الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> محاضرات ثقافيّة

هل نـُربىّ على الطائفية أم على الانفتاح؟

  بقلم: رازق سريـاني


انقر هنا للتكبير
 
 
إن ما ركزّت عليه في استطلاع رأي أجريته (أطلب هذا الاستطلاع) وسأركزّ عليه في حديثي هو البُعد الطائفي بين أتباع الديانة الواحدة وبالتحديد المسيحية والذي أعتقد أنه أكثر المساحات أماناً، لأننا لا نطال الآخرين الذين يختلفون عنّا بالدين، بل إننا نحاول أن نتلمّس ميزات سلبية ضمن أتباع الدين الواحد بمذاهبه وطوائفه المختلفة. ونحاول أن نقارب الواقع بين الطوائف والمنتمين الى هذه الطوائف ومسببات تحوّلهم إلى طائفيين. ثم نحلـّل ونبيّن إن كانت التنشئة والتربية في المنظومة الطائفية تساعد على قبول وفهم الآخر والعيش معه بسلام دون تمييز أو تعصب أم العكس.
من هذا المنطلق، أستطيع أن أبدأ بالقول إن "الطائفة" ليست ديناً، وإن انتماء الشخص إلى طائفة لا يعني بالضرورة أنه شخص "متدين". فهناك فرق بين الدين والتدين والطائفية.
1) الدين في مفهومنا المسيحي هو حالة روحية يسعى أن يعيشها الإنسان بأرقى وأسمى صورها في حياته، وبمطلق حريته، لأن الله خيرّنا أن نكون أحراراً في اختيارنا له. المسيحية التي أسسها السيد المسيح بتجسده، أعطت واحترمت الحرية الشخصية في وقت كان العالم اليهودي والوثني يخلط بين ملكوت الله وملكوت قيصر، ويعتبر أن الناس تنتمي إلى دين ملوكهم. إذاً، الدين بالنسبة لنا هو سلمّ نصعد درجاته الى الأعلى بحرية تامة، إيماناً منـّا بأن يسوع المسيح الذي صُلب عوضاً عنا وقبر وقام في اليوم الثالث هو الذي سوف يخلصنا ويعتني بنا في المجيء الثاني. وهو- أي السيد المسيح ـ لن يحاسبنا على كوننا ننتمي الى هذه الطائفة أو تلك، لأن يسوع شامل لكل البشر بغض النظر عن اللون والعرق والإنتماء والشكل واللغة. والله لا يعترف بالتقسيم الطائفي.
الدين بالنسبة لنا، نحن المسيحيين، هو حياة بالإيمان بيسوع المسيح وليس حالة أو ظاهرة اجتماعية نعيشها في عمرنا الأرضي. صحيح أننا مخلوقات الله على الأرض، ونعيش حياة أرضية بكل مجرياتها وطبيعتها وتحدياتها ومشاكلها وجمالها، لكننا في ذات الوقت نتطلع إلى الحياة السماوية في بُعدها "الإسكاتالوجي" ــ كما يعبّر عنها اللاهوتيون. الإيمان هو جهاد متواصل ولا ينتهي أو يكتمل في عمر معيّن، ولا يتعرّف على الطائفة أو الطائفية.
2) أما الطائفة فهي ذلك الوجه الاجتماعي للكنيسة التي نؤمن بالمطلق أن السيد المسيح هو الذي أسسها على صخرة الإيمان. ولكننا نحن البشر أسسنا لذلك الكيان الاجتماعي الذي أسميناه "الطائفة" نتيجة ضعفنا البشري وانقسامنا تاريخياً واجتماعياً على ذواتنا، فجَعلنا فـُرقة ً بين الناس، وكوّنا لهذه الطائفة ولتلك مؤسسات وأبنية وأوقافاً وتقليداً وشعارات خاصة بها تميزّها من الآخرين.
المسيحية الأولى لم تكن تعرف شيئاً اسمه "الطائفة"، بل كان الكل يجتمع حول مائدة المسيح الإلهية ويتناول جسده ودمه الأقدسين، ويشارك في توزيع الثروات والإعانات. فالسيد المسيح ألغى مفهوم الطائفة والانتماءات الطبقية التي كانت سائدة في العهد القديم من خلال مثل الفريسي. وتكوّن مفهوم الطائفة لاحقاً نتيجة ً للتحزبات والانقسامات واختلاف الرأي وربما بسبب الضعفات البشرية والمصالح السياسية آنذاك. وقد قامت حروب ونزاعات وصراعات عبر التاريخ البشري المسيحي نتيجة الانتماءات إلى طائفة دون أخرى. وصار للطائفة عبر الزمن طقوسها وتراثها وأزياؤها ولغتها ورموزها وشكلها وأحياناً مكانٌ جغرافيٌ خاصٌ بها. وبالتالي صار للطائفة "هوية"، وصارت الطائفة انتماءً وجزءاً من تعريفنا عن ذواتنا.
المشكلة ليست في انتمائنا الى هذه الطائفة أو تلك، فكل إنسان بحاجة إلى انتماء لمجموعة من البشر تحقق له وجوده واستمرار يته في الحياة. ولكن هذه الهوية الاجتماعية التي اسمها "الطائفة" تم بـَترها من بُعدها الديني الأصيل. فالإله المتجسد لا يرضى أن يصبح مجرد رمز لتكتل بشري فارغ من مضمونه الروحي والإلهي. كثيرون يتفاخرون بانتمائهم الطائفي، ولكنهم لا يرغبون في الاستماع إلى كلمة الله. أما المؤسسات التابعة للطوائف فلا يجوز أن تفرّغ من غايتها الروحية السامية وتتحول إلى مجرد مؤسسات اجتماعية تعمل لتمجيد اسم الطائفة الفلانية وتعظيم اسمها في المجتمع ودعم نفوذها. ليس المهم أن يكون لنا عدد كبير من المدارس والمستشفيات والمستوصفات والجمعيات الخيرية والمؤسسات التابعة للطوائف ذات صيت حسن ومعروف في المجتمع، بل أن يكون لهذه المؤسسات أيضاً بُعد روحي تسعى إلى نشره، لأنها في الأساس وُجدت لخدمة الله والبشر. إن انتفاخ المؤسسات الاجتماعية التابعة للطوائف وتعظيم شأنها الاجتماعي على حساب البُعد الروحي لها، من شأنه أن يحوّل هذه المؤسسات إلى ظاهرة اجتماعية استهلاكية أو استثمارية غايتها الربح المادي بعيداً عن المتطلبات الروحية للناس. ونخشى ما نخشاه أن تتحوّل المؤسسات التابعة للطوائف إلى مؤسسات تنافسية فيما بينها. فتنشئ تناحراً وخصاماً وتحدياً فيما بينها. فيغلب عليها فكرة تعظيم الطائفة على فكرة خدمة الناس.
يقول المطران جورج خضر في هذا الصدد: "إن اضمحلت الصلاة فينا ولم نقرأ كلمة الله، أمسى الله رمزاً نلتفّ حوله لتدبير وجودنا. وهذا هو الكفر عينه، أن نجعل الله وسيلة للوجود وهو هدف الوجود".
ولكن كيف يتحوّل الانتماء الطائفي إلى تعصبية طائفية وصراع طائفي؟
3) تبدأ الطائفية من مسألة الانتماء إلى طائفة. فالكل وُلد من أبوين ينتميان إلى طائفة بحكم الوراثة والالتزام وليس بحكم الاختيار. وتـُوّرث هذه الطائفة إلى الأولاد والأحفاد. وهكذا، فالمنظومة الاجتماعية هي التي تحدد انتماءنا الى الطائفة الفلانية دون الأخرى. وبالتالي، فإن الأمر ليس اختياراً شخصياً حراً. هذا ليس عيباً أو حراماً أو ممنوعاً. ولكن هل نستطيع أن ننتمي إلى أكثر من جهة؟ وهل مسموح لي أن أختار الانتماء إلى طائفتي وفي ذات الوقت إلى طائفة أخرى؟ أنا لا أتحدث هنا عن قوانين الأحوال الشخصية وسجلات القيد المدني والقوانين المرعية. ولكن أتحدث عن حرية فردية شخصية في الاختيار. هل فكرّنا يوماً أن نتعرّف الى الآخر غير المنتمي إلى طائفتنا؟ هل فكرّنا يوماً أن نتعرّف الى طائفة الآخر؟ أم أننا عملياً وواقعياً ونفسياً نفضّل الذات على الآخر؟ نفضّل أن نسخّر الله كوسيلة من أجل ضمان تكتل الجماعة والحفاظ على مصالحها، وبسط نفوذها على الآخرين، وربما الوصول إلى إلغائهم.
يقول جبران خليل جبران في كتاب (حديقة النبي): "يا أصدقائي ويا رفاق طريقي، ويل لأمة تكثـُر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين". الطائفة هي كيان ورثناه بشكل مطلق وصار انتماؤنا إليها بشكل مطلق. والطائفية تضعنا في إطار شكل واحد لا يجوز الخروج عنه. وربما يتم نبذ ُنا إذا خرجنا عنه. فالطائفة بالنسبة لنا هي الأمان، لأننا تربيّنا على الخوف من الحرية. وربما لا نعرف كيف نربّي على الحرية المدروسة والواعية والفاحصة. إذ أننا نعتبر الحرية غـُربة ً وضياعاً واغتراباً. يقول غاندي في هذا الصدد: "تجد الله أعظم ديمقراطي أدركه العالم، فهو إذ امتنع عن إجراء أي ضغط على حريتنا، ترك لنا حرية الخيار وأفضله في أن نتبّع الخير أم الشرّ". 
إذاً، الطائفية مرتبطة ارتباط عضوي ووثيق بسلوك ومواقف أشخاص تربوّا عليها. وهي ـ أي الطائفية ـ ليست عقيدة إيمانية. ومن يتـّبع تعاليم الطائفية هو جاهل بدينه وربما بدين الآخر. والطائفية ليست الطريق والإطار الأمثل والتعبير الملائم للتعايش بين أبناء الديانات. وقد أثبتت التجارب في العالم صحّة هذا المفهوم. كان، وربما مازال، للطائفية دور أساسي في تناحر الناس ونبذهم لبعضهم. 
 
التنشئة على الطائفية:
إننا ننشأ منذ الصغر على عدم قبول الاختلاف. وهناك نوعان من الاختلاف وهما: الطبيعي، أي اللون والجنس والشكل؛ والاختلاف المكتسب أي الدين والطائفة والتقاليد الاجتماعية والطبقية. تربيتنا ترسّخ الاختلاف المكتسب، وتجعله أمراً مخيفاً ووهماً. مما يؤدي بالنهاية إلى رفض الاختلاف والتحوّل إلى الخلاف مع الآخر. من هنا تبدأ الفكرة التربوية الأولى وهي التمييز والتصنيف والتفضيل بين الثنائيات. إننا نُربّى على الخوف من مجهول، من قصة، من جنس، من إنسان.. الخ. تربيتنا تجعلنا نخاف أن نفقد انتماءنا للذ ّة العيش مع الجماعة أو الطائفة. فنتودد ونُطيع حتى يُرضى علينا. والخوف من الآخر وعلى ذواتنا يُولـّد الانغلاق على الذات، ويُولـّد حالة من العدائية في اللاوعي للآخر، والنقمة الداخلية عليه حتى لو كـُنـّا نُظهر له ظاهرياً موّدة ً ووئاماً. فننعت مثلاً الآخرين بالخيانة أو الخروج عن الخط المستقيم أو الضلال أو نُظهر لهم أنهم غير مُستحبين مهما فعلوا وقدّموا من خدمات وتضحيات. الطائفيون ينعتون الآخرين بأنهم مختلفون.
وعندما تبدأ الذات بالخوف من الآخر تضع لنفسها آليات للدفاع عن ذاتها بالانكماش والقوقعة خوفاً على مصالحها وعلى وجودها وعلى كيانها من الإلغاء. فتصبح الأفعال ردود أفعال على ما يقوم به الآخر. (مثال: تنشئ طائفة ما مستوصفاً فتقوم طائفة أخرى بإنشاء مستوصف ليس انطلاقاً من فكرة أولوية خدمة الناس بل بمخزون نفسي لاواع ٍ يخاف من الآخر أن يسرق له أفراد طائفته).
الطائفية بهذا المعنى تـُلغي الشراكة والتعاون والتنسيق والتآخي، وتتطلع إلى انفرادية وأنانية قاتلة. فخوفي من الآخر مبرّرٌ بخوفه مني، وعدائيتي للآخر مبرّرة ٌ بعدائيته لي. وتستمد الطائفية من الدين صوراً ورموزاً تبعث الخوف في النفوس من المستقبل البعيد والمصير البشري. حتى أنها تسعى إلى إزاحة الآخر وإلغائه في سبيل حماية استمراريتها.
وفي الحقيقة، إن الحق في الاختلاف يجب ألا ّ يؤدي الى انعزال وتعطـّل التواصل الاجتماعي واللامبالاة بالآخر أو المطالبة بالمزيد من الحقوق. إن قبول الآخر يعني المساواة والمنافسة الشريفة غير القاتلة أو المدمرة له.
لقد ألغى السيد المسيح بتعاليمه ولقاءاته مع الناس مفهوم العنصرية الطائفية. فقد التقى مع السامريين والمنبوذين والمهمّشين والمغضوب عليهم في طبقات المجتمع اليهودي القديم. وشرّع لكل هولاء الناس حقّهم في الوجود والحياة مثلهم مثل باقي الناس في المجتمع.
 
عوامل مساعدة في نشوء الطائفية:
تعتبر الطائفية حالة ً من التعصبية العنصرية السلبية التي تعاني منها بعض المجتمعات. وأخطر ما في الطائفية أنها في غالب الأحيان تكون باطنية ً وغير معلنة. إلا ّ أن سلوكيات أفرادها هي التي تشير إلى وجودها وفِعلها. وللطائفية كما للتعصبية جذور في المجتمعات التي تتصف بتعدد الطوائف والإثنيات، وتنمو فيها في ظل ظروف اجتماعية ودينية ونفسية مساعدة. أما العوامل المساعدة في نشوء الطائفية فهي:
1- تنشأ الطائفية وتزداد كلما كان هناك اختلاف وتباين بين الجماعات التي تكوّن المجتمع.
2- جهل الآخر وعدم توفـّر فرص للاتصال واللقاء ومعرفة الآخر هي عوامل مساعدة في تنمية روح الطائفية والتعصب.
3- التبدلات الاجتماعية والطبقية السريعة في المجتمع تعمل على توليد نوع من الخوف من المنافسة. فيخشى الشخص الذي ينتمي إلى طبقة معينة أعلى منافسة فرد ينتمي إلى طبقة أدنى. وهذا ينطبق على الأديان أيضاً.
4- تزداد الطائفية بازدياد حجم الأكثرية ونقصان حجم الأقلية.
5- الأفكار النمطية الجامدة أو الأفكار المقولبة عن الآخر تفتقر إلى الحقيقة الكاملة عنه. وهي غالباً ما تؤدي إلى النظرة الطائفية التمييزية للآخر.
6- ولا ننسى أنّ لوسائل الإعلام ايضاً دوراً في تغذية الطائفية لدى الناس.
 
خصائص الطائفية:
بات واضحاً أن الطائفية هي "كيان عنصري ومظهر من مظاهر صنمية الانسان" (كوستي بندلي: موقف إيماني من الطائفية ــ 1983 منشورات النور)
1)         فهي تؤله ايجابيات معتقد جماعتها الخاصة ولا تعترف بنواقص هذه الجماعة. بل هي تسعى لكشف نواقص الآخرين وعـّلاتهم.
1) 
2) تهدف الطائفية إلى تعظيم وتضخيم ذاتها مثلما فعل الفريسي،
3) ضمن تكتل جماعي للحفاظ على مصالحها، وتستخدم الله تغطية ً لمآربها، وخدمة ً للأنانية الفردية والجماعية. هذا ما كان يحصل في المجتمع اليهودي القديم الذي عاش فيه السيد المسيح. "تيار يسخّر الشعب لخدمة الله وتيار آخر يسخّر الله لخدمة مصالح الشعب الأنانية" (كوستي بندلي 1983). ونحن نخشى ولا نتمنى أن يكون هذا التيار الأخير مازال موجوداً في حياة كنائسنا حيث يتم تبجيل وتكريم أفراد الطائفة الوجهاء فيستغلون انتماءهم الطائفي لتثبيت نفوذهم في الكنيسة وخارجها. وتكون لهم الصدارة في الكنيسة حتى ولو كانوا لا يمارسون الصلاة، ويكونون أصحاب قرار في الكنيسة حتى ولو كانوا لا يفقهون أمور الدين. لا يوجد في الكتاب المقدس أيها الأحبة وجاهة إلا للذين يتـّقون الله. إننا في كثير من الأحيان نخشى أن نُغيِّّب الله ونحجبه كما يقول كوستي بندلي وراء مصالح الطائفة و أفرادها. لا نريد أن تتحوّل الطائفة إلى طائفية فردية وجماعية يتحكـّم فيها عدد من أصحاب المصالح. فالطائفية لا تريد إبراز الله في عملها، بل إبراز ذاتها وتثبيت وجودها. نريد أن تكون الطائفة لكل إنسان ولأي إنسان، حتى ولو كان هذا الإنسان غير منتمي بالولادة لها. ألم يأتِ يسوع للجميع دون استثناء؟
3)         ترتكز الطائفية على عالم الأضداد المتعارضة والثنائيات المتصارعة (مثل: غني /فقير ــ كاثوليكي/ أرثوذكسي ــ مسيحي/ مسلم ــ ذكر/ أنثى ....). فهي تميز بين الأفراد والجماعات وترسم لكل واحد منهم شكلاً، وتضع لهم مواصفات، وتفضّل واحداً على الآخر(مثلاً: الكاثوليكي"سبور"،  والأرثوذكسي "متعصب"، والسرياني "عشائري"، والإنجيلي "نخاف منه"). ومع الزمن تصبح هذه المواصفات المقولبة جزءاً من مكوّن للشخصية الجماعية في الشكل والسلوك والحركات... وتتحوّل بالنتيجة إلى حـُكم قِيمي على الآخر. بهذا تربّي الطائفية جماعتها على التمييز وعلى التفضيل، وعلى أن هناك آخراً مختلفاً عنـّا، وغير مماثل لنا، ونحن دائماً أفضل منه. وبالتالي، ترسخ الطائفية مبدأ الاختلاف المكتسب السلبي ورفض الآخر.
4) بهذا تؤسس الطائفية لمبدأ عدم المساواة بين البشر، ولا اعتبار عندها لمحبة القريب. هناك الشخص الأرقى والأعلى والمميز، وهناك الشخص الأدنى والمنبوذ وغير المرغوب به. والأرقى عادة ينبذ الأدنى ويتقوقع وينكمش على ذاته خوفاً على مصالحه أولاً، وخوفاً ثانياً من أن ينحدر إلى مستوى الأدنى. أما الأدنى فيشعر بالرغبة إلى التمثـّل بالأرقى، فيتكتل هو الآخر وينكمش على ذاته، وربما يصبح عنيفاً في الدفاع عن ذاته وكيانه الأدنى بسبب الأنا المقهورة لديه. وفي أغلب الأحيان يتحوّل هذا القهر النفسي إلى تنافس غير شريف، والى عدائية ونقمة. وهذا الأمر ينطبق على الأفراد وعلى الجماعات أيضاً، أي الطوائف. فلكل طائفة طقوسها وتراثها و أزياؤها وشكلها ومصالحها ورموزها. أما الطائفة الأخرى فهي أدنى بطقوسها وعاداتها وشكلها ورموزها. وفي كلا الحالتين يصبح لدى الطرفين شيء مشترك يجمعهما وهو أن النظرة الفوقية أو الدونية تتحول إلى انغلاق، فتعصب، فصراع داخلي مقيت، وربما ينفجر يوماً عندما يرى له متنفساً لذلك.
وربما إذا أجرينا اختباراً على أحاسيس الناس من الطبقة الأدنى تجاه الأرقى وما يوّلده ذلك من ردود أفعال، سنجد أنها (الطائفية) تؤسس لحالة مخيفة وخطيرة في المجتمع. فالأدنى يشعر بأن الآخر يسخرُ منه، وأنه أدنى من الآخرين، وأن قيمته الاجتماعية أقلُ من غيره، وأنه عاجز عن الوصول الى حالة الأرقى. وبالتالي فإن ردود الفعل تتراوح بين الكره والحقد والتقوقع والعدائية تجاه الآخر الأرقى.
5)         وتطالب الطائفية المنتمين إليها بالالتزام بأخلاقيات وقيم الجماعة التي ينتمون إليها، ومن غير المسموح الخروج عنها (مثلاً: لا اختلاط مع أشخاص من غير طائفتي ــ لا زواج مختلط ــ لا حضور صلاة في كنيسة غير كنيستي ....وهكذا). ولا يرى الطائفيون في طائفتهم إلا العناصر الايجابية. أما أصحاب الطائفة الأخرى فهم أحط من تلك التي ينتمون إليها. يرفض الطائفيون الآخر معرفياً وسلوكياً ووجدانياً، ويكوّنون عنه أفكاراً نمطية مرتبطة جداً بالتعصب. الأفكار النمطية كما يقول علماء النفس هي تطبيق أوتوماتيكي للتعصب. والتعصب يُبرّر الأفكار النمطية، وهي بدورها تؤدي إلى مزيد من التعصب.
إذاً، لدى الطائفيين نظرة فوقية تجاه الآخر ومن غير المقبول لديهم أن يتعاملوا مع الأدنى إلا من خلال هذه النظرة. الطائفيون يصنـّفون الناس ضمن جماعات متماثلة أو متطابقة، أو غير متماثلة وغير متطابقة (كلن هيك ... وطول عمرن هيك). وهذا موقف إيماني غير مسيحي يرسّخ لمبدأ التفاوت الطبقي الاجتماعي المرفوض مسيحياً.
 
ختاماً،لا يمكن أن نقبل الآخر بانفتاح إلا إذا حاورنا أنفسنا أولاً وألغينا فينا جزءاً من الأنا لنتحوّل الى لقاء الآخر الذي هو أيضاً وجه الله. إننا كبشر نكون وديعين ولطيفين وودودين مع داخلنا ولكننا في بعض الأحيان نكـنّ عداءً غير معلن ومسبق الصنع للآخر الذي لا ينتمي إلينا أو حتى لا نعرفه حق المعرفة. إن خيارنا للقاء الآخر وللتغلب على الطائفية والعنصرية التي في داخلنا تكمن في احترام الاختلاط والانفتاح ومعرفة هذا الآخر وتحاشي إلغائه حتى ولو كان هو يفعل العكس. هل نختار النزاع والصراع والتصادم مع الآخر أو العزلة عنه بسبب أفكار مسبقة عنه، أم نختار النافذة المفتوحة عليه مع عشق واحترام الخصوصية؟ سؤال لا يستطيع الإجابة عليه إلا صاحبه. "لا يوجد تجدد في الجماعة إلا بالانفتاح على الآخر والتفاعل معه ومراجعة الذات في ضوء هذا التفاعل" (كوستي بندلي: موقف إيماني من الطائفية 1983). إن قبول الآخر كما هو يعني أننا نقبل وجه الله في الآخر. وهذه ليست صفـة ً نتميّز بها، بل مسؤولية علينا تحملـّها بشكل فردي وجماعي. إذا أردنا أن نتخلـّص من "طائفيتنا" بمعناها السلبي الرافض للآخر، فإنه علينا أن نكون أصيلين في تديننا. أي أن ننتمي الى الله كوننا أبناء الله، وأن لا ننتمي الى المصالح الطائفية التي تفرّق بيننا وتجعلنا طبقات ومجموعات شبه متناحرة. أن نكون متدينين يعني أن نتخلـّى عن التبجح والافتخار بالطائفة ومظاهرها ونتخذ بدلاً عن ذلك موقف إيمانياً يتسم بالمحبة وروح التواضع والانفتاح على الإنسان، كل إنسان خلقه الله على صورته ومثاله دون النظر الى إنتمائه. إننا بحاجة أن نجتهد معاً كمؤمنين من مختلف الطوائف الى إزالة الفكر الطائفي في اللاوعي الذي رسّخته في نفوسنا تنشئتنا. ليس المقصود من هذا الكلام دعوة لإزالة الطوائف من الوجود واختراع شيء بديل عنها. بل المقصود هو إزالة الفكر التعصبي الطائفي الذي يكمن في صميم اللاوعي عندنا، والذي يوجّه عدوانيته كلها تجاه الآخر المختلف. وإعطاء الأولوية للقيم الدينية التي تسعى بمحبة الى خلق توازن نفسي واجتماعي ومساواة في الانتماءات المتعددة للفرد.إن الطائفية تشّوه المسيحية وتتنافى مع تعاليم السيد المسيح في خدمة الإنسان بعيداً عن انتماءاته الدينية والاجتماعية والفكرية والثقافية. وبهذا يتعثـّر تحقيق ملكوت الله على الأرض. لأننا ننتمي الى إله لا يفرض ذاته علينا بسلطان قوّته ولا يُلغي حريتنا بل يحترمها.          
 
                      المحاضر هو مدير قسم التربية والتجديد في مجلس كنائس الشرق الأوسط

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
محاضرة الدكتور زاهي اسبيرو: تقنيات سرية للتحكم بعقول البشرالأساطير وتطور الفكر الديني
الهرم وسر قواه الخارقةالشباب وتحديات العصر
الكمبيوتر ومهن المستقبللنفهم أحسن الزلازل..
سونامي الضيف الغريبالمرأة في الإعلام والإعلان
طريق الحرير
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى