الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> أمسيات أدبيّة وموسيقيّة

فوبيا حتّى الموت!..

  بقلم: أ. جورج مراياتي


انقر هنا للتكبير
عادت به الذاكرة، فجأةً، إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي اصطحبه فيه والده وهو يافع، إلى حانوت صديقه بائع الأثريّات. عرّفه به: إنّه السيّد قططيّ.. هل كانت الكنية أم اللقب؟!.. لم يميّز، ولم يكن يستطيع أن يميّز لأنّه أصيب يومذاك برعب قاتل!!
كان الضوء خافتاً. وفي لحظة تحرّكت جوارير، وقرقعت صناديق، واهتزّت أوتار، وتقدّم جيش من قطط مختلفة الأشكال والألوان! انغرست فوق كلّ قطعة قطّة، وتحت كلّ قطعة قطّة وما زاد منها تحلّق حول الآدميّين.. وكان المشهد يوحي بأنّ عرضاً سينمائيّاً سيبدأ! حتّى إحدى الثريّات القديمة كانت مرتعاً لقطّة كبيرة سوداء تدلّى ذنبها طويلاً منعقفاً كانعقافة فرع المصباح.. وراحت تموء وتموء على نحو يُقشعر البدن..
سؤالان اثنان دارا في باله حينها: لِمَ نحن هنا؟.. وأين الباب؟!.. شعوران اثنان صدما وجدانه حينها: لعنة الله عليك، سيّد قططيّ.. وما أكره القطط!!
كان السيّد قططيّ، على بشاعة وجهه، في انشراح ما بعده انشراح. وقد راح يستعرض قططه واحدة واحدة. حتّى التُحف ما عاد يتباهى بها.. ولربّما فهم أنّ زيارة صاحب دخل محدود لن تؤهّله لأن يصيب شيئاً من بضاعته، فمضى في الحديث عن القطط!
في المكان، إذاً، قطط حقيقيَّة بلحم ودم، وأيضاً مجسّمات مختلفة الأحجام: برونزيَّة ومرمريَّة وجصيَّة... ولوحات زيتيَّة تمجّد جمالات القطط.. قدّم القططيّ لوحة كبيرة لقطّة متأنّقة وكأنّها "الجوكندا".. وأُخرى لقطيع قطط في لقاء حول جيفة وكأنّها في مجلس قادة لويس الرابع عشر يقرّرون حرباً نبيلة.. وأُخرى تتأمّل، في دَعَة، في مَزهريَّة زجاجيَّة وكأنّها جابر بن حيان في قبوه بين قاروراته.
قال سيّد القطط، ويبدو أنّه كان مثقّفاً متضلّعاً من علومها:
- عَبَدَ قدماء المصريّين القطّ. في أورُبّة، كان الناس يعتبرونه شيطاناً، شريكاً للسحرة لكنّه بات اليوم لديهم مدلّلاً. وفي الريف فريق إنقاذ منه لمكافحة الفئران. القطّ ابن العمّ الأصغر للفهد والنمر.. ملعون. قطّ الغُوتيير يكون مخطَّطاً. الفارسيّ ذو فراء جميل. والسياميّ ودود، الأنغورا مرح جدّاً.. سُلالات!... البرّيّ عاد متوحّشاً بعد أن كان أليفاً.. تتوالد القطط بسرعة وبكمّيَّة أعلى كثيراً من الاستيعاب، إلى حدّ يفوق المنازل والمدن والأقاليم.. ترى كلّ شيء في الظلام. ولا يسلم شيء من مخالبها!
وختم الرجل متغنّياً طرباً:
ما أحلى (القطَّ) وأعذبَهُ
لن يبقى في الدُنيا بيتٌ

 
لولا الأيّامُ تُنكّدُهُ
إلاّ والقطُّ يُزيِّنُهُ

 وإذ رفع صاحبنا يده عالية في حركة دائريَّة - تزيينيَّة هي الأُخرى - صدم الثريّا التي كانت عليها القطّة السوداء الضخمة فترنّحت، وارتعدت القطّة وقد تهدّدت مملكتها، فلم تَرَ متّكئاً تنـزل إليه غير رأس أصغر الثلاثة، فحطّت عليه وتشبّثت بشعره لا تطيق انفكاكاً!! أمّا هو، الفتى الضحيَّة، فانذعر وطارت عيناه من محجريهما، وكذلك قلبه من ضلوعه، وتزايلت أعضاؤه كَمَن تكهرب.. ولم يدرِ ما يفعل إلاّ السقوط مغشيّاً عليه!
*    *    *
منذ ذلك الوقت وسليم يكره صنوفَ القطط وكلَّ ما يـمتّ إليها بصِلة قرابة.. القطّ الأسود خاصّة.. يترصّدها، يتوهّمها، متوجّساً منها الشرّ.. والمؤمن لا يُلدغ مرّتين.. وهو مؤمن حتماً مُحبٌّ للجميع: بَشَر.. شجر.. حجر.. إلاّ القطط.. لا يعذّبها، فقط، يكرهها، فمنه تعالى السماح..
أمّا سوء طالعه فقد عانى منه ما عانى.. إذا قصد مطعماً أو متنـزّهاً كانت وفود منها في انتظاره.. وإذا زار آبدة تاريخيَّة برزت من بين حجارتها عيون وأذناب.. الطامة الكُبرى كانت في خدمة العَلَم! كيف يتأتّى للضابط، أو قُلْ للسريَّة بكاملها، أن تفهم أنّ هذا الشابّ المكتنـزَ العضل، المتينَ العصب، لا يخشى شيئاً عدا القطط.
امتهن سليم التدريس. ومرّة في الصفّ سأل الطُلاّب عن الحصّة التي سبقت. ردّوا:
- لغة عربيَّة، عروض!
رمى وزناً، ثمّ تفاخر معتدّاً:
- ما اسم هذا البحر؟
ما عرفوا.. تابع بهدوء وترهيب:
قِطَطٌ سودٌ ولها ذَنَبُ
قِطَطٌ سودٌ ولها ذَنَبُ

 
عَجَبٌ عَجَبٌ عَجَبٌ عَجَبُ
فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ

- إنّه "المتدارَك"، انتبهوا! الخليل بن أحمد لم يسمّه، يمكن أن يكون الحقّ على القطط! سمّاه العروضيّون أسماء متعدّدة: مخترَع، محدَث، خَبَب، ركض الخيل، دقّة الناقوس...
قِطَطٌ سودٌ..قِطَطٌ سودٌ..
نهض تلميذ في غير وقته إذ أُعجب بالموضوع:
- أستاذ، نحن في البيت نحبّ القطط ولدينا منها أربع..
يا لطيف! رأى سليم أنّه تعليق تافه لحالة عائليَّة شاذّة.. لوّح بيده مندّداً.. مَرَّ نظره بالنافذة.. فعَدَل.. كانت قطّة سوداء تنتصب متوتّرة كمحامي دفاع مُستفزّ.. تراجع وامتُقع لونُه.. فهدر الأولاد بالوزن دعماً له وتأييداً:
قِطَطٌ سودٌ ولها ذَنَبُ
ججج
 
فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ

يُخيَّل إلى كلّ مَن يعرف سليماً، الأستاذ الناضج الوقور، أنّه يستطيع السيطرة على أيّ ظرف يعترضه.. التفاهم مع أيّ كان.. إلاّ مع نفسه! كانت "فوبيا القطط"! تلازمه.. رُهاب رهيب.. رُهاب مقيت رهيب.
كان سليم مضطرّاً إلى الاستئجار في السكن، لأنّه كان يدرك أنْ سرعان ما سيواجه ما يتحاشاه.. فيرحل، ثمّ يرحل.. إلى أين.. إلى مكان يخلو من قطط! وهذا مستحيل!
بعد دهر من ترحال جاءت فرصة العمر: غرفة و"مطيبخ" ومرحاض وحديقة خلفيَّة صغيرة بمئتي ألف ليرة! يكفيه، هذا يناسب وَحدته.. اشترى مفرغاً جيوبه.. وانتهى هروبه.. حيّ هادئ جديد.. بعيد.. أكيد..
وحدث أسوأُ ممّا توقّع سليم. فلم تكد سنة تمضي حتّى أضحى الوضع لا يُطاق.. في الشقّة الأرضيَّة المجاورة تربّعت عجوز، من فضائلها أنّها تعشق القطط.. وبإخلاص!
*    *    *
حين اندسّ في فراشه تحت لِحافه السميك هارباً من سمفونيّات الفزع والقلق، والثلوج تنبجس من أرحام السماء مذعورةً، هي الأُخرى، تحملها الريح بضراوة الجلاّد.. كانت مستعمرة القطط المجاورة تدبّ فيها الحياة.. وكأنّ لديها الربيع! الربيع، أجل.. إنّه يعرفها.. شرّيرة.. تعلّمت منّا، وقلّدتنا، وفاقتنا نتاجاً وتنظيماً. صار لديها تجمّعات، مجالس أحياء.. وممثّلون في البرلمان البلديّ ينظرون في شؤون الخدمات والأزمات.. صارت القطط تَعقد المؤتمرات وتنجح فيها.. وتُصدر البيانات فتتناولها الصحف بالعناوين العريضة:
القطط تغادر القفّة إلى الأبد (عنوان) - سيبقى المُواء يطاول السماء - ندوة حول أصول معاملة الجوار - موقف الجماعات القططيَّة من حِوار الحضارات - سنوات ونقود السيّارات - قطٌّ إذا ورد المدينة زائراً - شخصيّات قططيَّة في الوجدان - بين غيفارا وقُطيط الأكبر - أنفلونزا القطط غير موجودة لدينا - قطط وأعياد..
وربّما صارت لها مؤلَّفات مخبّأة تحت التراب: نوال الأرب في معجم قطط حلب (مثلاً) - قصّة الغضب على بخلاء حلب - المقامة القططيَّة (مثلاً)، ويكون مطلعها المثل الشعبيّ: "شي شاط وشي باط وشي أكلتو القطاط"..
قِطَطٌ سودٌ حمرٌ سمرٌ صفرٌ خضرٌ.. شبكة قططيَّة لا نهايةَ لها.. ولا حدود.. تقرؤنا من مخلّفاتنا وأكياس فضلاتنا.. تكشف أسرارنا، تبعثرها.. تنبش تهبش، تسمع تضحك، تشتم تبصق على بني الإنسان.. وتسرح تمرح فوق الأكوام، وعلى السطوح والجدران..
- تُرى، هل كانت تحلُم يوماً بأن تندسّ إلى جواره ليحضنها، بل لتحضنه بقوائمها الأربع والأربعين ولعابها اللهيف المقرف؟.. تُرى، هل فاته أن يبني بينه وبينها سوراً كسور الصين أو جداراً كجدار برلين؟.. أحسّها في التاريخ الذي درّسه سنوات وسنوات، في كلّ شيء، منذ التكوين، في الخراب، في القصور، في ملاعب الإغريق، في مسارح بُصرى.. تنبت مع الحرف، تلعقه كشعر حسناء.. لا تأبه بالعناكب والشوك والحرادين.. الأقواس، الحنايا، الزوايا، السلالم، الأفاريز.. لها جميعاً مصدر إشفاق وبسمات استهزاء وازدراء.. وله انسداد الشرايين، بعد تضيّقها وليد الغضب والخوف..
خوفه، غريب عجيب! كان يعرّف الخوف لتلاميذه بأنّه قصور عصبيّ يضرِب الركبتين فلا تقويان على الهرب، أو تهربان كما لم يُهرَب من قبل. أمّا حاله هنا فيجهلها تماماً.. إذا كان الخوف الكلاسيكيّ يضرب الأعصاب من أطرافها.. فخوفه هو يضرب الجذور.. تُرى أله استطبابات؟.. الخوف من أن تصبح القبلة عضّة، والبسمة تكشيرة، والملامسة خدوشاً وفقء عيون وتمزيقاً والتهابات ومضادّات حيويَّة ونهاية كريهة على الأسرّة الصفر كالزعفران في الزوايا الداكنة كالحبر.
طقطقة! واحدة، اثنتان.. من أين؟ من النافذة.. وصلت القطط؟! لا، من نوابض السرير..لا،من الركبتين..ممكن..ويحهما!كانتاركبتين..-الزلزال..كان يمشي كالزلزال.. يلمحه الناس من وراء النوافذ.. ترتجف له الركب.. وتتفتّت حبّات الحجر من وطأة دوسه. لكنّه الآن كاليتيم هجرته الشمس وطوّحت به في الظلام.. دارت الأيّام.. الحقّ عليه.. ابتعد عن الأيدي الحانية، لم تُثنه نظرات الحنان.. أحمق.. أصمّ.. أبكم.. فارغ.. خسر الماء الساخن والطبق الشهيّ.. وربح كومة عظام وذكريات ستلاحقه، وأمنياته المتكسّرة المندحرة حتّى الرمق الأخير.. صَبَرَ كصبر الجمل. وأطفأ الرغبات.. على انتظار.. للا أحد بعد لا أحد ثمّ لا أحد.. سوى الأيّام والعواصف الضارية حملتها إليه السنون.
كلّ شيء قد تغيّر.. لم يعرف الهمّ قلوبنا يوماً.. الدمعات الصادقة البكر كانت تسيل.. والابتسامات كانت ترتسم.. كانت الوجوه مشرقة.. تنادي فيجيبك ألف صوت، تقع فترى ألف يد تمتدّ إليك، تسافر فيبكون لفراقك.. تعود فيغتبطون بقدومك.. واليوم، ها نحن نعيش كالغرباء وحيدين في البؤس.. نتألّم.. نموت في البيوت المنحوسة، ومَن يدري بنا!؟
أربعون سنة وهو يعلم ويعلّم أنّ النعامة عند الخوف تدفن رأسها في الرمال.. النعامة بعظَمَتها.. وقبل مدّة أدرك أنّ هذا خطأ.. ما يُروى ليس صحيحاً. النعامة تهرب لأنّها شديدة الخوف.. كلّ خطوة بأربعة أمتار. طول غرفته وحدها ثلاثة أمتار.. أو بالكاد.. في أوّل خطوة سيصيب الرفوف فتنهار الكتب وتدفنه، أو ربّما يصطدم بالساعة الكبيرة الكالحة، الذكرى الباقية من جدّه، فتهوي عليه وتتحطّم.. خسارة! أين المفرّ يا بنات اللئام!؟
المواءات هذه الليلة هستيريَّة تشتدّ وتشتدّ.. فليهربْ! إلى أين.. عشرات القوائم عند الباب يستشعرها، ومثلها عند النافذة.. قطط سودٌ حمرٌ سمرٌ صفرٌ خضرٌ تريد المؤانسة! إنّها النهاية فليهربْ، إلى أين.. إلى الموت.. ولكنّه أيضاً يهرب.. من أين؟ من المقبرة! يكره المراسيم وما بعد المراسيم.. سيلحقون به إلى هناك يدوسون الزهر وينتّفونه هو والزهر.. فيعود يجيء الموت.. يحاور الصدى بالصمت، فتشهد الطبيعة الخائفة والشلاّل المشلول والحمائم بلا أجنحة!.. 
نهض من فراشه كالمسعور.. حطّم بجسده النافذة، فانفتحت على الحديقة البيضاء.. تفرّقت من تحته قبيلة من قطط.. كان يرصد هدفاً واحداً: السور.. تسلّقه.. عتم وصقيع معاً، غضب ووهن معاً.. قفز في الفضاء.. فاستقبلته الأرض الصخريَّة إلى غير رجعة.. وعند الصباح كان مشهد مريع: جثّة ساخنة لرَجل في بركة دماء تنـزّ من رأس مهشَّم.. وقطط تنادت من هنا وهناك واصطفّت كالطابور، على السور، لتُلقي، في دهشة وأسىً، تحيَّة الوداع. 
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
تقديم أمسية "أطبّاء أدباء" الأدبيةأمسية غنائية: الحبّ في أغاني فيروز
الصلاة في أغاني فيروزالبيانو في المدرستين الكلاسيكية والرومانسية
قراءة في روائع فيروزوراء الباب.. إكبَر.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)
الحبّ.. التيه.. الفنّانة.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)باقة كلمات.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)
"حيـاة" وثلاث نهايات! (مشاركة أمسية 15/2/2007)الشعر عاشقاً (مشاركة أمسية 15/2/2007)
صديقتي.. شجرتي.. القدر (مشاركة أمسية 15/2/2007)تذوّق الموسيقا
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى