الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

سينما الرحباني..

  بقلم: نديم جرجورة


انقر هنا للتكبير
بدت ستينيات القرن المنصرم وكأنها تعلن نهاية مرحلة تاريخية في صناعة السينما العربية، بالنسبة إلى الفيلم الغنائي. ففي مصر، شهدت تلك الفترة بداية أفول نتاج بصري متكامل، جمع التمثيل بالغناء والرقص، وجعل من الأغنية أساساً لسرد درامي أفضى غالباً إلى نهاية سعيدة، حتى ولو عرفت فصوله (أو بعضها على الأقلّ) أحداثاً تثير القلق والبكاء والخوف، في أحيان عدّة. وفي لبنان، وبسبب صدور قرارات التأميم الاشتراكي الناصري، تدفّقت رساميل إنتاجية وقدم سينمائيون وممثلون مصريون إلى بيروت، ما أدّى إلى تأسيس نمط سينمائي غرف من تقنيات السينما المصرية وفضاءاتها المرتبكة والهشّة ما ساعده على ابتكار لغة بصرية عادية للغاية، موصومة بأسلوب مصري في مزج <توابل> مختلفة (إن لم تكن متناقضة، أحياناً) تصنع فيلماً سينمائياً تجارياً، بالمعنى الشعبي الكبير لكلمة <تجاري>. وإذا اعتبر التأريخ السينمائي العربي أن نهاية الستينيات وبداية السبعينيات محطّة تحوّل فعلي في مسار السينما الغنائية المصرية والعربية، فإن <أبي فوق الشجرة> (1969) لحسين كمال، الفيلم الأخير لعبد الحليم حافظ، شكّل ما يشبه بداية خاتمة سينمائية جميلة لمرحلة ثرية بالأفلام الغنائية الرومانسية. ولعلّ المفارقة تكمن في أن ثلاثة أفلام غنائية أنجزها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني في النصف الثاني من المرحلة نفسها، بدت وكأنها، هي أيضاً، تُعلن بداية أفول (إن لم يكن أفول) هذا النوع السينمائي في لبنان، الذي مرّ وقتٌ طويلٌ جداً قبل أن يُطلّ ثانية في مصر مع مغنين شباب، تماهى بعضهم بكلاسيكيات الفيلم الغنائي الرومانسي من دون بلوغ جمالياته الإبداعية، منذ منتصف التسعينيات الفائتة تقريباً، في حين أن لبنان انتظر نحو أربعين عاماً (أنجز الفيلم الرحباني الأول في العام ,1965 والأخير في العام 1968) قبل أن يُنجز فيليب عرقتنجي فيلماً غنائياً استعراضياً راقصاً جديداً بعنوان <البوسطة> (2005).
غير أن <جديد> الفيلم الغنائي لم يصل، بحسب آراء نقدية، إلى المستوى الإبداعي الجميل الذي عرفه <قديم> هذا النوع السينمائي. فقد أشار البعض إلى أن <التراجع> عائد إلى أسباب عدّة، لعلّ أبرزها وأهمها كامن في <تدنّي> المستويات المختلفة في صناعة الأغنيتين المصرية واللبنانية الحديثتين، قياساً إلى ما ابتكره كبار الموسيقيين والمطربين ومؤلّفي الأغاني القدماء، وأيضاً قياساً إلى النوعية الخاصّة بهذا الجديد نفسه، الذي عجز مؤلّفوه ومنشدوه عن تقديم الجيّد والجدّي، في مقابل طغيان العاديّ الذي يصل، أحياناً، إلى حدود الابتذال، خصوصاً مع تنامي ظاهرة ال<فيديو كليب>، وانحدار غالبيتها إلى مستنقع الجنس الرخيص. هذا كلّه، من دون تناسي أن بعض النتاج الجديد، في مصر ولبنان على حدّ سواء، عكس جدّية واضحة في اختيار الكلمات وصوغها، وفي تأليف الألحان وغنائها، وفي مقاربة المواضيع المختلفة، في الحبّ والعلاقات والقضايا الإنسانية.
في هذه الفترة نفسها (ستينيات القرن الفائت)، أطلّ الأخوان عاصي ومنصور الرحباني على جمهورهما العريض من خلال السينما، في محاولة متواضعة أراداها تمريناً على عمل فني لم يمارساه منذ بداية مسارهما الإبداعي. فبعد التأليف الغنائي والتلحين الموسيقي والنتاجات المسرحية والإذاعية والتلفزيونية المختلفة، وجدا أن السينما ربما تكون قادرة على إكمال صورتهما الفنية، وأن وضع المضمون المسرحي (قصةً وغناءً ورقصاً) في فيلم سينمائي يُمكن أن يساهم في تفعيل التواصل بينهما وبين الجمهور، وهو تواصل متين وثابت، خصوصاً على المستويين المسرحي والغنائي، بفضل لغتهما الساحرة في ابتكار جمل وكلمات وألحان تتداخل فيما بينها، وتصدح عالياً بنبرة فيروز المتألّقة في اختراق الحجب كلّها، وبشدو آخرين (أبرزهم نصري شمس الدين). وعلى الرغم من الجماليات المكتنزة بقوة في عمق أعمالهما المختلفة، إلاّ أن القراءة النقدية الموضوعية تكشف <عقم> الأداء التمثيلي لفريق من المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات ذوي الحناجر البديعة والأجساد المتمايلة في لوحات مليئة بالنبض الإنساني الحيّ، في مقابل جمال الصوت وروعة <التابلوهات> الراقصة.
هموم الفرد وقلق الجماعة
ذلك أن هؤلاء جميعهم (فيروز ونصري شمس الدين وهدى وإيلي شويري وجوزيف ناصيف وغيرهم) لم يتدرّبوا على تقنيات التمثيل المسرحي أو التلفزيوني، بل ربما لم يكترثوا، هم والأخوان الرحباني، بهذا الجانب الأساسي في العملين المسرحي والتلفزيوني، لأن الجميع مشغولٌ بلغة النصّ الغنائي (لحناً وكلمات ومعاني)، وبجعل خشبة المسرح، مثلاً، فضاء مفتوحاً على الرقص والديكور والحكايات المتواضعة في صوغها واقعاً إنسانياً لبنانياً مصقولاً بروح الضيعة وبراءتها، ومشحوناً بالألفة والمحبّة والتسامح والنهايات السعيدة دائماً. كما أن الاهتمام الأول ظلّ محصوراً بكيفية إعادة رسم الملامح البشرية، المنزّهة من كل عيب، وإن ظهر الشرّ فهو يبقى خفيفاً وعابراً، إذ سرعان ما ينتصر الحقّ والخير والجمال، في <وطن> رحبانيّ لا مثيل له على الأرض. وإذا أظهر عددٌ من الذين مثّلوا في هذه الأفلام أداءً أفضل في تقديم الأدوار والشخصيات، فهذا عائدٌ إلى اختبارهم التمثيل المسرحي أو التلفزيوني في أعمال جعلتهم <نجوماً>، بمعنى ما، في الوسط الجماهيري. إذ يصعب التغاضي عن واقع أن بعض هؤلاء، كصلاح تيزاني (أبو سليم) ومحمود مبسوط (فهمان) وعبد الله حمصي (أسعد) وسلوى حداد (أم ملحم) وإحسان صادق وبرج فازليان ووليم حسواني وآخرين، مارس التمثيل، وإن بحدوده القصوى، إذ إن التلفزيون كان لا يزال وليداً، ولم يتوصّل إلى تأسيس منهج تمثيلي، في حين أن العاملين في شؤون المسرح اللبناني انبثقوا من تدريب فكري وثقافي ومسرحي لم يُسعفهم في أداءهم السينمائي هذا. في حين أن عاصي ومنصور نفسيهما لم يكونا ممثلين أو حتى مؤدّيين، بل مجرّد شخصين يتلوان جملهما من دون أن يمنحاها روحاً. لا شكّ في أن غياب <الممثل السينمائي اللبناني> في تلك المرحلة (كما في المراحل السابقة واللاحقة) لعب دوراً سلبياً في تدنّي المستوى التمثيلي في الأفلام الثلاثة، علماً أن النَفَس الأدائي الجيّد ظلّ حاضراً في المجالين التلفزيوني والمسرحي، وإن احتاج إلى تأصيل أقوى وأمتن وأوضح.
لم تكن الأفلام الثلاثة التي وضعها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني مختلفة كلّياً عن أجواء أعمالهما المسرحية. فالفيلم الأول، <بياع الخواتم> (1965) ليوسف شاهين، ليس إلاّ تصويراً سينمائياً لمسرحيتهما التي تحمل العنوان نفسه، والتي قدّماها للمرّة الأولى في العام .1964 وهو تصوير مجبول بشيء من عوالم شاهين وارتباكاته البصرية التي تعكس، غالباً، ارتباكاته النفسية والثقافية والإنسانية في مقاربته أحوال المجتمع وناسه. ومع أن الفيلمين الآخرين، <سفر برلك> (1966) و<بنت الحارس> (1967) لهنري بركات، كُتبا خصيصاً بالسينما، إلاّ أن الأخوين الرحباني (اللذين ألّفا القصّة وكتبا السيناريو والحوار للفيلمين الأخيرين، في حين أن صبري الشريف كان قد كتب نص <بياع الخواتم>، بالإضافة إلى تأليفهما الموسيقى والأغنيات) اعتمدا الصيغ نفسها التي ميّزت أعمالهما المسرحية: مناخ ريفي غالباً، مقارعة الظلم الناتج من مشكلة ما أو من سلطة غاشمة، علاقات محبّة وأخوّة بين غالبية الشخصيات، حب ورومانسيات وتقاليد، وغيرها من العناوين التي كرّراها مراراً في مسرحهما، من دون أن تفقد، أقلّه في مسرحياتهما، رونقاً ما في تسليط الضوء على هموم الفرد وقلق الجماعة والرغبة في الانعتاق من بؤس اليومي وشقاء العيش. وفي أفلامهما الثلاثة، حافظا على هذه التركيبة التي أسّست جمهوراً عريضاً لهما، انتقل من صالة المسرح إلى قاعات السينما ليُشاهد ما يُمكن أن يكون عملاً رحبانياً بامتياز، في شكله الجديد هذا.
هبوط وارتفاع
للأسف، يصعب اليوم التأكّد من مدى النجاح الشعبي لهذه الأفلام الثلاثة، التي أنجزت كلّها في النصف الثاني من الستينيات، أي في المرحلة التي شهدت توافد سينمائيين مصريين إلى لبنان بسبب قرارات التأميم التي أصدرها جمال عبد الناصر منذ مطلع المرحلة نفسها. يصعب الحصول على أرقام المبيعات أو عدد المشاهدين، وإن رأى بعض من عاصر تلك الفترة أن فيلمي بركات كانا الأكثر نجاحاً، لأنهما من صنع مخرج سينمائي عرف آلية تحقيق المعادلة السينمائية المطلوبة، التي تجمع مضموناً جدّياً بشكل مبسّط قادر على جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين. لكن منصور الرحباني قال مراراً إنه على الرغم من أن الأفلام الثلاثة هذه حطّمت الأرقام في لبنان، <إلاّ أن حظّها سيئ في الخارج>، خصوصاً <سفر برلك>، الذي <طاردته السفارات التركية في كل مكان، مانعة عرضه>. في كتابه <السينما المؤجّلة> (<مؤسّسة الأبحاث العربية>، 1986)، كتب الناقد محمد سويد أن أهمية <تجربة الرحابنة تكمن في تمدّدها داخل مختلف فروع الفن، إلى الحدّ الذي يتطلّب تقديم تفسير واضح لسبب قصر عمر هذه التجربة سينمائياً>، مضيفاً أنه بعد فشل <بياع الخواتم> (الفيلم الرحباني الأول)، <ابتسم الحظّ للرحابنة أكثر في الفيلمين التاليين>، مشيراً إلى أن هذا الفشل لم يكن بسبب قيام مخرج مصري بتنفيذ أوبريت <بياع الخواتم>، لأن هذا السبب <الإقليمي> ينتفي <إزاء حقيقة قيام المخرج المصري هنري بركات بتحقيق الفيلمين الآخرين>. في الإطار نفسه، رأى سويد أن السبب يعود ربما إلى <رؤية يوسف شاهين الخاصّة، وسعة خبرة هنري بركات بمتطلبات الفيلم الجماهيري وكيفية تركيبه بحسن استغلال المنظر الطبيعي اللبناني قياساً على أهمية العنصر التاريخي في <سفر برلك> (فيلمهما الثاني)، والعنصر الواقعي المألوف جداً في <بنت الحارس> (الفيلم الثالث والأخير لهما)>. وأشار سويد إلى أن هذا كلّه كان <وراء هبوط وارتفاع مستوى الإقبال الجماهيري بين الأفلام الثلاثة، لا سيما أن نص <بياع الخواتم> كان مقتبساً عن الأصل المسرحي (يبدو أكثر رمزية في عملية النقل السينمائي)، فيما استند كل من نصي <سفر برلك> و<بنت الحارس> إلى قصّة معدّة خصيصاً للشاشة الفضية>. أما الناقد إبراهيم العريس فرأى، في مقالة له بعنوان <يوسف شاهين: ثلاثون عاماً في السينما> (مجلة <دراسات عربية>، آذار 1979)، أن هناك <خطأ في التقدير جعل المخرج (شاهين) يقبل بتصوير الفيلم كلّه داخل ديكور بُني في الاستديو، وضمن مقاييس حدود العمل وظروف الإنتاج>.
من ناحية أخرى، تعاون هنري بركات، الذي اشتهر (من بين أمور أخرى) بتقديمه فاتن حمامة، مثلاً، في روائع سينمائية لا تزال ثابتة في تاريخ السينما العربية ومفاصلها الدرامية والثقافية، مع عاصي ومنصور الرحباني وفيروز والفريق الرحباني كلّه في فيلمين أريد لهما أن يمزجا أبعاداً سياسية وإنسانية واجتماعية بنمط شكلي مُبسّط، لا يلغي جمالية المشهد بقدر ما يُقدّم الحكاية بما يريح المُشاهد ويجعله يتفاعل سريعاً مع التفاصيل الدرامية، كما مع المشاهد الغنائية. لا يعني هذا أن <بياع الخواتم> غرق في المتاهات الجميلة التي اعتاد يوسف شاهين أن يبتكرها في بعض أفلامه. فهذا الفيلم يأتي بعد أن قدّم مخرج <باب الحديد> ثلاثة أفلام غنائية مصرية سبقت تجربته الوحيدة مع الرحابنة: <سيدة القطار> (1952) مع ليلى مراد، <إنت حبيبي> و<ودّعت حبّك> (1957) مع فريد الأطرش. بهذا المعنى، يُمكن القول إن لشاهين تجربة في صناعة فيلم غنائي تحرّر، إلى حدّ ما، من سطوة الارتباك الإبداعي الخاص به، مقدّماً النصوص السينمائية في قوالب مبسّطة قابلة للفهم الجماهيري، وقادرة على صوغ حكاياتها بسلاسة ممزوجة
بالصوتين الجميلين لمراد والأطرش، وبعوالمهما الغنائية والموسيقية المتنوّعة. ورأى البعض أن شاهين استفاد في فيلمه الرحباني من بعض الأجواء الشاعرية التي سبق أن شاهدها في فيلم <مظلات شربورغ> (1964) لجاك ديمي، وعرف كيف يستخدم الألوان بشاعرية، كما حركة الكاميرا والمجاميع.
راجح
اللافت للنظر، من ناحية أخرى، أن الأفلام الرحبانية الثلاثة هذه أنجزت قبل حرب الأيام الستة، أي قبل وقوع النكسة وإنطلاق ثقافة الهزيمة وبداية طرح أسئلة الخراب الفظيع الذي ضرب الأمة العربية وأحلامها الثورية الكبيرة. مع هذا، استمدّ الأخوان الرحباني موضوعاً سياسياً، بالمعنى الإنساني الشامل، من واقعة تاريخية جرت فصولها في خلال الاحتلال العثماني للبنان وجواره (سفر برلك). لكن البُعد السياسي الإنساني حاضرٌ، أيضاً، في الفيلمين الآخرين: فاختراع كذبة رجل شرير، في <بياع الخواتم>، يريد شرّاً بالقرية وأهلها، ناتج من رغبة المختار في تثبيت دعائم سلطته من خلال بقائه سيّد القرية والمسؤول الأول فيها (بمعنى آخر: الآمر الناهي)، وإن بسرده الحكايات المتنوّعة عن راجح الخيالي. ذلك أن سلطة المختار قائمة على تأليف قصص خيالية انجذب أهل القرية إليها ووقعوا في سحرها. في حين أن الاستغناء عن خدمات رجلي الشرطة في قرية <بنت الحارس>، أفضت إلى إشعال فتيل جرائم خفيفة، كي ينتبه أعضاء المجلس البلدي إلى أهمية الحارس وضرورة الإبقاء عليه، خصوصاً أنهم باتوا عرضة للفضائح الجنسية والخيانات التي ارتكبوها سرّاً. ومع أن بنت الحارس هي التي لعبت الدور الخفي ل<مجرم> خيالي (أيضاً)، كي تعيد والدها ورفيقه إلى عملهما، إلاّ أن فكرة البقاء في <سلطة> ما (هي هنا شرطة البلدية) ليست إلاّ عملاً سياسياً بامتياز.
قيل إن دخول الأخوين الرحباني عالم السينما نتج من الصدفة: ذلك أن صديقاً لهما يُدعى رجا الشوربجي أقنعهما، ذات يوم، بتحويل إحدى مسرحياتهما إلى فيلم سينمائي، في تلك المرحلة الغنية بالأفلام الغنائية العربية المختلفة، فسألا كامل التلمساني (الذي عمل مستشاراً لهما في مجالات فنية متنوّعة) رأيه بالموضوع، بالإضافة إلى يوسف شاهين، الذي كان موجوداً في بيروت حينها، بعد <خروجه> من القاهرة إثر نزاعه المرير مع رجال جمال عبد الناصر. هكذا بدأ عاصي ومنصور تجربة العمل السينمائي: اختارا <بياع الخواتم>، واتفقا مع المنتج السوري نادر الأتاسي على تمويل الفيلم ومع يوسف شاهين على إخراجه، وتعاونا مع المجموعة الغنائية والتمثيلية نفسها، وانطلقا في تجربة أفرزت فيلمين آخرين أخرجهما هنري بركات، الذي ظلّ على تواصل دائم مع وطنه الأم لبنان. فهل العمل مع شاهين وبركات مجرّد صدفة بحتة، أم اقتناع بحرفية المهنة وثقة بنمط العمل الإخراجي؟ ذلك أن الأخوين الرحباني تعاونا مع مخرجين سينمائيين مصريين من أصل لبناني، بالإضافة إلى كونهما مسيحيين، وإن عرفا كيف يتجرّدا من انتمائهما الديني البحت، كي يُبقِيا على البُعد الإنساني في مقاربتهما أحوال الناس والمجتمع والمسائل الحية في الواقع والتاريخ. لا شكّ في أن حِرَفية المهنة سببٌ واضحٌ وأساسي في اختيار الأخوين الرحباني شاهين وبركات لإخراج أفلامهما الثلاثة. ولا شكّ في أن الظروف التاريخية لعبت دوراً في ذلك أيضاً: فشاهين موجودٌ في بيروت بعد أن لمع اسمه في السينما العربية بفضل سلسلة أفلام شكّلت، قبل إخراجه <بياع الخواتم>، منعطفات حقيقية في صناعة الصورة، لعلّ أبرزها <صراع في الوادي> (1954) و<باب الحديد> (1958)، في حين أن بركات، الذي قدّم بدوره كلاسيكيات بديعة، حافظ على علاقة وطيدة بلبنان، وظلّ حاضراً فيه بين حين وآخر.
إذاً، جاءت التجربة السينمائية الرحبانية في سياق ظروف ساهمت في بلورة المسار المسرحي والغنائي والموسيقي، ليكتمل في ثلاثة أفلام أنجزت في أقلّ من أربعة أعوام. من هذه الظروف: وجود المنتج السوري نادر الأتاسي، واستعداده للتعاون مع الأخوين الرحباني. انتقال عدد من السينمائيين المصريين من القاهرة إلى بيروت، بعد عمليات التأميم التي شملت القطاع الخاص هناك، وبقاء العاصمة اللبنانية خارج إطار التجاذبات الإقليمية، أي تحوّلها <إلى بنك سينمائي كبير، غرف منه المنتجون والفنانون العرب>، إذ إنها أضحت منطلق عدد كبير من الأفلام الروائية القائمة على ما أسماه محمد سويد <كومبينة>، رأى أنها <جمعت بغرابة منقطعة النظير الممثل المصري واللبناني والسوري، في لهجة مُركّبة هجينة، أساسها دمج القصّة الخفيفة بالصنعة المصرية والمنظر اللبناني السياحي> (من مقالة له منشورة في <السفير> بتاريخ 28 حزيران 1986).
إنها تجربة لم يكن ممكناً الاستغناء عنها في مرحلة شهدت رواجاً للفيلم الغنائي العربي، مع أنها حملت في طياتها، في الوقت نفسه، بذور النهاية المحتومة لهذا النوع السينمائي. إنها تجربة لا يُمكن القول بنجاحها الفني والتقني والدرامي والنقدي، على الرغم من تعاون عاصي ومنصور الرحباني مع مُحترفين سينمائيين (مخرجَين مصريين وبعض التقنيين الأوروبيين، كالمصوّر أندره دوماج)، بقدر ما ترجمت رغبة ما للأخوين الرحباني في اختبار المدى الإبداعي للكاميرا السينمائية، بعد أعوام على خوضهما أنواعاً فنية مختلفة.
لكن، ما الذي بقي من الأفلام الرحبانية الثلاثة، في مطلع القرن الواحد والعشرين، وبعد مرور عشرين عاماً على رحيل عاصي الرحباني؟ لا يُمكن الجزم بأن هذه الأفلام مارست تأثيراً ثقافياً أو فنياً في المسار التاريخي للسينما اللبنانية أو العربية. لكنها شكّلت محطة فنية ما للأخوين ومجموعتهما الفنية، واستكملت بعضاً من <هواجسهما> الإنسانية وهمومهما الموسيقية والغنائية. فعلى المستوى الإنساني، استمرّا في مقاربة الوجع اليومي للناس القائمين على اختلافاتهم والمنصهرين في أحلامهم المشتركة، القاضية إما بالتحرّر من نير الاحتلال، أي السلطنة العثمانية في <سفر برلك>، أو من سطوة الخيال الداعم لبقاء السلطة بيد صاحبها، سواء بابتكار شخصية وهمية اسمها راجح (سرعان ما تبيّن أنها حقيقية)، ومعلّقة في التباس الواقعي بالمتخيّل الشعبي (بياع الخواتم)، أو في خلق شخصية مجرم وهمي أيضاً، انقضّ على هواجس الجميع وأقلقهم في يومياتهم (بنت الحارس). وعلى المستوى الغنائي، منحت فيروز شكلاً ساحراً للنتاج الرحباني، ولعب الآخرون أدوارهم الغنائية في أغنيات مختصرة ومكثّفة ومشحونة بالنغم اللبناني والنوتة الفولكلورية.
نقلاً عن مقال "الأفلام محطة لاستكمال الهموم الموسيقية والغنائية" - "الملحق الثافي" لـ"السفير" 16 حزيران 2006
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق
«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟
«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيريةباخ كان هنا
كتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرين
فتاة بيتهوفن..«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة
25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى