الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

«فيروز والرحابنة مسرح الغريب والكنز والأعجوبة» كتاب للباحث فواز طرابلسي


انقر هنا للتكبير
 
الأسطورة أسطورة ولا تشبع من التفكيك 
كيف كتب فواز طرابلسي عن الظاهرة الرحبانية عموما وفيروز خصوصا في كتابه "فيروز والرحبانة مسرح الغريب والاعجوبة"، الصادر عن "دار الريس للنشر"؟ هذا السؤال نعثر على أجوبة محتملة كثيفة له، رغم أن الأسطورة ستظل تطالب بالتفكيك. فلئن كان للاخوين رحباني حضورهما الاعلامي و"الميديائي"، إلاّ أن فيروز، على العكس، تغنّي ونادرا ما نشاهدها تتكلم على محطة تلفزيونية. نحن لا نعرف الكثير عن خصوصياتها، وهي لا يبدو انها تحب اجراء المقابلات الصحافية. انقطاعها عن الاعلام والمناسبات العامة جعلها ملكة لمملكة بعيدة، وأحياناً قريبة لكن عالية كـ"برج عاجي".
كتاب فواز طرابلسي هو قراءة في المسرحيات الغنائية الرحبانية وقراءة في تصوير الرحابنة للصراعات السياسية والاجتماعية في البلاد، وخصوصاً أن فن الأخوين رحباني وفيروز هو بلا شك أهم ظاهرة فنية وثقافية عرفها لبنان خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ويتضافر نفوذه في أربعة عوامل. أولاً صوت فيروز، ولا حاجة لمزيد. ثانياً: العبقرية الموسيقية والشعرية والمسرحية لعاصي ومنصور وثورتهما الفنية التجديدية. ثالثاً: فن الرحابنة أقرب ظاهرة ثقافية إلى الشمول الوطني، رابعاً: الفن الرحباني فن شعبي. وفي حين يؤكد الكاتب ان كتابه وليد شغف بغناء فيروز وفن الاخوين رحباني، لا يتردد في القول إن نصوصه تروي حكاية عن لبنان "الاعجوبة". يقول في هذا الصدد: "منذ اندلاع الحرب (اللبنانية عام 1975 ) آليت على نفسي المساهمة في الذاكرة الجمعية عن تلك التجربة، وعن التجربة اللبنانية بعامة، من خلال الكتابة عنها، منطلقا من فرضية تقول ان تجربة بعمق الحرب وجدليتها ومأساتها لا يجوز أن تُترك للقول السياسي وحده، وقطعا ليس للسياسيين وحدهم ولا حتى للفكر السياسي".
يقدم طرابلسي قراءة نقدية شاملة للظاهرة الرحبانية في قولها الوطني والسياسي والاجتماعي، من خلال مواكبته الصراعات اللبنانية في فترة حاسمة وضاجة بالصراعات من تاريخ لبنان، بين حوادث عام 1958 والحرب الاهلية. يقرأ المسرحيات الغنائية ويعرض اسقاطاتها السياسية. فمسرحية "جسر القمر" قصة صراع بين قريتين على توزيع الماء، وفي "بياع الخواتم" يحمي المختار القرية من راجح. في اطار الصراع، قدم الرحابنة مسرحية "الليل والقنديل" عام 1963 وهي تصور خلافا بين اهل القرية وقطّاع الطرق وصناع المصابيح، وينتهي النزاع بانتصار النور على الظلام.
اتم المسرح الرحباني انتقاله من القرية الى الفضاء الوطني، ومن الصراعات داخل الجماعات الأهلية الى قضايا الدولة والنزاعات السياسية والاجتماعية، كما هي الحال في مسرحية "ايام فخر الدين" التي تروي نضال الامير المعني من اجل استقلال لبنان. وفي مسرحية "الشخص" يتناول الرحابنة حكاية الحاكم الذي لا يعرف ما يدور في كواليس حكمه. ويؤكد طرابلسي ان مسرحية "جبال الصوان" انما هي الحجر الاساس في تناول المسرح الرحباني للصراعات اللبنانية في مرحلة احتشدت فيها الاشارات والدعوات الى التغيير. على ان وتائر ذلك التغيير تندرج في التسوية الاصلاحية في "صح النوم"، فمن الإضراب العام في "ناطورة المفاتيح"، الى الثورة في "جبال الصوان" (1969) هناك حكاية انتظار المخلص.
التقط الرحابنة الجدل الاصم الذي ساد عشية الحرب الاهلية بين ضرورات الاصلاح والانقسام الاهلي، حيث الدولة منشغلة بمصالحها الانانية ويقتصر دورها على تغذية الخلافات من اجل تنظيم المصالحات، وفي كل الاحوال لا اصلاح. وحتى عندما يتصالح الاهالي، فهم ينسون الاصلاح، وتبقى الاعجوبة معطلة في "ميس الريم". يبين طرابلسي ان المسرح الرحباني ليس مسرح جماعات ولا انتماء هوية، بقدر ما هو ميدان لانبثاق الأفراد داخل الجماعات.
الكتاب من الكتب الجدية عن ظاهرة الرحابنة وفيروز، وهذه ستظل تحتاج الى دراسات معمقة لتفكيك "اسطورتها"، بعيدا عن اوهام التوظيف الايديولوجي، والانتمائي، والعواطفي، والشعري. وهذا يجعلنا نستطرد للكتابة عن فيروز في النسيج الثقافي، فاللافت في حياة فيروز انها كانت على نحو دائم مطربة المثقفين. اهل السينما استهوتهم شخصيتها الفنية لا الحياتية، من اجل تصوير افلام وثائقية عنها، لأنها في مسيرتها تبدو مرآة للحلم في الوطن الصغير. كتب الكثير في ظاهرة فيروز والرحابنة، وغالبية الكتابات توظف المسرح الرحباني في الاطار السياسي اللبناني، وتضع "سفيرتنا" في مقام "الاعجوبة"، فيصبح صوتها "يلحن اللحن" وتصبح هي "شاعرة الصوت" على قول أنسي الحاج، و"تجعل الصحراء اصغر وتجعل القمر اكبر" بحسب محمود درويش، أو "خرافتنا التي نلتهمها"، على ما كتب محمد ابي سمرا، او هي "الصوت على نحو ما هو المسيح الكلمة"، على حد وضاح شرارة، وصوتها. بين هذه الاقوال، ثمة ملمح "الاسطورة"، والاسطورة وفق رولان بارت، كلام.
صدرت كتب ودراسات كثيرة عن فيروز والرحابنة، وخصوصا في السنوات الاخيرة. الناقد محمد دكروب نشر كتابا لنزار مروة عن الرحابنة عنوانه "في الموسيقى اللبنانية العربية والمسرح الغنائي الرحباني"، يبدو من خلاله مروة الاكثر توغلا في مكنونات الموسيقى الرحبانية، بشهادة الموسيقيين انفسهم. واختارت الصحافية ريما نجم ان تصدر كتابا عنوانه "فيروز... وعلى الأرض السلام"، اعتبرت في مقدمته ان الأغاني الفيروزية رافقت مختلف شرائح المجتمع اللبناني منذ طفولته حتى صباه وكهولته، وارتبطت محطات حياته بها، حتى انه يمكن ارشفة مفارق حياة كل منا على وقع اغنية من الريبرتوار الفني لاعمال فيروز. وتغلب على صفحات كتاب السيدة نجم صور العائلة الرحبانية والمقربين منها، لكن نصها يبدو في منتهى الرداءة. وكان الباحث السوري جان الكسان أصدر كتابا عنوانه "الرحبانيون وفيروز" (دار طلاس) يؤرخ للظاهرة الرحبانية منذ نشأتها في نهايات النصف الاول من القرن الماضي. يستنبط كيف تمكنت هذه التجربة من ان تشق طريقها في الزحام الفني الذي تزامن مع نشأتها في مصر ولبنان، بأسلوب لم تألفه الأذن العربية. وتطرق الكسان الى اتجاه الرحبانيين الى تحديث التراث اللبناني والعربي من خلال الاسكتشات والاغاني الشعبية الراقصة التي قدماها خلال مسيرتهما الفنية.
ومن الكتب عن فيروز والرحابنة، "فيروز: حياتها واغانيها"، تأليف مجيد طراد وربيع محمد خليفة، ولا يبدو حاضرا في النسيج الثقافي، وكذلك كتاب "الأخوين رحباني: حياة ومسرح" لنبيل أبو مراد، و"فيروز المطربة والمشوار" لرياض جركس. واذا كان هنري زغيب قد عقد جلسات حوارية مع منصور الرحباني واستل منها سيرة "طريق النحل"، فإن هذه السيرة تبدو ناقصة، او هي مسوّدة سيرة. الامر نفسه في كتاب "الفن المسرحي عند الاخوين رحباني" للباحثة الاردنية ميساء القرعان، اذ يبدو "بروفا" لكتاب لم يكتمل. والحال ان ميساء القرعان تعتبر بحثها اول دراسة من نوعها في حقل علم الاجتماع الفني في الوطن العربي، من دون ان تكون على دراية بالأبحاث الجامعية الكثيرة، وخصوصا عن فيروز وام كلثوم وعبد الحليم. فحازم صاغية كتب دراسة عن ام كلثوم بعنوان "الهوى دون اهله"، وكتب محمد ابي سمرا دراسة عن عاصي الرحباني عنوانها "حنين الجبل إلى نفسه". وكانت أطروحته الجامعية حول الأخوين رحباني وفيروز وتأثيرهم في الحياة اللبنانية.
هذا غيض من فيض عن احوال علاقة الثقافة بظاهرة فيروز والرحابنة، وهي ظاهرة تحتاج الى دراسات معمقة لانها تبدو العلامة الابرز في تاريخ الثقافة اللبنانية الحديثة.
نقلاً عن مقال شوقي نجم – النهار 29/3/2006
 
فواز طرابلسي يستعيد المسرح الرحباني بعد ثلاثة عقود من توقفه..
يضعنا هذا الكتاب ضمن الأجواء التاريخية المحيطة بالظاهرة الرحبانية، مقدماً قراءة تحليلية لهذه التجربة الرائدة عبر تفكيك الألغاز التي جعلتها تمتلك سطوة استثنائية على ذائقة متلقيها.
وهي سطوة حولت المنجز الفني المتراكم إلى أحد المكونات الثقافية، الشعورية النفسية والأخلاقية للحياة اللبنانية. وهو يطرح عوامل عدة ينسب إليها سر النفوذ الذي اكتسبته الأغنية الرحبانية، في مقدمتها صوت فيروز الذي لا يقبل تأويلا أو تفسيرا، ومنها أيضا العبقرية الرحبانية في الشعر والموسيقى، إضافة إلى شمولية الفن الرحباني وشعبيته.
يتوغل الباحث فواز طرابلسي في الحقل الإبداعي الذي غرس فيه الرحابنة وفيروز ما يزيد على ألف أغنية وخمس وعشرين مسرحية طيلة أكثر من ربع قرن، ليخرج بدراسة مميزة عنوانها «فيروز والرحابنة مسرح الغريب والكنز والأعجوبة».
ومنذ البداية يجد نفسه مضطراً لتحديد مواطن التباين بين دراسته وبين الكم الهائل من الكلام النقدي الذي استثارته التجربة الرحبانية. ومثل هذا التحديد ينطوي بداهة على تبرير الهدف الكامن وراء تناول هذه المسيرة بعد قرابة ثلاثة عقود على توقف عجلتها عن الدوران. يرى طرابلسي أن المسرح الرحباني كان منحازا إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية، بالرغم من المكونات الفنية التي تميز بها، بل ربما بسبب ذلك. وهو يستند إلى مقاربات أعلام في علم الاجتماع لتسويغ قوله. فوفقا للعالم ستيورات مل لا بد لكل عمل فني أن يكون متقبلا لتعدد القراءات، أما زميله الفرنسي ليفي شتراوس فيذهب ابعد من ذلك، إذ يجزم أن التناقضات الاجتماعية الحقيقية تجد حلولها في الحيز الجمالي من النتاجات الثقافية، التي تنطوي دائما على رموز من خارجها. هكذا يضع طرابلسي يده على أحد الألواح الأثرية المفصلية في مجال البحث، ينفض عنه غبار التجاهل المزمن، ويقرأ أن التجربة الرحبانية كان لها على الدوام حضورها السياسي والاجتماعي، مستعيدا ما شكلته أغاني فيروز من وسيلة تلاق متفردة بين اللبنانيين زمن تفاقم صراعاتهم الدموية، يوم كان الصوت الفيروزي هو الرابط الوحيد بين جميع العائدين من نهارات حافلة بالموت العبثي.
وفي حين يؤكد الكاتب أن كتابه هو وليد شغف بغناء فيروز وفن الأخوين رحباني، إلا أنه لا يتردد في القول أن نصوصه تروي حكاية عن لبنان. يقول بهذا الصدد: «منذ اندلاع الحرب(اللبنانية عام 1975 آليت على نفسي المساهمة في الذاكرة الجمعية عن تلك التجربة، وعن التجربة اللبنانية بعامة، من خلال الكتابة عنها، منطلقا من فرضية تقول أن تجربة بعمق الحرب وجدليتها ومأساتها لا يجوز أن تترك للقول السياسي وحده، وقطعا ليس للسياسيين وحدهم ولا حتى للفكر السياسي».
هذا ما يمكن استخلاصه من الإصغاء إلى فواز طرابلسي بينما هو يستعرض بجلد مميز الدلالات والتهويمات التي حفلت بها قرابة عشرين مسرحية رحبانية، ناهيك عن الفضاءات السياسية والاجتماعية التي احتضنتها. في معرض تقييمه لمسرحية «جسر القمر» التي قدمت في العام 1962 يرى الباحث أنها تفتقد إلى ما تثيره مسرحية من نوع «البعاد» لبريشت من تساؤلات مقلقة، هي تندرج في معرض التأويل الإبداعي لحرب 1958 الأهلية، تختزلها إلى خلاف بسيط بين أهالي قريتين حول توزيع الماء (اقرأ الثروة) الصراع يدور بكثير من الطيبة والسذاجة، وهو يبلغ ذروته في تبادل بعض ردات الزجل المتهكمة، لكن الحل يحتاج إلى معجزة تبتدعها فيروز الفتاة المرصودة فوق الجسر الفاصل (أو الواصل) بين القريتين. السؤال هنا يطرح نفسه: اذا كان الخلاف بسيطا، وسطحيا فما مبرر الحاجة إلى معجزة لإنهائه؟ من هذا السؤال يدخل الكاتب إلى تشريح الايديولوجيا التي عبرت «جسر القمر» عن ارقى مستويات انسجام الرؤية الرحبانية معها.
هي تنطوي على تمويه للواقع بهدف إزاحته عن مكانه الفعلي، لكنها مضطرة للاعتراف ببعض أجزائه في سياق انجازها لمهمتها، وهي لا يعنيها تماسك منطقها بقدر ما تشغلها فعالية هذا المنطق في التأثير على المتفاعلين معها. وفي الحالة القائمة تسعى الايديولوجيا إلى إلغاء مفاعيل الحرب من خلال دفع المتحاربين إلى نسيانها، وتمارس من أجل ذلك فعل تنقية الذاكرة (أو تشويهها) وتدعو إلى نسيان الماضي والعودة إليه في آن. هي تشجع على شطب ماضي الحرب والعنف، لكنها تحرض على استعادة ماضي «الألفة» و«التعايش» الذي سبقه. وتغفل في إطار هذا السعي المتناقض عن حقيقة أن ماضي التعايش المزعوم هو نفسه موطىء الحراك التاريخي الذي أدى ليس إلى جعل الحرب ممكنة فقط، بل وحتمية أيضا. لعبة النسيان هذه لا تفلح في أن تنسي الكاتب حقيقة أن مقاربة الماضي من خلال تجميل سلبياته، وإخفاء عيوبه إنما هي الوسيلة الأضمن لإعادة إنتاجه مجددا، الأمر الذي يقطع الطريق على أي تطلع مستقبلي، كذلك فإن الإغفال الاضطراري هذا لا بد له أن يشير إلى ثغرة جوهرية في صميم المعالجة المسرحية، تسربت إليها من صلب الايديولوجيا الحاضنة لها، وهي (أي الثغرة) لا تقتصر على العجز عن استيعاب الواقع، وإنما تشي بإخفاء معالمه عبر قصدية فاضحة.
لكن التاريخ يملك منطقه الخاص، الذي يذهب إلى الاختلاف مع الرؤية المهيمنة، ذلك أن الشعوب التي تملك إرثاً مثقلاً بتداعيات الحروب الأهلية، نراها تحمل دائما ذاكرة مفعمة بمآسي تلك الحروب وفظائعها، هذا بعض ما يمكن استنتاجه من حروب أهلية أربع شهدها لبنان منذ القرن التاسع عشر، وهي لم تختلف إلا في أساليب الإخراج (لعل المفارقة الابلغ أن الكلام عن حرب خامسة بدا يطفو على السطح أخيراً).
في إطار الصراع أيضا، قدم الرحابنة مسرحية «الليل والقنديل» عام 1963 وهي تصور خلافا بين أهل القرية، وبين قطاع الطرق، أو بين صناع المصابيح (كناية عن الحضارة والاشعاع)، وبين أهل الظلمة الذين تتهدد مصادر عيشهم بفعل استشراء الضوء. لكن النزاع لا ينتهي بانتصار النور على الظلام، كما في الروايات القديمة، وإنما بتسوية تؤدي إلى التعايش القسري. والأمر يحيل مجددا إلى تداعيات المعجزة، بل إلى الايديولوجيا المأزومة.
أحداث مسرحية «بياع الخواتم» تدور في ضيعة وهمية، حيث الغريب الوهمي «راجح» يهدد الأهالي، فيما يروي لهم المختار حكايا بطولاته الوهمية، وانتصاراته المزعومة على العدو. المختار يدرك أن سر استمراره كسلطة تأمر فتطاع مرهون بحاجة الناس إلى الإحساس بالأمان في مواجهة أخطار تتهددهم. وعندما لا يكون الخطر موجودا يجدر بالسلطة أن تخترعه صونا لشرعيتها واستمراريتها. الكاتب يرى أن العمل المسرحي يعبر عن تأملات في الايديولوجيا، ومحاولة لإقامة حوار مع بديهياتها، لكن الأمر يؤول إلى تبرئة المختار من الإدانة الأخلاقية، وهو سيقول لابنة أخته ريما (فيروز) عندما تسأله ما إذا كان كذب على الناس: «هيدي يا ريما مش كذبة، هيدي شغلة حد الكذبة». الايديولوجيا هي كذلك ايضا. حكاية راجح دخلت إلى صلب الأدبيات السياسية اللبنانية، يستخدمها السياسي الذي يسعى إلى نسف طروحات خصومه، ووضعها في خانة التهويل.
لقد شهد النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم تحولات مفصلية في مسار التجربة السياسية اللبنانية، تصدى لها الرحابنة بثلاث مسرحيات هي على التوالي: «أيام فخر الدين» (1966)«هالة والملك» (1967) و«الشخص» (1968) خرجوا بمسرحهم بواسطتها من ساحة الضيعة إلى فضاء الوطن، حيث الصراع يدور بين الحاكم ومحكوميه.
الأمير فخر الدين المعني الثاني هو حاكم جبل لبنان بين 1590 و1635 واليه ينسب الكثير من الانجازات التاريخية، التي ليس اقلها حيوية لبنان الاقتصادية، وانفتاحه على الغرب، وتصنيفه كملجأ للأقليات المضطهدة ورؤوس الأموال المذعورة، إضافة إلى بدعة الطائفية السياسية. الرحابنة وظفوا شخصية فخر الدين في ترميز الرئيس فؤاد شهاب الذي تولى الرئاسة الأولى بين العامين 1958و1964، ليمارس على عهد خلفه شارل حلو ما اسماه الكاتب «نيافة رمادية صامتة». المسرحية تستحضر الأمير وتمجد الرئيس المنحدر من سلالة الأمراء الشهابيين. وفي مسرحية «الشخص» يتناول الرحابنة حكاية الحاكم الذي لا يعرف بما يدور في كواليس حكمه، لان المحيطين به يحجبون عنه وضوح الرؤية وصلاح الرأي. هي وسيلة أخرى من وسائل الدفاع عن السلطة بوصفها حارسة المعجزة. لكن الوفاء للايديولوجيا جعلهم يغفلون عن حقيقة من مرتبة البداهة مفادها أن الحاكم الذي لا يعرف فرض وجوده، هو مسؤول عن كونه كذلك،لأن المعرفة هي إحدى مستلزمات الحكم.
وتمثل مسرحية جبال الصوان (1969) خروجا على النسق الرحباني المعتمد، وتنطوي على تكامل بنيوي مستجد لجهة انتظام أحداثها في إطار قصة واحدة، هي حكاية انتظار المخلص، وهو يتجسد هنا في الفتاة «غربة» العائدة من الغربة لتخليص شعبها من غربة الاحتلال. الهدف هنا واضح، وإدراكه لا يتحقق بمعجزة، وإنما بخيار واع وخيار حاسم. الثائر مدلج يموت على أبواب مدينته، فتدخل الشمس إلى بيوت الناس ويصير المحتل عاجزا عن إخراجها، فيخرج هو.
تبقى استعادة أغنية فيروزية تقول كلماتها أن «القمر بيضوي عالناس والناس بيتقاتلوا» القمر، هكذا تأتي التجربة الرحبانية من الحب لتعود اليه، تدور في هذه الحلقة الجمالية المفرغة، والأرجح أنها ستبقى فيها دوما.
 
نقلاً عن مقال علي العزير، في جريدة "الشرق الأوسط".. العدد 9955 – 1 آذار 2006 تحت عنوان: "الرحابنة وفيروز: تجربة ارتفعت فوق تناقضات اللبنانيين.. إلى حين"
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق
«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟
«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيريةباخ كان هنا
كتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرين
فتاة بيتهوفن..«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة
25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى