "الوثنيين". فقال بعضهم على سبيل المثال إن كل إنسان يبلَّغ عند ساعة موته ببشرى الإنجيل ويمكنه آنذاك أن يتخذ قراره بشأنه.. أو قيل بأن كل إنسان يحيا بموجب عقله السليم ويعمل الصلاح متحاشياً الشر إنما يظهر في الواقع استعداداً مسبقاً ضمنياً لاقتبال الإنجيل، وهذا يعادل إيماناً مُضمَراً يحمل جاهزية دائمة ليصير إيماناً صريحاً إذا تهيأ له الاستماع إلى البشرى السارة.
يرتكز التيار الإقصائي إلى مستندات من الكتاب المقدَّس. فيرجع إلى العهد القديم حيث تعتبر آلهة الأديان الأخرى أوثاناً لا قيمة لها، ولا قدرة لها على تخليص البشر، إذ هي مصنوعة من أيديهم على صورتهم ومثالهم. كذلك يستدعي هذا التيار نصوص العهد الجديد التي تؤكِّد أن لا خلاص إلاَّ بالمسيح يسوع: «فإذا شهدت بلسانك أنَّ يسوع ربٌّ، وآمنت بجَنانك أنَّ الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص». (روم 10/9) (راجع أيضاً يو 3/18؛ 8/24؛ رسل 4/12..).
كما أنَّ هذا التيار يستند إلى نصوص من التقليد المسيحي تقول بوضوح أن الخلاص خارجاً عن الكنيسة الجامعة غير ممكن. من باب المثال، هذه الفقرة من تحديدات مجمع فلورنسا (1442): «إن الكنيسة الرومانيَّة المقدَّسة تؤمن وتعترف وتُعلن بأن لا أحد ممن هم في خارج الكنيسة الجامعة، لا من الوثنيين فحسب، بل أيضاً من اليهود والهراطقة والمنشقِّين، يمكن له أن يصير شريكاً في الحياة الأبديَّة، إنما سيذهبون إلى "النار الأبديَّة المعدَّة لإبليس وملائكته" (متى 25/41)، إلاَّ في حال انضمامهم إليها قبل أن يبلغوا نهاية حياتهم. وهي تعترف أيضاً بأن وحدة جسد الكنيسة له من السلطان ما يجعل أسرار الكنيسة غير ذي فائدة في الخلاص إلاَّ للثابتين فيها...».
لم يعد أحدٌ يتمسَّك بهذا التيَّار في الوقت الراهن، سوى بعض الجماعات الأصوليَّة المتطرِّفة، وهذا ما تُصرِّح به الهيئة اللاهوتية العالمية: «إنَّ الموقف الإقصائي المتمحور حول الكنيسة، وهو ثمرة نظام لاهوتي معيَّن، أو فهم مغلوط لعبارة "لا خلاص خارج الكنيسة"، لا يمكن من بعد الدفاع عنه في إطار اللاهوت الكاثوليكي، وذلك بعد التأكيدات الواضحة، للبابا بيوس الثاني عشر والمجمع الڤاتيكاني الثاني، حول إمكانيَّة خلاص لمن لا ينتمون بطريقة منظورة إلى الكنيسة (راجع مثلاً نور الأمم 16، فرح ورجاء 22).
إن تجاوز الموقف الإقصائي يفترض أن يتوجَّه الاهتمام صوب الفعل الخلاصي للمسيح يسوع الذي لا ينحصر في حدود الكنيسة المنظورة. إن نعمة الله المعطاة بيسوع المسيح تشهد الكنيسة لها دون أن تقيِّدها ضمن إطارها.

التيار الثاني: المواقف الاحتوائيَّة

التيار الاحتوائي هو التيار اللاهوتي الأكثر انتشاراً منذ ما بعد الحرب العالميَّة الثانية وحتى يومنا هذا. نجد تعبيرات مختلفة عنه في الكتابات التي أنشأها لاهوتيون مثل: جان دانييلو (Jean Daniélou) هنري دو لوباك (Henri de Lubac) هانس أورس فون بالداسار (Hans Urs von Balthasar) كارل راهنر (Karl Rahner) هانس كونغ (Hans Küng) إيف كونغار (Yves Congar) وأثَّرت على الرؤية اللاهوتيَّة التي عبَّر عنها المجمع الڤاتيكاني الثاني في وثائقه، وكذلك على الفترة اللاحقة للمجمع بمجملها.
يمكن اختصار المبادئ الكبرى للتيار الاحتوائي بأنه يعتبر أنَّ الأديان البشريَّة لا تقتصر على كونها شهادة عن توق البشر العميق والأصيل إلى الله، بل تشهد عن حضور حقيقي للروح القدس في أعماق التقاليد الدينيَّة الإنسانيَّة. وبالاعتماد على مبدأ "بذور الكلمة" التي تحتويها هذه الأديان، يمكن اعتبارها قناة نعمة حقيقيَّة بالنسبة لمعتنقيها، وذلك بفعل عمل المسيح الخفي فيها ومن خلالها. لا شكَّ بأنَّ الأديان كافة مدعوَّة للاعتراف صراحة بالله المعتلن في يسوع المسيح الذي تجد فيه اكتمالها. إنَّ قصد الله الخلاصي يشمل في الواقع البشريَّة بأسرها، ولهذا لا بدَّ أن تُعلن البشارة بخلاص المسيح لكل إنسان. وفي التاريخ السائر بنا نحو هذه الغاية تمثِّل الكنيسة علامة واستباق ذلك الاجتماع الأخير للبشرية في الملكوت السماوي. والأديان الأخرى ليست خارجة عن حركة التاريخ هذه، لا بل تشترك في هذا الحجِّ البشري، وفي تاريخ الخلاص الذي يمثِّل يسوع المسيح وسيطه الأوحد. لا لكونها تظهر في الناس وفي المجتمع ذلك التوق الأصيل لله فحسب، لكن بالأحرى لكونها أيضاً تحتوي عناصر نعمة وحقيقة لا يمكن التغاضي عنها. بهذا المعنى يمكن اعتبار الأديان على أنها تحمل في ذاتها، ولو في حالة البذرة، عطية الوحي الخلاصي بيسوع المسيح، وذلك باعتبارها تحمل حضور الروح القدس الذي يفيضه الله على كل بشر. وهكذا تغدو، بالنسبة لأتباعها، أداة خلاصيَّة حقيقيَّة، لكنَّ هذه الأداة لا بدَّ لها من الاكتمال نهائياً في المسيح، المخلص والوسيط الأوحد. بهذا المعنى يمكن اعتبار المؤمنين من أتباع الأديان الأخرى جزءاً لا يتجزأ من شعب الله.
تبدو الديانة المسيحية باعتبارها وجه الاكتمال للأديان الأخرى، ففيها تجد محققاً في ملئه ما لدى الأديان في حالة البرعم. ويستخدم المجمع الڤاتيكاني الثاني للتعبير عن هذه الفكرة مجموعة من المصطلحات والتعابير التي تدلُّ على ذلك الحضور لعناصر من النعمة في الأديان، والتي من المنتظر أن تجد ملء اكتمالها في الاعتراف الصريح بيسوع المسيح. فيتكلَّم عمَّا عند الأديان من "صلاح وحقٍّ هو في نظر الكنيسة تمهيدٌ للإنجيل.." (نور الأمم 16)؛ ويقول بأنَّ أتباعها "يحافظون في تقاليدهم على عناصر دينيَّة وإنسانيَّة ثمينة" (فرح ورجاء 92)؛ كما يذكر "شذور الحقيقة والنعمة" (إلى الأمم 9) و"بذور الكلمة المستترة" (إلى الأمم 11) التي يدعوها أيضاً "قبساً من شعاع الحقيقة التي تنير جميع الناس" (عصرنا هذا 2).
في هذا المنظور، كيف يبدو للمسيحي الحوار بين الأديان؟ يمكننا الإشارة إلى عدة وظائف لهذا الحوار. إنه أولاً ممارسة للمحبة غير المشروطة تجاه أصحاب المعتقدات الأخرى، وعامل سلام وعدالة للأمم كافة. كذلك ينمي الحوار معرفة أفضل وفهماً متبادلاً بين المؤمنين من أديان مختلفة. وهو يتيح للمسيحي أن يعرف بشكل أفضل تقليده الديني، لا بفضل المقارنة مع باقي الأديان وحسب، بل أيضاً بفضل "عناصر النعمة" التي تكتنـزها هذه الأديان. إنه يتيح للمسيحي أن يفهم دينه الخاص بفضل النظرة التي يكتشفها عنه عند المؤمنين بطريقة أخرى. لكن في كل حال لا يمكن فصل هذا الحوار عن البشارة بيسوع المسيح، فهو وإن كان خيراً وغاية في ذاته، إلا أنه لا بدَّ وأن يرتبط أيضاً بإعلان الإنجيل والدعوة إلى الارتداد إليه.
يعتمد هذا التيار في مستنداته الكتابيَّة بشكل أساسي على النصوص التي تشهد عن عمل الله في الخليقة بأسرها، وبأنه بقوة المسيح القائم من بين الأموات سكب روح الله على كل بشر وإنه يجتذب الكل إليه. فروح الله يعمل بنوع ما في الثقافات والأديان كافة، سابقاً على الدوام حاملي الشهادة للإنجيل. في عبادة الآلهة المختلفة يمكن للمسيحي أن يتعرَّف على أثر الله "المجهول" الذي لا يكفُّ الإنسان عن البحث عنه، والذي يكشف الإنجيل عنه ويعلنه. يمكن هنا الاستشهاد بخطاب القديس بولس الشهير في الأريوباغُس: «يا أهل أثينا، أراكم أكثر الناس تديُّناً في كلِّ وجه، فإني وأنا سائرٌ أنظرُ إلى معابدكم وجدتُ معبداً كُتب عليه: إلى الإله المجهول. فأنا أبشِّركم بذاكَ الذي تعبدونه ولا تعرفونه». (رسل 17/23).
اعتباراً من سنوات الثمانينيات، بدأ البحث اللاهوتي يشدِّد بطريقة ملحَّة أكثر فأكثر على محدوديَّة الموقف الاحتوائي، ولاهوت اكتمال الأديان الأخرى في الديانة المسيحية. وقد جرى توضيح أن التيار الاحتوائي لا يعترف حقاً بالأديان كما هي في خصوصياتها، بل يكتفي في الواقع بأن يرى إيجابياً ما فيها من تهيئة للإنجيل. وهذا معناه أنَّ هذا التيار إنما يبحث ويضفي قيمة في الأديان الأخرى لا في ما لديها من مساهمة خاصة، بل وبنوع من النرجسيَّة عما فيها من أمور تتشابه مع ما في المسيحيَّة أو تهيّئ لها. أليست المسيحيَّة المختفية في سائر الديانات هي في نهاية الأمر ما يمتدحه هذا التيار؟ ومن هذا الجانب هل يمكن القول بأن الأديان الأخرى يمكن أن يُصغى إليها أو أن يعترف بها في غيريتها بالذات؟ وهل يمكن اعتبارها طرقاً للخلاص في ذاتها بالنسبة لمعتنقيها أم بقدر ما تتضمن من عناصر مشابهة أو مطابقة لما في المسيحية؟
أشار البعض أيضاً إلى أنَّ التيار الاحتوائي لا يعير أهميَّة كافية لسخاء الله الفائق وحرية عمله السامية في التاريخ. فهذه النظرة المتمحورة حول المسيح ألا تعرِّض ذاتها لخطر التقليل بنوع ما من شأن سرَّ حضور الله وعمله في أعماق الضمائر والبنى الإنسانيَّة؟ ويبدو في نهاية الأمر أن الموقف الاحتوائي لا يسمح بحوار حقيقي بين الأديان. ألا تتطلب ممارسة الحوار نوعاً من التراجع، لا عن الاعتقادات، بل على الأقل عن الادعاء بامتلاك الحقيقة الأخيرة؟

التيار الثالث: المواقف التعدُّديَّة
ينظر أصحاب هذا التيار اللاهوتي إلى التعدُّد الديني على أنه شهادة ساطعة على جود الله الدافق في عمله الخلاصي المحقَّق بيسوع المسيح. لهذا السبب يبحث أصحاب المواقف التعدُّديَّة، في الأديان، بأساليب بالغة الاختلاف تصل أحياناً إلى حدِّ التناقض، عمَّا يحمله كلُّ دين من فرادة وموهبة خاصة وغنى داخلي، متجاوزين الشعور بالفوقيَّة، إن لم نقل الاستعلاء، الذي يمكن أن تبدو المسيحيَّة عليه تجاه محاوريها من أتباع الأديان الأخرى.
التيَّار التعدُّدي هو بدوره متعدِّد الوجوه، ومواقفه اللاهوتيَّة تختلف باختلاف الموقع الذي يسنده إلى يسوع المسيح في تدبير الله الخلاصي الشامل. لذلك يمكننا أن نميِّز فيه بين اتجاهين على الأقل:
اتجاه تعدُّدي نسبوي
لا يحفظ هذا الاتجاه للمسيح أي صفة معياريَّة أو أية مركزية في تاريخ الخلاص. فبدلاً من الوساطة الوحيدة الشاملة ليسوع المسيح، تحلُّ طرقٌ متعدِّدة تقود جميعاً إلى الله. في هذا المنظور تتعادل الأديان كلُّها بما فيها المسيحيَّة في كونها سبلٌ توصل الإنسان لملاقاة وجه الله، وعلى الرغم من الاختلافات التي تميِّز الأديان واحدها عن الآخر، فإنها تتعادل في قيمتها من جهة كونها صلة وصل بين الإنسان وخالقه. هذا التخلِّي عن مركزيَّة المسيح يعتبره البعض مبدأً ثابتاً فيما يكتفي آخرون باعتباره فرضيَّة مؤقتة غايتها إتاحة الفرصة لتقدُّم الحوار بين الأديان.
بالنسبة لجون هيك (John Hick) على سبيل المثال، ينبغي لهذا التخلِّي أن يكون جذرياً، وهو يعتبر أنَّ المسيحيين قد اعتقدوا على مدى قرون بأنَّ الأديان الأخرى تدور حول محورها وهو الديانة المسيحية، مثلما بقي البشر زمناً طويلاً يعتقدون بأن النجوم والكواكب تدور حول الأرض، وعليهم الآن الانتقال على الطريقة الكوبرنيكية إلى الاعتراف بأنَّ المركز الحقيقي إنما هو الله ذاته. فلاهوت الأديان الوحيد الصالح لوقتنا الحاضر هو لاهوت "التعدُّديَّة المتمحورة حول الله" لأنه قادر على أن يأخذ بعين الاعتبار مجمل الظواهر الدينيَّة، ويتجاوز كل ادعاء للمسيحيَّة بدور ذي أولويَّة وشموليَّة كونيَّة ليسوع المسيح، كما يرسي على قاعدة المساواة عمليَّة الحوار بين الأديان.
يواجه هذا الموقف الراديكالي مجموعة من الاعتراضات الوجيهة. فهو من جهة يحيد عن التقليد المسيحي العريق الذي لم يكفّ عن الاعتراف للمسيح بيسوع بمكانة الوساطة المركزيَّة والشموليَّة في تاريخ الخلاص. من جهة ثانية، ينتهي هذا الموقف، على عكس ما يسعى إليه في منطلقاته، إلى إفراغ التقاليد الدينيَّة المختلفة من مضموناتها الخاصة والفريدة، فتبدو هذه التقاليد وكأنها مجرد تعابير ثقافيَّة ومحدودة للعلاقة مع الإلهي. فالموقف النسبوي يؤدي في نهاية الأمر إلى القول بإله مطلق التعالي ليس بمقدور أحد أن يقول عنه شيئاً، ويصير التلاقي بين الأديان مقتصراً على مستوى دورها في تحقيق الأنسنة وإحلال السلام والحريَّة في العالم.
اتجاه تعدُّديَّة الجود الإلهي
هل يمكن إنجاز لاهوت مسيحي يتجاوز الاحتوائيَّة دون الوقوع في صعوبات ومطبات النسبوية؟ هذا اللاهوت ينبغي أن يعترف بالقيمة الخاصة لكل ديانة باعتبارها طريقاً للخلاص من أجل أتباعها، وفي الوقت نفسه، التأكيد على الطابع الفريد والحاسم لحدث يسوع المسيح في تاريخ الخلاص البشري. نقترح ههنا طريقة للتفكير تؤكد على جود الله الفائض بنعمته المتجلِّي في يسوع المسيح، الذي يكشف عنه بدوره بسخاء فيَّاض ولا يحتكره!
ينطلق التفكير في هذا الاتجاه من التأكيد على أنَّ الله الحاضر بروحه القدُس في التاريخ البشري، قد أقام عهوداً متعدِّدة مع البشر. وعمله الخلاصي لا يتوقف في البشريَّة ودياناتها. وهذه الأخيرة هي بالتالي سبل خلاص أصيلة لمعتنقيها، وذلك باعتبار أن الخلاص هو دائماً أكثر اتساعاً من الأطر البشرية التي يمكن لديانة معينة أن تضعه فيها، فعطاء الله يفيض دوماً عن اتساع أكفِّ البشر. وهذا يعني أنَّ نعمة الله لا يمكن حصرها في ديانة معيَّنة.
ولكن ما الذي يميِّز إذن المساهمة المسيحيَّة؟ إنَّ خصوصيتها التاريخيَّة، الجديدة والحاسمة والمغيِّرة للبشرية، هي بالتحديد أن تظهر وتعلن أن نعمة الله التي تعمل في قلب البشرية منذ البدء قد اقتربت بشكل حاسم ونهائي وبطريقة قصوى وبالغة السخاء في شخص يسوع المسيح. إنَّ تجسُّد وحياة وموت وقيامة يسوع المسيح تكشف عن حب الله في الفائض واللامحدود والجنوني والمطلق (راجع يوحنا 3/16؛ 13/1).
وهكذا في حدث يسوع المسيح يقدم حب الله ذاته ليفهم ويعاش في مستوى سخائه الذي لا حدَّ له.
هذا الفيض لا يُغرق الأديان المتعدِّدة بل يغمرها. ففي مقابل المسيحيَّة لا تفقد الديانات صلاحيتها، بل تحتفظ بمعناها وديناميتها الخاصة. إنَّ العلاقة بين المسيحيَّة وديانة العهد القديم هي في هذا المجال نموذجية. يكتب اللاهوتي الفرنسي كلود جفريه (Claude Geffré): «كما أنَّ الكنيسة لا تلغي العهد القديم ولا تضم أتباعه، فيمكننا أن نفكِّر أيضاً بأنَّ المسيحيَّة لا تضم أتباع باقي الأديان ولا تلغي الغنى الأصيل الموجود في تقاليدهم الدينيَّة». لا تدَّعي المسحية إذن ولا تهدف إلى الامتداد على المساحة الدينيَّة بكاملها. ولا تقدِّم ذاتها على أنها السبيل الوحيد الإجباري للخلاص (موقف إقصائي) ولا على أنها التكميل لما تتضمنه باقي الأديان (موقف احتوائي) بل تحمل في ذاتها وبسبب طبيعة البشرى التي تعلنها مبدأ تحفُّظ وانضباط ذاتي يجعلها منفتحة على الاعتراف بسواها من الأديان على أنها مطارح أصيلة لكشف الله عن ذاته.
كيف يمكن إذن من هذا المنظور الربط بين الحوار بين الأديان وإعلان بشرى الإنجيل؟ إلى جانب المحبة التي من واجب المسيحي أن يعامل بها كل قريب له، لا بل بالإضافة إليها، يقوم المسيحي بممارسة "الغيريَّة القلبيَّة" في حواره مع أتباع الأديان الأخرى. وهذه تقوم على الاعتراف لا بما في التقاليد الدينيَّة من أمور مشتركة مع المسيحيَّة أو قريبة منها أو مهيئة لها وحسب، بل بما فيها أيضاً من خصوصيَّة وفرادة لا مثيل لها. من هنا، ما نجد من حقيقة ونعمة عند الآخرين لا ينبغي أن نقتصر على اعتبارها "بذوراً" أو "علامات انتظار" غايتها أن تجد كمالها أو بدائلها في الوحي المسيحي. إنها على خلاف ذلك تمثِّل عطايا إضافيَّة ومستقلَّة. إننا نجد من الحقيقة والنعم الإلهيَّة فاعلاً في مجمل تاريخ مبادرات الله الخيِّرة تجاه الجنس البشري، مثلما وربما أكثر مما نجد في التقليد المسيحي بمفرده. وهذا يستطيع المسيحي في الحوار مع أتباع الأديان الأخرى أن يغني حياته الدينيَّة الخاصة بتلك العناصر التي يكتشف فيها عندهم لمسة من اللطف الإلهي أو ملمحاً من محياه. على أن لا يقوده ذلك إلى الانتقائيَّة السطحيَّة أو التناقض في إيمانه المسيحي، إنما إلى التعمُّق فيه واكتشاف أبعاد جديدة غير مسبوقة.
يعتمد التيَّار التعدُّدي على عدد من النصوص الإنجيليَّة التي تشهد عن حب الله الواسع وغير المحدود للبشر (يو 3/16 أو يو 1/16) وكذلك على مطلع الرسالة إلى العبرانيين: «إنَّ الله كلَّم آباءنا قديماً) .. عب 1/1). وكذلك على فكرة العهود المتعدِّدة التي أقامها الله مع البشر، وهي ترجع إلى القديس إيريناوس أسقف ليون (القرن الثاني) الذي يتكلَّم عن أربعة عهود: آدمي، نوحي، إبراهيمي- موسوي، وإنجيلي-ملكوتي.
من أهم الاعتراضات التي يمكن توجيهها إلى التيَّار التعدُّدي: هل يمكن التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان أو كرامته التي نجدها أحياناً في التقاليد الدينيَّة أو في الطريقة التي تمارس بها هذه الديانات؟ وكيف يمكن أن نجد في رؤى الأديان ومعتقداتها المتعارضة والمتناقضة أحياناً صدى للحقيقة الإلهيَّة الواحدة (عقيدتا التناسخ والقيامة، الثالوث المسيحي والتوحيد الإسلامي..)؟

خلاصة

من أجل عيش الإيمان المسيحي في عصر التعدُّد الديني علينا أن نتمرَّس باستمرار في عيش الانفتاح القلبي على الغيريَّة، دون إهمال واجب التمييز والحرص. يقتضي الإيمان المسيحي اعترافاً صريحاً بيسوع المسيح باعتباره كلمة الله الوحيد اقترب الله به من البشر بطريقة نهائيَّة وحاسمة من أجل خلاص البشرية جمعاء. وهذا التعلُّق بشخص المسيح له عند المسيحي موقع الأولوية والمعياريَّة مما يجعله يندفع إلى إعلان البشرى بحماس وفرح لجميع الناس (راجع يو 1/1-4). لكنَّ ما يحمله من غنى وشهادة ومعرفة بالله لا يجعله يحتكر نِعَم الله وحقيقتَه، فالمطلق بطبيعته أوسع ممَّا يمكن لنا أن نعرف ونتصوَّر، والحقيقة بطبيعتها علائقيَّة أي منفتحة على التحاور والتبادل والاغتناء المتبادل.


استفدنا في هذا القسم الأول كثيراً من كتاب صديقنا الأب مُشير باسيل عَون، الأسُس اللاهوتيَّة في بناء حوار المسيحيَّة والإسلام، سلسلة «دراسات ووثائق إسلامية مسيحية» 6، بيروت، دار المشرق، 2004، ص 53-59.
استفدنا في هذا القسم الثاني بشكل واسع من مادة مقال:
André Fossion s.j., "Comme chrétiens, comment comprendre la pluralité des religions?" Cahiers Paraboles (Institut Lumen Vitae - Bruxelles), avril 2000, p.7-27.

محاضرة ضمن الأحاديث اللاهوتيّة لجمعيّة التعليم المسيحي بحلب
أنظر: www.talimmasihi.com

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
المسيحية واحترام البيئةالهجرة
شهادة حياة: "الإيمان والألم والعلم"الخطاب الديني وتحدّيات العصر
دور المرشد في المفهوم الكنسيّالعمل المسكوني ودوره في تفعيل الحضور المسيحي
القدّاس أولاًحاجاتُ المؤمنين من الكنيسةِ اليوم، وكيف تلبّي الكنيسة هذه الحاجات
سرّ الفداء"مسيحيو حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر.. دور بارز في النهضة العربية" محاضرة للأب ديك
المسيح في صلاة الفصحالأسرار: اختيار مشاركة.. ودعوة خدمة (الزواج والكهنوت)
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى