الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات روحية ولاهوتيّة

الأسرار: اختيار مشاركة.. ودعوة خدمة (الزواج والكهنوت)

  بقلم: الأب بسّام آشجي

مقدمة
يُدعى الرب في الفرح كما في الألم !.. تأملنا في الحديث السابق كيف يحقق الرب حضوره بطريقة أسراريّة، أي بشكلٍ محسوس ومنظور، في حالات ضعف الإنسان الروحية والجسدية من خلال قراءتنا لسرّي التوبة ومسحة المرضى. واليوم نأتي إلى الحديث الأخير عن لاهوت وروحانية الأسرار المقدسة، إلى سرّي الزواج والكهنوت، اللذين يمكن تسميتهما سرّي الحياة. فالزواج هو عنصر الحياة البشرية الأساسي، والخدمة الكهنوتية هي عصبٌ مهم في الحياة الروحية اختارها الرب ليكون حاضراً بشكلٍ أكثر واقعية. الزواج والكهنوت مصدرا فرح في الكنيسة. في الزواج يُدعى الرب ليبارك، وفي الكهنوت يدعو الرب ليبارك.
أولاً: الزواج سرّ الحبّ المقدّس
تعتبر الكنيسة، في لاهوتها عن الأسرار، أن الله نفسه قد أسّس سرّ الزواج حين خلق الإنسان رجلاً وامرأة في الفردوس (تكوين1/26-28). وأن السيد المسيح، هو أيضاً بدوره، قد رفع الزواج إلى مرتبة سرٍّ مقدَّس بحضوره عرساً في قانا الجليل (يوحنا2/ 1-..). ولكنَّ الزواج هو بالأساس علاقةٌ طبيعيّة، واجتماعيّة، تأخذ في المسيحية بُعداً مقدَّساً نسمِّيه "سرّ الزواج".
تاريخيّة سرّ الزواج
لم يأخذ الزواج عند المسيحيين مفهومه الأسراريّ الواضح قبل القرن الثالث عشر حيث اعتبر مجمع ليون (1274) الزواج سرّاً كبقية الأسرار. ففي القرون الأولى للمسيحية كان الزواج عهداً بين رجل وامرأة للعيشة المشتركة، يُقطع أمام المجتمع والعائلة وفقاً لعادات وقوانين معروفة آنذاك. وكان الأسقف أو الكاهن، وهو أحد أفراد العائلة الكبيرة (جماعة المسيحيين)، يُدعى بشكلٍ تلقائي إلى حضور عقود الزواج. ولأنّه رجل خدمة الإيمان، يُهنئ العروسين بطريقته، أي يُباركهما بطقسٍ في غاية البساطة، وربما بشكلٍ مرتجل. ولقد أخذت هذه البركة عمقها وضرورتها منذ العصر الرسوليّ للكنيسة، يقول القديس اغناطيوس الأنطاكي (القرن الثاني): "على الرجال والنساء الذين تزوجوا أن يكون اتحادهم على يد الأسقف حتى يكون زواجهم بحسب مشيئة الرب لا حسب الرغبة". ومع مرور الزمن تطوَّرت هذه البركة لتأخذ شكل رتبة طقسيّة، يرجع أقدم نص كامل لها إلى القرن السابع. ومع هذا التطوّر نشأ ونمى لاهوت هذا السرّ وارتبط بقوانين تنظّم وتحافظ على قدسيته ووحدته وثباته.
المعاني اللاهوتية لسرّ الزواج
1- الزواج حقيقة طبيعيّة وحضاريّة
إنه لمجرَّد وجود اختلاف في الجنس (ذكر وأنثى)، في النوع الواحد من كل خليقة هو بحدِّ ذاته مشروع لقاء وتزاوج (تك6/19). ولكن، ما يميّز هذا اللقاء عند البشر هو الهدف. فالأحياء تتزاوج بحركة طبيعيّة خاضعة لنظامٍ تناسلي، يختلف من نوع لآخر، بهدف استمرار وجودها وتطوّره. أما عند الإنسان، وهو هدف الله، إذ خلقه على صورته ومثاله حبّاً به، فكل حركات الطبيعة تأخذ معانٍ إنسانية منسجمة مع كونه هدف الله المحبوب. وبالتالي، لا يكون الزواج عند الإنسان هو فقط بغية التناسل واستمرار النوع، بل هو لقاء شخصين متحابّين ومتعاونين، يكوِّنان خلية في مجتمع يسير نحو النمو والتطور مسيطِراً على الخليقة بأسرها (تك1/ 28 ). لقد عبّرت الثقافات في كلِّ مكان وزمان عن هذا اللقاء بالطقوس والعهود والرموز. وكأنَّها أضفت معنى إنسانيّاً خاصّاً على حقيقةٍ طبيعيّة. فالعلاقات الجنسيّة بين البشر ترتقي على كونها فعل بيولوجي وحسب. إن تنظيم الجنس، يقول لنين، وهو أبعد مَنْ يُتَّهم بالمثالية، يميِّز الإنسان عن بقيّة الأحياء. فالحبّ يحرِّر الإنسان ويجعله فريداً بين سائر الكائنات، وكأنَّ علامة رقيّ مجتمع ما وتحضره هي إنسانية العلاقة بين الجنسين فيه. لذلك يمكننا اعتبار سرّ الزواج في المسيحية هو تكريس مقدّس لحقيقة إنسانية وحضارية.
2- الحبّ البشري صورة لكيان "الله المحبّة" (1يو4/16):
يُدهشنا الكتاب المقدّس بنظرته الفريدة إلى الإنسان. فكما أن الله هو كيان حبّ، كذلك الإنسان مدعو ليكون شركة حبّ. "لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله. على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم" (تك1/27). فصورة الله، يقول الآباء، لا تتحقّق في الإنسان الفرد، إنّما في الإنسان من حيث أنّه يحيا المشاركة. وتبلغ هذه المشاركة أجلى صورها في سرّ الزواج. إنَّ الله ليس كيان عزلة، بل "شركة ثالوث محبّة"، وقد خلق الإنسان شبيهاً به، "شركة محبّة". يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "عندما يتحد الزوج والزوجة في الزواج لا يظهران بعد كشيءٍ أرضي، بل كصورة الله نفسه". فالدعوة إلى الوحدة هي بالأساس من ذات كيان الإنسان، ولقد عبَّر الكتاب المقدّس بأُسلوبه الفني الرائع عن هذه الحقيقة.
إنَّ اتحاد الرجل والمرأة هو عودة لحقيقة الإنسان الأولى والهدف الذي من أجله خُلق. لأنَّ الخطيئة لم تفصل الإنسان عن خالقه وحسب، بل وعن الآخر شريكه (تك3/ 12).
3- الزواج صورة حبّ الله للإنسان
كثيراً ما يُشبِّه الكتاب المقدّس حبّ الله للإنسان بعلاقة الزواج والحبّ والعرس. لذلك يمكننا تأمل، من خلال هذه التشابيه، صورة الزواج في مشيئة الله. فالحبيبان في نشيد الأناشيد يسيران في حركة بحث واكتشاف الواحد للآخر (3/2). إنَّ الحبّ في المسيحية هو خروج من الأنانيّة نحو إبراز جمالات الآخر وعذوبته. فالمحبوب، مهما يكن، هو هدية الله الفريدة، إنَّه كنزٌ ثمينٌ جدّاً، نحتاج كلَّ يوم التأمل في سرّ عظمته. وتظهر في كتب الأنبياء الدعوة للأمانة الزوجية بكلِّ أبعادها، إنَّها كأمانة الله، الزوج الأمين لشعبه، رغم خيانات هذا الشعب (هوشع2/4). فالحبُّ يطهِّر وينقّي (حزقيال16/1-..). ولعلَّ أجمل هذه التشابيه هي لبولس الرسول، الذي يدعو أن يكون الحبّ بين الزوجين كحبّ المسيح للكنيسة (أف5/ 25-32)، فقمّة الحبّ هو أن يفتدي الإنسان ذاته في سبيل مَن يُحب (يو15/ 13). ولقد شبّه السيد المسيح أيضاً الملكوت بالعرس (مت25/1- 13)، ولعلي بهذا التشبيه يدعو كلَّ زوجين أن يتذوّقا من خلال فرح الزواج عذوبة الملكوت، فيُسرجا حبّهما انتظاراً وترقباً لاكتماله.
4- سرّ الزواج.. فصح الحبّ
يُدعى الرب وتلاميذُه الى عرس في قانا الجليل بدعوة مريم أمّه (إقرأ: يو2/ 1-12). عندما يقرأ الآباء القديسون في مطلع هذا النص عبارة "وفي اليوم الثالث"، يشمّون رائحة الفصح فيه، حيث مات يسوع وقام.
حين يجفُّ الحبُّ يشحُّ الفرح، وغياب الفرح كحقيقة الموت، كنفاد الخمر في عرس قانا الجليل. ولكنَّ حضور الرب يمنح الرجاء، وبطلب العذراء تتحوَّل الماء لتصبح خمرة أطيب وألذّ مما كانت عليه الأولى. التحوُّل هو عبور الشيء الى شيءٍ آخر، قد يحمل في ذاته عناصر وجوده الأول ولكنّه حتماً يختلف عمّا كان. وهذا ما حصل في عرس قانا الجليل، كما في كلِّ عرس، إذ يحوِّل الربُّ الزواجَ من مجرَّد فعل طبيعي، كالماء في الطبيعة، أو تقليديّ كماء قانا الجليل "الموضوع لاستعمال الطهارة عند اليهود"، أو حتى حضاري كالمراسيم والقوانين والطقوس الزفافيّة عند الشعوب، إلى "سرٍّ مقدَّسٍ للحبّ"، أطيب وألذّ، كحقيقة يسوع بعد قيامته، كحقيقة الأسرار كلها، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم. إنَّ الحبّ والزواج بين البشر هما حقيقة فرح ونشوة، ولكنَّها تنـتهي وتجفّ كإيقاع الحياة الرتيب، المهدّد بالفشل والإخفاق بسبب الصعوبات والمحن، عندئذٍ يمكن أن يصبح "الزواج مقبرة الحبّ". ولكن، هل يبقى الربُّ في موت؟!.. وهو "الشخص الثالث" في سرِّ الزواج، لأنَّه إذا اجتمع إثنان باسمه يكون بينهما، فلا يصح زواجٌ في المسيحية ألا بدعوة الرب إليه. والرب، وهو القائم من الموت، لا يحضر إلا ويحوِّل مظاهر الموت إلى حياة عذبة، كخمرة قانا الجديدة الأكثر عذوبةً من الأولى. هنا تكمن حقيقة "السرّ" في المسيحية، وقد اختبر ذلك كلّ مَن اجتمع باسم الرب (أُنظر مجدداً تلميذي عمّاوس (لو24/ 13..).
لابدَّ في تأمّلنا هذا الإنجيل أن نلاحظ أيضاً، إنتباه مريم لمشاكل هذه العائلة الناشئة. وطاعة الخدّام ومساهمتهم مع يسوع في عبور العرس من الأزمة إلى الفرح الوفير. وأيضاً إلى شهادة وكيل المائدة لفيضان العذوبة في هذا "السرّ". وينتهي النص بأنَّها "الآية الأولى"، لعلها تدشين جديد للإنسان الجديد، ولكن في صورته المتكاملة هذه المرّة: الإنسان العائلة، صورة الله الكاملة.
5- أبديّة الزواج إستباق الأبديّة
يقول نيتشه: "إنَّ كل حقيقة ليست أبديّة لا قيمة لها حتى لو استمرّت مليون سنة". فإذا كان الحبّ بين شاب وفتاة قد بلغ الحقيقة لا بدَّ له أن يسير نحو عهد يحقّق الاستمرار والفرادة لهذه العاطفة وإلاّ يكون الباطل فيها قد غلب الحق. وفي المسيحية نؤمن أنَّ "ما جمعه الله لا يُفرقه إنسان" (مر10/2-12). فالزواج عهدٌ أبدي لا طلاق فيه وتعدّد؛ وإذا اختبرت بعض المجتمعات الكنسيّة غير ذلك، فهو إمّا باطلٌ بالأساس أو "تدبيرٌ كنسي" Economie ecclésiastiqueعَهِدَ به الرب للكنيسة للتعامل مع "غلاظة قلوب" البعض (مت19/ 8).
إنَّ أبديّة الزواج التي يُدشّنها العروسان في رتبة الإكليل هي تذكير بأبدية الملكوت، لا بل تذوُّقٌ لها، هذا ما يرمز إليه وضع الإكليل على الرؤوس، إنَّه علامة الملكوت، وكأنَّهما في هذا السرّ المقدَّس ينطلقا للعيش في حقيقة الله الأبديّة. لذلك يصبح الحبّ دواء الأنانيّة، فهو مصالحة مزدوجة، مع الله ومع الآخر، وبذلك تصبح "العائلة كنيسة"، والكنيسة ما هي إلاّ صورة أرضيّة للملكوت. وبما أنَّها جماعة منفتحة، يركِّز لاهوت الزواج على فيض الحبّ بإنجاب الأولاد تأكيداً على حضور الأبدية في مشاركة الله عمل الخلق والنمو والرعاية والاستمرار. ويمثِّل الزوجان صورة أبوَّة الله وأمومته، صورة الحبّ المطلق، الحبّ المستمر، المجاني، وكأن الأولاد يقولون لحبّ أبويهما: نحن علامة الاستمرار لهذا الحبّ الذي يبقى إلى الأبد، وبالمقابل يتذوَّق الأبوان من خلالهم علامة من علامات الأبدية المنفتحة وقد دشَّنوها معاً، ومجدَّداً بسرّ الزواج المقدَّس.
تتميَّز المسيحية بالمحبّة، إنَّ الله محبّة، يقول الرب: "ويعرف الناس جميعاً أنَّكم تلاميذي إذا أحبَّ بعضكم بعضاً" (يوحنا13/35). والزواج عندنا هو صورة نموذجية لعيش هذه المحبّة. حيث يعيش الرب في هذه "الكنيسة البيتيّة" التي منها تتكوّن الكنيسة الجامعة. فبقدر ما تكون العائلة كنيسة تصبح بالتالي الكنيسة عائلة، وبالتالي يصبح الزواج المسيحي خميرة محبّة للعالم يعلن دائماً سرّ الله المحبّة.
ثانيأً: سرّ الكهنوت.. دعوة خدمة
تاريخية سرّ الكهنوت
لقد رأت الكنيسة في دعوة الرب يسوع تلاميذَه لاتباعه والتشبّه به وإعطائهم تحقيق سرّ حضوره وخدمته، تأسيساً مباشراً لسرّ الكهنوت.
1- الكهنوت في حياة يسوع العلنية:
إن الكهنة في حياة يسوع العلنية هم خدام الهيكل، ويكمن دورهم في تقديم الذبائح وتنظيم العبادة والحياة الدينية في مجتمع العهد القيم المعاصر ليسوع. والكهنوت آنذاك رتبة وراثية محفوظة لسبط لاوي. أما يسوع فلم يختر تلاميذه من بين الكهنة، ولم يكن هو شخصياً من سلالة كهنوتية، رغم أن حياته بأسرها كانت تقدمة وعبادة لله أبيه، تجلّت بملئها في تقدمة ذاته ذبيحة على الصليب. فكان الكاهن والذبيحة، المقرَّب والمقرِّب في آن. ولكنه اختار من بين تلاميذه اثني عشر رسولاً، وثقَّفهم تثقيفاً خاصاً، وأرسلهم للتبشير بملكوته وشفاء المرضى (مر3/14، 6/7). وتقوم دعوة الرسل بأنهم مرسلون من قِبل المسيح، كما أن هو مرسل من قِبل الله الآب بقوة الروح القدس (يو20/21-23، 16/7-15، 17/17-19)، فمن قبلهم يقبل المسيح، ومن يقبل المسيح يقبل الآب الذي أرسله (مت10/14، مر9/35-36)، ويقومون بالأعمال نفسها التي يقوم هو بها (مر16/14-20)، ويكون هو أيضاً معهم بروحه القدوس (يو20/22، لو24/48-49، رسل1/6-8). ورغم كل ذلك لا ذكر للكهنوت بحصر المعنى، أو وعد به حدده الرب لا له مباشرة ولا لرسله.
2- الكهنوت في حياة الكنيسة الرسوليّة الأولى:
- في أعمال الرسل:
ينتخب الرسل، بالقرعة، متيّا خلفاً ليهوذا "ابن الهلاك"، تأكيداً لضرورة المحافظة على اختيار يسوع لمن يخدمون حضوره بعد موته وقيامته (رسل1/15-26). ويعيّنوا أيضاً سبعة شمامسة ليساهموا معهم في خدمة الملكوت، فيضعون أيديهم عليهم علامة التكريس (6/1-6)، ليقوموا معهم بالخدمة والكرازة والتعميد واجتراح الآيات والمعجزات (6/8، 8/5-13 و26-40).
نستنتج من ذلك وعي الرسل لتحديد مهام الكهنوت الجديد في العهد الجديد، وهي التبشير والكرازة وخدمة الأسرار والمشاركة والصلاة.
- في رسائل القديس بولس:
يتحدث القديس بولس في أكثر من موضع في رسائله وفي كتاب أعمال الرسل عن مهمات رسولية عديدة، كالرسل والأنبياء والمعلمين (1كور12/27)، ويستعمل في أكثر من موضع أيضاً تعابير: كهنة، أساقفة، شمامسة، ونجد الرسل بدورهم يقيمون أشخاصاً لهذه الأدوار (رسل14/23، 11/29-30، 15/2 و4 و6 و22 و23، 20/17، 21/18، تيط1/5-6، 5/17-22، 1تسا5/12، فيل1/1، 1تيمو3/1-7، يع5/14،..). وغالباً ما لا يتميّز الكاهن عن الأسقف، بينما يقوم الشمامسة بالمساهمة في الخدمة. إن كلمة "كاهن" بحسب اللغة اليونانية PresbuteroV تعني "شيخ" أو متقدّم، أما لفظة "أسقف" EpiskopoV تعني الساهر أو الناظر أو "المراقب"، بينما لفظة "شماس" فهي من أصل سرياني تعني "خادم" ترجمة لكلمة DiakonoV اليونانية.
هذه الرتب إن وجدت فلكي تساهم بشكل أكثر فعاليّة في حياة الكنيسة الناشئة.
3- الكهنوت في القرون الأولى:
تتثبّت الرتب الكهنوتية الثلاث في هذا العصر، وتبرز أهمية الأسقف أكثر في الرئاسة وخلافة الرسل، فنرى في كل كنيسة أسقفاً واحداً يقوم على خدمتها ويلتفُّ حوله مجلس من الكهنة والشمامسة. يقول القديس اغناطيوس الأنطاكي: "لا يصنع أحد منكم شيئاً خارجاً عن الأسقف في كل ما يتعلق بشؤون الكنيسة.. فلتُعتبر وحدها شرعية الافخارستيا التي تقام برئاسة الأسقف أو من يوكله.. كونوا مع الأسقف وأطيعوه كما أطاع يسوع الآب. وليكن مجلس الكهنة كالرسل. وأما الشمامسة فاحترموهم كما تحترمون شريعة الله.. حيث يكون الأسقف تكون الكنيسة..."
4- الكهنوت عبر العصور:
مع انتشار الكنيسة وتوسعها ظهرت رتب إكليريكية ليست من الأصل الكتابي لمفهوم الكهنوت، بل هي بمثابة رتب شرفيّة أو امتيازيّة أو إداريّة، كالقارئ والشدياق والبطريرك والمتروبوليت... وإثر تبني الأمبراطورية الرومانية الدين المسيحي بعد السلام القسطنطيني (سنة 313) ازداد دور الاكليروس في إدارة وتنظيم الحياة روحياً ومدنياً، مما جعل، في بعض الأحيان، رتب الكهنوت تفقد مصداقية خدمتها الحقيقية، فانبرى بعض الكهنة والأساقفة، بشجاعة ليعيدوا إلى سرّ الكهنوت مكانته الروحية والإنجيلية في التشبه بيسوع "الراعي الصالح". كذلك حدث ما يُشبه هذا الانحراف في كنيسة العصور الوسطى فأدى إلى ظهور حركة "الإصلاح" البروتستانتية التي لم تعطِ الكهنوت مكانته "الأسراريّة" المألوفة في تقليد الكنيسة. كما ازدادت حدّة الخلاف مع "الأنكليكان" مؤخراً في منح ليس الدرجة الكهنوتية للنساء وحسب بل الأسقفية أيضاً. ولكن مما لاشك فيه أن اللجان المسكونيّة الدوليّة تبحث جادّة في التوصل إلى مفاهيم مشتركة حول لاهوت سرّ الكهنوت وبقية الأسرار.
المعاني اللاهوتية لسرّ الكهنوت:
1- الكاهن خادم الكلمة:
إن الإيمان لا ينطلق ولا ينمو إلا بالكلمة الحية، ولقد أكد السيد المسيح على ذلك مرات عديدة (مت13/3-00)، كذلك الرسل (إقرأ: رو10/14-18). ويؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني اليوم على أن خدمة الكلمة هي أهم دور يقوم به الأساقفة والكهنة، فيقول: "إن أولى مهام الأسقفية الرئيسية هي الدعوة بالإنجيل. ذلك أن الأساقفة هم رواد الإيمان.. وهم المعلمون الأصليون الذين قُلدوا سلطة المسيح، فيُعلنون للشعب الذي ائتمنوا عليه الإيمان الذي يجب أن ينظم تفكيره ومسلكه.. ويستخرجون من كنوز الوحي جدداً وعتقاً (مت13/52)، ويجعلون الإيمان يؤتي ثمره، ويعملون بيقظة على إقصاء جميع الأضاليل التي تهدد رعاياهم".. "أن وظيفة الكهنة الأولى، بحكم كونهم معاوني الأساقفة، أن يبشروا بإنجيل الله لجميع الناس. ويجب إلا تقتصر خدمة كلمة الله على عرضها بصورة عامة ونظرية، بل يجب أن تطبَّق على أحوال الحياة، فهناك طرق عديدة لممارسة خدمة الكلمة وفقاً لحاجات السامعين المختلفة ومواهب المبشرين الخاصة".
2- الكاهن خادم الأسرار:
إن خدمة الكلمة مرتبطة بشكل وثيق بخدمة الأسرار، ولقد دعى السيد المسيح مباشرة تلاميذه لممارسة هاتين الخدمتين معاً: "تلمذوا.. وعمدوا.." هناك حقيقة واحدة تُعلن في الكلمة والسرّ.
إن الكاهن هو خادم السرّ ليس لجدارته أو استحقاقه بل بنعمة الرسامة التي تلقاها "بوضع الأيدي". ولا بد له، لكي يُحسن هذه الخدمة، أن يكون رجل صلاة، لكي لا تغدو خدمته طقوساً فارغة.
3- الكاهن هو قائد إلى الملكوت:
لا يزال الرب إلى اليوم يطلب من الكاهن ما طلبه من بطرس الرسول: "ارعَ خرافي" (يو21/15). والراعي هو من يخدم رعيته أفراداً وجماعات، وبحسب حاجاتها، ولا يفرّق بين أبنائها بشكل مزاجي، بل يفتقد الضعفاء والمرضى، ويعنى بتربية الأطفال والمراهقين، ويكون علامة مصالحة وسلام، ومعلم صلاة وتضحية، ويعير الفقراء والمحتاجين والمتألمين حقهم في الاهتمام، ولا يتسلط على رعيته بدافع قيادته، فالسلطة في الكنيسة هي أولاً وآخراً خدمة. وبالمختصر: على الكاهن أن يعبر في ذاته وفي خدمته عن مرافقة الله المحبّة للبشر وعن أبوته لهم.
4- الكاهن.. كاهن إلى الأبد:
الكهنوت يذكرنا أيضاً بأبدية الله. فإذا كانت الافخارستيا هي إطلالة ملكوت الله في الزمن، الكاهن خادم الافخارستيا هو افخارستيا حيّة للملكوت. يمثل الكاهن حضور المسيح القائم من بين الأموات بخدمته هذا الحضور. الكاهن ليس موظفاً لأدوار معينة وحسب كخدمة الكلمة والأسرار والطقوس، الكاهن لأنه يمثل حضور المسيح رأس الجسد السرّي يقوم بتلك الأوار، لأنه يمثل حضور أبوة الله بتكريسه الكهنوتي يقوم برعاية شعبه، لأنه موهبة الروح القدس يقوم بتقديس رعيته.
أن أبدية الكهنوت تنطلق من أبدية الله، لذلك نجد الكهنة الذين لا يستطيعون ممارسة الخدمات الكهنوتية لأسباب خارجة عن إرادتهم، يحيون صمت الأبدية بألمهم وصلاتهم وتكريسهم الشخصي، وكأن حياتهم تُقدَّم ذبيحة كهنوت.
خاتمة عامة
إن الأسرار المقدسة، وسائر ممارسات الإيمان، تهدف إلى خلاص الإنسان، كلّ إنسان وكلّ الإنسان، بكل ما فيه من واقع يرتبط بالمحسوس والمنظور، إنها ذوقٌ للملكوت بكل أشكالها!.. من تدشينه بالمعمودية، إلى الخبز والخمر، إلى فرح الغفران، إلى عذوبة الحبّ، إلى أبوّة الكهنوت. هذا الذوق ناقص مهما اكتمل، لذلك تزول الأسرار في الزمن العتيد، في اكتمال الملكوت، حيث اللقاء الكامل، حيث "ما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر" (1كور2/9).
 
بعض المراجع حول الأسرار المقدسة
- بسترس (الأب سليم)، اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر، ج3، سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، ج 4، المكتبة البولسية.
- بسترس (المطران كيرلس سليم)، المسيحية في عقائدها، مترجم عن: التعليم المسيحي الكاثوليكي للبالغين - نشره مجلس أساقفة كنيسة ألمانية، الفصل الرابع، سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، ج 18، المكتبة البولسية.
- ري مرميه (تيودول)، الأسرار حياة الإيمان، سلسلة "نؤمن"، الجزء الثاني، ترجمة الخوري يوسف ضرغام، منشورات الكسليك.
- سلسلة "موسوعة المعرفة المسيحيّة" (م م م)، مجموعة "الأسرار"، دار المشرق.
- سيداروس (الأب فاضل - اليسوعي)، سلسلة "الأسرار والحياة"، منشورات الآباء اليسوعيين في مصر.
- مجموعة من المؤلفين، الأسرار، منشورات قسم الليتورجيا في جامعة الروح القدس- الكسليك، رقم 7.
- المسكين (الأب متى)، الافخارستيا، منشورات دير الأنبا مقار، مصر.
- بندلي (كوستي)،مدخل إلى القداس الإلهي، منشورات النور.
- حداد (فريدا)، ذبيحة التسبيح، منشورات النور.
- بيباوي (د. جورج حبيب)، المعمودية، منشورات الأكليريكية للأقبلاط الأرثوذكس، القاهرة.
- الذهبي الفم (القديس يوحنا)، في الكهنوت - أحاديث عن الزواج، منشورات النور.
- بندلي (كوستي)، صورة المسيح في الزواج والأسرة، منشورات النور.
- همَّان (أدلبيرت-ج)، دليل إلى أسرار الكنيسة، دار المشرق.
 
عناوين ذات صلة

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
المسيحية واحترام البيئةالهجرة
شهادة حياة: "الإيمان والألم والعلم"الخطاب الديني وتحدّيات العصر
دور المرشد في المفهوم الكنسيّالعمل المسكوني ودوره في تفعيل الحضور المسيحي
القدّاس أولاًحاجاتُ المؤمنين من الكنيسةِ اليوم، وكيف تلبّي الكنيسة هذه الحاجات
سرّ الفداء"مسيحيو حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر.. دور بارز في النهضة العربية" محاضرة للأب ديك
المسيح في صلاة الفصحمَنْ هُوَ الله..عند آباء الكنيسة الأوائل
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى