الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> فنون

ماذا قالوا في عاصي؟..


انقر هنا للتكبير
فيروز: عاصي هو اللي كان، وبعدو ما راح يكون...
* عاصي في الفن، لا يتنازل عن أن يكون ديكتاتوراً. ديكتاتور على نفسه قبل أنيكون ديكتاتوراً على غيره. وهناك نعمة في ديكتاتوريته الفنية هي الشك. الشك الذي يساهم كثيراً في عملية خلق الجمال الفني. من هنا نقول إن عاصي يحب "الصعب" الذي يخلق الجديد والبساطة، وراحته في الفن عظيمة لأنه عذابه عظيم. هناك أشخاص يقتربون من النهر، لكن عاصي أقرب الى النبع. (1983 (
*
حزن عاصي، أكبر من مرضو وأخطر.
الإنسان لما بيشوف حلم عم يتحقق وفجأةً بينكسر هالحلم... بيحزن... وشي بداخلو بينزف، وما بيوقف...
عاصي هو اللي كان، وبعدو ما راح يكون...
عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية
الفرح فيها شي موقت، والحزن والألم هو الأساس
وفرحنا الموقت كان الحلم.
والحزن كان الحقيقة.
بس ما كنت أعرف هالشي!..
ما كنت أعرف إنو الإنسان إذا ضحك، راح يبكي ألف دمعة مقابل هالضحكة.(6/3/1986)
*
لا رجل له دمعة بجمال دمعة عاصي. (12/1992).
*
كان دائماً مشدوداً الى عالم آخر، الى وطن يرسمه أجمل من كل الأوطان. كان كثير الأسئلة يصيب الجميع بإرهاق وهو يشارعهم، وكان يلقب نفسه بـ"المشارعجي". كان يحاول أن يجد جواباً عن كل شيء. أجوبة الآخرين غالباً ما كانت غير مقنعة وعميقة بالنسبة إليه. كان يستدرج الجميع عبر الأسئلة لأن جواباً ما يريدأن يعرفه وحده. جاء ليعرف كما كان دائماً يردد: جينا تا نعرف، لذلك كان كثير الشك والقلق وهو مأخوذ بأشياء لا يعرف ما هي. يتطلع دائماً الى مكان غير موجود. (12/1992).
منصور: الإنسان هو الأهم عند عاصي
* كنا نسميه "ًابو زياد المنطقي". عاصي لم يكن يؤمن بأن الكاتب ينزل عليه الوحي. الينبوع والتقنية هما الاساس في نظره، ويكفي الكاتب الجو الهادئ ليكتب، وفي ايمكان. عاصي، كان احياناً يقفل مكتبه ثلاثة او اربعة ايام، ويكتب مسرحية كاملة. مسرحية تحتاج طبعاً، الى اعادة كتابة وتنقيح وتعديل. لكن المهم كان سريعاً. ولا أذكر ان الوقت، سبقنا مرة في عملنا. 1987
*
معروف عن عاصي السخاء. كان يحلوله أن يقيم دعوات الغداء وان يقتني من الثياب بالكميات. مثلاً، كان ينقّي من كل لون كنزة واحدة تعجبه، ويروح يوزع ما تبقّى من المجموعات والالوان للرفاق والاصحاب. (1987).
*
الانسان هو الاهم في المسرح الرحباني عند عاصي، هذا الكائن البشري المقهور والمعذب في الوجود كان كل همه. (1987(
*
كان عاصي يقيم حلقات النقاش وجلسات البحث وخصص اسبوعياً يوما للسياسة ويوما للاطباء ويومين لـ"المختبر". (1987)
*
عاصي كان انساناً متمرداً، وفيه تكمن قيمته الانسانية، كان يعي ان الانسان مسحوق، منذ الأزل فثار على الوجود والأوضاع، برغم حزنه الدفين في نفسه وهب الفرح والسعادة. 1988
*
كان عاصي متعلقاً بفيروز وبعائلته. كان بيتوتياً.
أحب عائلته جداً، فوزّع حبه ما بينها وبين عمله، احياناً كثيرة كان الفن يأخذه منها، فإحساسه بمسؤولية النهضة الفنية الملقاة على عاتقه كان يحثه على العطاء الافضل. 1988
*
عاصي، وبالرغم من دراسته الموسيقية المعمقة، لم يستلهم الا ذاته وشعبه. كان يتنزه في الغرابة، وفي الشغف بالحقيقة، فالفن عنده هو ابن الصعوبة، وابن الوعي، وان المعرفة هي تَذَكّر. كان دائم القلق، لا يرتاح إلا حين يستغرق في التأليف أو في جلسات الجدل، لينسى، ولو مؤقتاً، ذلك الهدير الداخلي المتصاعد سؤالاً، الى أين؟!! (21/1/1995(
زياد: كان يؤمن بأن العمل التأليفي هو بالجهد والبحث المتواصل، وليس فقط بالوحي..
* البداية كانت في البيت حيث كنت أعيش مع والدي، والوالد يعمل على تأليف معظم ألحانه الرئيسية في هذا البيت. صحيح كان مع عمي منصور وآخرين، يعملون في مكتبهم في منطقة بدارو، حيث يختبرون بعض التوزيعات ويتناقشون حولها، وحيث يجرون تمريناتللعازفين والفرقة. اما الجهد الاساسي والافكار الاساسية فكانت تتم في البيت. ومنهنا بدأت التأثيرات الاولى تتفاعل من خلال سماعي للوالد عندما يكون مشغولاً في البيت بتأليف شيء ما. ومن هنا أيضاً بدأت أحب الموسيقى صغيراً، حيث كان عمري 4سنوات. وهكذا نشأت العلاقة الموسيقية بيني وبين والدي المؤلف الموسيقي. (1992)
*
من الأمور التي تعلمتها من عاصي، إبراز الهوية الشرقية الوطنية للموسيقى في تأليفاتي، وتأكيد هويتي الثقافية أينما وُجدت في العالم من خلال التركيز على المقامات الموسيقية الشرقية والمحتوية منها على أرباع الأصوات، وإبرازها بطريقة مركبة وغير تقليدية من خلال الكتابة الهارمونية لهذه المقامات. وقد يكون أهم شيء تعلمته من والدي، كتابة جملة موسيقية بسيطة وغير معقدة، لكن كيفية الوصول الى هذه الجملة كان امراً صعباً ومعقداً. فالوالد كان يؤمن بأن العمل التأليفي (على الطاولة) هو بالجهد والبحث المتواصل، وليس فقط بالوحي، مع أهمية هذا طبعاً. (1992) .
*
كان اللحن الاساسي، الميلودي هو المهم. والاهمّ ان تنسجم الميلودي معالناس. لكن اللافت هو، حتى اثناء دراسته ومنصور عند استاذهم روبيار، كان الوالد يشذ عن تطبيق القواعد الصارمة للتوزيع الهرموني، فكان مثلاً لا يطيق البعد الثلاثي ولايحب استعماله ابداً. واذا اردت ان تلاحظ هذا الشيء بوضوح فاسمع اغاني "البعلبكية"  فهي مختلفة جداً. هي من توزيعه هو وحده ويعتمد فيها أسلوب الـPédale وباستعماله هذا الأسلوب، يدافع عن اللحن الأساسي ومبدأ تطابق الصوت، وطبعاً توزيع للآلات على اساس اللون. 1992
 
سـعيد عقل: "وبعدين يا عاصي؟ فل من هون.. روح ارتاح.."
أنا وجورج شحادة نضع استشارتنا منذ زمن تحت تصرف عاصي ومنصور. أنا للشعر، وجورج للمسرح. ويخطئ كلمن يعتقد أن في أعمال الأخوين رحباني شيئا من آثارنا. لقد أشاعوا الكثير عن هذا الجانب في أعمال الرحباني. وهي إشاعات ظالمة. فالإبداع هو لعاصي ومنصور. نحن للاستشارة فقط. ولعل الأمر الوحيد الذي عصاني فيه عاصي، ولم يقبل بنصيحتي، هو حبه المتفاني لعمله حتى الإرهاق. أنا شخصياً أعمل كثيراً. ولكن أعرف متى أستريح، بعكس عاصي الذي كان يتصور أن راحته هي في الإبداع. وكم كنت أمرّ عليه في مكتبه الذي اختاره في عمارة أسكنها بشارع بدارو، فأجده منكبّاً على التأليف، أو التنويت، فأنهره قائلا: "وبعدين يا عاصي؟ فل من هون.. روح ارتاح.." ولكن عاصي لم يكن يشعر بالوهن.. تماماً كما قال في إحدى أغانيه الأولى: "وتعيب ليس يشكو الوهنا"..
إن عاصي ومنصور مديونان. أنا شخصيا كنت أوقع معهما على كمبيالات في أوقات كثيرة. تسألوني: أين ذهبت مداخيلهما؟.. أين ذهب كل هذا المال الذي جنياه من الإسطوانة، والإذاعة، والمسرح، والتلفزيون، والسينما؟.. وبعض الظالمين يقولون أنهما يلعبان القمار!.. أؤكد لكأن الإثنين لا يميزان بين بنت "الكبا" والبنت الديناري!... تعوّد عاصي على أن يكون ما في جيبه لأبطال أعماله الفنية أولاً، ثم له ثانياً. وإذا كان هنا كعمل كبير، فإن عاصي يضحي بثلاثة أرباع حصته حتى يتكامل هذا العمل الكبير ديكوراً، وأشخاصاً، وثياباً. بل أؤكد لك أن عاصي، وله أصدقاء كثيرون يحرص على إرضائهم، كان يشتري من جيبه الخاص تذاكر لبعلبك أو المسرح البيكادللي، بمبالغ ترتفع أحيانا إلى ألوف الليرات حتى لا يقول للأصحاب أنه يعتذر عن دعوتهم.. هذا هو عاصي، و يجب أن تتوضح صورته على هذا الأساس.
 
الياس خوري: سحر عاصي الرحباني انه استطاع تحويل كل شيء الى شعر، كأنه كان ينزف شعراً
سحر عاصي الرحباني انه استطاع تحويل كل شيء الى شعر، كأنه كان ينزف شعراً. كل شيء في هذا الرجل يشبه الشعر. كأنه عرف سر الخيمياء التي تحوّل العناصر. رسم الكلمات فوق الاشياء، واخترع عوالم موازية للعالم الواقعي. وهذا ما يفعله جميع الشعراء والادباء. غير ان ميزة عاصي الرحباني انه اقنعنا بأن هذه الحياة اليومية التي نعيش تشبه الشعر. عجنها بكلمات مموسقة، وصنع سر الحياة. حتى فيروز، صارت اشبه بالقصيدة. وهذا ما يحيّرنا. كيف تغني القصيدة قصيدة اخرى؟ والى ايهما نستمع؟
انه شاعر، بل ربما كان كبير شعراء لبنان. ومع ذلك فإنه دخل في تاريخنا الأدبي في وصفه موسيقيا. وهذه مشكلة الثقافة اللبنانية والعربية مع التصنيف.
كان نداً لسعيد عقل وجورج شحادة، بل اغلب الظن انه عجنهما واستخرج منهما اكسيره الشعري الخاص. براءة مستلة من نزق الطفولة وخبثها وشراستها، وانحناءة لغوية حولت اللهحة اللبنانية، وهي جزء من لهجة بلاد الشام، لعبة موسيقية ساحرة.
وكالشعراء كان يريد للكلمات ان تمزج ايقاعها بالموسيقى.
بينما كان شعراء لبنان والمشرق العربي، يطرحون اسئلتهم النظرية المعقدة حول معنى الشعر، قام هذا الرجل بكتابة الشعر. اسئلته الشعرية كانت بسيطة، كيف يجعل الكلمة رقيقة وقابلة للانحناء كأنها قماشة من حرير. كيف يلوّن حرير اللغة بالمعاني، ويكتب مسرحيات تغني، واغنيات ممسرحة، ويجعل الشعر كالماء، نقيا وصاخبا ومليئا بطين الحكاية.
قرئ الرحباني الكبير في وصفه كاتبا مسرحيا، ووضعت اعماله المسرحية في اطار قراءة عناصر تكوينية في الايديولوجيا اللبنانية. لكن هذه القراءة ناقصة، لأنها تهمل العنصر الأساسي في اعماله. افتراضي انه كتب المسرح، والّف الموسيقى، كي يكتب الشعر. وان شعرية اللحظة  صنعت دراميتها او موسيقاها.
وكان شعره مثل الشعر. اي محاولة لتحويل العالم بالكلمات، فبنى عالما جانبيا، يجعل العالم الحقيقي محتملا، لأنه اضاف اليه بعدا سحريا، وجعل القارئ يرى بعينيه القديمتين ما لا تراه العيون.
متعة يصنعها الوجدان وهو يتموسق بالكلمات، ورؤيا تمزج العقل بما يتجاوزه، وحلم يخاطب الموتى والأحياء.
كل شيء يتحول شعرا، السذاجة والحكمة، الخير والشر، البراءة والجريمة، والحقيقة والكذبة. وككل الشعراء كذب علينا عاصي الرحباني كثيرا، وكنا نعرف انه يكذب، لكننا نريد ان نصدّق.
 

 

أنسي الحاج: لعل أقسى ما في علاقتنا أنني لم أفهمك يوما كما بدأت أفهمك بعدما باعد بيننا القدر..
ألهذا نعيش ونموت؟ لهذه النهايات، لهؤلاء الرجال، لهؤلاء النساء؟.. ما أغبانا، أليس كذلك يا عاصي ؟
لا أحد يقدر خيبة أمل أكثر مني. وعندما أعود بالذاكرة إلى قصتك، تدهشني حقا هذه القدرة فيك على مغالبة المرارة والصمود حتى ذلك اليوم.
أأقول نيالك؟.. كدت أقولها، لولا أني أكثر جبنا من أن أعنيها. ولكن بالفعل نيالك، فلا البلد بلدنا ولا الناس ناسن اولا الحياة حياتنا، وأما أغنياتك فلا أعرف إذا كانت هي التي أصبحت أرواحا تائهة تمر بين البشر دون أن تلتقيهم أم أن البشر أصبحوا أرواحا تائهة يسمعون كما يسمع الأموات.
وبعدما كان الهاجس هو الحب أصبح الهاجس هو الجوع. ومحل الفن صار التعتير الذي لا إسم له...
كم أغنية كتبت؟.. ألف؟.. و20 ،21 مسرحية غنائية؟.. وثلاثة أفلام؟.. واسكتشات؟.. بالكيلو؟.. وأناشيد؟.. وغزل لم يسمع أحلى منه؟.. وحنان لم يُبلغ إلى شفافيته؟.. وسهر على التلحين حتى الصباح وشغل بالكتابة مميت وتفجير الحياة من لا شيء وخلق الجمال من العدم وخلق فنانين وفنانات أحيانا مما هو تحت العدم؟.. ولماذا كل هذا العناء يا عاصي "لهذا"؟.. "لهؤلاء"؟.. ألهذا ولهؤلاء أعطيت حتى الموت؟.. ألكي ينفجر دماغك ثم وطنك فعملك فكل شيء من حولك ويصبح غبارا ووحلا؟..
أسمعك من هناك. أسمعك تجيبني بأن ثورة الألم هذه تقول عكس ما تضمر، فظاهرها كفر وحقيقتها قهر طاهر ..
دعنا من الطيبة الآن أيها الطفل الأكبر. لقد احترقت رؤوسنا وقلوبنا وبلادنا وأحلامنا ونحن نقول: معليش، غدا يطلع الفجر، ولا بد منرحمة أخيرة .
..
لا احد يعرف خيبة أملك أكثر مني. ولعل أقسى ما في علاقتنا أنني لم أفهمك يوما كما بدأت أفهمك بعدما باعد بيننا القدر. كأنما البعاد، أحيانا، هو شرط الدنو، والفراق هو اللقاء الأمثل..
ألم تزل على كلامك؟.. على"الليل والقنديل"؟.. و"جسر القمر"؟.. و"بياع الخواتم"؟.. و"فخر الدين"؟.. و"هالة والملك"؟.. و"جبال الصوان"؟.. على أغانيك؟ ساعدني!... قل ستعدّل فيها! قل أنك تراجعت عن الكثير!..
لا تريد؟
حتى لا ينهار كل شيء؟
لقد انهار كل شيء يا عاصي .
وجودك بيننا، ولو مريضاً ومعطلاً، وجودك كان طمأنينة .
كان رسالة أمل باق، ضوء خفيف .
بعدك الفراغ والإفلاس .
والبلد المباح لكل نهش .
ما أشقى الفنان وما أطهره!..
تعطيه قليلاً من الفرح والحب فيعطيك عالما من الجمال والسعادة .
ولا تدوم طمأنينته غير ليلة. وسرعان ما يندس التهديد ليأكل منه القلب والعصب والجملة واللحن .
وكل شيء يهدده. الحب والبغض، الصديق والعدو، القريب والبعيد، النجاح والفشل، الطمانينة والخوف... كل شيء يهدده، ولا شيء يريحه.
لقد كنت ياعاصي أكبر فنان في الشرق. كنت خالق أغنيات وخالق شخصيات وعوالم. ولم يستطع شيء ولا أحد أن يريحك. لأنك كنت شاهد حق وشهيد حلم.
 
عقل عويط: كشيء أصفه وأعجز عن وصفه
الى عاصي الرحباني،
بعد عشرين على غيابك الكثيف، أفضّل ألاّ أرسل اليك تحيةً، أو أضع لكَ وردةً على ضريحٍ من ذكرى. ستضحك من جرّاء ذلك، وستقول لي معليش، لأن مثل هذا التغاضي الأنيق لن يفسد في رأيكَ للودّ، ولا للشعر، قضية. ومثل هذا لبديهيٌّ، في رأيي، لأن من يكون على سجيتكَ جديرٌ بأن يحيا محفوظاً ومصوناً من مجاملات الحياة وغدرات الأزمنة: لا لعنة حنين ولا أوجاع عطور، ولا حتى دمعة خيانة او وفاء.
لا بدّ أنكَ تعرف الكثير عنا، على غرار معرفتكَ بأن بيادر أوطاننا الواقعية "تدرس" الكثير من زؤان الخيبات والمرارات، وبأن أوطانكَ، الشعرية والموسيقية، التي لطالما اخترعتَها، وتغنّينا بها، كم هي، في الواقع، خؤونٌ متمردة، وتأبى أن تنجب، على غرار أحلامكَ التي تؤول، كلما اقتربت من هذه الحياة، حياتنا، الى الإهدار.
حبّذا لو اننا ظللنا مثلكَ، مغرَّرين باللغة، نعرف ولا نعرف، فلا  نقع في الجبّ الأليم، حيث لا شعر يعود ينقذ ولا موسيقى ولا أوطان. وليتنا، الآن، مثلكَ، نعرف ولا نعرف، فنظل، مثلما كنتَ تظل، مخطوفاً باللامعرفة، ومبدَّداً في ذلك الشبق المخطوف بالجمال والشعر والموسيقى.
معليش أيضاً، ستقول لي، وستضحك! فأعرف أن مثلكَ لن يُطعَن بعد الآن، ولن ينزف له جرح، وانتَ المطعون بجرح المطلق الذي لا يكفّ له نجيع.
لستُ أرثيكَ لأني لستُ صالحاً للمجاملات، ولا أنتَ الشخص الذي يطرب لدجل الذكرى. لستُ أرثيكَ بل أسألكَ لأستوضحكَ المغزى: أيكون أحد المعاني السحرية للموسيقى، أو لموسيقاكَ، التوصل الى إضفاء معنى الحنين على شيء لم نعرفه ولا نتذكره قط؟ وهل من حنين الى شيء لم يكن موجوداً في الزمان، بل نحن نخترعه قسراً غامضاً لينوجد الآن، فنحنّ اليه، كأنْ نبكّت القلب ونستجديه ليحنّ؟
أسألكَ هذا السؤال، مع علمكَ وعلمي بأن هذا الذي أستوضحكَ مغزاه، ليس هو الفكرة الأساسية التي أحب ان أضفيها على علاقتي بموسيقى هذا الشخص الذي هو أنت، ولا على علاقتي بشعركَ، أو بالشعر مطلقاً. فلماذا أسألكَ، ولماذا أستوضحكَ المغزى، ولماذا أحنّ. بل إلامَ أحنّ؟
صدّقني أيها الرجل، ما من مرةٍ استمعت الى موسيقاكَ وشعركَ إلاّ شعرتُ بشيء يشبه الحنين! لكن الحنين الى ماذا؟ أإلى حلم مخدوع، أم الى وطن مجهض، أم الى هواء، أم الى عطر، أم الى زمن، أم الى شكل؟ أم الى إيقاع، أم الى مكان، أم الى معنى، أم الى حالة، أم الى هرب، أم الى إله...؟
أسألكَ وأستوضحكَ المغزى لأني أطرح السؤال على نفسي، وأجيب بلستُ ادري. كأني أحنّ الى شيء لا صفة له، ولا حدود، ولا ليل، ولا نهار، ولا قعر، ولا سماء، ولا شكل، ولا دموع، ولا أفراح، ولا غبطة، ولا ألم، ولا سعادة، ولا يأس، ولا أمل.
شيءٌ له هذه الصفات كلها، من دون أن يرسو على صفة من هذه كلها.
كأنه شيء تعرّفتُ اليه وأنا جنين. كأنه شيء أتعرف اليه الآن، أو سأتعرّف اليه بعد قليل. كأنه هو الأمومة غير الواعية، أو الأبوّة، او البنوّة، معاً. كهذا الشيء الذي أصفه الآن، وأعجز عن وصفه. كالحب الذي لا يكفيه كونه حباً. كالشبق المعشوق. كشيء يشبه الموت من فرط عدم القدرة على احتمال جماله واكتماله.
أهو صفاءٌ، أيها الرجل، يجعل المرء يشعر بأنه في منطقة لا تحتاج الى أوصاف ومشاعر ومعانٍ؟
أهو صمتٌ يشبه حال الإناء الذي يعطي شكلاً للفراغ؟
أهذه هي موسيقاكَ، أهذا هو شعركَ، يا عاصي الرحباني؟: أهو هذا الصوت يمنح الصمت شكله الأسمى، أي الأقرب الى الكمال؟!
أسألكَ وأستوضحكَ وأجيب أيضاً بلستُ ادري.
منذ كنتُ صغيراً، وأنا أشعر هذا الشعور. فقد نشأتُ في بيت لم يسمع سوى موسيقاكَ وشعركَ يغنّيهما صوت فيروز. مراراً كثيرة وعميقة، كنتُ أشعر به، هذا الشعور، من دون أن أعرف هذا الـ هو الذي هو إياه. وكم بكيتُ وكم أبكي لأني أشعر هذا الشعور، وكم أحسستُ وكم أحسّ بأشياء أخرى لا هي البكاء ولا هي نقيضه، ولا هي الامتلاء ولا هي النقصان. أشياء أخرى تجعلني أملك "روحاً"، فيملكني هذا "الروح" ولا أملكه، وأُعطاه فلا يُعطاني لكي أمنحه أو أبدّده.
ثم عدت وعرفت هذا الشعور مراراً عميقة وكثيرة كلما كنتُ أقع على قصيدة عظيمة. ولا لزوم لأن أقول: مثلما أقع الآن في الحب.
وإذا كنتُ أحيا الآن، ممتلكاً هذا الإحساس الهائل بالغنى، فلأني صرتُ كمن يكون حقن نفسه بهذه الموسيقى، بهذا الشعر، وصارهما، وصاراه، الى حدّ التخلي عن الشعور بأوصافٍ تقترب من هذين الشيئين، ولا تصيرهما.
أهو الإدمان؟ أيضاً لستُ أدري. لكنه شيء يشبه احتكاك غيمةٍ بغيمة الى ان يتولد من هذا الاحتكاك شيء قد أسمّيه الحنين، وما هو بحنين.
وهو ليس السماع. فأنا أرى موسيقى عاصي الرحباني مثلما أرى شعره، وأيضاً مثلما يملكني الحب الذي أنا فيه. كالنازل في بئر، الى قعر البئر، لأن لا مكان له سوى ذلك القعر بالذات.
وأنا، عندما "أصل" الى مثل تلك الرؤية، أكون "انتقلت" الى مكان ما، لا يصل اليه المرء بحواسه، وإنما بتحرره من تلك الحواس.
هذا ليس الموت، وإن يكن أندره مالرو قال إن الموسيقى وحدها تستطيع أن تتكلم عن هذا الموت. إنه الموت طبعاً، لكنه الموت الذي يشبه الحرية، حرية التخلي عن الثقل الذي يٌشعرك بالجسد، بالعبء، بالمادة، بالجاذبية، بالزمان والمكان، ويحملك على الطيران الخفيف، اللطيف، في نفسك، أي في الهواء الطلق، وفي كل مكان، وفي لا مكان، وفي كل زمان وفي لا زمان.
لستُ لأسألكَ وأستوضحكَ، على الرغم من كوني أريد ان أعتب عليك: هل كان لموسيقاكَ ولشعركَ أن يجعلانا "ننتمي" الى شيء غير موجود؟ كهذا الانتماء الى حلم لا يستطيع أن يتحقق؟ كإلى بلاد لا تكفّ عن الطعن في أرواحنا، لأننا لا نستطيع إلاّ ان نُطعَن بها؟
أكان عليكَ أن تصيبنا بهذا الشيء الذي أسمّيه الحنين، وما هو بالحنين؟!
معليش، على كل حال. فمثلنا، كلما عاد من اللاشعر الى الشعر، وبالعكس، أحسّ بشيء يشبه هذا. ومثل هذا الشيء لا يفسد للشعر، ولا للموسيقى، ولا للحبّ خصوصاً،... قضية.
 
مارسيل خليفة: سأظل أعزف وأغني لك، حتى يبح الصوت وينقطع الوتر..
عاصي
عيناك -وهم تقرآن ما أكتب- بيت جدة جبلي يهرب في الولد إليه من الحر والدرس وجيران الساحل... أهرع إليهما تسرحان بين الكلمات على حفافي الجرح حديث قصب الوجع ينبت نايات ساكتة على ألفي بحة "صبا"... فتبلسمان وتضمدان
أكتب وأنا أتصور عينيك والكلمات تقفز الواحدة بعد الواحدة لترتمي في أفياء الهدب، حيث رائحة حبق وزعتر ونعنع وتراب... الجدة فيهما -ولو قارئة "سلبية"- تريحني من بعيد كقطعة سكر أو ثمرة أول موسم أو خبزة صاج ساخنة تحرق وتحلق ولا تخفف الجوع ...
عاصي
لا مرة من قبل، حتى في أحلك الظروف، كنت بحاجة أن أحكي لك كحاجتي اليوم. إني أحاول أن أصفو ولو من خلال صمتي قدام صفحة أرسلها إليك .
البارحة، كانت حفلة وداعية. وكانت الصالة الكبيرة حميمة كما لم تكن مرة من قبل..اصطحبت العود.. إذ طلب إلي ذلك.. وعلى المسرح، وفي صمت كبير قال الوتر ما وراء الجلد والعظم.. قال بوحا شجيا عجبت أنا له.. لا براعة، لا تعقيد، لا تصويرات صعبة، لاشيء من كل هذا.. ضربات سهلة وصمت، نقرات أكثر من عادية قالت ما لم أقله من قبل: كان العزف انعدام الوساطة بين الإحساس والنغم... لا ريشة، لا وتر، لا أصابع، لا عود! كان عزف على النغم مباشرة..
وما إن أحسست بأن الصالة معي، حتى عزفت مقطوعة صغيرة لك، وكانت الصالة تنتظر شيئا كهذا... كانت تحية من القلب لمن جعل لي من العود رمزا لما هوحميم وأصيل وهادف... وسأظل أعزف وأغني لك، حتى يبح الصوت وينقطع الوتر..
مبدعون وشركاء في الإبداع يتذكرون حضور عاصي الرحباني في قلقه وتحولاته
أحدث زلزالاً في البنية الاجتماعية.. اختزل الصوت والصورة وعلّمنا كيف نضحك على أنفسنا
 
أنطوان كرباج: أسميه عاصي الكبير، أختصره بالقول رجل مُلهَم دائماً
الوتر المشدود
معرفتي بالأخوين الرحباني تعود إلى أواخر الستينيات، أول عمل اشتركت فيه كان مسرحية <الشخص>، ثم توالت الأعمال.، <يعيش يعيش>، <ناطورة المفاتيح>، <ناس من ورق>، <بترا>...عدا ما مثلت لاحقاً في مسرحيات منصور. حالياً نحضّر لمسرحية <صح النوم> التي ستعاد في بعلبك مع فيروز هذه السنة (2006).
عاصي... أسميه عاصي الكبير، أختصره بالقول رجل مُلهَم دائماً، وأنت جالس معه يكون هناك عاصي يتكلم معك ويجادلك، وهناك عاصي آخر يفكر، يلحن ويؤلف كلمات وشعراً، وربما هناك عاصي ثالث ورابع. كان إنساناً خلاقاً، لا ننسى ان للأخوين الرحباني، بصورة خاصة، فضلاً كبيراً على الأغنية اللبنانية. هذه الأغاني التي كانا يحرصان على ان تتوافر فيها الشروط الثلاثة: الكلمة الجميلة، اللحن والصوت الجميل.
عاصي كان قريباً من الحس الشعري، من الكلمة البسيطة والحلوة. أما <الديكتاتورية> في الفن فهي نقطة بالغة الأهمية. أنا أقول دائماً في الدين والمجتمع والسياسة الديموقراطية مهمة جداً، لكن في الفن يجب ان تكون هناك ديكتاتورية، بمعنى ان رؤية صاحب العمل يجب ان تنفذ بحذافيرها، بحيث إذا نجح العمل ينجح هو، وإذا فشل يتحمل هو المسؤولية كلها.
عاصي كان رجلاً كبيراً مسكوناً بالقلق على كل المستويات، من هنا كانت قوة الخلق، ومن لا يملك قلقاً لا يصل إلى أي مكان. كان عاصي حريصاً على ان يصل العمل إلى الكمال والكمال لله.
لا أعرف أين كانت تبدأ مهمة منصور أو عاصي وأين تنتهي. كانا يوقعان <الأخوين الرحباني>. التضارب في الآراء أمر لا بد منه في بعض الأحيان، مثلاً، عندما كنا نقدم <ناطورة المفاتيح> أراد ان نسجل المشهد الأخير نظراً إلى الحوادث التي يمكن ان تحصل على أدراج بعلبك، عارضت الفكرة قائلا <أنا بجي بسجل بكرا إذا بدك، بس أنا لما كون ببعلبك يمكن تنفخ شغلة براسي وما عود انتبه للتسجيل> تجادلت وإياه قليلاً ولم نسجّل. بعد العرض قال لي <عنادك أحياناً في مكانه>. بعدها بفترة، بما ان ثيابي كانت ثقيلة جداً، تعثرت ووقع الميكروفون على الأرض، ولم يكن بإمكاني إلا ان أطلق لصوتي العنان وأكمل. عندما انتهينا وجدته يضحك والدمعة في عينه وقال: <بتضلك تعرف تخلّص حالك، صوتك انقذك>.
لا أزال أذكر حين كنت أحضر تسجيلات <ناطورة المفاتيح> في استوديو بعلبك. كانت فيروز تسجل <طريق النحل> وكان الأستاذ عاصي شارداً بحالة انخطاف شديد. عندما سمعت اللحن سألت نفسي إلى أين وصل هذا الرجل، كان مأخوذاً مثل الوتر المشدود، <إذا بدق حدا فيه بينقطع>. ذهبنا بعدها إلى الشام وعندما رجعنا حصل النزف في الرأس، كنت خائفاً عليه، وما خفت منه حصل لاحقاً. عاصي أحد كبار هذا البلد، رحل قبل أوانه وكان في جعبته الكثير.
كان حازماً في القضايا والرؤية، وكان معطاءً على كل المستويات، الفكر، الروح، العاطفة. ربما لا يحق لي ان أقول هذا لكن كان هناك دائماً من يدق بابه، لم يكن يعدّ المال بل كان يخرج ما في جيبه و<يشيل ويعطي> كما يعطي في كل شيء.
 
جلال خوري: كان إنساناً قلقاً تمكن من تحويل قلقه إلى إبداع
لم ولن يتكرر أبداً
من المعروف ان العطاءات الكبيرة عبر التاريخ أتت غالباً في إطار تحولات كبرى، أشهر الأمثلة على ذلك عمالقة الإغريق الذين أعطوا التراجيديا، فهم ظهروا عندما كان المجتمع يتحول من مجتمع قبلي إلى آخر مديني. بدوره أتى شكسبير في لحظة محورية بين نهاية القرون الوسطى وانطلاقة عصر النهضة. في هذا السياق بإمكاننا أن نضع عاصي الرحباني الذي ظهرت موهبته في زمن شهد تحولات كثيرة في لبنان على الأصعدة الإجتماعية، الثقافية والسياسية، إذ أحدث نشوء دولة اسرائيل تحولات بالغة الأهمية، وشاهدنا آنذاك الهجرة الكثيفة من الريف إلى المدينة وتحوّل لبنان من بلد متوازن القطاعات الاقتصادية إلى آخر يحكمه اقتصاد مرتكز في 75 بالمئة منه على الخدمات، ما أدى إلى نوع من الزلزال في البنية الاجتماعية. أعمال عاصي الرحباني تندرج في هذا الإطار. لقد عبَّر في أعماله عن تحول الريف وتجذره في المدينة، انطلق من الفنون الموسيقية التقليدية وأدخل عليها الهارمونية والبنية الدرامية، وكان الوجه الأبرز للفنون أثناء العصر الذهبي للبنان، ما بين 1950 وبداية الحرب. عندما انتهت هذه الفترة وغاب عاصي، عادت الأغنية اللبنانية إلى الطقطوقة المصرية، بموازاة جمود ما على صعيد الطرب الأصيل. منذ غياب عاصي حتى اليوم لم ينتج من بقي من الثلاثي الرحباني شيئاً يذكر، إذ لا يوجد منذ 1982 لحن واحد علق في بال أحد، من هنا علينا أن نحيي فكر عاصي الرحباني الذي ثبت أنه العنصر الجوهري والمحرك والأساس في المغامرة الرحبانية.
كان عاصي على الصعيد الشخصي يتميز بكرم الفكر والقلب واليد، كان إنساناً قلقاً تمكن من تحويل قلقه إلى إبداع. هو إلى جانب سعيد عقل وبعض المبدعين من يظهرون الوجه الحقيقي للبنان.
من باب الطرافة كان عاصي الرحباني يصر على دعوة محبيه وتكريمهم، ويقترح عليهم في بعض الأحيان ويدعوهم إلى تخطيط قلب أو فحص دم مجاني.(!) في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته كنا نلتقي مساء كل أحد مع الظريف رياض شرارة والطبيب بيار سكيّم الذي كان عاصي قد كلفه بالإتيان، كل أسبوع، بما هو جديد في عالم الطب، بعد ان أصبح عاجزاً عن القراءة بفعل مرضه. أذكر عنه صداماً وقع بينه وبين المخرج المصري يوسف شاهين. عاصي حاول التدخل أثناء تصوير <بيّاع الخواتم>، وكان أول فيلم للأخوين الرحباني، كان شاهين صارماً جداً ولم يتمكن عاصي من إقناعه. لكن إذا لاحظنا ما جرى في ما بعد نعلم ان عاصي كان محقاً نظراً إلى النتيجة، فالفيلم تأثر بعامل الزمن، بينما <سفربرلك> الذي أخرجه هنري بركات لا يزال حتى اليوم يبدو كأنه صوِّر البارحة، لأن عاصي تمكّن من <فرض> رأيه.
عاصي إنسان مبدع، أقدامه مجذّرة في الأرض بينما يلحق رأسه بالنجوم، من هنا كان تعامله مع <مدّعي الحداثة> أمراً مرفوضاً.
عاصي كان متطلباً على طريقته، يتركك تفعل ما تشاء ويصحح ما لا يتطابق ورؤيته للأمور بعد ان تغادر (!) من الأمور التي كانت تهمه بالفترة الأخيرة كل ما يتعلّق بال<ما ورائيات>، ويبدو انه كان قلقاً على ما سيحدث بعد الرحيل، هذا الأمر شكل بالنسبة إليه هاجساً تكلّم به في كل مناسبة.
برهان علوية: علمنا ان نضحك على أنفسنا
جعلنا نرى بأذننا
هو مجدد كبير ومبدع وصاحب خيال هائل، عاصي الرحباني يجعلنا نرى بأذننا عبر مسرحياته الغنائية، الموضوع المعالج، الشخصيات والجملة الموسيقية. هو والسيد درويش مجددان، عاصي جدد قي فكرة الغناء العربي. أرى في عاصي وزياد تجربة واحدة، لأن تجربة زياد امتداد وتكملة لتجربة عاصي، من حيث النظرة والتعاطي مع ما يحيط به، وترجمته إلى كلام يصبح فرحاً في الأغنية. لم يقلّد عاصي أحداً بل كان، مثل السيد درويش، مدرسة بحد ذاتها. عاصي تكلّم من الضيعة وزياد من المدينة، لكنها نفس الحكاية.
منصور له حضور وصوت في أعمال الرحباني وكان عاملاً مهماً، لكني وجدته محقاً عندما قال إن عاصي كان الأساس. منصور يردد عاصي وهذه مشكلة، بينما يتردد عاصي في زياد. تكمن قوة مسرح عاصي في انه اختزل الضوء والصورة إلى موجات صوتية، بحيث يستطيع المرء أن يتخيل الديكور والضيعة التي يريد. عاصي كان يتعامل مع شخصيات الضيعة ب<هبلها> وذكائها. لولا عاصي الرحباني لما كان هناك أثر للضيعة نهائياً، هو صوت الضيعة اللبنانية قبل أفولها.
لقد ساعدني ان أتخيل لبنان كما أحب ان أفعل. ساعدني ان أرى هذا المكان بشكل إجمالي، أن أعرف تاريخه، كيف أنظر إلى الأمور التي أعلمها بسخرية. عاصي أخذ مسافة نفسية وفنية ضرورية كي يقصّ بمحبة، لكن من خلال عين تراقب من الخارج. تكلم عن أناس غير قادرين على الالتحاق بالقرن الجديد، ولا الزمن قادر على انتظارهم. هذا الأمر ظهر منذ كان ينفّذ مسرحيات تبث عبر الراديو قبل مجيء فيروز، ك <براد الجمعية> و<عين الرمان> وغيرها. أرى انه صوّر الصدمة بشكل إيجابي ومضحك، اللبناني لا يعرف كيف يسخر من نفسه، فهو يضحك على غيره. الرحباني علمنا ان نضحك على أنفسنا، بهذا المعنى زياد هو تكملة عاصي، <مش قابض حدا ولا حالو ولا قابض الجد بجد>.
كان عاصي صاحب رسالة حب وجمال وفرح مع انه تناول أصل العلّة، فتكلّم الرحابنة عن الضيعتين اللتين تتخاصمان دائماً، عن الغريب، عن مهربي السلاح والانقلابات، لكنه لم يكن يصنع مأساة من كل هذا وإن تناول المآسي. كان يتكلم عن لبنان وكان يعتقد ان لبنان <قلّع>، تبيّن ان عاصي قلّع وحده. كل ما بعده سقط تحديداً بعد الحرب، أيام الحرب كنا نسمع مسرحيات زياد وعاصي وكل مرة كنا نحس أننا نسمعه للمرة الأولى.
الرحابنة هم من القضايا القليلة في لبنان التي لا تقسّم، هم عمود لا يقسم ولا يزول حتى وإن هم زالوا. لا مثيل لهم لا في مجال السياسة ولا المال ولا الثقافة، يوجد مثلهم في بعض أوساط المثقفين لا كلهم. شخصياً لم أكن أحب فيروز وأنا في الوطن، أصبحت أحبها في المغترب. بعد قضائي ثلاثين عاماً في الغربة رأيت فيروز أماً. قد تكون فيروز اليوم تخطو في المجهول، وربما زياد يمر في الوضع نفسه. لكن يظل المجهول الذي هم به أحسن من المعلوم الذي نحن به.
ريمون جبارة: المسرح الرحباني فيه شق شعبي نظيف
تنقية كل ما يمرّ
أخرجت عملاً واحداً مع عاصي، لا تجربة لي معه. لقد أمنني على العمل وأنجزناه بسرعة قياسية. لم يكن هناك حوار فني معه أثناء العمل، انا أحبه شخصياً.
لم يؤثر عاصي فيّ، فأنا عندي ماض من قبله، لو أردت كنت قدمت مسرحاً تجارياً. المسرح الرحباني فيه شق شعبي نظيف.
لم أعرف كيف تم اختياري، كان عاصي ومنصور يأتيان إلى مسرحياتي وقالوا لي نريدك ان تخرج العمل. أنا لم أتدخل في الألحان ولا أحب ان يتدخل أحد في عملي. لقد صنعت مسرحاً مثلما أعرف أنا، لم أدرس في الخارج، أنا لا أشبه أحداً. عاصي كان يقوم بتنقية لكل أمر يمر. لم أتعلم منه شيئاً، تعلمت من طفولتي ومن الملاريا، أنا آت من الجنفيص لا من المخمل. وعند سؤالنا كيف ترتسم صورة عاصي في ذاكرتك وما هي أبرز ذكرياتك معه؟ أجاب: <أنت تسألينني أسئلة سخيفة، لحد هون وبس..> وأقفل السماعة.
بيرج فازيليان: عاصي الرحباني ليس فناناً فقط بل كان إنساناً عبقرياً حساساً جداً
مؤلف عربي لبناني
عاصي الرحباني ليس فناناً فقط بل كان إنساناً عبقرياً حساساً جداً، وحساسيته موجودة في حياته وفنه أيضاً. عاصي الرحباني ليس مؤلفاً عربياً فقط، بل هو مؤلف عربي لبناني، قبله لم تكن هناك موسيقى لبنانية مئة في المئة. عندما نسمع موسيقى عاصي نحس أرض لبنان. اليوم، مع الأسف، عاصي ليس حاضراً بيننا ولكن موسيقاه ما زالت حاضرة. بعد عشرين سنة على رحيله ما زلنا نغني <نحنا والقمر جيران> و<حبيتك بالصيف>. ولا مثيل لموسيقى الرحباني اليوم.
عندما نتكلم عن عاصي لا يمكننا إلا ان نتكلم عن فيروز أيضاً، لأن من يسمع فيروز تغني عاصي يبدو الاثنان كأنهما واحد. نحتاج اليوم إلى مثل عبقرية عاصي لكن لا نريد مقلداً لها.
كان عاصي رجلاً بسيطاً جداً، كان يكتب الحوارات والموسيقى ويقرأها أمام الممثلين وأمامي ويسألنا ما رأينا. كان يتجاوب مع تعليقاتنا. هذا فنان كبير، نصف الفنانين اليوم لا يريدون ان يسمعوا شيئاً، بينما كان هو يستمع دائماً للنقد.
لا أنسى أول مرة رأيت فيها عاصي العام 1962 , كان الأخوان الرحباني يكتبان <بياع الخواتم>، سمعا باسمي وطلبا مني مشاركتهما في العمل، قلت لعاصي يومها <تِكرَم، لكن لغتي العربية ضعيفة كثيرا>، فأجاب بسرعة بديهته المعهودة: <نحن سمعنا ان فنّك قوي جدا>. لم تكن هناك أية صعوبات في التعامل معه، كان يعطيني كل الحرية في العمل. عاصي لم يكن متطلباً من المخرجين والممثلين، على العكس، كانوا هم متطلبين منه: إما زيادة في الموسيقى أو غيرها، كان يعطي بحماسة ودون أدنى تردّد. كانت له طريقته الخاصة في التعامل، إذا عمل مع شخص يؤمن فيه، يعطي كل امكانياته، وإذا لم تعجبه طريقة عمل مخرج معين، لا يعود ليتعامل معه مرة أخرى.
 
الياس حنا: انك في حضور دائم تسقط معه الفواصل الزمنية وعوامل الغياب، حتى أضحيت فصيلا من الأزل
الحضور الدائم
معه يتلاشى الوقت وتسقط الفواصل الزمنية... كأنه من فصيل الأزل لا تحده نهاية ولا يضيّعه نسيان...
هذا الذي استدعى أجمل ما في الطبيعة والأرض والانسان والوطن والشعب، فانصاعت له العناصر وتجسدت بين يديه مسرحا واسكتشات وأغاني وبطولات ومفاخر، جعلتنا نعشق الضيعة والمواسم والأعياد، ونفحت فينا روح التحرر والتضامن والتوق الى الخير...
هذا الذي أومأ بإصبع زاجر وبنظرة مصوبة الى الشر والفساد والظلم والاستعباد فدك عروش الظالمين وقطع دابر الشر...
هذا الذي رسم لنا وطنا رحبانيا ما زلنا نصبو الى تحقيقه في مسيرة تتعثر من جراء سقوطنا في مستنقعات حفرناها بالجهل والأنانية والتقوقع والتغني بأمجاد باطلة، مشيحين الطرف عن ركائز المواطنة الصحيحة والديموقراطية الحقيقية.
عاصي الرحباني، المستمر مع فكر منصور وصوت فيروز وترداد تراث شعري وموسيقي كبير يرافق صحواتنا وكبواتنا ويوميات الشعب، انك في حضور دائم تسقط معه الفواصل الزمنية وعوامل الغياب، حتى أضحيت فصيلا من الأزل.
مايسة عواد: أسميه عاصي الكبير، أختصره بالقول رجل مُلهَم دائماً
مرّت عشرون عاماً. رحل عاصي الرحباني وبقي القلق الذي لم يلتقطه أحد من بعده ليحوله إبداعاً. ذهب عاصي وبقيت أعماله الخالدة وذكريات تستعيد طيف العبقري، الجاد والساخر إلى حد الوجع في أعمال تأرجحت على خيط رقيق يمنع البسمة من السقوط إلى هاوية الوجع المقيم منذ زمن عند اللبنانيين.
بعد عشرين عاماً من الغياب، لا يتطلب <نَبش> ذاكرة من تأثّر به، أو عمل معه أو تشارك وإياه اللحظات المضنية ودموع النجاح والتألق، الكثير من الوقت. لكأن عاصي لم يرحل بالأساس كي يستعاد طيفاً. هكذا، حضرت فوراً قصص الحلو والمر عن عاصي الإنسان والفنان، وحضر المزج التلقائي بينه وبين منصور وفيروز وزياد. تنوعت التجارب الشخصية لأسماء شاركت عاصي في أعماله، فشاركها بدوره إبداعاً تحمله معها ذخيرة طوال عمرها الفني..
نقلاً عن: النهار، السفير، الحوادث،...
 
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ذكرى أمير البزق وأعجوبة العزف محمد عبد الكريم...الفن الشاب في سورية بعضه مدهش وبعضه محيّر وبعضه يتلمس الطريق
«سندريلا» روسيني: أوبرا عن الظلم والعواطف المتجددة«السيمفونية السادسة» لتشايكوفسكي: هل حملت أسرار آلامه الأخيرة؟
«رينزي» لفاغنر: الموسيقي يئد رغباته الشكسبيريةباخ كان هنا
كتاب "سوسيولوجيا الفن" لناتالي إينيك.. الخلق بوصفه إنتاجاً للناس«فانتازيا المتجوّل» لشوبرت: حلم موسيقي لعجوز في الخامسة والعشرين
فتاة بيتهوفن..«المركب الشبح» لفاغنر: المرأة المخلصة ترياق للّعنة الدائمة
25 سنة على رحيل عاصي الرحباني (1986-2011)السيمفونية الثانية لبيتهوفن: ذروة الإبداع في عام الصّمَم
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى