الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
أمسيات ومحاضرات --> أمسيات أدبيّة وموسيقيّة

"حيـاة" وثلاث نهايات! (مشاركة أمسية 15/2/2007)

  بقلم: الأستاذ جورج مراياتي


انقر هنا للتكبير
 
 
ما كاد يستقرّ في الغرفة التي شغلها بالأجرة حتّى شعر بأنّ به حاجة إلى أن يقوم بجولة في هذه الضاحية النائية التي رماه القدر إليها.. الشارع الرئيسيّ لا يختلف كثيراً عن أمثاله في الولايات الأُخرى من أميركا، في ثمانينيّات القرن العشرين.. مستقيم.. إشارات ضوئيَّة.. محالّ عريضة الواجهات، منخفضة الارتفاع، يتركّز جلّ هدفها على بيع الأطعمة والتسوّق وتنظيف الملابس وتأمين اللوازم المنـزليَّة.. والهدايا واللوحات التذكاريَّة.. والجرائد والمجلاّت والكتب.. وكان ثمّة فرع صغير لمصرف معروف ومكتب للطيران ومطعم بدائيّ متواضع. وعلى الزاوية الأُخرى كانت محطّة الوقود، وفي مقابلها ورشة لإصلاح السيّارات وبيع المستعمَل منها، يقف إلى جوارها شرطيّ بدين مدجَّج بالعتاد، يتأمّل وجهه في مرآة درّاجته الناريَّة.. ثمّ يعاود مراقبة الفراغ..
وحين انعطف إلى طريق فرعيَّة صاعدة تمضي عبر الدَغَل، راعه هذا السكون الغريب الذي طالما افتقده.. فجدّ في السير في الغابة على قدر ما تسمح به سنوه الستّون.. مشى نحو عشر دقائق ولمّا هبط يمين المنحدر أطلّ على مشهد جمّده في أرضه!.. بحيرة ساحرة كوَّنتها مفاتن الطبيعة المتبرّجة.. منظر بديع ورونق عجيب.. رداء بهيج مختلف الألوان عن سواه.. وإذا ما هبّ بعض من نسيم، هزّ الأفنان فسُمعت لها خشخشة نقلتها صفحة الماء، وكأنّها دعوة إلى حديث أو مناجاة.
تعجّل الجلوس إلى حيث يرى المنظر بكامله.. أشجار مخضرَّة زاهية. وأُخرى نصلت ألوانها بين صفرة وحمرة.. وأُخرى تعرّت من ثيابها فانكمشت خلفاً كأنّما هي تستخفي عن أعين الرقباء. وأُخرى تشنّجت عروقها خوفاً من السقوط في رحلة اللاعودة.. ما أجمل وجه الماء يتلوّن بظلال السماء والشجر! كيف تمخّضت هذه البقعة عن الحقب الخوالي فجثمت على صدر الأرض فتنة وهيبة!؟   
ارتاحت نَفْس "وديع" إلى أبعد الحدود. جاب في أنحاء هذه القارّة سنوات وسنوات ولكنّه لم يرَ مكاناً كهذا.. هنا، ما من صراخ أو هتافات تتجاوب بها الآفاق.. بل يعمّ هدوء وصفاء، تتمعّن فيهما لتستجلي المجهول الذي دأبه أن يثير فيك الشغف والتطلّع.
ولمّا مدّ "وديع" نظره في عمق الماء كانت كتلة بيضاء تتهادى! نهض ثمّ اقترب فهاله ما شاهد.. ثمّ ما لبث أن شهق شهقة التحمت مع عبارة "يا أَلله". كانت إوزّة برّيَّة كبيرة يغمرها البياض، ولا يبدو مختلفاً عنه سوى منقار برتقاليّ، تُحيط به هالة من الزغب الأسود، تقتصر على المقدّمة لئلاّ تعكّر نصاعة العنق المنتصب الجميل.. "يا أَلله"..! "يا أَلله"..! من أين له أن يتوقّع كلّ ذلك!؟
لم يكن من الصعب أن يقرّر "وديع" أن يعود صباح اليوم التالي، وصباحات الأيّام اللاحقة.. وكلّ صباح. سئم كلّ ما وقعت عليه عيناه طوال حياته إلاّ هذا المكان! فقد رأى فيه السعادة الحقّ والغنى الكثير.. لقد أدرك على مرور الزمن أنّهما كانا وحيدَين! الإوزّة "حياة" - كما سمّاها - وهو!.. "حياة" بلا شريك، وهو أيضاً!! وفهم "وديع" اعتصامها وسط البحيرة خشية غريب أو خطر.. وزاد في سعادته تذكّره أنّ في عيادة طبيب القلبيَّة الذي كان يتردّد عليه لوحة معلّقة على الجدار مسّته في الصميم.. إوزّة بيضاء، بياض "حياة"، فردت جناحيها واندفعت في شموخ إقلاعاً إلى سفر.. وتوءمها ظلّها على الماء.. الخلفيَّة زرقاء خضراء، والرذاذ يتطاير كحفلة معموديَّة.. وتحت الصورة آية من سِفْر أشعيا، إذا لم تخنه الذاكرة.. كم كان يتأمّلها طويلاً فتتبلسم آلامه وتتعزّى روحه.. لقد غدت الصورة حقيقة، وأيّ حقيقة، ولعلّ في ذلك حكمة ربّانيَّة!
تجلّت له صديقته "حياة" مهفهفة نقيَّة كالثلج. ولطالما بدت له في بواكير الصباحات ملتحفة بقميص قوس قزح كأنّها حوريَّة بحر! فرمى بين جناحي عروسه همومه، ونامت على وسادة روعتها حكاياته القديمة، التي تسلّلت عبر مسامّ جلده صوراً تنعى له دوران الشهور والسنين خلف تلال الحزن ومعابر الترحال.
كانت طريق حياته محفوفة بالأشواك.. كيف انضمّ إلى الطوابير المغرَّر بها وصولاً إلى هذه البلاد؟ وكيف سمح لتلافيف المدنيَّة أن تحشره في مضمار التهافت، وتسجنه في قفص مليء بالأقذار تتصارع فيه ديوك متغطرسة، أين منها الخير والشهامة؟! كيف تغيّرنا عن أيّام زمان.. صرنا "زفت في زفت"!! ركوب السيّارة والطائرة بدلاً من الجِمال والبغال.. ارتداء الجينـز.. صنوف الشعوذات والدعايات يروّج لها التلفزيون اللعين.. فنون افتعال الدمار والخراب وهدر الدماء.. ألا ما أغرب هذا الذي يُدعى "إنساناً"!!
كانت "حياة" تسمع من "وديع" - ولو عن بُعد - تفاصيل لم يعرفها عنه أحد.. حدّثها عن معاناته حتّى وقف على رِجليه وهو بَعدُ في عزّ الشباب. حدّثها عن أصدقائه في غربته من عرب مهاجرين أو أجانب مقيمين.. وكيف كانوا يشكّلون، في رأيه، صورة تستحقّ الرحمة والشفقة: خداع لأجل جوع، وحنث وعود لأجل عوز، ومفارقات مضحكة مبكية في آن.. وسخافات مقرفة، وترّهات تسابق ترّهات. حدّثها عن زوجته التي أحبّها وأحبّته، ثمّ هجرته إلى غيره بعد عشرين سنة. فعلتها وهي الشرقيَّة بأبشع ممّا تفعله الغربيّات.. اقتسمت كلّ ما يملك، ورمت في وجهه ابناً وحيداً قويّاً كالنخلة.. عانى اليافع المسكين بينهما ما عاناه، فترك الجامعة وغاب عن نظره في إحدى الليالي إلى حيث لا يعلم. كان ولده شديد الذكاء لمّاحاً.. يتنبّأ له بمستقبل باهر كلّ مَن يراه.. وهذه الأرض "أرض الفرص" - كما يقولون هنا - فهنيئاً لمَن تظهر له فرصتـه!!.. حدّثها وحدّثها عن رحلة البحث، وقوائم الألم، وليالي السهاد، وفيض المحن..
كان "وديع" في كلّ مرّة يجلس على حافة البحيرة، وكانت "حياة" لا تحيد بنظرها عنه. وبين العمقين: عمق مشاعر روحه التي تسكنه، وعمق الماء الذي يلفّها كان حبلٌ متينٌ يشدّهما الواحد إلى الآخَر.
اندفع إلى البحيرة يوماً في غضب وتأثّر..
- حياة.. انظري، بعد هذا العمر، ما حصل معي.. لم أنم البارحة.. أرسلوا إليّ إنذاراً جديداً.. مع أنّي وفيت ديوني وما عاد لي شيء.. وطفق يبكي كالطفل.. آلاف الدولارات الجاهزة يهبوننا إيّاها، كُرمى لنا، حتّى نبني ما نريد.. وبعدها يطالبوننا، ينطلقون كالذئاب في إثرنا.. ينهشون ما بنينا.. ويرمونه لضحيَّة جديدة.. "حياة"، يا وَيلي، طويت في هذه الأرض عمري للاشيء!
توقّف عن البكاء فجأة، رفع رأسه، مسح دموعه.. خطرت بباله قافلة من أغنيات الميجانا والعتابا ومواويل الأمس.. انتصب وسوّى ملابسه، واستعدّ كمَن يريد أن يؤدّي النشيد الوطنيّ.. وبصوت متهدّل أطلق "الأوف.." ثمّ أتبعها بثانية وثالثة: "حياة، يا مَلاكي، لا تْسألينا شو بِنا.. نْحنا لبلدنا وهَيْدي مَنّا بْلادِنا".. ودوّى الصوت على عجب!
*   *    *
لمّا فتح "وديع" النافذة كان الجوّ في الخارج ينذر بالعاصفة.. لقد شعر "وديع" بالخطر فقلق طوال الليل خوفاً على "حياة".. وكانت مذيعة النشرة الجوّيَّة الصباحيَّة متكلّفة على غير عادتها.. تشدّ الأنظار إلى مزيد من توخّي الحذر.. إلاّ أنّ هذا لم يمنعه من ارتداء ملابسه والتوجّه - بالطبع - إلى "حياة". كيف يغيب عنها يوماً.. وفي هذه الظروف بالذات؟!
كان يمشي متّئداً تارةً ويهرول مسرعاً طوراً.. تحت قصفات الرعد، تنتابه المخاوف إذا ما ألمّ مكروه بـِ "حياة"! وحين وصل منهوك القوى. لم تكن هذه المرّة في وسط البحيرة، بل كانت أقرب إلى موقع اللقاء. أتُراها خافت ألاّ يجيء؟! - "حياة"، الوفيَّة المخلصة في انتظاري. هبط "وديع" المنحدر بسرعة واقترب من الماء لاهثاً، ثمّ جثا وخاض فيه بضع خطوات وفتح ذراعيه.. - هيّا، يا "حياة"، تعالَي.. أنا هنا. تقدّمت "حياة" برضا فعانقها "وديع" في شوق الانتظار وتحنان الاطمئنان، ثمّ أسند رأسه إلى عنقها وأرخى جسده على ظَهرها.. وأغلق عينيه.
كانت قطرات المطر تهطل.. تغسل الأدران وتمحو العتمة عن غلف الشجر.. ينهمر المطر مثل الدموع.. المطر يشبه "الحُبّ" يأتي بدون موعد كما "حياة".. يأتي لكي يغسل الوحل عن رخام الروح ويذكّر بحصار الموت بين الجرود.. أمّا "وديع" فكان في تلك اللحظة منخطفاً إلى جبل عالٍ راح، شيئاً فشيئاً، يتطاول ويتّسع حتّى قارب السماء.. وكان هو يصعد إلى القمّة بخطى خرافيَّة.. يخترق صفوف الغربان السود المتراكمة على السفح.. حتّى وصل إلى ذروة النُور ورأى صورة موضوعة في إطار، وحولها شموع كثيرة.. لم يتطلّب وقتاً في معرفة صاحبها.. إنّه هو.. صورة وسماء ولا أحد.. فرح وعانق الصورة.. ثمّ تفتّت جسده مثل نتف الريش وتلاشى مع الرياح.
*    *    *
تضاربت الآراء بين رجال الشرطة وممثّلي وكالات الإعلام في نهاية رَجل، ذلك اليوم:
- رواية أُولى: حاول رَجل عجوز حلّ جديداً في المنطقة أن ينتقم، وهو مشحون بالحقد، من الإوزّة الرائعة الجمال نزيلة البحيرة، فتعاركا طويلاً حتّى تغلّبت عليه وسحبته إلى العمق وراحت تنقره نقراً حتّى لفظ أنفاسه. لقد صدق المثل: "تغدّته قبل أن يتعشّاها".. وعاقبته شرّ عقاب.. وإنّنا نستغرب سلوكاً وحشيّاً كهذا تمادى حتّى طال هبات الطبيعة البريئة.
- رواية ثانية: تعرّضت إوزّة بيضاء تعيش وحيدة في البحيرة المجاورة! لخطر مفاجئ دهمها وكاد يودي بحياتها. ولحسن الحظّ كان في تلك المنطقة رَجل وقور من الجوار. فدافع عنها دفاع المستميت، وقضى نحبه وهو متمسّك بها.. يا له من نبل، ويا لها من شجاعة!!
- رواية ثالثة: يبدو أنّنا نمرّ في أيّام عصيبة حقّاً بالنسبة إلى علاقاتنا بعضنا ببعض في هذه البلاد. لقد بيّنت الحادثة الأخيرة التي جرت في البحيرة.. أنّ واحدنا فقد كلّ صلة تربطه ببني جنسه! إنّ مشهد جثّة رَجل في خريف العمر تطفو على وجه الماء وهو يعانق إوزّة، والاثنان في دعة وانسجام رغم العاصفة... يدلّ بدون أدنى شكّ على أنّ ما وجده الرَجل الحكيم في هذا المخلوق من تقدير ووفاء لم يجده في أيّ من البَشَر.
أيّاً تكن الرواية - النهاية، فبعد يومين على الحادثة عبرت سيّارة سوداء بوّابة المقبرة العامّة. وساعد اثنين من مكتب الدفن ترجّلا منها حفّارُ قبور ضخم، ثقيل الخُطى، يقطر البؤس من محيّاه. وبعد أن غاب الجثمان تحت الردم. سألهما حفّار القبور عن سبب الوفاة ونوعها وثبوتيّاتها.. فما كان من أحدهما إلاّ أن دفع إليه بعدد من الجرائد المحلّيَّة مبتسماً ابتسامة بلهاء!! وما إن ألقى نظرة على الصفحة الأُولى حتّى جحظت عيناه وانتفض كالملدوغ وراح ينبش التراب بيديه ورِجليه.. وبعد أن مزّق الكيس الأسود السميك الذي استقرّ فيه الميت هوى على الجسد اليابس عناقاً وتقبيلاً، وهو يبكي ويرتجف.. وصار يتمتم بكلمات كان من غير الممكن أن يفهمها مَن حوله!
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
تقديم أمسية "أطبّاء أدباء" الأدبيةأمسية غنائية: الحبّ في أغاني فيروز
الصلاة في أغاني فيروزالبيانو في المدرستين الكلاسيكية والرومانسية
قراءة في روائع فيروزوراء الباب.. إكبَر.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)
الحبّ.. التيه.. الفنّانة.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)باقة كلمات.. (مشاركة أمسية 15/2/2007)
الشعر عاشقاً (مشاركة أمسية 15/2/2007)صديقتي.. شجرتي.. القدر (مشاركة أمسية 15/2/2007)
تذوّق الموسيقاقصائد
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى